Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibn al-Shati
الكاتب الليبي إبن الشاطىء

الجمعة 12 نوفمبر 2010

خواطر فى زمن الغربة

حكمة الشيخ البهلول

إبن الشاطىء

لحفظه بعض ألأجزاء من ألقرآن ألكريم واستيعابه لبعض دروس الشريعة، وبعض ألاحاديث ألنبوية من صحيح ألبخارى ومسلم عبر عدة سنوات بكُتاب ألشيخ مفتاح وأرتباطه منذ طفولته بالمتجر ألوحيد لوالده، والتزامه معظم سنوات شبابه ببيع ألسلع ألضرورية لسكان ألحى وأداء مهام أحضار ألبضائع من تجار ألجملة، وعن طريق ألصدفة وبوجود قرابة باحدى ألموظفين لوالده بأدارة ألاوقاف، عُين ألشيخ ألبهلول عن طريق ألواسطة فى بداية ألخمسينات من القرن ألماض إمامة أحدى ألمساجد ألصغيرة بالحى بمرتب محترم فى تلك ألسنوات، يؤم ألمؤمنين بالصلوات ألخمس ويوعظ ألمصلين فى بعض ألاوقات بفقه ماتلقنه من ألشيخ مفتاح. ومن خصائص ألشيخ قصر ألقامة، وأمتلاء ألبدن، ووجود حول فى عينه أليسرى، ويحاول ستر عيوبه بالتندر مع من يأتى أليه من أهل ألحى لإستشارته فى بعض ألامور ألدينية ألبسيطة. كذلك له سلوك وتصروفات أغلبها لا تنتمى للواقع ألتقليدى لشيوخ ألمساجد، منها إستعارة ألمجلات ألمصرية [ أخرساعة، ألمصور، ألكواكب، ألمختار، وغيرهم ] لإنعاش ثقافته بمقالات مختلفة عن كتب ألتفاسير من صديقه ألسى خليفة صاحب ألمقهى ألمجاور للمسجد. وينزوى فى بعض ألاوقات لقراءتها فى مقصورته باحدى أركان ألمسجد. وفى بعض ألامسيات يتوارى على ألانظار ما بعد صلاة ألعشاء بالذهاب ألى أحدى دور ألعرض ألسنيمائى ليتمتع خلسة بمشاهدة أحدى ألافلام ألمصرية وخاصة للعرض ألاخير فى ليالى ألشتاء ألباردة.
وأعتاد ألشيخ ألبهلول بالجلوس على كرسيه ألعتيق أمام ألمسجد لقتل ألوقت فى ألفترة ما بين صلاة ألعصر وصلاة ألمغرب للتحدث مع المارة من ساكنى ألحى، وفى بعض ألاحيان ألتمتع بفنجان قهوة " قد قد " يقوم بأحضارها أحدى أطفال ألشارع من مقهى ألسى خليفة. تكرار جلوسه أمام ألمسجد وملاحقة وحملقة عيونه على كل ما يمر من أمامه، تعلق قلبه بجليلة أحدى فتيات ألحى ألتى تمشى ألهوينا بصوت ضربات حدائها ألخشبى ألرنانة على طريق ألزقاق ألمرصوف بالحجارة ألبازلتية* ألسوداء، وبأبراز نهديها من خلال شفافية ألفراشية مع أبتسامتها ألرقيقة وألجدابة بضغط شفها ألسفلى بأسنان فكها ألعلوى، وهمس ألسى ألمنصف ألتونسى بائع ألخضراوات ألمتجول بعربته فى أزقة ألحى فى أذن الشيخ فى أحدى ألايام وجليلة مارة من أمامهما:" ألليلا طويلة قد وجمالها خارق للعادة " مما زاد لهيب عشقه.
وتتابعت ألايام وأزداد تعلق وولع ألشيخ ألبهلول بهذه ألفتاة ألجميلة، وينتابه شعور جنسى جامح كل ما تمر أمامه يوميا وغالباً مرتين فى أليوم. وتضخم وجدانه وتفاقم سرحانه حيث أزداد ألتلعثم ونسيان بعض آيات ألسور فى إمامته لمعظم ألصلاوات وخاصة صلاة ألمغرب. وتريث ألشيخ لبعض ألوقت بعد ما أصابه ألارق لعدة ليالى متتابعة، وأخيراً حث على نفسه أن يبلغ صديقه ألوحيد وألكاتم لأسراره ألسى خليفة صاحب ألمقهى بهوسه وتعلقه بهذه ألجليلة وألتفكير بها فى معظم الاوقات، وأغدق فى وصف مفاتنها ووصف للسى خليفة وفقاً لخبرته ألسينمائية بأن لها مفاتن جسم هند رستم وألوجه وألعيون ألخضراء لزبيدة ثروت. ولكن ألسى خليفة لم يأخذ ألأمر بجدية كافية، ونصح ألشيخ ألبهلول بعدم ألتفكير بها وبأن هذه ألفتاة ليست له بأى مقياس.
وبعد أيام قليلة ما بعد صلاة ألعصر وقبيل غروب ألشمس حيث جلسته ألمعتادة مرت جليلة من أمامه متلحفة ألفراشية مع أبتسامتها ألمعهودة، فأنطلق ألشيخ ألبهلول ورائها ملاصقاً لجسمها بدون أن تشعر ألى نهاية ألزقاق حيث يوجد بيت مهجور ومهدم بما يرمز إليه "بالخربة"، والتفت ألشيخ يمنة ويسرى وألى ألخلف للتأكد بأن ليس هناك من يراقبه ثم دفعها بكلتا يديه نحو "ألخربة" وأبكم فاها بيده ألخشنة وفعل فعلته ألمزرية بشراهة ألكلب ألمسعور ثم ركنها جانباً ورجع ألى ألمسجد مسرعاً بأبتسامة إنتهازية على محياه أللعين بالنصر ألمبين. وخلال ساعات قليلة أنتشر خبر ألفاجعة بالحى وألازقة ألمجاورة وتتابعت ألاحذاث ألمؤلمة بجليلة وأختلقت ألاشاعات وألقصص عنها بدون معرفة ألحقيقة، وتابع ألتحقيق ألجنائى فى ألحادثة مجراه ألى أن ألقى ألقبض على ألشيخ ألبهلول وأحيل ألى ألنيابة ثم ألى ألقضاء. وأخذ ألقضاء مجراه وحكم على ألشيخ ألبهلول بالسجن عدة سنوات. وقام بزيارته إثناء ألمحاكمة وفى ألسجن صديقه ألوحيد ألسى خليفة وآنّبه على جريمته ألمخزية وألنكراء وتاثيرها على أهل ألحى فاجابه بجملته ألمشهورة وألتى ثوارت وأرتبط مفهومها بين فتيان وشباب ذلك ألزمن عبر ألسنين: " ياسى خليفة أنا شيخ وتايب لين نحصل ".
ومع نهاية ألسنة ألأولى من سجنه، ارتبط بصحبة أحدى ألسجناء لفترة وجيزة وعلم فيما بعد بأنه أحدى أقربا ء ألفتاة، حيث فى أحدى ليالى ألشتاء ألباردة وبعد إطفاء أضواء ألعنابر بالسجن، قضى هذا ألقريب على ألشيخ ألبهلول بخنقه حتى ألموت. وأختفت جليلة ألجميلة من ألحى وركنت ببيت ألعائلة وأمتنعت من ألخروج من حجرتها وتفاقم مرضها ومحنتها ألنفسية مع مرور ألزمن ، وفى صباح أحدى ألايام أحضرت والدتها بعض ألاكل ألى حجرتها فوجدتها قد فارقت ألحياة منتحرة.
وتتابعت ألسنين فيما بعد وأصبحت مأساة جليلة ألجميلة تنتقل عبر ألاجيال على مذى نصف قرن من ألزمان. وأرتبطت هذه ألواقعة بالمفاهيم ألعامة وألصيفات وألعوامل بين ألألتزام ألخلقى وألالتزام ألدينى وتأثيرهما بالعوامل ألنفسية، وتحقق من ذلك أن ألدين وألحياة على هذا ألكوكب لهما مفاهيم أخلاق ومبادى أولآً قبل مفاهيم ألطقوس وألعبادات.وألدين على هذه ألارض أُسس على دوافع أخلاقية وبدون تغييراو ألمساس بالمبادى، وألمبادى تربط ألانسان بتكوينه عبر ألسنين لهويته وتصرفاته وبالدراسة وألاطلاع على ثقافة واراء ألاخرين فى عدة مجلات ألمعرفة ,ولا يمكن زحزحتها وفقا لأراء وقتية تقضى للكهنة تغييرها لمعطيات ألسوق. لكن فى هذه ألايام يستمر إنتهاك حرمة جليلتنا ألكبرى مع ألانبطاحيين ألجدد ألذين يلقبون أنفسهم بالملتزمين وذوى ألمبادى، يتشدقون بمفهوم جديد للركوع ونسيان ألماضى بعد أن أجهض ألسلوك وألالتزام بالنضال ألخلقى وألمبادى ألسامية، وليغيروا بما جاء فى قصيدة ألوطن:
لا نبالى إن سلمتِ من هلك ... إننا ياليبيا لن نخذلك
ألى مقصدهم ألانتهازى ألمادى ألجديد:
لا نبالى إن هلكتِ من َسلم ... إننا ياليبيا سنخذلك
وتبقى حكمة ألشيخ ألبهلول تصدع عبر ألزمان للاجيال ألمتعذبة ألقادمة:
" يا سى خليفة أنا شيخ وتايب لين نحصل "

إبن الشاطىء

_________________________

* ألاحجار ألبازلتية كانت أحدى ألمعالم ألتاريخية للطرق ألمرصوفة بالمدينة ، وأُزيلت مع ألسبعينات وعوضت بالاسفلت ألعادى.
ــ معظم مدن ألدول الاوروبية تحتفظ بهذه ألاحجار فى شوارعها وأزقتها ألقديمة للحفاظ على ألصبغة ألتاريخية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home