Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Idris Ibn al-Taiyeb
الكاتب الليبي ادريس ابن الطيب


ادريس ابن الطيب

السبت 25 أبريل 2009

أن تحفر في الأرض

ادريس ابن الطيب

• سوف لن أستهلك الدقائق المخصصة لي في الحديث إليكم عن الزمن الجميل الذي جمعني مع الصادق النيهوم على مدى سنوات في أوائل السبعينات ، ولا عن التأثير الجاد والبالغ الأهمية الذي أحدثته صداقتي مع الصادق فيما اكتب ، ولكنني سأكتفي بمحاولة الولوج إلى عالمه الفكري والفلسفي عبر جملة واحدة ، فالإلمام بالكون الهائل والمتعدد السمات المسمى الصادق النيهوم عمل لا يقوم به الا فريق ضخم من الباحثين تتناسب حماستهم وجديتهم في البحث مع حجم القيمة الفكرية الحقيقية لهذا المفكر والكاتب – الظاهرة.

• ولعل من المهم هنا التأكيد على بعض الحقائق التي أراها أساسية فيما يتعلق بالكتابة في ذاتها باعتبارها فعل تفكير قبل كونها فعل تعبير ، فالانطلاق من نقطة التعبير كهدف يصيب الكاتب بأنيميا الأفكار وبالتالي يوقعه في دائرة محدودية القيمة ، ولذلك فكلما اقترب الكاتب – أيا كان نشاطه الكتابي – من مرحلة المفكر الذي يحاول ان ينتظم ظواهر الكون في سياق ما ويحاول تحليلها في كينونتها الكليه ، كلما أمكن له ان يسخر الفن الجميل – بكل سهولة ويسر – كوعاء نشط وخلاب لادق الأفكار الفلسفية ، بحيث يصبح دفق وحيوية الأفكار الكامنة في جوف النص هو ما يؤدى إلى خلق فن عظيم خلاق يخدم الحياة ، ولذلك نستطيع أن نقول – بكل ارتياح – إن الصادق النيهوم – رغم كمية الفن الكبيرة المنتشرة في ثنايا أسلوبه المتفرّد – لازال دائما يطل علينا بأفكاره .

• ( إذا حفرت في الأرض تصنع بئراً وإذا حفرت في السماء تصنع مئذنة)

• جملة قد تصدمك لأول وهلة بغرابتها لكنها تسلمك – بسرعة شديدة – إلى حالة التفكير في المعنى وتظهرا أمامك أول ما تظهر فكرة : الاختيار بين الفعل الواقعي الحقيقي الموجود على الأرض وبين التحليق في سماء الأيديولوجيا ، فالفكرة تتمثل في أن الإنجازات ( الواقعية) على الأرض هي التي تحدد القيمة الحقيقية ومقدار الأهمية للفعل البشرى ، فلايهم – كما يقول جورج لوكاتش – وجهة نظر الذات عن نشاطها بل مايهم هو محصلة هذا النشاط في الواقع.

• والمئذنة هنا ليست مجرد رمز ديني ، بل هي اختزال لكل ما هو علوي أو متعال على الأرض سواء كان دينا او فكراً أو أيديولوجيا أو حتى ديماغوجيا ، وهى الأشياء التي فقدت – عبر مسيرة تطورها – علاقتها الأصلية بالإنسان ومدى قدرتها على تحسين حياته ، وأصبحت ذات وجود مستقل متخارج عن الجهد البشرى تؤثر في حياة الإنسان بقدر انسياقه لها وانهزامه أمامها ، ولذلك فان علينا أن نختار جيداً مكان الحفر الصحيح حتى لا نموت عطشاً.

• والحفر في الأرض يحمل أيضا دلالات الغوص في الواقع واستكناهه بفرض فهمه وتحليله ومن ثم تغييره وتطويره، كما ان الحفر في الأرض – بهذا المعنى – هو مقياس صحة الأفكار من عدمها ، فالواقع الموضوعي هو الذي يتفحص – عبر حركته – الأفكار والرؤى ، فيسقط فها ما لايتواءم مع مسيرة الحياة النامية المتجددة ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، كل ذلك يأتي عكس فكرة إسقاط الأفكار على الواقع من خارج متطلباته ومحاولة ترويضه لكي يتبناها ، فذلك لا يؤدى إلا إلى إعاقة النمو في حياة الإنسان وسقوط تلك الأفكار سقوط مريعاً بعد ان نكون قد خسرنا وقتا ثميناً كان يجب الا نخسره.

• والحفر في ذاته عمل دؤوب يتحقق بالتدريج شأنه شأن نمو النباتات والأزهار ، عمل لا يتحقق على حين غرة ، مادته الخام : الأرض + الإرادة + الفعل ، بل إن أداة الحفر نفسها كالفأس مثلاً ليست ضرورية في كل الأحوال فالمرء قد يحفر بيديه ، كل ما هنالك انه قد يستغرق وقتاً أطول حتى يصل إلى الماء في حين انه يحتاج إلى كل أدوات ومواد البناء لكي يصنع مئذنة.

• إن استخدام مصطلح ( الحفر في السماء ) عند الحديث عن بناء المئذنة أمر فرضته الرؤية الفنية للصياغة فى مناخ من التشبيه الساخر باعتبارها ترى الإنسان فى نقطة ما من الفراغ تجعل من كل أفعاله ذات امتدادين : أما إلى الأسفل و أما إلى الأعلى ، وبما أن الخيار مطروح أمامه هنا فان أي اختيار يختاره هو في حقيقته ملء للفراغ في أي اتجاه كان ، والهروب إلى السماء بدلا من مشاق الحفر في الأرض هو أيضا خيار لا لبس فيه.

• أن أية محاولة لفهم هذه الجملة على أنها خيار بين الدنيا والدين أو بين الأرض والسماء بما تحملانه من دلالات، هي محاولة تسرق من هذه الجملة أعمق دلالاتها الكونية المنحازة إلى الفعل البشري الخلاق والدؤوب من أجل تنمية الحياة وتطويرها وتحويل هذه الجملة العميقة إلى مجرد ثنائية غبية تعتمد على فكرة النقائض اللاغية ، مما يجعلها - في مثل هذه الحالة _ مجرد جملة إضافية في سياق هذا الصراع الصاخب والمفتعل والذي لا طائل من ورائه .

• لماذا نتمسك بالحفر في الأرض بدلا من البحث عن يوتوبيا في السماء ؟ هل فقط لأننا نحتاج إلى الماء لكي نروي عطشنا ؟ أم أن جنة السماء نفسها يتم العمل من اجلها على الأرض ، إذ هي نتاج الفعل البشري هنا والآن ، وبذلك فلا فعل للإنسان إلا على الأرض حتى ولو كان يؤدي إلى جنة في السماء .

• والبئر الذي يحفره الإنسان في الأرض هو كائن حي مرتبط ارتباطا وثيقا بنمو الحياة بحكم كونه يحتوي اكسيرها وهو الماء ، وليس مجرد مبنى جامد لا يتأثر إلا بعوامل التعرية ، إن البئر - في ذاته - ينمو ، يزيد وينقص كأية ظاهرة نامية من ظواهر الحياة ، بل إن البئر يموت عندما يجف مثله مثل الإنسان والأشجار والكائنات الحية ، ولذلك فعلاقة الإنسان بالبئر ليست علاقة فكرية أو عقائدية ، بل هي علاقة طبيعية لها غموض الإحساس بالعطش والارتواء ، علاقة قديمة قدم وجود الماء على الأرض ، كما أن ارتباط ظهور الماء في البئر بالجهد الذي يبذله الإنسان للحصول عليه هو ما يجعل منه مكأفاة سارة عند نهاية الحفر وهو ما يدفعه إلى الأمام ، فالإنسان لا ينمو إلا تحت مظلة الجهد المثمر .

• الخيار قائم بين أن نبذل الجهد من أجل تنمية حياتنا وبين أن نستقيل من مهامنا البشرية ونترك الأمر على عائق السماء ، والاختيار الثاني سوف يؤدي بنا إلى أن نخسر الحياة والسماء معا ، لكنه للأسف اختيار شديد الرواج هذه الأيام ، سواء كان هذا التوجه ( السماوي ) دينا اتكاليا لا علاقة له بالله أو أيديولوجيا جامدة لا تستجيب لمتغيرات الحياة النامية ، وهو هروب تغذيه قوة الإحباط المنتشرة في جوانب حياتنا بسبب فشل برامجنا في دفع الحياة إلى النمو نظرا لعجزنا عن تحمل مسؤولية الحفر في الأرض وهو ما يجعلنا نتفرج – بلا مبالاة غريبة – على حياتنا تموت أمامنا دون أن نحاول حفر بئر لإمدادها بشريان الحياة .

• الحفر في السماء هو بناء كتلة في فراغها ، أما الحفر في الأرض فهو إزاحة كتلة موجودة أصلا ، والكتلة المبنية تكتمل عند اكتمال بنائها ، في حين لا يكتمل الأمر بإزاحة الكتلة ولا بالوصول إلى الماء في باطن الأرض، إن الأمر يبدأ بالوصول إلى الماء ولا ينتهي إلا بالسريان الدائم لقوة الحياة في شرايين الكائنات . إنها عملية دائمة و متجددة .

• إن حلم الوصول إلى الماء هو قوة الدفع التي تجعل الإنسان يستمرفي الحفر ، كلما اقترب الإنسان من تحقيق حلمه بدأ بالتفكير بحلم آخر ، فبمجرد أن يرى الماء في قاع البئر سيبدأ على الفور بالحلم بدلو يمكن أن يخرج الماء به ، وهو سوف لن يكتفي بالحلم – إذا لم يكن قد قرر أن يموت عطشا وهو ينظر إلى الماء – بل سوف يبدأ في ( البحث ) في صناعة دلو من الأدوات المتوفرة ، والبحث هو نوع من أنواع الحفر ، ولذلك " فالمرء – كما يقول الصادق النيهوم – يملك أمنيتين على الأقل ، الأولى أن يملأ الله النهر سمكا والثانية أن يكون هذا السمك مشويا " وأنا أضيف : والثالثة أن يكون بجوار السمك المشوي كمية كافية من الليمون !

• لكننا – أنا والصادق – سوف نموت جوعا إذا لم يبادر أحدنا بصيد سمكة .

• وأنتم أيضا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home