Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Hasan Bousaif
الكاتب الليبي حسن بوسيف


حسن بوسيف

Monday, 11 December, 2006

فضـاء

حسن بوسيف

- يا عم ألم ترَ صاحب هذه الصورة ..!
- أين ...؟!
- إنه الواقف يسار الصورة .. الذي يرتدي بزته العسكرية ؛ الصورة قديمة، هو الآن أكبر قليلاً !. إنه أسمر نحيل طويل .. ألم تره يوماً مر من هنا ..!
أخذ منه الصورة، نظر فيها طويلاً .. عقد حاجبيه ..ثم انفجرت على محياه ابتسامة .. مردّداً : نعم إنه هو ..!
نعم عرفته رجلا طيبًا جداً و صالحاً جداً .. إنه ( موسى ) الذي وجد القارب المثقوب .. فأصلحه بقطعة من الفلين .
لكنه رحل فجأة دون أن يقول لنا شيئًا .. علمنا أشياء كثيرة .. هذه القرية البحرية لولاه ما كانت .
- لكن لماذا تسأل عنه، وهل تعرفه ..؟
نظر إليه الشاب، إنه أبي لكنه لم يكن يُدعى ( موسى ) .. كان اسمه ( محمد ) !
- نحن عرفناه بـ ( موسى ) !
- أرجوك يا عم قل لي أين يمكنني أن أجده ؟ فأنا منذ زمن ابحث عنه ..
- كـان محباً للبحر .. ربما تجده في إحدى القرى البحرية المجاورة ..
- وجدته في القرية التي تسبقكم ، لكن باسم آخر كان اسمه
- ( عيسى ) .. كانت القرية تشتكي من مواجهة البحر ومن المواجهة المباشرة لأمواجه .. صنع لهم عربة ونقل بها الحجارة الكبيرة ووضعها في البحر .. لكي تكون حاجراً لهم من الأمواج .. ونجحت فكرته .. وأثناء عمله جُرح وسال دمه على صفحة البحر.. وانتشرت فوق سطحه .. افزع منظرها الناس ..لكنه لم ينتبه ..
صرخ فيهم هذا دمي أقدمه لكم قربانًا، وهذا جسدي أهديه لكم وهذا ما هداني إليه عقلي .. فقط اعملوا .. البحر اكثر رحمة من الصحراء، لن يشرب دمي لأنه محرم عليه في الناموس الغائب .!
ومثلما حدث معكم .. استيقظ الناس فلم يجدوه .. لكنهم اسموا الصخور باسمه ( عيسى )
- أين تظنه رحل ؟ في أي اتجاه ؟...
- أعتقد أنه رحل باتجاه الشمال القريب .. لكن لي سؤال لو سمحت لي به يا بني ..!
- تفضل يا عم فأنا أحتاج جداً للكلام .. طال سفري وطال معه صمتي !
- لماذا خرج والدك ولم يخبركم ؟!
- أخبرتني أمي بأنه عندما عاد من الحرب في الصحراء كان كثير الصمت .. يزوره في نومه كابوس فيستيقظ مفزوعًا وهو يردد كلمات غير مفهومة لها .. ويتجه نحو الحمام مباشرة .. ليضع رأسه تحت الماء البارد ويعود برأسه المبلل .. يجلس على حافة السرير .. ناظرًا إلى المرآة التي أمامه .. اكتشفت أمي أنه كان يبكي ولا يريدها أن ترى دموعه لذلك كان يجعل رأسه مبتلا بالماء الذي يسيل على وجهه .. وعندما كانت تحاول الاقتراب منه محاولة سؤاله عن سبب ما يحدث له ..
كان يعود للكلام غير المفهوم مثل " أشعر بأنني أتمزق .! بأن وجهي تخرج منه حية .!
كانت تقول له هل هذا هو الكابوس الذي تراه ؟ يقول لا .. الكابوس الذي أراه هو أنني أرى نفسي اغرق في بحر من الرمال .. ثم آتي إلى البحر على هيئة فارس من المياه وحصان كذلك .. يصبح جسدي ذرات مياه، ويتحطم على الصخور مثل الموجة .. وأعود للتجمع من جديد.. فارس وحصان من المياه ، لكن هذه المرة أتوجه نحو الرمال التي ابتلعتني .. وأجد جسدي غارقاً في الرمال ولا يظهر منه سوى يداي فقط!.
وأحاول إنقاذ جسدي .. ومجرد أن تتلامس الأيدي ـ المائية و الرملية ـ تغرق الصحراء كلها في مياه البحر الممزوجة بالرمال .. تصبح المياه ثقيلة .. وتعجز الحياة على اختراقها فلا تعيش فيها سمكة ولا تصلح لجذور النبات .
لكنه بعد أن يستفيق من حالته هذه .. كان يلعن الصحراء لأنها عطشى جشعة لا تحترم دم الإنسان ..
وعندما كانت تسأله عن السبب .. كان يقول بأنه رآها وهي تمتص دماء أصدقائه وتترك أجسادهم .. هكذا مثل الحجر مقددة بفعل الشمس .!
كان يقسم بصوتٍ عالٍ في الغرفة بأن يجردها من سكانها الطيبين .. ويجعلهم من سكان البحر .. البحر بقسوته اكثر دفئًا منها .. إنه يستحرم دماءنا .. لا يستطيع ابتلاعها .. بل يرفضها وينشرها على سطحه .. مثل المذعور .. يحاول أن يبرئ ذاته أمام الله بأنه لن يمس دماءنا مهما حدث .!
وصل في قسمه بأنه سيتعلم لغة الجن كي يسكنهم البحر .. سوف يجرد الصحراء من كل شيء .!
هذه يا عم قصة أبي .
-أعتقد بأنني أستطيع أن أدلك على مكان أبيك .!
- أين أجده ...؟
- سكن الجزء الشرقي من القرية بمحاذاة الشاطئ عائلة جديدة، أهلها يرتدون ألثمةً على وجوههم .. ربما تجده هناك .
- وجد العائلة، ألقى عليهم التحية .. عرفهم من اللثام الموجود على وجه كلٍّ منهم !
اخرج الصورة وقربها لرجل نحيل طويل .. هل تعرف صاحب هذه الصورة ؟
- أخذ الصورة منه.. تعرف عليه من دون أن يخبره عن موقعه في الصورة ..
- كان هنا أمس ...
- وأين هو الآن ؟
- لقد استيقظنا اليوم فلم نجده ..!
- أين ذهب ...؟
- سأقول لك لكن أخبرني من أنت لكي تسأل عنه !
- إنه أبي .. ( عانق الرجل الشاب )
- أبوك رجل طاهر وجدناه في الصحراء مغمىٌ عليه .. أنقذناه فراح يخبرنا عن البحر والبيوت وبأن الإنسان يجب عليه أن يقيم بيتاً لكي يترك أثرا له في الدنيا .. البيت هو الأمان .. هذه الصحراء الجرداء لا تصلح للحياة .. كانت زوجتي تستمع له .. لقد ضاقت بها الحياة في الصحراء .. فقررت أن نذهب معه .. وهذا ما فعلناه .. جئنا هنا وبنى لنا بيتًا من الطين .. ثم اخذ منا التمائم المعدنية التي تحمينا في الصحراء وصهرها صانعاً منها الشصوص لكي نصطاد بها .. علمنا الصيد .. أبوك هذا رائع جداً .
- المهم أين ذهب ؟ أرجوك اخبرني أنا منذ زمن أبحث عنه .!
- لقد ذهب إلى الصحراء .
- ولماذا ...؟
- لكي يتعلم لغة أهـل الجن ..؟
- ولمــــــــــاذا..؟
- لكي يقنعهم بأن يأتوا إلى الشمال ...


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home