Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ibrahim Abushraia
الكاتب الليبي د. إبراهيم أبوشريعة


د. إبراهيم أبوشريعة

الأحد 7 نوفمبر 2010

نقد الخطاب السياسي

د. إبراهيم أبوشريعة

إذا كان تجديد الخطاب الديني فريضة، لرد انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فمن باب أولى أن يكون نقد الخطاب السياسي وتجديده،واجباً على من يمارس السياسة ويتعاطاها وباستقراء التاريخ نجد انه قد تهاوت دول وإمبراطوريات وخرجت شخصيات وحركات من التاريخ للذهول عن تلكم المقاصد،وتفوقت أمم حين جددت خطابها السياسي،فالعرب في القرن العشرين حين وُهبت لهم السلطة،التي انتزعها منهم الفرس والترك قبل وبعد سقوط بغداد أصابهم الجمود لانقطاعهم عن الخبرة السياسية،حتى باتوا أضحوكة بين الأمم باحثين عن زعيم تركي وآخر فارسي يُخلصهم. وفي تاريخنا الحديث ينسحب ذلك على المملكة الليبية حيث لم يواكب خطابها السياسي تطلعات المجتمع الليبي،الذي تجاذبته دعوات ورؤى قومية ووطنية وشيوعية واخوانية،أدى في نهاية المطاف إلي إسقاط الملكية.

السلوك مرآة الفكر

واليوم نلاحظ تخبطا في مستوى خطابنا السياسي،لدى كثير من التيارات والنخب المحسوبة على هذا الفريق أو ذاك وهي ظاهرة يجب الوقوف عندها وتحليل مساراتها،من ذلك استغاثة تيار الغد(عبر صحيفة ناطقة باسمه) بمجلس قيادة الثورة، لإنقاذ البلاد مما أسماهُ انهيار وشيك لمؤسسات الدولة، وهذه الدعوة أنى كانت نواياها المعلنة والخفية تكفي كدليل على تدهور وتعثر مشروع ورؤية سياسية،لدى من طرحوا أنفسهم كمشروع وطني منقذ،حتى ضاق بهم الأمر إلي استجداء العسكر،الذين حسموا أمرهم منذ ثلاثة عقود على تسليم السلطة للجماهير.

وهب أن ذلك النداء وجد استجابة في ظل غياب قدوة وتجربة عسكرية ناجحة في العالم فهل توجد مؤسسة عسكرية تقود البلاد؟ وهل يصلح العسكر ما أفسده الدهر؟ ناهيك أن ذلك قد يفسر على انه ردة حقيقية عن المبادئ..! فإذا كان الخطاب بهذا المستوى الساذج علينا غداً توقع استجداء مندوب الأمم المتحدة، لفرض الوصايا علينا كشعب عاجز عن إدارة شؤونه! وربما إذا اقتضى الأمر ستأتي صحيفة أخرى من صحف الغد الموعود بالتوسل على الطريقة القطرية إلي السفير الأمريكي للتدخل! الذي ما انفك ونظراؤهُ يرصدون عن كثب في تقاريرهم أداءنا المخجل في إدارة البلاد والعباد، فمن ليبيا دائما يأتي الجديد وربما الشاذ!

من سيقيم الصلاة أولاً

إن الناظر في واقع التلاسن والتراشق السياسي، يجد ثلاثة تيارات متنافرة تياراً تمثله اللجان الثورية التي تتهم من قبل خصومها: بأنها مفلسة على مستوى خطابها السياسي وأنها تحولت إلي حزب تسلطي لا يضاهيها سوى الأحزاب الشيوعية المتطرفة،وأن تاريخها في ذاكرة الوطن مرتبط بالمشانق والأشلاء ولا تزال الحركة في ذهنية السواد الأعظم صورة نمطية سلبية،وبشكلها الحالي لم تعد تمثل طموحات جذابة للجماهير.

ولكن هذه نظرة فيها شيء من التعسف ربما، فالمقارنة الموضوعية لإخفاقات الثوريين تكشف مثلا: أن العنف والخوازيق وسحق المخالف ليس من أدبيات الثوريين وحدهم بل مارسه الإخوان المسلمون وغيرهم. واقتصاديا البطالة في زمن المد الثوري، لا تقارن بمستوياتها المرعبة في فوضى الإصلاح وكذلك التضخم الذي أوصل المسكن إلي ما يزيد على ربع مليون دينار متخطيا عقارات دبي ولندن، وهذا لا نظير له في فردوس الثوريين المفقود حين كانت الشقة لا تتعدى ألفي دينار..ولربما يأتي على الناس حين من الدهر،يترحموا فيه على الإدارة الثورية بكل ما فيها من تفاريح وتباريح.

أما التيار الثاني يمثله الإصلاحيون، وهم خليط من تكنوقراط وإخوان ولبراليين ومعارضة متذبذبة باحثة عن نصيبها من الكعكة، ولو تقاسماً مع أعداء الأمس لتحقيق غايات شخصية أو وطنية يضاف إلي ذلك أن من أهم أهداف معارضي الأمس، إسقاط الثوريين ولو تعلقوا بعباءة القيادة التاريخية فلن تنفعهم شفاعة الشافعين، وهدم الحركة سيتم بمعاول ربما تكون في نظر البعض ذات فاعلية باسم القانون (أزمة شرعية اللجان) والمجتمع المدني وإطلاق الحريات ولكن تلك المعاول هشة بما فيه الكفاية، بأن تكون أداة هدم الإصلاحيين أنفسهم لأن ظهورهم ارتبط اقتصاديا بالتضخم والجوع واجتماعيا بالتفسخ والانحلال وإعلاميا بالانتقائية والإقصاء وسياسيا ينذر بصدام دموي وشيك، تكون الغلبة فيه للأقوى وللذي يتحالف مع خلايا وتيارات أخرى نائمة تتحين الفرص والتواقيت.

ولا يزال الجدل وأسبقية من يقيم صلاة الجنازة أولاً على خصمه بين الثوريين والإصلاحيين على أوجه، لم يُحسم بعد لصالح أحد الفريقين وخير من يمثل هذا الاتجاه الخطيب المفوه السيد أحمد إبراهيم والخبير الاقتصادي الدولي شكري غانم، فكل منهما يدعى لليلى بوصل وليلى لا تقر لهم بذاك! فالتيار الثوري كما يذهب مناوءوهُ أعطى الفرصة لثلاثة عقود متتالية ولكنه عجز عن أن يكون قدوة وأنموذجا اقتصاديا كماليزيا أو في مستوى دول الخليج.

لذا على التيار الثوري الرحيل وحل نفسه كما يرى الإصلاحيون والاندماج في المجتمع تأسياً بما فعلته الثورة عندما حلت الاتحاد الاشتراكي الذي فشل في تعبئة الجماهير ومواجهة النخبة الملكية،فظهرت اللجان الشعبية ومن ثم بز نجم اللجان الثورية آنذاك. فما أشبه الليلة بالبارحة.!أو حل الحركة على غرار ما قامت به جماعة الإخوان المسلمين في قطر حين حلت نفسها واندمجت في المجتمع، بينما التيار الإصلاحي كما يراهُ الثوريون جلب الويل على المجتمع وعلى الاقتصاد حتى كان ضحاياه وفي زمن قياسي من الطبقة الوسطى والأسر الفقيرة التي تربت على اشتراكية دولة ريعية توزيعية، لتصعق الجماهير باقتصاد السوق في أبشع صوره.

تعثر تيار الغد.!

والتيار الثالث تيار ليبيا الغد: الذي يفتقر إلي العلمية والرؤية الواضحة والمؤسساتية والنخبة الوطنية القادرة على مخاطبة الناس ولقد انضوى تحت شعاره ثلثه من المعسكر الثوري الذي في نظر(الصقور- اللجان) مرتدين عن المبادئ،ثم التحق بركابهم قسم من صعاليك الشباب الذين تجدهم في كل وادي يهيمون، ليس لديهم خطاب ولا خطام ولا يعبروا عن طموحات الشباب حتى يصنفوا من أهل السياسة، بل صعاليك قذفت بهم القبليات والجهويات وفرضتهم على المجتمع حين انحسر المد الوطني، وباتوا محط تنذر في صالونات عجائز الحي بعد تناطح ما يُعرف بالمجلس والمنظمة ومن يظن أن هاتين المؤسستين المتصارعتين صالحتين لقيادة تيار الغد، فهو إما أن يكون جاهلا بطبيعة الأشياء أو تنقصه الخبرة السياسية ولعل في سيرة رجب اوردغان،ما يفيد أولئك الشباب لو أرادوا تطوير أنفسهم..!

لقد التحق بذلك النسيج الرويني..! طائفة هجرت عواصم الضباب باحثة عن مياه دافئة على ضفاف المتوسط، منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الوطن. ولكن هنالك من يتهم تيار الغد بأنه وتحت ضغوط خارجية، أدخل بعضهم كمحتالين تحت يافطة الإصلاح وتسللت تنظيمات أخرى سياسية مشبوهة (عبر حصان طروادة) بعد أن أحدثت تغييرا جينيا في استراتيجياتها في ضوء خبراتها السابقة واللاحقة وتجاربها الفاشلة في اقتحام باب السلام.

والمؤسف أننا لم نرَ في تاريخ التيارات السياسية الإصلاحية تيارا تعثرت وتداعت أركانه بعد سنوات قليلة من انطلاقه، كتيار ليبيا الغد (أعدل قضية لأعجز قضاة) حتى فقد بريقه أو يكاد بين أنصاره بادئ الرأي،ناهيك عن فشله في خلق مناصرين له في الجامعات وبين صفوف الطلاب والمثقفين والعمال والمهمشين وغيرهم، وكل ما هو موجود على الأرض تشويه لخطابه السياسي ولو كان عملا خيريا كما يراه البعض، وكأن أصحابه أرادوا له أن يكون كذلك وإلا فلا يوجد تفسير منطقي آخر يقبله عاقل، سوى التخبط والعشوائية والفوضى المُنظَمة.

المجتمع المغيب

والملفت للنظر أن الخيمة..؟ والمجتمع الليبي يقفان صامتين حيال ما يجري وهذه سابقة خطير في تاريخ الثقافة الليبية التي واجهت الاستعمار والإبادة والاستلاب. فصار المجتمع ضحية يرزح تحت سياسات وتجارب تلك التيارات المتصارعة فيما بينها وباتت الطبقة الوسطى تختفي تحت وطأة الفقر والتفسخ الأخلاقي وتسول الاستشفاء من دول الجوار وتخلف التعليم وتراجع في مستوى النمو السكاني وأيضا في مستوى دخل الفرد وبطالة متفشية وعنوسة تنذر بانفجار مجتمعي خطير، وبوادر لأزمات أمنية تهدد المجتمع برمته والمؤسف أن كل تلك التيارات، تزعم أنها المنقذة من الضلال والجالبة للسعادة والرفاهية بينما الوطن يسمع جعجعة ولا يرى طحينا.

صفوة القول:أن خطابنا السياسي في حاجة ماسة إلي مناقشة نقدية واعية وتجديد جذري لا على مستوى الشكل فحسب بل على مستوى النوايا والمضامين والاستراتيجيات ويجب أن يؤسس على الحوار وتقبل النقد، لا على العداء والجدل الخاوي وادعاء امتلاك الحل النهائي بل على قاعدة:أدوا الأمانات إلي أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإلا فالطوفان إذا زحف فلن يستثني أحدا.!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home