Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Husain Erhouma
الكاتب الليبي حسين ارحومة

Monday, 14 April, 2006

قصة حياة الخبز وموت "التنور"

حسين ارحومة

الخبز.. مصدر رئيسي من مصادر الطاقة اليومية ومن العناصر الاساسية في النظام الغذائي للانسان وذلك لاحتوائه على فائدة غذائية كبيرة منها الالياف. والخبز يصنع بأحجام وأشكال مختلفة من عجينة تتكون موادها الأساسية من الدقيق والماء والخميرة والملح الذي يلعب دورا أساسيا في ابراز طعم الخبز.

الأهمية الغذائية للكمية اليومية المستهلكة من الخبز تكمن في أنه يمد الجسم بالسكريات المركبة التي بدورها توفر للجسم مادة الجلوكوزوهي من العناصر المهمة في الوقود الاساسي المطلوب لعمل أعضاء الجسم.

صناعة الخبز تعتبر حلقة من حلقات سلسلة الابتكارات الانسانية التي بدأ الانسان في بلورتها منذ حوالي 8000 آلاف سنة وبالتحديد في منطقة الهلال الخصيب بالشرق الاوسط. ففي المنطقة الخصبة الواقعة في بلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات) حيث كانت تزرع الذرة البيضاء والشعير والحنطة الرومية، كانت حبوب تلك المنتجات الزراعية تجفف ثم تطبخ كما هي الى أن اكتشف وطوّر الانسان الرحاة الحجرية. ومن هنا بدأ مشوار طحن الحبوب وطهيها في الماء لتؤكل في هيئة عجينة ليست كثيفة التركيب. وعن طريق الخطاء او بالصدفة تم اضافة كمية أكبر من المطلوب من الحبوب المطحونة الى اناء الطهي وكانت النتيجة هي الحصول على عجينة كثيفة التركيب. هنا اظطر الانسان الى صنع اقراص من تلك العجينة الكثيفة وتم طهيها فوق الاحجار الساخنة او تحت رماد النار وبدون تخمير. وهكذا ولد الخبز ليبدأ رحلته في هذا العالم وليتحول كذلك الى مطلب للشعوب الثائرة على الفقر والجوع والاضطهاد..فسمعنا عن ثورة الخبز ورزق وخبز الانسان وخبز المساواة، وربطناه بالدعوة الي الاخلاص في التعامل خاصة مع الذين أكلوا معنا ( عيش وملح ) وربطناه بالتخويف من شخصا ما قد ( ياكل خبزك) وتتحول رحلة البحث عن الرزق الى رحلة البحث عن لقمة العيش وهي الخبز.

أنتشرت فكرة تجفيف الحبوب من اجل استعمالها في الصناعات الغذائية وطحنها بالرحاة المنزلية التي تفنن الأنسان في صنعها، ، فابتكرت المطاحن الضخمة التي كانت في البداية تدار بواسطة الدواب او العبيد او بواسطة الطاقة الناتجة عن حركة الرياح واندفاع المياه في جداول الانهار، وذلك مقابل جزء متفق عليه من الكمية المطحونة تعطى لمالك المطحنة، او مقابل رسوم وضرائب تدفع للاقطاعي او للدولة. ومع انتشار المطاحن العامة التى ازداد عددها مع زيادة الاستهلاك، ارتفع كذلك عدد الأفران العامة التى كانت في البداية تقوم بتحمير او طهي الخبز لسكان المنطقة مرتين في الشهر ثم زادت من الوقت الذي توفر فيه خدماتها للعامة مع زيادة الطلب.

بالنسبة لاضافة مادة الخميرة لعجين الخبز، تدل بعض الاكتشافات والبحوث العلمية على أن الفراعنة على ضفاف النيل، كانوا أول من أدخل مادة لها مفعول التخمير الى عجين الخبز وذلك منذ 3000 سنة قبل الميلاد.

والخميرة هي ميكروب وحيد الخلية ويتواجد في الهواء وفوق بشرة الانسان وفوق اوراق الشجر وفي كل مكان تقريبا تتوافر فيه الرطوبة ودرجة الحرارة الكافية والغذاء اللازم لبقاء الميكروب. لا احد يستطيع ان يجزم اذا ما كان اكتشاف مشروب البيرة حدث قبل اكتشاف عملية تصنيع الخبز المستعملة في عجينته مادة الخميرة ام ان العكس صحيح. علي اية حال كل المعلومات والآراء المتوفرة حاليا عن تاريخ الخبز وتطوره تميل الى تصديق أن بداية استعمال الخميرة في عجين الخبز لمضاعفة حجم العجين حدثت عن طريق الصدفة: حيث ترك لسبب من الاسباب خليط الماء والطحين في الهواء الطلق وبدون غطاء في درجة حرارة دافئة، ليكتشف فيما بعد تضخم الكمية ودخول نسبة كبيرة من الهواء اليها. بعد ذلك تم استقطاع جزء من العجينة ليتم اضافتها الى كمية عجينة اليوم التالي حتى تم اكتشاف الخميرة معمليا التي يساعد وجودها في عجين الخبز على تضاعف حجم العجين.

ومن ذكريات الطفولة التي لاتزال عالقة بفكري من البيئة الليبية، استعمال الكثير من العائلات للمطاحن العامة التي وجدت بكل مدينة تقريبا في ذلك الوقت . ففي مدينة الخمس الليبية مسقط رأسي، وبسبب عدم قدرة الأغلبية من سكان المنطقة في تلك الحقبة على شراء دقيق " الفارينه" الغالي سعره والذي أحضره المستعمرين الطليان الى ليبيا، كان هناك "طاحونة شولاق" الشهيرة والتي كان زبائنها يأتون من داخل وخارج مدينة الخمس محملين ببذور القمح والشعير لتطحن بتلك المطحنة مقابل مبلغ بسيط. وعلى ما أذكر كان هناك خط خاص بمطحنة شولاق لطحن ثمار الفلفل المجفف والبهارات الأخرى وخط آخر لانتاج خلطة "الزميطة" ( او الزميتة وهي من الأكلات الشعبية الليبية القديمة). كنا نحن الأطفال في ذلك الوقت نتجمع امام المطحنة ونتابع ما يقوم به العاملين بالمطحنة من أعمال ونجد طرافة في النظر اليهم وهم مغطين بغبار الدقيق الناعم من قمم رؤوسهم الى أخماص اقدامهم وذلك بسبب قدم الآلات المستعملة وانعدام التهوئة الجيدة في تلك المطحنة في ذلك الوقت. والحديث عن الخبز يمر بمحطة الحديث عن الطاحونة وليصل بعد ذلك الى الحديث عن "الكوشة" التي في اللهجة العامية الليبية تعني المخبز او الفرن..ومنها اشتق مصطلح او اسم " الكوشة" الثاني الذي يعني مجلس العروس والعريس المزخرف ليلة الزفاف والمعروف بارتفاع درجة حرارته كذلك....

بعد طحن الدقيق، يأخذ الزبون بضاعته ليعود بها الى بيته ولينتهى المطاف بتلك البضاعة الى "دار الخزين" حيث تخزن ربة البيت المواد الغذائية كزيت الزيتون والسكر والملح والتمر المجفف وبعض المواد الغذائية الأساسية الأخرى مثل القديد (شرائح من لحوم خرفان العيد تجفف في الهواء الطلق وتحت اشعة الشمس ثم تحفظ في خليط زيت الزيتون والملح وبعض البهارات). والسبب في وجود "دار الخزين" في البيوت الليبية في تلك الفترة الزمنية يرجع الى تخوف الناس من ارتفاع اسعار المواد الغذائية الاساسية او اختفائها من السوق، او من أجل ضمان استمرارية وجود كمية من المواد الغذائية تكفي أوقات الازمات او الحروب وتوقع حضور بعض الضيوف في أي وقت وبدون موعد. ومن الأسباب الأخرى لوجود دار الخزين في البيوت الليبية في فترة ما قبل الثمانينيات هو ارتفاع عدد أفراد العائلة الليبية الى أكثر من عشرة أفراد وعدم انتشار المحلات التجارية والمخابز والأفران كما هو الحال اليوم. فلم يكن من السهل على أفراد العائلة - خاصة رب الأسرة- الذهاب الى السوق عدة مرات في الأسبوع من أجل شراء لتر من الزيت او كيلو من الحمص المجفف. فمن الأفضل شراء 10 لترات زيت أو أكثر و50 كيلوجرام من الدقيق و10 كيلوجرام سكر مرة واحدة وبكمية تكفي لعدة أسابيع أو لعدة أشهر..وتحافظ عادة تخزين المواد الغذائية الاساسية في دار الخزين على بعضا من وجودها حتى هذا اليوم.

من المخابز والأفران التي أتذكرها من مدينتي، كوشة الحاج زايد، كوشة بن زايد ثم كوشة بن رفاد، والأخيرة كانت الأحدث حتى أواخر السبعينيات. وكما هو الحال في أغلب البيوت الليبية في الفترة الممتدة حتى أواخر الستينيات، لم تكن الأفران الكهربائية او التي تستخدم الغاز في تسخينها موجودة في مطابخ تلك البيوت. والاسباب وراء عدم امتلاك أغلبية الأسر الليبية لأفران كهربائية او أفران تعمل بطاقة الغاز المشتعل تعود الى عدم وجود شبكة كهربائية في ذلك الوقت تربط كل البيوت وارتفاع أسعار تلك الأفران مما أدى الى عدم شيوع استعمالها وأعتبارها من الكماليات. وبسبب ارتفاع عدد أفراد الأسرة الليبية وغلاء خبز المخابز، كنت تجد في أغلب باحات البيوت القديمة خاصة ركن خاص يبنى فيه فرن خاص بالعائلة يسمى "التنور". و"التنور" هو أناء كبير مدوّر ومجوف يصنع من الطين ويجفف بحرقه في النار وتختلف أشكاله وأحجامه ويباع في الأسواق العامة. بعد احضار "التنور" الى ساحة او ركن من أركان البيت يكون قريب من المطبخ، تتم عملية تثبيته ودعم جوانبه الخارجية السفلى بالأحجار والطين الذي كان يستعمل في البناء قبل شيوع استعمال الأسمنت وقبل أن يلوث مصنع اسمنت المرقب بيئة ورئات جيرانه. وطريقة استخدام "التنور" تعتبر طريقة بدائية جدا، لكنها تنتج خبزا لذيذا يسمى في الكثير من المدن والقرى الليبية بخبز التنور. فبعد أن تقوم ربة البيت ومن يساعدها في الأعمال المنزلية من البنات والقريبات بتحضير عجينة الخبز المستخدم فيها خليط من دقيق القمح والشعير والماء والملح، تترك العجينة مغطاة بقطعة من القماش الى أن يحين موعد طهيها وتحميرها في الفرن.

لتسخين "التنور" توضع بقاع الفرن قطعا من أغصان الشجر وقطع اخشاب النخيل الجافة ثم توقد فيها النار وتترك لبعض الوقت ثم يغطى "التنور" الا قليلا حتى تسخن جدرانه الداخلية مع مراعاة ان لا يغطى بالكامل حتى لا تنطفي ناره. قبل وصول درجة حرارة "التنور" الى درجة حرارية معينة تعلمها ربة البيت جيدا، تقطع العجينة الى قطع صغيرة تصنع منها الايدي الكريمة لربة البيت وطاقمها المساعد أقراصا رفيعة وبأحجام تختلف من منطقة لأخرى. تبلل الأيدي بالقليل من الماء وزيت الزيتون وتصنع من اقراص العجين ارغفة خبز يتم لصقها بسرعة وبمهارة فائقة على الجدران الداخلية لفرن التنور. بعد ذلك تتابع "الخبازة" ومساعداتها نضج ارغفة الخبز الى أن يحين موعد اخراجها من الفرن قبل أن تحترق وذلك باستعمال عصاتين خشبيتين. في الهند وبعض الدول الآسيوية الأخرى يستعمل مواطني تلك الدول الفرن المسمي ب " التندور" ولا أعرف اين كانت البداية؟ هل هو التنور اولا ثم التندور ام العكس؟ وهل بدأ ساكني شبه الجزيرة الهندية الاوائل في استعمال فرن التندور قبل سكان شمال افريقيا بما في ذلك الفراعنة أم أن احد غيرهما سبقهما الى ذلك. تشابه شكل واستعمالات فرن التنور وفرن التندور يعطي للموضوع أهمية جديرة بالبحث!

في المناسبات الاجتماعية الليبية كالأعراس والمناسبات الدينية كالأفراح، وبسبب حضور ذلك العدد الكبير من الاقرباء والاصدقاء للزيارة ومشاركة الآخرين في تلك المناسبات، بالطبع فان انتاج " التنور" من الخبز لا يكفي لتغذية كل الضيوف، أظطررت الأغلبية الى الرضوخ للأمر الواقع واللجؤ لشراء الخبز الجاهز من المخابز والاسواق.

وفي الأيام الأخيرة من الشهر الكريم، تنشط ربات البيوت وتتجمع النسوة لصنع كميات كبيرة من الحلويات التقليدية التي تقدم للضيوف وللزوار في عيد الفطر مثل الكعك والغريّبة والمقروض وغيرها.

بداية مشوار الصناعة الحديثة للخبز المتعارف عليه اليوم كانت في اوروبا وبالتحديد في فرنسا، حيث ظهرت آلات صناعة عجين الخبز التي كانت تدار بواسطة الكلاب في سنة 1836 في باريس.واستمرت الابتكارات ورحلة الاختراعات المرافقة لصراع الانسان من أجل البقاء والحياة فوق ظهر هذة البسيطة، الى أن بدأ استعمال الطاقة الهوائية في ادارة المطاحن ليصل الانسان بعد ذلك الى مرحلة استخدام الطاقة البخارية في تشغيل مطاحن الحبوب. ومع بدايات القرن العشرين، انتشر استخدام الالات الميكانيكية في صناعة الخبز وتطورت الافران التي تعمل بالطاقة المتولدة عن طريق احتراق الفحم وقطع الاخشاب والبخار والغاز المشتعل، الى ان وصل البشر الى مرحلة استخدام الكهرباء في تسخين الأفران وتشغيل المطاحن الضخمة. وارتفعت القدرات الانتاجية لتلك المنشأت بشكل رهيب ومستمر لتغطي الطلب المتزايد على هذا الغذاء اليومي المهم للانسان وهو الخبز.

لازلت أتذكرمنظر أرغفة الخبز المعروضة في ما كان يسمى ب"دكاكين الخبزة" بوسط مدينة الخمس..وكان هناك الخبز الأبيض والأسمر وفردة القرش والخبزة المدوّرة وخبزة المداس وهي نوع من ارغفة الخبز الخاصة بشهر رمضان تصنع بشكل مستطيل تقريبا وترش بحبات السمسم اطلق عليها العامة اسم " خبزة المداس" لأن شكله يشبه شكل الحذاء!!! وبعد تحسن الحالة المادية للعائلات الليبية ودخول الكهرباء لكل بيت تقريبا، انتشر استعمال الأفران الكهربائية والأفران التي تستخدم الغاز ليختفي " التنور" وخبزه اللذيذ من حياة العامة. ومع وصول الدعم الحكومي لسعر الدقيق وتحسن الحالة المادية للمواطن، ازداد عدد المخابز والأفران الحديثة التي تنتج الخبز والحلويات بمئات الكيلوات في سرعة مذهلة، تعلم المستهلك البذخ وفقد الخبز احترامه وهيبته، والدليل هو امتناع الأغلبية عن أكل الخبز البايت، ووجود كيلو او اثنين تقريبا من الخبز بسلة نفايات كل عائلة يوميا.

ومن الطرائف المعروفة عن الخبز وصناعته:
- يقال أن حريق لندن الكبير في سنة 1666م، كان سببه خبازا.
- في سنة 1762م طلب ( الايرل اوف ساندوتش ) أن تقدم له بعض قطع اللحم المحمرة الرفيعة بين قطعتين من الخبز..لتولد بذلك حكاية وبداية اسم " الساندوتش " المتعارف عليه اليوم في كل بقاع العالم تقريبا.
- هناك مهن كثيرة احترفها بني البشر منذ القدم ومهنة الخباز او الفرّان تعتبر من أقدم المهن في العالم. ويقال أن أول نقابة عمالية تأسست في العالم هي نقابة الخبازين في مدينة روما عاصمة الامبراطورية الرومانية وذلك في سنة 168 ق.م.

لازلت التقط قطع الخبز المرمية في الشوارع كلما صادفتني، لأضعها في مكان بعيد عن اقدام البشر كما تعلمنا من آبائنا الأفاضل وأمهاتنا العفيفات.. وذلك احتراما للخبز رمز الطعام الموهوب لنا من الطبيعة التي صنعها الله. كلوا من طيبات ما رزقناكم واتقوا الله في ارزاقكم وارزاق الآخرين.. وكل لقمة عيش وانتم طيبين.

حسين ارحومة
هلسنكي ـ مارس 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home