Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Husain al-Faitouri

Sunday, 26 February, 2006

فماذا نحن فاعـلون؟

حسين الفيتوري

المجد والخلود لشهدائنا، والفخر والعزّة لذويهم، والخزى والعار لكل من شارك فى مذبحة بنغازى الجديدة يوم 17/02/2006 من كبيرهم (الوحيد) إلى أصغر حقير فيهم قام بتنفيذ أوامرهم بإطلاق النار على المواطنين العزّل.

وبعد...

فماذا نحن فاعلون؟ سؤالٌ عظيمٌ ختمت به هيئة المتابعة، بالمؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية، ندائها الأخير، أتمنى أن يكون قد وصل آذان مدينتى الحبيبة، تلك العجوز المشاكسة التى لا تتعلم الدروس بسهولة، وكثيرا ما تضيّع سنواتٍ طويلة من عمرها الغالى فى إنتظار سماع حكمةً من نوع (ماذا نحن فاعلون؟)، أو فى إنتظار فارس أحلام يأتيها على صهوة جواد أبيض ليخلصها مما هى فيه، وهى عادة قديمة لبنغازى تعلمتّها منها عوانس ليبيا فى السنوات الأخيرة، إضافةً إلى بعض عادات أخرى مثل ضرب (التاقزة) وقراءة الفنجان وإرتداء الحجاب، الذى يضفى على من ترتديه صبغةً دينية يجعل منها (بضاعة) سهلة التصريف، فى زمنٍ لم يعد من الممكن فيه للمرأة، والرجل أيضًا، من خيار ثالث عدا الثورة والدّين.

بنغازى، عاصمة الـ(بنتا بولس)، أصبحت (ملْطشة) للجميع منذ أن حل بها سيدى غازى، وسيدى اخريبيش الذى تم بناء منارةٍ بإسمه على نهدها البحرى، تحيط بها مقبرة تحمل إسمه أيضا، فى تناقض صارخ بين دور المنارة التى تهدى السفن والبحّارة إلى ثغر بنغازى الجميل، ودور القبور التى تلفّ الموتى بظلامها الدامس!
ففى العهد العثمانى، وبإسم الخلافة، إمتص الأتراك وأعوانهم خيراتها ودماء وعرق أبنائها، ثم زوّجوها، هى وأخواتها، بالإكراه للطليان بعقد زواج باطل، تم توقيعه فى لوزان، فتزيّنت العروس برداء المقاومة منذ أول يوم للإنزال العسكرى البحرى الإيطالى الغاشم فى (جليانا).
وبالرغم من بشاعة الإحتلال وفظاعة أعمال قادته وعملائهم، إلا أن الأمور وقتها كانت أسهل إلى حدٍ ما، فأيامها كان الأبيض أبيضاً والأسود أسوداً، أما اليوم، فإن حبيبتى العجوز قد أصابها عمى الألوان بسبب أعمال وأقوال المخنثين والمخنثات من أبنائها وبناتها مثل رجب بو دبوس وهدى بن عامر ومن هم على شاكلتهما.
وفى عهد الإحتلال، قبلت (المالحة) بالزواج من عمر المختار، وبأمثاله من الأبطال، فنكّل بها الطليان، ونصبوا على جسدها الطاهر أعواد المشانق، وأعدموا كل من طالوه ممن شاركوا فى عرس زواجها من سيدى عمر، وبنوا سجنًا رهيبا بين منارتها وبحرها، أودعوا فى غياهبه كل من لم يشهد زورًا بعدم صحة زواج المالحة من المختار، وصاح أحد العملاء: سيدى عمر، سيدى عمر! فكانت فرصةً للطليان أن يقبضوا على العريس ويشنقونه على مقربةٍ من عروسه، فلعلّها ترضى بهم وتصمت.
فتوشّحت العروس بالحداد والعناد، إنتظارا لمن ينقذها من الأسياد، فجاءت قوات الحلفاء، تطارد قوات المحور، فدكّتها دكاً أعمى، بلغت ذروته إفناء عائلة (جعودة) فى ليلةٍ كانوا يحتفلون فيها بأحد أعراسهم، فتطايرت أشلاء عروسهم فى سماء بنغازى لتسقط بعد ذلك فى بيوت الجيران المرعوبين. وبعد كر وفر، بين الحلفاء والمحور، فى حربٍ فوق جسد بنغازى الطاهر، لم يكن لتلك العجوز فيها ناقة أو عنز، مات فيها من مات من أبنائها وبناتها، وسويّت مبانيها بأسباخها، فإذا بالعريس الجديد يأتى إلى بنغازى من الشرق، مع كوكبة من الفرسان ليعلنوا عهد الإستقلال الذى إحتضنته بنغازى ولكنه لم يحتضنها، بل حاول أن يتزوج عليها إحدى شقيقاتها، وأطلق عليها رجال بوليسه، وقوّاته المتحركة، من أبناء القبائل (الموالية) الذين كانت أهم أعمالهم القبض على المثقفين من أبناء العروس ومحاكمتهم بتهمة سبّ الملك (رحمه الله)، أو محاولة تأسيس حزب بدون ترخيص! وأخيرا قتلوا من أبنائها ثلاثة، وحرّروا بقوة السلاح أبناءهم من الضباط الذين كان يجب محاكمتهم، فقررت بنغازى طلاقهم، وقرروا هم طلاقها، فسلّموا رقابهم، ورقاب غيرهم، لمعمر القذافى، ذلك (الذايح) الذى إحتضنته بنغازى مثل غيره من (الذوّاح)، فكان ما كان، وأذاع (معمر) الذى كان إسمه يعتبر (عيبًا) فى بنغازى، بيانه الأول من إذاعتها، بمساعدة أحد أبنائها (غير البررة) وهو بالقاسم بن دادو، الذى رافق (معمر) حتى ظهور الثانى أمام ضريح معشوق الحبيبة، سيدى عمر! وأطلق ذلك (المخبول) عليها إسم مدينة (البيان الأوّل) ليوحى بذلك للناس أنه قد تمكن من فضّ غشاء بكارتها، فهو الأول! وإكتشفت حبيبتى الخدعة، ولو بعد فوات الأوان، ألم أقل لكم أنها عجوز مشاكسة، وكسلى فى تعلّم الدروس؟ ومن ذلك أنها إعتقدت أن الخونة من أبناء الجيران، مثل آدم الحواز وموسى أحمد وامحمد المقريف ومحمد نجم وعمر المحيشى، وغيرهم، سيخلّصونها من العريس الجديد الذى رحّبت به، ورقصت له، فى غفلةٍ من الزمن، عندما رأت فى عنقه (تفاحة آدم) وإعتقدت أنه كان أحد (الذوّاح) الذين ربّتهم، وسيكون لها بمثابة الإبن الذى سيعوضها عما مضى، ولكن هيهات، فقد قتل ذلك الخائن أبناءها، وإعتقل بناتها، ودمّر معالمها، من شارع بوغولة إلى سوق الجريد وسوق الظلام، وأخيرًا بقر أحشاءها لينتزع من جوفها حبيبها الغالى، سيدى عمر، فى محاولة بائسة لحرمانها من كل ما تملك وتعتزّ به.

مسكينةٌ أنت يا حبيبتى التى عرفت نواحك من ظلم ذوى القربة منذ 1973 عندما قُبِض على أبنائك بعد مظاهرة المقبرة التى دفن فيها 110 من أحبابك الذين لاقوا وجه ربهم بعد إنفجار صاروخ صهيونى فى طائرة ليبية كانوا يستقلونها فى رحلة إلى قاهرة (المعتز) التى كان يحكمها السادات فى ذلك الوقت، وفوجئتِ بـ(الثورة الثقافية) وإلغاء القوانين، بعد أن قام أحد سكانك (من أسرة بن عامر) بمسرحية التهديد بذبح طفله الرضيع إن لم يعدل (معمر) القذافى عن إستقالته المزعومة، يومها غمزتك، وغمزتنى، والحزن يعتصر أحشاء كلانا، وبما أننى تربيّت فى أزقّتك التى تعلمت فيها عدم جواز حديث الصغير، بنديّة، مع الكبير، فقد كتبت لك، كعاشق صغير، رسالةً على ورقة ورد، قلت لك فيها: يا عجوزى لا تلومينى، فقد إخترْتِ العريس الخطأ، وكنت أعرف يومها أنك تعرفين ذلك، ولكنى كنت مثل بقية الجبناء من أطفالك، صبيةً وبنات، يحاول كل منا تحرير صك براءة مما أصاب عرضك الطاهر، فقرّرتِ أن تعرضى عنا وتنتظرى عريسًا آخر، ولم يثنى عزمك ما حل بالجيش فى 1975، وما حل بالطلبة بعدها من شنق وتقتيل، وما أصاب الإقتصاد من زحف ومداهمات، فتعايشنا على ذلك إلى بداية الثمانينات (من القرن الماضى)، عندما بدأتِ تتزينين خفيةً عن عشّاقك من أمثالى، وترسلين أبنائك إلى القرى المجاورة لكى يتمكنوا من سماع إذاعات المعارضة الليبية بعيدا عن نطاق تشويش سفن معمر القذافى، وعندما همست فى أذنك، ذات ليلة من لياليك الجميلة: ماذا تفعلين يا عجوزى الحبيبة؟ فقلت لى بدلالك المعهود: إنهم قادمون لتحريرى، وقد قال أحدهم أن هذا هو العام الحاسم، فضربت رأسى فى الحائط، تماما كما يفعل كل من يغضب من أبنائك وبناتك، وقررت مغادرتك إلى غير رجعة، ولا أعرف إلى الآن، ما إذا كان قرارى ذلك صحيحا أم خطأً، غير أن ما أعرفه هو أنك بقيتِ، كعادة عوانس ليبيا، تنتظرين ذلك العريس الذى قالت لك (التقّازة) أنه سيأتى من الشرق، وقالت لك قارئة الفنجان أنه سيأتى من الغرب، وذلك فى مؤامرة محبوكة على عقلك الذى يشبه (كمبيوتر) مصنوع فى القرن الثامن عشر، هذا إذا كان هناك أى كومبيوتر فى القرن الثامن عشر، أو حاسوب، إن شئتِ؟

وبقيتِ عنيدةً كعهدى بك، وأميّةً كما حكم عليك، وعلى أخَواتك، سيدى إدريس وحكوماته المتعاقبة، عندما أغرقكن فى جهالة (طاعة أولى الأمر منهم) ومنع عليكن تكوين الأحزاب والمنظمات المستقلة، فأصبحتن كالحريم فى قصر السلطان، والذى صادف أن إستقال وترك البلاد، فوقعتن فريسة سهلة فى يد الملازم الذى أتقن اللعبة، فسنّ قانون تجريم الحزبية، وأمّم الصحافة الوطنية، فقبعتِ أنتِ وأخواتك خلف الجدران، تنتظرن ذلك الفارس الذى قالت (التقّازة) أنه سيأتى من وراء العتمة، من بلاد الغربة، ليتزوج منكن جميعا!

حبيبتى، لقد قلناها لك أخيرا بـ(الفُم المليان)، وبعد مكابرةٍ زادت عن ربع قرنٍ من الزمان: ماذا نحن فاعلون؟، وهى رسالة مشفّرة أردنا لها أن تخترق حجب أجهزة الأمن وتدخل إلى دماغك الغليظ، الذى لم يستطع التعلّم بالسرعة التى يتطلبها العصر الحديث، ولمعلوماتك، فإن هذه الرسالة تعنى، بعد تفكيك شفرتها: ماذا أنتِ فاعلة الآن؟

عليكِ أن تفهمى أنه لم يعد يحكمكِ الطليان، فميّزى بين الألوان، حكّامك الآن أشرس من الطليان، وخذى منى نصيحة عاشق ولهان، لا تنتظرى فرسانًا ولا عِرْسان، علّمى أبنائك وبناتك فن تنظيم العصيان، ووسائل مقاومة الطغيان، بأسلم الطرق، وأقلّ الأثمان، فالقفز فى الهواء لا يفيد، ودفن الرؤوس فى الرمال لا يفيد، والجلوس بجانب المذياع لسماع الأغانى، والقصائد والأناشيد، أيضا لا يفيد...

قلبى معكِ يا حبيبتى، ومع كل بناتك وأبنائك المخلصين، سوى من يعرفك منهم بإسم بنغازى أو بإسم بيرينتشى، عاصمة البنتا بولس وإقليم شيرين، فذلك لم يعد سرًا الآن.

إبنك
حسين الفيتورى
Feitouri@Hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home