Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. El-hadi Ali Bohamra
الكاتب الليبي د. الهادي عـلي بوحمرة


د. الهادي علي بوحمرة

الثلاثاء 21 ابريل 2009

ضرورة المحاكمة الجنائية

د. الهادي عـلي بوحمرة

المحاكمات العادلة من ضرورات السلم الاجتماعي ، حيت لا سلم ولا استقرار إلا بوجود فعال للقانون ، ولان الدولة يجب أن تحتكر فعل القوة والإكراه ، ولان هذا الاحتكار من قبل الدولة القائم عليه النظام القانوني هو لازم من لوازم استقرار المجتمع ، فان على الدولة التدخل في مواجهة من يرتكبون الجرائم لتحقيق الغاية التي بني عليها الاحتكار، لان عدم استعمال القوة والإجبار من قبل الدولة عندما يكون هناك انتهاك لحقوق وحريات الأفراد يعنى انه عطل كحق للإفراد(حق الدفاع) باحتكاره من قبل الدولة ، وعطل من طرف الدولة بعدم تفعيل القانون ، وبالتالي لن تتحقق الوظيفة التي يستعمل لها العنف الشرعي ، وهى السلم الاجتماعي والأمن الفردي . ومن هنا كانت الحيلولة دون محاكمة بعض الأشخاص للحصانة القانونية والواقعية، أو عدم تنفيذ الأحكام القضائية مصدرا من مصادر تهديد السلم الاجتماعي. لان حق الدولة في العقاب حل محل الانتقام الفردي ، وعدم تفعيل القانون للوصول إليه يعنى إلغاء البديل لعنف الأفراد ، ما قد يهدد بعودة العنف الفردي الغير مقنن ، إي الرجوع لحالة الطبيعة التي يكون فيها الفرد خصما وحكما . إلا أن الإجراءات الماسة بالحقوق والحريات التي يمكن أن تتخذها الدولة في مواجهة الأفراد للوصول إلى إقرار واستيفاء حقها في العقاب يجب أن تكون في إطار القانون ، ومن هنا كان مبدأ الشرعية ، فليس للدولة أن توقع عقوبة إلا متى أوجدها المشرع وليس لها أن تباشر إجراءات ماسة بالحريات إلا الإجراءات المقررة في القانون وبنفس الشروط ، وإلا ترتب عليها بطلان الإجراء وإمكانية مساءلة متخذها جنائيا وتأديبيا ، ولا يمكن أن يكون دلك إلا في إطار دعوى جنائية تضمن فيها ضمانات الدفاع ، ويحدد فيها الإطار الواقعي والزمني للإجراء ، وتنتهي بحكم بالبراءة أو الإدانة يحدد العقوبة التي يجوز أن تلحق ببدن الشخص أو حريته أو ماله جزاء ما نسب إليه من أفعال.

هذه الدعوى الجنائية المنتهية بحكم يقرر عقوبة تجمع بين طرف من الماضي وطرف من المستقبل ، فلأنها تبحث في الجريمة فهي ترتكز بالضرورة على الماضي ، وفي ذلك فهي تعيد الماضي في الحاضر ، فالجريمة ماضي يطرح أمام محكمة في إطار دعوى جنائية تعتمد في إثباتها أو نفيها على القرائن والشهود والاعترافات وغيرها من أدلة الإثبات ، كما تعتمد على ماضي المتهم كسوابقه القضائية وظروفه الاجتماعية ، وتحاول الوصول إلى حقيقة ما جرى بإعادة بناء الوقائع ونسبتها إلى شخص أو أشخاص معينين سواء الأشخاص المنفذين أو المحرضين أو المساعدين ، وإسقاط الشبهات التي قد تحوم حول أشخاص آخرين ، وبالتالي فهي إعادة كتابة الماضي في الذاكرة بشكل صحيح ، بعد ما يكون قد نظر إليه بطرق مختلفة ،كل فرد على طريقته ومن زاويته ، ووفقا لما توافر له من معلومات . الأمر الذي يمكن معه القول أن الدعوى الجنائية هي وسيلة من وسائل تسجيل الأحداث بشكل يضبط الذاكرة الاجتماعية .

وهي أيضا تتجه إلى المستقبل، لان المحكمة تحاول إيجاد العقوبة المناسبة للشخص لردعه عن ارتكاب جرائم أخرى في المستقبل، ولمنع عودته إلى الجريمة، فوفقا لعناصر موجودة في الماضي، كسوابقه الجنائية وماضي حياته وحاضره، تحاول أن تضع العقوبة التي تخدم المستقبل.

محاكمة الجاني، من ناحية أخرى، ترضى الشعور بالعدالة لدى ضحايا الجرائم، وتشفي غليلهم فما لا يكفي فيه التعويض العيني والنقدي قد يكفي فيه أحيانا الحكم الذي يحدد الجاني أو الجناة ويحكم بالإدانة والعقوبة في مواجهتهم.

فالمحاكمة التي تمكن من الوصول إلى الجاني والحكم عليه تنهي بقدر قصة الجريمة في المجتمع، و تمنع استعمال العنف من المجني عليه أو أولياء دمه، و تعطى لأفراد المجتمع الآخرين نوع من الاطمئنان على حياتهم وحرياتهم وأموالهم.

وكما أن المحاكمة العادلة تخدم المجني عليه و المضرور بتحديد من ارتكب الفعل ودرجة مسؤوليته عنه ، فإنها ، أيضا، تخدم الأشخاص الأبرياء الذين تحوم حولهم شبهات في الوسط الاجتماعي بشان الجريمة ، فحتى وان كان الشخص بريئا حتى تثبت إدانته ، إلا أن هذا المنطق هو منطق قانوني ، ولا يحكم إلا الاعتقاد القضائي ، وهذا ما قد لا يتفق مع اعتقاد الوسط الاجتماعي الذي قد يسود فيه منطق مختلف ، فربما يكون النظر لبعض الأشخاص بشأن بعض الجرائم باعتبارهم مذنبين حتى تثبت براءتهم . فهده الشبهات لها ،في واقع الأمر، أثار اجتماعية بالغة الخطورة على حياة الفرد في وسطه الاجتماعي ، وبالتالي فان المحاكمة الجنائية ، وتحديد المسئول عن الجريمة بحكم قضائي ، يشكل عنوانا للحقيقة له فائدة بشأن إزالة الشبهات العالقة في الوسط الاجتماعي بشان بعض الأشخاص الأبرياء ، الذين لا علاقة لهم حقيقة بالجريمة ، أو أنهم قاموا بالفعل في ظل توافر أسباب إباحة أو موانع مسؤولية ، كأن يكون ذلك لتفادى الأشد خطورة. ذلك أن المحاكمة تعطي للإفراد فرصة تصحيح الصورة في الوسط الاجتماعي بشكل اقرب للحقيقة بتضمين براءتهم في حكم قضائي يعتبر قرينة غير قابلة لإثبات العكس متى استنفد طرق الطعن. ومن الآليات التي تساهم في ذلك: علانية المحاكمة والنطق بالإحكام. فبالإضافة إلى ما تحققه العلانية من رقابة شعبية على كيفية أداء الوظيفة القضائية ، فإنها تساهم في الردع العام و تكوين الذاكرة الاجتماعية على أساس صحيح .

أما بالنسبة للجناة فان المحاكمة تقدم لهم فرصة من نوع أخر ، ومن ذلك الاعتراف والتخلص ولو نسبيا من عقدة الذنب ، والذي هو صورة من صورة إعادة التأهيل والإدماج بشكل صحيح في الوسط الاجتماعي ، باعتبارها يمكن أن تكون بالنسبة لبعضهم نوعا من كرسي الاعتراف للتعبير عن الندم وشرح ظروف الجريمة ، مما قد يصحح من نظرة الجماعة ويخفف من حدة حكمها على أفعال ارتكبت في الماضي ، ولم تجد لها الجماعة تبريرا ، أو لم تفهم بواعث اقترافها ، بمعني انه حتى بالنسبة للجاني فان الدعوى الجنائية تعطيه فرصة خفض الشعور الجماعي بإرادته الآثمة ، كما أن الحكم على الفرد تم الصفح عنه من قبل المجتمع هو أيضا وسيلة لتحرير الجاني نفسه من الشعور بالذنب ، وتمكين الفرد المجرم من احترام نفسه ، وإعادة احترامه في الوسط الاجتماعي ، فالصفح له معنى أدبي لا يملكه التجاهل أو التستر على الجريمة . ومن هنا فحتى ولو قلنا بتطور منطق القوانين الجنائية من حيث وظيفة العقوبة ، إلا أن المفهوم الديني أو الروحي يظل حاضرا ، فالعقوبة هي وسيلة من وسائل التطهير ، ومع أن القانون لا يصرح بهذه الوظيفة ، إلا أن بعض الجناة يجدون في العقوبة وسيلة للتطهير والتكفير عن الذنب، لكونها تعطيهم شعورا بأنهم أدوا ما عليهم من دين تجاه المجتمع ، وبالتالي عادت لهم براءة الذمة .

أما إذا نظرنا إلى وظيفة القانون والقضاء المتمثلة في إعطاء كل ذي حق حقه ، فإننا نرى أنها تتسع لكي تشمل حق المجني عليه والمجتمع بكامله في معرفة الحقيقة اللازمة للصفح عن المذنبين والبداية في نسيان الجريمة ، والوسيلة الأمثل لمعرفة الحقيقة هي المحاكمة العادلة للمتهمين ، أما القول بان الصفح يمكن دون حاجة إلى معرفة الحقيقة ، وبالتالي دون حاجة إلى محاكمة ، فهو قول غير صحيح ، لان الصفح يجب أن يكون عن معرفة تامة بالجريمة وشخص مرتكبها وظروف ارتكابها ، ومن هنا كانت ضرورة للحكم القضائي عنوان الحقيقة كمتطلب من متطلبات السلم الاجتماعي . فضبط الأحداث بشكل صحيح قد يكون ضرورة من ضرورات تجاوزها والتسامي عليها. فالعقاب ليس هو الهدف الوحيد للدعوى ، لان العدالة لا تتقرر فقط بإنزال العقاب بل أيضا بمعرفة الحقيقة ، فلكي يمكن العفو أو الصفح عن الخطأ أو الفعل يجب أولا معرفته على حقيقته ، أما إذا تم تجاهله فلا يمكن أن نطمح بصفح حقيقي منتج لسلم اجتماعي دون أن يكون موضوعه محددا من حيث الوقائع والأشخاص . وبالتالي فان الصفح الفردي والاجتماعي يتطلب مرحلة سابقة هي مرحلة المحاكمة تنتهي بإعلان المسؤولية ونطاقها ، وإذا كان الأمر كذلك ، فان المحاكمة ضرورة للحد من حبس الأفراد لذكريات سيئة قد لا تكون مطابقة لحقيقة ما جرى ، فمعرفة الماضي على حقيقته جزء من قبوله كما هو، والتعامل معه ، وربما الرضاء به ، والكف عن الجدل فيه على نحو قد يثير الشقاق والخلاف في المجتمع ولو بعد حين . .

ومن هنا فان كل ما يحول دون المحاكمة يجب أن يكون بقدر، وفي حالات الضرورة القصوى ، ولا يكون في الجرائم الخطيرة ، ولا يقر إلا بعد موازنة دقيقة ، لأننا أمام فرضين بالنسبة لأحداث هامة مر بها المجتمع : أما أن يكتب التاريخ من شخص واحد ، أي شاهد واحد ، بدون رقابة من محكمة مستقلة ، وبدون اشتراط دعم شهادته بقرائن ، وبين أن يكتب بعد مناقشة وأدلة يقدمها أطراف الخصومة الجنائية ويفحصها القاضي . ولعل ضرورة تدوين إجراءات التحقيق والمحاكمة والحكم ، والتي وقف فيها الأطراف موقف المساواة، وحصلوا فيها على فرص متساوية لعرض أقوالهم ودفاعهم ، والتي قلما تمتد لها الأيادي بالتغيير والتحريف ، تؤدى إلى إعادة بناء للماضي بشكل قد يغنى عن ما يقوله الناس ، ومنهم أقارب الضحية عن الواقعة ، وحتى مع فرضية استمرارها ، فانه لا يمكن الاحتجاج بها بنفس الاحتجاج بوثائق لها صفة الرسمية اتخذتها سلطة يفترض أنها مستقلة ومحايدة يتصف القائمون عليها بالأمانة ويقظة الضمير ، كما أن الإجراءات التي تتخذ للكشف عن الحقيقة لم تنفرد بتوثيقها جهة واحدة ، فمن الشرطة إلى النيابة إلى المحاكم بمختلف درجاتها . بشكل تقوم فيه كل جهة برقابة الجهة الأخرى.

ولان المسالة تذهب إلى ابعد من معاقبة شخص على فعل ارتكبه ، فان القيود الواردة على الدعوى الجنائية والتي تمنع من اتخاذ إجراءات التحقيق قبل رفعها كالشكوى والطلب والإذن هي قيود تعرقل ضبط الوقائع التاريخية وكتابة الحقيقة . فالإجراء الذي اتخذ مباشرة بعد ارتكاب الجريمة هو اقرب للحقيقة ، لان معالم الجريمة لا تزال واضحة لم تؤثر فيها عوامل الزمن ، وعبت الأيادي بها لا يزال محدودا ، أما الإجراء الذي يتأخر من حيت الزمن ، وينتظر حتى ترفع الحصانة يعطى إمكانية أن يفعل الزمن فعله فيها ، وان تعبث الأيادي فيها ، ما يجعله اقل تعبيرا على حقيقة الواقع ، وبالتالي فان النص الإجرائي الذي يقرر ذلك يبدو لنا انه غير مفهوم ، ولا يأخذ أبعاد مصالح المجتمع المختلفة في الدعوى الجنائية . ومن هنا كانت الحصانة الإجرائية التي تحول دون محاكمة بعض الأشخاص هي نقيض للعدالة، ومناقض لوظيفة القانون في المحافظة على السلم الاجتماعي.

مسألة أخرى في غاية الأهمية ،تتمثل في أن اعتبار موت المتهم وتوافر مانع من موانع المسؤولية أسبابا لانقضاء الدعوى الجنائية تمنع السير فيها يستند على أن الهدف الوحيد من الدعوى معاقبة مرتكب الجريمة . فالعقوبة شخصية ، والمتهم مات ، أو كان لديه مانع مسؤولية ، وبالتالي لا وظيفة للدعوى الجنائية ، إلا انه متى كان للدعوى الجنائية وظيفة أخرى ، ومنها ضبط الوقائع في الذاكرة الاجتماعية ، فربما فحصت المسألة من وجه آخر ، وأعيد النظر في هذه الأسباب من حيث كونها تمنع من استمرار الدعوى . فالأمر ربما يتعلق بإعطاء الجماعة تفسيرا لوقائع أدت إلى اضطراب أمنها أو أثرت في مسيرة حياتها ، أو انتهكت حقوق أفرادها .

فالمسألة متعلقة بموازنة بين مصالح متعارضة، لكن عند الموازنة يجب استحضار كافة المصالح، والتي لا نعتقد أنها استحضرت عن وضع مثل هذه النصوص، ليس في القانون الليبي فقط، وإنما في اغلب التشريعات المقارنة.

ومن هنا فان التقادم الذي قد يبنى على النسيان، دون أن يميز بين الجرائم، هو آلية لا تحقق السلم الاجتماعي، فهناك بعض الأفعال لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، لان الزمن يقف عاجزا عن محو أثارها. فخصائص بعض الجرائم أو عدد ضحاياها أو نتيجتها تجعل منها جرائم لا تنسى ، ولا إرادة لنسيانها ،والتدخل بقوة القانون لوضع نهاية لها في الذاكرة البشرية لا يحقق النتيجة التي تهدف لها المحاكمة الجنائية ، لأنه لا يتطابق مع الواقع ، ويحول القانون إلى صورة من صور إنكار حقيقة الواقع . ومن هنا كان هناك رفض للتقادم في الجرائم التي تهز الضمير الإنساني كالجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة .

ومن هنا، أيضا، فان العفو عن الجرائم قبل معرفة الحقيقة، بالإضافة إلى أنه غير أخلاقي وغير عادل، لا يخدم مصلحة السلم الاجتماعي. فالعدالة مقدمة للسلم الاجتماعي، والعفو لا يجب أن يكون إلا بعد معرفة الحقيقة، أي عفو من نوع آخر ليس كالعفو العام ولا العفو الخاص المعروفين حاليا في قانون العقوبات الليبي.

ذلك لان هذا العفو المانع لمواصلة أو بداية البحت في حقيقة الجريمة هو إرادة غير إرادة المضرور من الجريمة ، ومن هنا فلا يحقق سلما أو صفحا حقيقيا ، بل هو افتراضي كافتراضية حلول الإرادة الجماعية محل إرادة الضحية في الصفح عن الجاني ، ومن هنا قد يحمل تناقضا بين هدفه ونتيجته. وحتى لو قبلنا بالعفو عن الجريمة في القانون ، فلا يجب أن يكون إلا بعد تحديد كافة أبعاد الجريمة وضبطها بالحكم القضائي في ذاكرة الجماعة ، ومن هنا فانه ليس من المصلحة في بعض الجرائم قفل ملفات جرائم ، بل أن المصلحة الاجتماعية في فتحها ، لان فتحها وحل ألغازها وسماع دفاع المتهمين فيها وإدانة من يستحق الإدانة هي أهم مقدمات السلم الاجتماعي.

د/ الهادي على بوحمره


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home