Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Hamad al-Mismari
الكاتب الليبي حمد المسماري


حمد المسماري

الأحد 17 مايو 2009

خنازير محلية*

حمد المسماري

‮ ‬ما تزال تتصاعـد وتيـرة الأخبـار فـي‮ ‬الصحافـة العربيـة والعالميـة‮ ‬،‮ ‬والنشـرات والبرامـج الإخبارية فـي‮ ‬الفضائيـات‮ ‬،‮ ‬حـول مـرض‮ " ‬إنفلونـزا الخنازيـر‮ " ‬المنطلـق فيروسـه هـذه المـرة مـن ربـوع المكسيـك المجاورة لبـلد اليانكـي‮ ‬الولايات المتحـدة الأمريكيـة‮ ‬،‮ ‬وقـد جـاء الدور علـى هـذا الحيـوان الـذي‮ ‬نحمـل لـه نحـن المسلميـن كرهـاً‮ ‬مقدسـاً‮ ‬،‮ ‬بعـد أن كرسـت وسائـل الإعـلام نفـس الحملـة مـن قبـل وبنفـس السيناريـو‮ ‬علـى البقــر المجنـون‮ ‬،‮ ‬والطيـور والدجـاج المصـاب بالزكـام ولندعـو الله‮ ‬ألا‮ ‬يكـون الدور القـادم علـى الخـراف سيمـا ونحـن نعشـق أكلهـا وذبحهـا والتلذذ بلحمها الوطني‮ ‬الشهي‮ .‬ورغـم كونـي‮ ‬شخصيـاً‮ ‬كجـل مواطنينـا الكـرام فـي‮ ‬هـذا البلـد لـم أشاهـد فـي‮ ‬حياتـي‮ ‬خنزيـراً‮ ‬علـى الطبيعـة إلا مـن خـلال الصـور أو التلفزيـون‮ ‬،‮ ‬وأعتقـد أن الغالبيـة العظمـى مـن شعبنـا‮ ‬مثلـي‮ ‬تمامـاً‮ ‬لـم‮ ‬يشاهـدوا علـى الطبيعـة هـذا المخلـوق الـذي‮ ‬حـرم المولـى عـز وجـل أكلـه بنـصوص قـرآنـية صـريـحة‮ ‬بورود اسمـه ثلاث مـرات بكتابـه العـزيـز فـي‮ ‬الآيات الكريمـة‮ "‬173 - 3 - 115 ‮ " ‬مـن سـور البقـرة والمائـدة والنحـل‮ .

‬وحـدث أن تكفـل الوعاظ والفقهـاء عبـر عصـور تاريخنـا الإسـلامي‮ ‬بترسيـخ مكانـة هـذا الحيـوان البائـس فـي‮ ‬عقولنـا وثقافتنـا كرمـز للنجاسـة‮ ‬،‮ ‬وكـل ما هـو كريـه رغـم أن المولـى عـز وجـل حـرم علينـا أكلـه ولـم‮ ‬يأمـرنا بكراهيتـه أو‮ ‬يحـدد لنـا مشاعـر مـن أي‮ ‬نـوع فـي‮ ‬تعاملنـا معـه‮ !! ‬،‮ ‬ولعـل أول صـورة للخنازيـر رسخـت فـي‮ ‬عقـولنا حيـن كنـا أطفـالاَ‮ ‬مـن خـلال الرسـوم الكرتونيـة لشخصيـات ديزنـي‮ ‬الشهيـرة للخنازير الصغيـرة الثلاثـة ومغامراتها‮ ‬الطريفـة مـع الثعلـب المكـار‮ ‬،‮ ‬والغريـب أننـا حينهـا بمشاعـرنا الطفوليـة فـي‮ ‬ذلـك الزمـن لـم نحمـل كراهيـة لهـذا الحيـوان معتبريـن كونـه كـأي‮ ‬مخلـوق مـن مخلوقـات الله فـي‮ ‬دنيـاه الواسعـة‮ ‬،‮ ‬مثلمـا‮ ‬يحـدث الآن بتعامـل أطفالنـا مـع شخصيـات الخنازير الكرتونيـة الأحدث مثـل‮ " ‬بومبـا‮ " .. ‬،‮ ‬الخلاصـة وبعيـداً‮ ‬عـن تاريـخ ثقافتنـا الخنازيريـة أو الحلوفيـة نشـأنا علـى كراهيـة هـذا الحيـوان الملعـون دنيـا وآخـرة‮ ‬،‮ ‬وكعادتنـا دائمـاً‮ ‬لـم نجهـد عقولنـا بالبحـث عـن الأسبـاب الحقيقيـة لسـر هـذه‮ ‬اللعنة والكراهيـة‮ ‬،‮ ‬لكـن تساؤلاتنا أخـذت تطـل علينـا بخجـل مجـدداً‮ ‬مـع ظهـور نـوع جـديد مـن الخنازيـر البشريـة التـي‮ ‬تقتـرف بحقنـا وحـق هـذا الوطـن أبشـع الجـرائـم المتجـردة مـن الإنسانيـة‮ ‬،‮ ‬والأخـلاق والمثـل‮ ‬،‮ ‬وترتكـب أفعـالاً‮ ‬تخجـل حتـى الخنازيـر الحقيقيـة مـن ممارستهـا‮ . ‬خنازيرنـا أيهـا السـادة محليـة المولـد والنشـأة لا تخطيهـا العيـن‮ ‬،‮ ‬تجـدهـا فـي‮ ‬كـل مكـان‮ ‬يمكـن أن تقـودك إليـه قدمـاك المتعبتان وحظـك العاثـر‮ ‬،‮ ‬وبالأخـص فـي‮ ‬ممـرات‮ ‬مؤسسات الدولـة المختلفـة‮ ‬،‮ ‬وجلهـم ممسك بمسبحـة مذهبـة‮ ‬يداعبهـا بأصابعـه ويحمـل لقــب الحـاج‮ ‬،‮ ‬وبنفـس الوقـت رصيـد حساباتـه السريـة وغيـر السريـة‮ ‬يدخـل خانــة المليـارات فـي‮ ‬البنـوك عبـر العالـم‮ ‬،‮ ‬فخاصيـة نهـب ثـروة الليبييـن هـي‮ ‬العلامـة الموحـدة لجميـع خنازيرنـا فـي‮ ‬جميـع القطاعـات المتعلقـة بحياتنــا‮ .‬ولكـون ليبيـا‮ ‬تحولـت إلـى بـلاد تغطـي‮ ‬أرضهـا القمامـة‮ ‬،‮ ‬وتطيـر فـي‮ ‬أجوائهـا الحشـرات وأكيـاس النايلـون‮ ‬،‮ ‬لـذا كـان لابـد لقمامتنـا مـن خنازيـرها المحليـة‮ ‬،‮ ‬وحيـث أننـا والحمـد لله مسلمـون لا نأكل لحـم الخنزيـر أوجـدنـا بطريقتنـا خنازيرنـا الخاصـة لكننـا لـم ننتبـه إلـى أن عزوفنـا عـن أكلهـا مكنهـا مـن‮ ‬أن تأكلنـا هـي‮ ‬بشراهـة وخسـرنا معركتنـا معهـا كعادتنـا دائمـا‮ .

‬مئـات وربمـا آلاف المشاريـع‮ ‬غيـر المكتملـة عبـر الوطـن التهمـت خنازيـرنا البشريـة ميزانيـاتهـا ببرودة دم فاقـت بلادة خنـزيـر حقيقـي‮ ‬،‮ ‬والغريـب أن نكتشـف أنـه ليـس هنـاك مـن‮ ‬يحاسـبها فالخنازيـر تطوقنـا مـن كـل الجوانـب‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يمكننـا أن نطمـح بحـال مـن الأحـوال وقـوفهـا مـع قضايانـا العادلـة‮ .‬يحـزننـي‮ ‬أن أكتـب أن الخنـازيـر حيـوانـات نتنــة لا‮ ‬يطيـب لهـا العيـش إلا وسـط القاذورات‮ ‬،‮ ‬وأننـا‮ ‬غــدونـا أنسـب بيئـــة لوجـودهـا علـى خارطـة أرض الله الواسعـة‮ .‬خنازيـرنـا‮ ‬مقيتـة تركـب أرقـى موديلات السيـارات الأمريكية والأوروبية‮ ‬،‮ ‬متضمخـة بعطـور باريسيـة عجـزت أن تخفـي‮ ‬رائحتهـا الفظيعـة‮ .‬وإذا ما كانـت خنازيـر المكسيـك قــد فضلـت الأنفلونـزا لتأديـب بنـي‮ ‬البشـر‮ ‬،‮ ‬فلـو كـان الأمـر بيـد خنازيرنا المحليـة لفضلت‮ ‬غـزو الكون بمـرض نسميـه نحـن الليبيـين فـي‮ ‬لهجتنا الدارجـة‮ " ‬ بوحبلـة‮ " . ‬

حمــد المسمــاري
_____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "قورينا" / بنغازي 2009-05-17


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home