Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Husain al-Faitouri

Monday, 30 January, 2006

 

المأساة المزدوجة (2)

حسين الفيتوري

بدايةً، أعتذر للقرّاء عمّا ورد منى من خطأٍ غير مقصود فى الحلقة الأولى، وذلك عندما ذكرت أن قائد القوة المتحركة كان السيد السنوسى الأطيوش، والصحيح هو أنه السيد السنوسى الفزانى، وأشكر فى هذه المناسبة كل من قام بتنبيهى لهذا الخطأ.

ثانياً: القواعـد

  اننا كليبيين ليس لنا تقييم مشترك للماضى ولا تصور مشترك للمستقبل!
                                                                            الكاتب الليبى : سمير بن على(1)
  ومن لم يرى منكم (مأساةً مزدوجة) بعد، فعليه أن يقرأ المزيد!!!

تحوّلت مدرسة (العويلية) الزراعية إلى ثكنةٍ للجيش الليبى لتدريب المتطوّعين للقتال فى حرب 1967، وإستمرّ ذلك النشاط المحموم فيها لمدة شهر كامل، وذلك بالرغم من أن الحرب المذكورة قد وضعت أوزارها فى اليوم السادس لبدايتها، أى قبل بداية المتطوعين الإنخراط فى التدريب!
وبالإضافة إلى تعرّف المتطوعين على بعضهم البعض، وعلى عددٍ من ضباط وجنود الجيش الليبى، فقد تدرّب المتطوعون جميعا على ما كان لدى الجيش الليبى فى ذلك الوقت من أسلحة يدوية، إبتداءا من البندقية الإنجليزية، شهيرة الحرب العالمية الثانية، إلى البلجيكية FN والتى كان لدى الجيش الليبى عددا محدودا منها، فهى كانت أول بندقية أوتوماتيكية قررت الحكومة الليبية تسليح (القوة المتحركة) بها، وقد واجه آمر التدريب صعوبات فى الحصول على نموذج منها والإذن بتدريبنا عليها، وعندما نجح الآمر(2) فى التغلب على تلك الصعوبات، أصابتنى وزميلى فرج فرحة عارمة، لأننا تمكنّا أخيرا من معرفة سر (تأمينة) تلك البندقية، فقد كان ذلك أحد أهدافنا من التطوع، والإستمرار فى التدريب، بعد أن تأثّرنا بما سمعناه حول سقوط أحد شهداء يناير 1964 بسبب عدم معرفته لسرّ تلك (التأمينة) اللعينة!

وغنىّ عن التعريف أن الجيش الليبى، فى ذلك الوقت، كان مؤسسة محترمة، مثل أغلب بقية مؤسسات الدولة، فلا يعتدى الضباط فيه بالإهانة على المتدربين والمجنّدين الجُدد، كما يحدث فى مهازل التجنيد الإجبارى وتجييش الشعب التى عرفناها فى عهد القذافى البائس، وذلك بالرغم من جدّية وقسوة التدريب الذى مر به متطوعوا مدرسة العويلية الزراعية، وكان للجانب الإجتماعى إهتماما كبيرا لدى الضباط المشرفين على التدريب، فزيارة الأهل والأقارب لنا كان مرحّبٌ بها، ولكن بطريقة منظمة وفى قاعة مخصصة لذلك، كما أن الإختلاط بالـ(مدنيّين) فى المناطق المجاورة كان خاضعا أيضا للتعليمات والأوامر، وقد دعتنا إحدى العائلات ذات ليلة إلى حفلة عرس حضرناها باللباس المدنى، وألقى فيها الشاعر الشعبى (ضابط فى الجيش) سالم صبرة(3) قصيدته الشهيرة:

كان غـيْرنا ما ناخذوا المصريّة       صبايا وطنّا طقّن ألفين وميّة!

وهى قصيدة تعالج مشكلة غلاء المهور وقيام عدد كبير من شباب ليبيا بالزواج من مصريّات، وقامت الحكومة الليبية، فى ذلك الوقت، بإتخّاذ قرارٍ بمنع هذه الزيجات بناءا على طلبٍ من (جمعية النهضة النسائية)، إحدى منظمات (المجتمع المدنى) التى كان مسموحًا لها بالعمل وتجد حضوةً كبيرة لدى الوزارات الليبية المتعاقبة، خلافًا لما لقيته الأحزاب السياسية من ملاحقة وكبت!
ومن اللمسات الإجتماعية (الإنسانية) التى لا تُنسى، هى إصرار الآمر على أن يتضمّن حفل إنتهاء التدريب (زرْدة) فى ربوع الجبل الأخضر كان لى فيها شرف قيادة فريق (المطبخ) فى إعداد أكبر قدْرٍ من (القلايا)(4) شاهدته فى حياتى، وتم إعداده بالثّوم وكمّون الحوت، مع توفير الليم الطازج لمن يرغب، وعشرات الأرغفة من الخبز الأبيض! غير أن أهم ما تعلمناه فى تلك التجربة هو أننا، كليبيين، نتمتّع بقدرٍ لا نحسد عليه من (قِصر النفَس) وعدم الإستمرار فيما نبدأه من عمل، والدليل على ذلك هو أن من تطوعوا فى البداية كان عددهم قد قارب الألفين، أما من أتمّوا التدريب فعلا، فإن عددهم لم يصل الأربعين!

وبعد إنتهاء التدريب وعودتنا لحياتنا العادية، إكتشفنا أن مصر لم تكن الخاسر الوحيد لحرب 1967، وإنما (الدولة) الليبية أيضا! وذلك بسبب تكثيف الإعلام المصرى لحملته الكاذبة والرامية إلى تبرير الهزيمة بهجمات مزعومة قامت بها القوات الأمريكية والبريطانية على الجيش المصرى إنطلاقا من قواعدهما فى ليبيا، وما تلى ذلك من ردود فعل من الحكومة الليبية كان أسوأها على الإطلاق هو منع المواطنين الليبيين من السفر إلى مصر، بحجة حمايتهم من إعتداءات غوغائية وقعت على بعضهم فى شوارع القاهرة والإسكندرية(5)، بالإضافة إلى عجز الإعلام (الحكومى) الليبى فى توضيح مسألة إستخدام القواعد من عدمها، للشعب الليبى على الأقل ، وكأنّ لسان حال الحكومة يقول: هذا عمل الكبار وليس لعامة الشعب دخل فيه، مما زاد فى إتساع الهوّة بين (الدولة) والشعب، تلك الهوّة التى حفرتها أحداث يناير 1964 الدامية وزادها عمقاً تنفّذ بعض القبائل وأخبار الفساد والتربّح، اللذان مارسهما بعض الأفراد المحسوبين على الأسرة المالكة، ولا مجال لمقارنتهما بحجم ما يدور فى ليبيا الآن، غير أن الشعب قد رأى فى ذلك الوقت، الفساد فسادًا، أيا كان حجمه، فلم يكن لأحدٍ أن يتصور أن القذافى وطغمته سيستولون على السلطة ويحدثوا فى ليبيا فسادا أكبر، لكى يرضى الشعب بذلك القليل من الفساد الذى كان يحدث حينها، ولذلك فإننى أناشد الكتّاب والسّاسة الليبيين الكف عن إستخدام هذه المقارنة، بين حجمى الفساد فى كلا العهدين، لأنها ببساطة غير موضوعية والهدف منها إضافة نقطة (غير صحيحة) إلى هالة القدسية التى يحاول البعض جاهدا أن يضفيها على العهد الملكى، والذى كان له حتما إيجابيات كثيرة، وتصب من ناحية أخرى فى تصوير (عهد) القذافى بشيطانية أكثر من شيطانيته التى يعرفها الجميع.

وبالرغم من أن الحكومة الليبية كانت قد دخلت منذ سنة 1964 فى مفاوضات جادة مع كل من بريطانيا وأمريكا بشأن إخلاء القواعد، وقد أسفر ذلك عن تحقيق الحد الأدنى من الطلبات الليبية وهو عدم التجديد والإخلاء فى موعد أقصاه إنتهاء مدة المعاهدات فى سنة 1972 وعدم قيام الجانب الليبى بدفع أى تعويضات، إلا أنه، وبسبب قصور الإعلام الليبى، لم يكن هذا الأمر واضحا لدى غالبية الشعب الليبى، بل ما زال منا من يعتقد، وإلى الآن، بأن معمر القذافى هو فعلا بطل الجلاء، وذلك بسبب تطبيل الإعلام الثورى وتلك الهدية الثمينة التى قدمها جوزيف بالمر، السفير الأمريكى، لمعمر القذافى بموافقته على الظهور معه فى صورة نشرت فى الصحف فى أوائل 1970 يظهر فيها الإثنان وهما جالسان متقابلان وكأنهما يتفاوضان على الجلاء! ومن المعروف أيضا أن (مجلس قيادة الثورة) قد وافق وقتها على دفع تعويضات عن المنشآت التى خلّفها الأمريكيون والإنجليز فى القواعد، وذلك خلافا لما تم الإتفاق عليه مع الحكومة الليبية قبل إنقلاب سبتمبر 1969.

والمتتبع لقضية القواعد فى ليبيا يستطيع أن يعرف بسهولة أن البدء الفعلى لإجلاء تلك القواعد، بل وتسريعه، لم يبدأ إلا خلال سنة 1968 والنصف الأول من سنة 1969، وكانت مظاهر ذلك واضحة للعيان، حيث إرتفعت خلال سنة 1968 عمليات بيع سيارات الجنود الأمريكيين فى طرابلس، وكذلك أجهزة التسجيل والموسيقى، والتى إكتشف من إشتراها من سكان مدينة طرابلس أنها لا تصلح للإستخدام لديهم، فهى مصممة للإستخدام على تيار كهربائى ذو 60 ذبذبة فى الثانية، أى التيار المستخدم فى كل من أمريكا وقاعدة الملاّحة (ويلوس)، وهو يختلف عن تيار الـ 50 ذبذبة فى الثانية المستخدم فى مدينة طرابلس حتى الآن، وحسب المواصفات الأوروبية.
أما فى بنغازى، فقد إرتفعت فجأة ظاهرة البطالة بسبب الأعداد المتزايدة من العمال الليبيين الذين تم تسريحهم من معسكرات الجيش البريطانى فى المنطقة بسبب إغلاقها، وكشاهد عيان، فقد كنت عضوا فى لجنة شكّلتها وزارة الصحة لإستلام (مغسلة) فى منطقة الكويفية، شرق بنغازى، ضمن منشآت القواعد البريطانية التى تخلّى عنها الجيش البريطانى للحكومة الليبية سنة 1968 وبدون أى تعويض!

وبتحليل موضوعى بسيط لتسلسل الأحداث التى سبق ذكرها، وإستنادا إلى بعض ما كتبه كل من السيدين مصطفى بن حليم وعبد الحميد البكوش، فإنه يمكن الإستنتاج، ومن وجهة نظرى الشخصية، بأن القواعد الأجنبية فى ليبيا لم تفقد قيمتها الحقيقية لدى كل من بريطانيا وأمريكا إلا على ضوء نتائج حرب يونيو 1967، بالإضافة إلى بعض الأسباب الجانبية الأخرى، وذلك على النحو التالى:
1) تحطّم أسطورة قوة مصر الضاربة فى الشرق الأوسط، بما فى ذلك صواريخ القاهر والظافر، وما كان يمكن أن تشكله من خطر على دولة إسرائيل التى أثبتت معارك يونيو 1967 أنه كان بإمكان قواتها المسلحة إحتلال القاهرة إن شاءت، غير أن قادة عسكر إسرائيل كانوا قد تعلموا شيئا من درس نابليون فى المنطقة، وبذلك فقد إكتفوا بإحتلال سيناء وتعطيل الملاحة فى قناة السويس، والتى تعتبر من أهم مصادر الدخل فى مصر، وإتخاذ تلك القناة كحدود جغرافية (طبيعية) للوضع الجديد فى المنطقة، وبالتالى، فما جدوى إحتفاظ أى دولة موالية لإسرائيل بقواعد لها غرب مصر، خصوصا فى جوٍ من العداء الحكومى والشعبى لتواجد تلك القواعد وعدم إمكان إستخدامها بحرية فى حربين متتاليتين ضد مصر، وهما 1956 و 1967 ؟
2) إختلاف الملك إدريس (رحمه الله) عن باقى الملوك الذين تعوّدت بريطانيا وأمريكا على التعامل معهم فى المنطقة، فهو لم يكن ذلك الحاكم المطلق الذى يعطيهم صلاحيّة البقاء فى ليبيا دون منازع.
3) سيطرة الشركات البريطانية والأمريكية، شبه الكاملة، على عمليات إستكشاف وإستخراج وتصدير وتسويق النفط الليبى، فى إطار إتفاقيات وعقود محمكة، أصبحت تغنى عن وجود أى قواعد فى البلد لحماية هذه المصالح.
4) الظروف الإقتصادية الصعبة التى كانت تمر بها بريطانيا ودفعتها للتخلى عن الكثير من قواعدها ومستعمراتها فى مختلف أنحاء العالم، وإعتبار ساستها أن تواجدها العسكرى فى ليبيا بعد 1967 قد أصبح مكلّفا وغير ذى جدوى.
5) إعتبار ساسة بريطانيا أنهم فى حلٍ من عهود حكوماتهم السابقة بشأن ضمان حكم الأسرة السنوسية فى ليبيا، حليفهم فى الحرب العالمية الثانية وتحرير ليبيا من الإحتلال الإيطالى، وذلك بإعتبار أن هذا الحكم قد سمح لمجلس وزرائه بمطالبة بريطانيا بالجلاء من قواعدها فى ليبيا!
6) توجّه أمريكا للتركيز على الوجود الآمن لقواتها فى دول حلف شمال الأطلسى، وفسح المجال فى الدول الأخرى للتواجد الإقتصادى (الآمن) والثقافى والمخابراتى، أى بداية مرحلة متقدمة من (الإستعمار الجديد) وطمس ملامح الوجه الأمريكى القبيح الذى بدأ سكان المنطقة فى التعرف عليه من خلال التواجد العسكرى بالدرجة الأولى، ولم يتعرفوا بعد على إمكانية وجوده بينهم بدون (بدلة) عسكرية وخوذة حربية!

وبذلك، وفى ظل فقدان حكومات (أو وزارات) ليبيا المتعاقبة لأى سند شعبى يذكر، وقرارات كل من بريطانيا وأمريكا بالتخلى عن قواعدهما فى ليبيا وحماية النظام الملكى فيها، وسعى عبد الناصر الحثيث للقضاء على الأنظمة (الرجعية، عميلة الإستعمار فى المنطقة)، وتأثر غالبية الشعب الليبى بالتيار القومى الذى كان يجتاح المنطقة بسبب تفوقه الإعلامى، فماذا بقى لـ(دولة) ليبيا من أجل أن تستمر على قيد الحياة سوى:
أ - ولاء (القوة المتحركة)، وتفوقّها فى التسليح على الجيش الليبى.
ب - موالاة بعض القبائل للنظام الملكى.
والتاريخ أثبت أن هذه العناصر هى أسوأ من أى رمالٍ متحركة فى الربع الخراب!

أخيرا، أرجو من القارئ إعادة التفكير فيما قاله الزميل سمير بن على بشأن (اننا كليبيين ليس لنا تقييم مشترك للماضى)، وذلك من أجل التمهيد الجاد لوضع (تصور مشترك للمستقبل)...

وللحديث حتمًا بقية.

حسين الفيتورى
Feitouri@Hotmail.com
________________________________________________

1) من مقالة له بعنوان: قدَر ليبيا، يمكن الإطلاع عليها على الرابط التالى:
http://www.libya-watanona.com/adab/samirali/sb28016a.htm
2) تم فصل ذلك الآمر من الجيش الليبى بعد إنقلاب سبتمبر 1969 مباشرةً، وقد قابلته صدفة بعدها، وعرفت أنه يناضل من أجل قوت أسرته عن طريق العمل كـ(ضابط إتصّال) فى إحدى الشركات التجارية المتواضعة فى مدينة بنغازى.
3) لا أعرف إلى الآن لماذا قامت قوات الإنقلاب بنقل الضابط سالم صبرة إلى الخدمة المدنية، وتكليفه بعد الإنقلاب مباشرة بإدارة مكتب العمل فى بنغازى، حيث أخبرنى أحد المترددين على ذلك المكتب أن المذكور كان غالبا ما يغلق مكتبه على نفسه، ويمضى الوقت فى العزف على المزمار الشعبى المعروف بالـ(مقرونة)!
4) القلايا هى نوع من الطبيخ الليبى الذى يعتمد على الأجزاء الداخلية للضأن من كبد وكِلى وطحال ورئة...
5) كان المقصود من القرار هو الضغط على الحكومة المصرية عن طريق حرمان مصر مما كان ينفقه الليبيون من أموال عند سفرهم إليها للسياحة والعلاج وتزاور الأسر.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home