Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Hafeed al-Mukhtar
الكاتب الليبي حفيد المختار

Friday, 7 December, 2007

هل تعـرّض الشارف الغـرياني للظلم في فيلم أسد الصحراء؟

حفيد المختار

عُرِض فيلم عمر المختار لأول مرة في بداية الثمانينات من القرن الماضي. وأُثِير الكثير من التساؤل حول شخصية الشارف الغرياني، وهل ظلم الفيلم وصانعوه الشيخ الشارف الغرياني؟ هذا التساؤل جعلني أتوقف لأتمعن في كل قراءاتي عند كل ذكر للشيخ الشارف الغرياني رحمه الله. وفي السنوات الثلاثة الأخيرة تعددت الكتابات بخصوص هذا الموضوع في المواقع الالكترونية، ووصل تحمس الكثيرين بإنزال الشارف الغرياني بمنزلة الشهيدين البطلين عمر المختار والفضيل بوعمر. وقد صدر أخيراً كتاب بعنوان: سير الأجداد بين الابتلاء والغبن والتخوين الشارف باشا الغرياني أنموذجاً للكاتب د. فرج نجم. وقد أعجبتني مقدمة الكتاب التي أعادت الأمور لنصابها بعد تحمس الكثيرين، حيث أكدّ الكاتب بأنه ليس بصدد إنزال الشيخ الشارف الغرياني بمنزلة الشهيد عمر المختار ورفاقه. وهذه مقدمة موضوعية مشجعة تدل على رغبة صادقة للبحث عن الحقيقة، وتحمل في طياتها حلم الكاتب بأن يرى جميع أبناء الوطن في بوتقة واحدة مهما أختلفت توجهاتهم وإنتمائتهم ودياناتهم. وهي بالفعل سمة ظاهرة في كتاباته لها ما لها وعليها ما عليها، خاصة عندما تتسبب هذه السمة في ضياع الحقيقة وسط خِضم الحلم. وربما قصد الكاتب إلى أبعد من تبرئة السيد الشارف الغرياني رحمه الله من هذه التهمة، مما سيترتب عليه تبرئة ساحة الكثيرين ممن عملوا في الإدارات الإيطالية من التهمة ذاتها. خاصة إذا علمنا أن أغلب رجال الرعيل الأول في الدولة الليبية عملوا في الإدارات الإيطالية، وبالتالي فإن تعميم تهمة الخيانة عليهم فيه قدر من القساوة والظلم لأولئك الرجال الذين لا يختلف إثنان على وطنية وإنتماء أغلبهم.

نعود للتساؤل الذي أرق الكثيرين. هل ظلم فيلم عمر المختار وصانعوه السيد الشارف الغرياني رحمه الله؟ لقد ظهر الممثل الشكسبيري السير جون جيلجود مجسداً دور الشارف الغرياني في الفيلم في مشهدين فقط لا أرى مطلقاً بأن الشارف تعرض فيهما لأي ظلم أو إفتراء. ففي المشهد الأول ظهر الشارف في حفل إيطالي في مدينة بنغازي، وخلال ذلك المشهد سأله جزاتزياني عن الوسيلة لإخضاع المختار، فأجابه جيلجود –الشارف- بأنه لا يدري. هذا المشهد أشار لشيئين أولهما بأن الشارف يعمل في ذلك الوقت مع الإدارة الإيطالية، وثانيهما بأن الشارف الغرياني لا يعتقد بوجود وسيلة لإخضاع المختار.
وهنا يبرز نفس السؤال بخصوص هذا المشهد الرمزي وعن إحتمال إشارته لأي ظلم أو غبن للشارف الغرياني! مما لاشك فيه بأن السيد الشارف الغرياني عمل مع الإدارة الإيطالية وهذا شئ معروف للجميع. أقول هذا وأنا لا أتهمه بالخيانة في هذه، فقد فعل الكثيرون ممن يستحيل إنكار وطنيتهم مثله (أقصد العمل مع الإدارات الإيطالية قبل وخلال فترة الحكم الفاشي)، ولهم مايبرر تصرفاتهم حسب وجهة نظرهم ونظر غيرهم. ولكن في المقابل هل يمكن الإنكار بأن الفاشيست حاولوا إستغلال الشارف الغرياني رحمه الله لإخماد المقاومة الوطنية في برقة؟ بل وحتى تمت مكافأته على ذلك بعد أن تحقق للطليان ماأرادوا، وسنأتي لهذا لاحقاً.
يمكن الإفتراض بأن الشارف الغرياني حاول حقن دماء أبناء بلده أمام الترسانة الإيطالية، رغم أن للطليان وجهة نظر مختلفة ومصلحة عليا وهي إخماد المقاومة بأي وسيلة. وأستدل هنا بعدة مراجع فعلى سبيل المثال ذكرت صحيفة التايم في عددها الصادر يوم 22 فبراير 1926م (1) وبمناسبة إحتلال الجغبوب بدون مقاومة بأن الطليان قد قاموا بتعيين الشارف الغرياني كرئيس للزاوية السنوسية فور إحتلالها (أنظر الفقرة الأخيرة من الرابط 1) ويذكر نفس المصدر بأن بعض المشايخ أقنعوا أهل الجغبوب -الذين وصفوا بالجهلة- بالإستسلام، وبأن شيوخ السنوسية أقاموا حفل (ceremony) تم خلاله تسليم الجغبوب للطليان بدون قتال، وقد تم تعيين الشارف الغرياني كمسؤول عن الأماكن الدينية في المنطقة بواسطة العقيد رونشيتي الذي قاد الحملة على الجغبوب (1). هذه الواقعة تم تأكيدها في مرجع إيطالي آخر (2) وأقصد تكليف الشارف من قبل الطليان فور إحتلال الجغبوب في فبراير 1926م. كما ثبت وجود محاولات متعددة للشارف الغرياني رحمه الله لإقناع المجاهدين بالإستسلام. ويؤكد ذلك على سبيل المثال لا الحصر الرسالة التي وجهها له عمر المختار رداً على طلب الشارف الغرياني التوقف عن قتال الطليان. حيث ذكر عمر المختار في رسالته تلك بأنه لايمكن له إيقاف الجهاد وبأنهم لا يخشون الترسانة الإيطالية قائلاً (نحن واقفون عند ما امرنا به ولانخاف طيارات العدو ومدافعه ودباباته وجنوده من الطليان....)، كما ذكر المختار لأخيه ورفيق طفولته الشارف الغرياني عدم رضاه عن موقفه بخصوص التوسط بينه وبين الطليان لتوقف الجهاد قائلاً له في نفس الرسالة (ونحن لانريد لكم ما يدفعكم اليه النصارى....)، كما ذكر له بأنه يمكن الإتصال بالأمير إدريس في مصر بهذا الخصوص، وهذا يدل على التباعد في تلك الفترة بين الشارف الغرياني والقيادات السنوسية، وأظن بأن الشارف الغرياني لا يحتاج لمثل هذا التذكير لو كان على تواصل معهم في ذلك الوقت. ومما يدلل على هذا التباعد رسالة السيد أحمد الشريف التي بعث بها للمجاهد عبدالحميد العبار سنة 1925م والواردة في بحث الاستاذ محمد عيسى صالحيه من جامعة الكويت بعنوان صفحات من الوثائق السرية الليبية -رسائل أحمد الشريف، وقد ذكر صالحيه بأن هذه الرسالة جاءت بعد أن تناهى إلى أسماع السيد أحمد الشريف تحركات الشارف الغرياني لإضعاف همم المجاهدين بوعدهم بالمال والجاه كترغيب وإحباطهم بأن لا طاقة لهم بمواجهة الإيطالين كترهيب حيث قال في بحثه: وكان السيد أحمد لا يرى هذا الرأي، ولهذا فهو يستحث الخُلص من أتباعه لبدء العمليات العسكرية ، لأن في انطلاق الرصاص مرة أخرى تقويضا لآمال كل الداعين للتفاهم مع إيطاليا ، لا سيما وإن تحركات الشارف الغرياني، المستشار في المتصرفية الإيطالية، بنغازي قد تناهت إليه مع الرسل –إنتهى الإقتباس من صالحيه.
كما يؤكد هذا التباعد -وربما القطيعة- عدم وجود أي مراسلة بين الطرفين (الشارف وزعماء السنوسية) من تاريخ 31/10/1922م الموافق 10 ربيع الأول 1341هـ وهو تاريخ تسلم الفاشية للحكم في إيطاليا وحتى وفاة الشارف الغرياني رحمه الله، وسبب ذكري لتاريخ بدء الحكم الفاشي هو أرتباطه ببدء مرحلة جديدة تميزت بنقض الإتفاقيات مع الليبيين وإندلاع حركة الجهاد من جديد في برقة، وما حدث بعده من تباين في وجهات النظر نتج عنها تحول بعض رفقاء الجهاد إلى فرقاء. وكما قلت مسبقاً فإن الوثائق المنشورة في موقع الباكور (3) تنتمي لفترة زمنية قبل تاريخ تسلم الفاشية للسلطة أي قبل 1341هـ.
نأتي للقطة الثانية من الفيلم والتي ظهر فيها الشارف الغرياني وهو يحاول إقناع الشيخ عمر المختار بأنه لا قبل له بحرب الإيطاليين، وهذه الجزئية بخصوص طلب المهادنة ووقف العمليات الجهادية سبق إثباتها في رد عمر المختار على الشارف الغرياني. كما أكدها موقف الشارف الغرياني في إقناع أهل الجغبوب بالإستسلام ربما لحقن دمائهم حسب وجهة نظره في ذلك الوقت عام 1926م. أما نقطة الجدل أو الإتهام الثانية في ذلك المشهد هو إستعمال الشارف الغرياني لسيارة إيطالية للوصول إلى عمر المختار. ونحن هنا لا نعلم مدى صحة هذه اللقطة وأقصد مقابلته تلك لعمر المختار والطريقة التي وصل بها، ولكن من المؤكد أن الشارف الغرياني رحمه الله كان يستعمل المركبات العسكرية الإيطالية بل وحتى الطائرات العسكرية الإيطالية خلال تنقله لأداء دور وسيط السلام. ويؤكد هذا صورته بمطار البركة في موقع الباكور بتاريخ 1932م (4)، بل وتوجد صورة أخرى مماثلة للشارف الغرياني في الكفرة في موقع الباكور أيضاً. هذه الواحة التي ذكرت المصادر بأن الشارف الغرياني حاول إقناع أهاليها بالتسليم بنفس الحجة التي أقنع بها أهالي الجغبوب وهي عدم قدرتهم على مواجهة الآلة العسكرية الإيطالية، وهو ما ذكرت المصادر بأنه تم رفضه من أهالي الواحة. فكان الإنتقام الإيطالي الأبشع بإغتصاب وقتل مايزيد عن 200 مرأة، كما تم قتل زعماء قبيلة الزوية بطريقة فريدة في بشاعتها وقسوتها وذلك برميهم من الطائرات وسط تهليل وتصفيق الجنود الإيطاليين مع سقوط كل شهيد من الطائرة *. ربما يشفع للشارف ورفاقه هو حرصهم على حقن الدماء وتوقعهم لهذه النهاية البشعة للمعركة، ولكن هذا لا يبرر الإستمرار في التوسط لإحلال السلام بعد هذه الواقعة، خاصة وأن ذلك تزامن مع عملية القتل الجماعي لأهل برقة من خلال وضعهم في المعتقلات.

ويبرز هنا أيضاً تساؤل آخر عن أسباب إصدار ملك إيطاليا لمرسوم ملكي خاص بتاريخ 3 نوفمبر 1932م وبمناسبة إخماد المقاومة في برقة. هذا المرسوم يقضي بتكريم الشارف الغرياني ومنحه وسام الوشاح الأعظم. هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة، بدلاً من الإسهاب في المواقف الإنسانية التي تميز بها الشيخ الشارف رحمه الله. حيث أن التركيز على مآثر الشيخ ومواقفه الإنسانية لا يبرئ ساحته بل يمكن أن يمعن في إثارة الشكوك حول مدى علاقته بالطليان. ذلك أن الزعم بوجود حظوة للشارف الغرياني لدى الطليان مكنته من مساعدة إخوته الليبين وضعت علامات إستفهام أكبر حول الشارف الغرياني رحمه الله بدلاً من تبرئته من تهمة مزعومة، وأستند في قولي هذا إلى تعليق للأستاذ محمد عامر حكية أستاذ اللغة والأدب العربي ـ تونس والواردة في صحيفة القدس العربي اللندنية حيث قال: أن أكثر دفاع السيد فرج نجم قد ركز علي مساعدة الشارف الغرياني لبعض الليبيين عن طريق الوساطة أو الشفاعة لهم لدي الطليان، وتلبية الطليان لشفاعاته، ولم يذكر لنا الكاتب من أين تأتي للشارف الغرياني هذه الحظوة عند الطليان حتي تعفو عمن كان يحاربها استجابة للشارف الغرياني؟ -انتهى الإقتباس. كما إن إستعمال الكاتب مايراه أحداث أخرى مشابهة سيضع أيضاً المزيد من علامات الإستفهام والتعجب حول الشيخ الشارف رحمه الله. حيث ذكر الكاتب حوادث عدة أبرزها حادثة المُجند الليبي المتطلين الذي نطق بأسم عمر المختار عند القبض عليه وقبل تنفيذ الإعدام الفوري، الشئ الذي تسبب في إيقاف تنفيذ حكم الإعدام الميداني في شيخ الشهداء. إن سرد هذه القصة لن يبرر لذلك المتطلين موقفه، كما إنه لن يبرئ السيد الشارف الغرياني، بل يمكن أن يزيد في إتهامه بمقارنته بذلك الجندي المتطلين المتهم بالخيانة أصلاً وحتى قبل تعرفه على عمر المختار ونطقه بإسمه. رغم إقرارنا بعدم معرفتنا بظروف وأسباب تواجد ذلك المجند ضمن الجيش الإيطالي. خاصة إذا علمنا بأن معظم أفراد جيش التحرير السنوسي الذي دخل مع الحلفاء لليبيا هم في الأصل مجندين مع الجيش الإيطالي تم أسرهم من قبل الحلفاء ومن ثم تم تسليم من أراد منهم الإنضمام لقيادات الجيش السنوسي.

ونعود لفيلم عمر المختار الذي تجنب وبشكل "متعمد" إظهار شخصيات أخرى يمكن أن تستعمل كرموز خيانية يعتبر وجودها من متطلبات العمل الدرامي التاريخي. وأقصد هنا تعمد إخفاء شخصيتي الليبي الأسمر اللونقو (الطويل) الذي وضع الحبل على رقبة شيخ الشهداء، والليبي الآخر الذي ترجم الحوار بين جراتزياني وعمر والمختار وكان ثالثهما في الغرفة (حسب وصف جراتزياني في مذكراته كما وصفه بالمُخلص). وسبب جزمي بتعمد تجنب إظهار هاتين الشخصيتين (بالإضافة لتأكيد المرحوم العقاد لذلك بخصوص اللونقو) هو إخفاءهما خلال مشهدي مقابلة جراتزياني للمختار ومشهد الإعدام.

نستخلص مما سبق بأن الفيلم لم يظلم الشارف الغرياني، كمالم يتهمه مباشرة بالخيانة. وإنما تعرض لدوره كوسيط لإقناع المختار وغيره من المجاهدين بوضع السلاح جانباً، بالإضافة لإشارة الفيلم لعمل الشارف مع الطليان، وهذه حقائق أشرنا لوجود دلائل ومراجع لحدوثها. على العكس تماماً فإن الفيلم تجاهل مواقف أخرى مثل موقف لقاء الشارف الغرياني المثير للجدل بعمر المختار في سجنه وإعراض عمر المختار عنه، بل وحتى زجره له بالقول لا أريد منك ولا من غيرك شيئاً وذلك حسب رواية الشارف الغرياني نفسه، مما قد يثير الإستغراب عن سبب هذا الإعراض حتى لو تم توريط الشارف الغرياني في ذلك الموقف. كمالم ينقل لنا الفيلم دور الشارف كوسيط خلال مفاوضات سيدي رحومة (5)، رغم وجود المساحة الدرامية الزمنية لظهور الشارف في المشهدين. وبالتالي يمكن الجزم ببطلان إتهام الفيلم بظلم الشارف الغرياني. بل حتى يمكن الزعم بإن مثل هذا القول يحمل في طياته إتهاماً بالكذب للمصادر التاريخية التي أستقى منها الفيلم مادته، وأهمها رفاق عمر المختار الذين كانوا على قيد الحياة وتمت أخذ روايتهم الشفهية.

في الختام أقول بأن خلاف الشيخ الشارف مع شيخ الشهداء عمر المختار من حيث التباين في وجهات النظر لايعني بالضرورة تخوين هذا الرجل. فربما كان لهذا الرجل دوافعه وإجتهاداته البعيدة كل البعد عن خيانة الدين والوطن.

حفيد المختار
________________________

المراجع:
1- صحيفة التايم 22 فبراير 1926 http://www.time.com/time/printout/0,8816,721644,00.html
2- الحملة الليبية (موقع إيطالي) http://regioesercito.dns1.us/campagne/libia/camplibia2.htm
3- وثائق الشارف الغرياني في موقع الباكور http://albakour.com/album/thumbnails.php?album=124
4- صورة بمطار البركة عام 1932
http://albakour.com/album/displayimage.php?album=lastup&cat=0&pos=10
5- صورة الشارف في مفاوضات سيدي رحومة
http://albakour.com/album/displayimage.php?album=120&pos=4
* توجد الكثير من المراجع حول إحتلال الكفرة مثل هذا الكتاب
http://images.boardgamegeek.com/images/pic67058_md.jpg
بل وتوجد حتى لعبة إلكترونية أصدرت في مارس عام 2001 بخصوص إحتلال الكفرة
http://www.consimworld.com/newsroom/story/0401/040301khyber.html


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home