Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Hasan Bousaif
الكاتب الليبي حسن بوسيف


حسن بوسيف

Thursday, 1 March, 2007

صخب صامت

حسن بوسيف

أنظر لسقف الغرفة ، ممددة بجواري عيناها مثبتتان بالسقف كعيني .. كلانا لا ينظر بالاتجاة ذاته ، أراقب الذرات الصغيرة التى تهبط منه باتجاهي وتخترق جسدي .. الضوء المنبعث من الشموع التى زينت بها الغرفة ترسل رائحة عطرية لم استطع تحديد نوعها .!
بالنسبة لي لم تكن هي إلا رائحة او مجموعة روائح .. أشعر بأنني مجرد روح ٍجائعة تبحث عما يشبهها !
رائحة كحل ..
رائحة ظلال فوق الجفنين
شذى ابط معنبر ..
شذى احمر شفاه
شذى عطر موضوع بعناية خلف الإذنين
عبير حنة مشتعلة في الإقدام الطرية
عبيرها وهي مبتلة بي ، وأنا مبتل بها .!
عبير مناديل ورقية مبللة .!
رحيق معجون أسنان بنكهة النعناع
معطر فم بنكهة الخوخ اشتريته من محل تبغ ، أفرغته كله بفمي دفعة واحدة بعد أن دخلت لتتوج نفسها بهذه الورائح . على شاطئ راس التين بعد أن تعلو الشمس صباح يوم السبت كنا نستلقي على رمال الشاطئ ناظرين نحو السماء التى تهبط منها ذرات صغيرة بإشكال مختلفة وتخترقنا دون ألم ..كنا نظن أنها الحسنات .! فنتسابق على حصاد اكبر قدر منها من أجل غسيل ذنوباً من عشية الجمعة وصباح السبت .
يخرج الرجال من صلاة الجمعة تمر الحافلة التى تحمل عمال الشركة الأجنبية و زوجاتهم متجهة نحو البحر .. رجال قريتنا مازالوا مجتمعين امام باب المسجد عقب الصلاة .. كنا نلاحظ الفرحة التى ترتسم على وجوههم لرؤية الحافلة تلك الفرحة المصحوبة نشوة مكبوتة ويصبح الحديث يدار بينهم بتقنية صعبة ليست اشارات ولا كلمات . بل كانت بهذا المعنى الحديث بهمس عمَّا لا يمكن البوح به .!
بالنسبة لنا كأطفال لم نكن نعرف هذا العناء ..كان يسمح لنا بالسباحة مع زوجاتهم بملابسهن المكونة من قطعتين .! لكن بعد أن نعد لرجالهم الحفر التي سيدفنون فيها أنفسهم .. كانت عند الرجال الأجانب عادة دفن أجساهم في رمال الشاطئ الساخنة وقت الظهيرة .
لم نكن أطفال بما يكفي .. كنا نعرف ما يثيرنا في غيرنا لهذا كنا نخترع لعبة الغوص خلف الحجارة التي سنلقيها في القاع وننتظر منَ مِن النساء ستغطس وتحضرها ومجرد ان تضع رأسها في الماء نأتي خلفها لرؤية خصرها الذي سيرتفع فوق الماء ..ليحدث الشروق في وجهنا وقت الظهيرة .. وننتظر خروجها بالحجارة كي نرى ثدييها وهما متدليين خلف الحمالات .
كانت أثداء نسائنا اللواتي يسبحن في فجر يوم السبت ويعدن الى البيوت عندما تعلو الشمس اكبر من اثداء الاجنبيات وأكثر ترهلاً.. لم يكن يلبسن ملابس مثل الاجنبيات بل يسبحن بملابس البيت التى تلتصق على اجسادهن بسبب الماء فترسم تفاصيله .. الاثداء خلف ملابس البيت تشبة اكياس اللبن .!
لم تستمر متعتنا ومتعة رجال القرية الذين كانوا يكتفون بالجلوس على الكثبان الرملية المحيطة بالشاطئ لرؤية النساء الاجنبيات وهن يسبحن .. انتهت فرحتنا وفرحة رجال القرية بسبب فرج الذي طلبت منه احداهن ان يدهن جسدها بالزيت ، نامت على ظهرها .. بدأ في عمله لكن فجأة ملأ صراخها الشاطئ...
أنقطعت الحافلة لمدة شهر عن دخول القرية .. وبعدها دخلت لكن خلفها جيش من سيارات الشرطة تحميها ومنعنا من السباحة معهن..جلس رجال الشرطة على الكثبان الرملية التى كان يجلس عليها رجال قريتنا .
بهذه الفعلة حرمنا فرج من فرحتنا ليتزوج بعدها مباشرة .. أصبح يمثل لنا نافذة على العالم الذي نعرفه ولا يمكننا الحديث عنه .. هو الذي اخبرنا بأن الاثداء لا تختلف هي واحدة لكنها تختلف فقط في الحجم مثل قناديل البحر .. وملمسها الى حد كبير يشبه ملمس قناديل البحر .
وهذا ما تيقنت منه الآن ..أضغط عليه بأصبعي ملمسه طري ماعاد خشونة لذيذة عند هالته البنية .. لكن فرج اضاف لنا بان للمرأة رائحة تشبه رائحة اللحم المجمد الموضوع في الماء كي يذوب عنه الثلج .!
هذا الذي لم استنشقه الآن .
تحركت من مكانها مع حركتها أذنت لروائحها ان تنبعث وهي تسير امامي كانت الاضاءة التى ترسلها الشموع تسمح لي برؤية القوسان اللذان يبدأنا من تحت أبطيها ينفتحان عكس بعضهما وبفقرات العمود الفقري البازرة قليلاً وهي منحنية تبحث عن حذاء الحمام .
ولكي أتأكد استنشقت بنهم الجزء الذي كانت تنام عليه مازال رطباً من عرقها ورائحته مجموع روائح تركتها هي هنا ...
فرج لم يكن صادقاً معنا في كل ما قاله .. لهذا وضعت يدي على صدري كانت هناك طبقة لها ملمس زيتي مسحتها وقربتها من أنفي فلم استنشق شيئاً .. وضعت ظفر إبهامي وفركت جلد صدري كي انتزع منه رائحته لكن دون جدوى لم تكن له رائحة معينة بل هو عبارة عن رائحته .

*   *   *

في مقهى الانترنت جلس امام جهاز الكمبيوتر المجاور لي رجل متوسط العمر طويل ذو لحية يحمل معه ظرف كان ينظر للشاشة بانتباه وبعد دقائق خرج وترك الظرف البني على الكرسي اخذته ولحقت به لكنه ركب سيارته وغادر .. قرأت العنوان الموجود على الظرف ( بنات الغابة / سالم العوكلي ) شدني العنوان فقلت سأخذه و اقرأه في الطائرة خصوصا ان رحلتي لم يبقَ على موعدها غير ساعتين وعلّي أن أكون الآن في المطار .
في الطائرة الخوف والتوتر يدفع الناس للسلوك الحميمي لهذا اخرجت المخطوط وبدأت اقرأه ...
أعجبتني قطعة فأردت ان أضع عليها علامة بقلم فبحتث في جيوبي لم أجد وعندما سألتني قلت لها اريد قلم أضع علامة على هذه القطعة .. نظرت للكتاب لم يكن بعد كتاب هو مجموعة اوراق مطبوعة على الكمبيوتر ومغلفة تغليفاً حلزونياً .. قرأت الاسم ثم قالت هل اسمك سالم بدون أي ارتباك قلت لها نعم وهذا كتابي أريد طباعته في طرابلس ، هل انت كاتب نعم و شاعر .. شعرت ببريق في عينيها عندما عرفت بأنني شاعر لم تكن جميلة لكنها معقولة لكن لها جسد جميل لهذا قدمت لها المخطوط كان يبدأ بقصيدة أسمها من أول السطر .. وهي تقرأ في سرها كنت أراقب حركة شفتيها .. كنت قلت بأنها ليست جميلة لكن هذا لا يعنيني كثيراً فماذا لو كنتُ اعمى الان ؟ هل يعنيني أن اتعرف على امرأة جميلة ؟ لو كنت أعمى لما فكرت في أن القبلة التى منحتها لي أمرأة هل هي قبيحة او جميلة او حتى قطة .. المهم ان تكون انثى .. وانا انظر لشفتيها اعطتني المخطوط بعد أن أنهت قراءة القصيدة .. لكنها قالت اسمع : كلامك المكتوب حلو ولا اعرف أن اعبر عما اشعر به غير أن كلامك حلو ..!
لكي ابرهن على أنني مثقف لجأت للعبة الغموض في الكلام ـ كي نشعر غيرنا أنهم اقل منا فهماً ـ لهذا قلت لها أن هذه القصيدة هي تعبير عن ضمور الواقع في سيكولوجية الأنسان .. وانا اتحدث بدأت تهز رأسها بتلك الحركة التى توحي بأن كلامك مفهوم .. إذاً هي الآن توقع معي عقد الكذب المسموح به لهذا عرفت بأن الأمور لن تنتهي عند هذا الحد بيننا .. فهي لو سألتني عن معنى كلامي لكان ظهر على وجهي الكذب لأنني لستُ فاهماً لما قلت .
وبعد هبوط الطائرة في مطار طرابلس دعتني لركوب التاكسي معها ...

*   *   *

دخلتُ الحمام كان لونه وردي ومؤثث بكل الروائح التى تخص الجسد .
عندما خرجت وجدتها جالسة على الاريكة المقابلة للتلفاز وقد ارتدت قميص نوم قصير وهي تمسك بالمخطوط وفتحته على الصفحة نفسها التى أشرت عليها بالقلم وطلبت مني ان اقرأ لها .( كانت مجتمعاتنا المرتبكة التي تركت الغابة ولم تصل إلى الحداثة تتقن هذا المس الجديد لمفهوم الجسد عبر نخبتها العالمة ضمن المعرفة المحدودة التي أسرت الجسد في قبضة الشعوذة الاجتماعية وصار جزءاً منها ، عاره عارها وهزيمته هزيمتها ، ونزوته مصدر تهديد لشرفها ، فانهمرت عليه الأقفال تباعاً وحاصرت الملابس حركته المرتبكة .. ليس بعيداً عن بقايا الغابة الجافة كنت صغيراً بما يكفي لحضور إحدى حفلات المحو الطقسي لهذا الجسد .. كانت المرأة المسنة العالمة تفتح الصندوق المزخرف(بورنة) تضع الطفلة في داخله .. تثبت بين أسنانها نواة تمرة وتملي عليها ما تقول: أنا حيط والرجل خيط .. تقفل عليها بسبع رنات سحرية ، ثم تخرجها مصفحة ضد أي فعل جنسي .. ليصبح بإمكانك أن تفعل أي شئ مع البنت إلا تهديد بكارتها ذلك النسيج الرقيق المرتبط بشرفها..يسمى هذا الطقس بالتصفيح وهو الختان الكلي للأنثى حتى ليلة زواجها حيث يكرر الطقس نفسه باختلاف الملفوظ .. تضع الطفلة تمرة دون النواة بين أسنانها وتقول : أنا خيط والرجل حيط .. ظل هذا المشهد إحدى ذكريات الطفولة التي ترسبت في ذاكرتي ، سمعت الكثير فيما بعد حوله ، لكني اعتبرته شيئاً رمزياً لا يمكن أن يؤدي نتيجته ، كالحجاب الذي وضعته أمي حول رقبة بقرتنا الحلوب خوفاً عليها من الحسد ، لتقطعه بعد أيام قليلة وهومضرج بالدم بعد أن دهستها شاحنة على الطريق ولتحرقه فيما بعد وتدفن رماده في حفرة عميقة ..لذلك اعتبرت كل هذا الطقس وهماً اجتماعياً حتى تلك الليلة التي تعرت أمامي فيها البنت الفائضة الأنوثة ، وكانت واثقـة من كل شئ ، أخبرتني إنها مقفلة منذ طفولتها وكانت فرصتي لدحض هذه الشعوذة التي تابعت يوماً تفاصيلها مع البنات اللاتي كن يلعبن معي .. وحدث تلك الليلة أن اكتشفت ما صرت عاجزاً عن تفسيره ، فكنت خيطاً وكانت هي حيطاً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .. كنت في مواجهة الأسطورة وجهاً لوجه ...) جرس موبايلها نظرت للرقم الظاهرعلى الشاشة وضعت يدها على فمي !
ـ نعم ، حمد الله على السلامة ، لا شيء كنت نائمة فقط ، عشرة دقائق وسأكون عندك في المطار .

*   *   *

امام فندق احجنة الشاطئ انزلتني من سيارتها دون وداع .. كنت على امل ان تنظر لي في المرآة الداخلية للسيارة .. لكنها لم تفعل .. في زجاج باب الفندق رايت عربات الشرطة ورجالها الذين يجلسون على الكثبان الرميلة للشاطئ وينظرون للنساء الاجنبيات .. وتذكرت بأنني تركت المخطوط في شقتها لهذا سأنتظر عودتها.

Hos372002@yahoo.com
Hos37@hotmail.com
درنــه
________________________

ـ التضمين من كتاب ( بنات الغابة ) للشاعر الليبي سالم العوكلي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home