Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Habib al-Amin
الكاتب الليبي الحبيب الأمين

Tuesday, 26 June, 2007


Al-Habib al-Amin

غـادر صاحب الكلم الطيب

( في ذكرى الراحل عـبدالله السعـداوي )

الحبيب الأمين


امحمد المجري ..... علي رشدان ..... عبدالله الغزال ..... محمد مليطان ..... مصطفى الهاشمي ..... يوسف الغزال


عبدالحكيم المالكي ... صالح السيوي ... حسين الهيشي ... علي فهمي اخشيم ... طاهر بن طاهر ... حسن الأشلم


أحمد شيلابي ................. أحمد أبوفناس ................... عبدالحكيم المالكي ومحمد لامين ............. الحبيب الأمين


ابولقاسم القط ... الحبيب الأمين ... حسن الأشلم ... عبدالحكيم المالكي ... يوسف الغزال ... محمد لامين


حلقة خاصة عن المرحوم السعداوي ـ برنامج هذا المساء

هذا المترع بالهم الإنساني داهمه المرض فلم ينل منه إلا قليلاً ، فقواه الكامنة نجحت في مقاومته, فاستحال إلى إنسان كامل يمتلك عقله ويستعمل قلبه معلناً إنسانيته ، أضحى مجرداً من الحراك الجسدي البدائي ارتقى درجات في هيكل الحكماء ليطل نورانياً يسكب أكسير الصمود في كؤوس البؤساء المتعطشة للفضيلة والسلام بعد أن مسح بلاسم الثقة على أذهانهم المهترئة.
يا شبيه اللوزة قد أزهرت دون أوراق ذاك إعجاز الله أو هكذا تجسد
كما قالها كازازينكي.
كان مستلقياً تكسوه الأغطية، لكن رأسه بل عينيه تطل ويسيطر فلا ترى إلا وجهه كالبدر وسط السحاب خجولاً كوجه نبي، ما ينسيك هامته وقامته وكل جسده, يشدك للنظر إذا استطعت.فشلت في الاستمرار، خشيت عليه من حزني وألمي وخفت أن يفضحني لساني فلم أرهق لساني, لكن عيني شكتني فابتلعت دموعها, رغم معاناته ومرضه حالته رغم ما بها من ضعف إلا أنه يضج بالقوة والجلد، أما صبره فلن تأتوا بمثله صبراً.
تراكمت أعمدة كياني وترنحت من هول الصدمة ووقع الموقف الذي أحال روحي إلى شظايا.استرقت النظر ما استطعت خشية حبائل الإشفاق ومصائده غير أنني أدركت واعتقدت أنه من أصحاب الأنفة وأرباب الاعتزاز كاره للانكسار مؤمن وصابر.
حضرته البهية وإشراقه الروحي يدفع سيول الشعور للانحناء في روض الاحتفاء والتجلي الذي شاده بسطور قصه ونسجه بشعره الوجداني المرهف الشفيف, فقبلت هالة عقله ولامست شغافه الحانية, وانخرطت بالجذب كصوفي مترنح ينتشي من ألمه عليه ويستلذ بصفائه الراقي وصبره النادر.
غمرتني انتكاسات الممارسة التآملية وأحبطت سكوني سجالات وتراشقات من حولي، فكنت أعزلهم ما استطعت عن تسجيلاتي وصوري و حواري الذي أدرته مع عينيه دون صوت .
مرات ومرات يقفز إلى السقف ثم يهبط سؤالي الحائر يمشي في أرض الغرفة يمد يده كمتسول سائل يطلب الجواب ولكن دون جدوى فصوته المدوي لم يسمعه أحد كونه كان مكتوماً و صامتاً.
هذا الإنسان الرائع ماذا حدث له و كيف ؟
لم تكن تفاصيل القصة مسرودة في ذهني معلومة لدى كان العنوان العريض الذي سمعت وعرفت أنه مريض رهين الفراش منذُ فترة أما شخصه وأبعاده فهي أيضاً غير كاملة .
فالرجل كان معتزلا في صومعة الإبداع وسط لفيف من المقربين الثقاة ولكنه كان وظل صاحب عشرة وكرم ونجدة ذو حضور طيب ورفقته تسر كل صاحب درب.
عبر ضبابية المحكي كان الأفق المسموع بعيدا عن أذني الشائقة للمزيد وعيني المتلهفة. أطلقت نظري فرفعت أستاره وتحققت الرؤية.
الواضح والمألوف لدي أنه اسمٌ لرجل طيب وسيد كريم من بيت طيب وشريف ونسل مجاهدين ووطنيين أحرار, أعرف أسرته فلقد كنا جيران زمن طفولتي بشارع البريد في ( أما طين = مصراتة وسط المدينة ).
كنت أتردد على بيتهم بعفوية كطفل يعبر الأبواب في كل حين ليلهو في كل البيت وكأنه في بيته وليحظى بقطعة حلوى مرحباً به دائماً, أذكر أني كنت ألعب بسيارة حمراء للأطفال كانت مركونة في حديقة منزلهم أظنها كانت تخص جمال شقيقه الأصغر، كنت أستمتع بركوبها أما نوري الأكبر فقد كان دائم التردد على بيتنا فهو صديق أخي الأكبر وكنا نراه كواحد منا، كان كثيراً ما يحملنا في سيارته " الفولكس " في نزهاته ، كان شخصية بشوشة وهادئة يحب الأطفال ويحبونه.
ارتبطت هذه العائلة بذكرياتي عن الجيران القدامى وطفولتي الرائعة في نطاق مصراته وسط المدينة .. حيث كانت مشاهداتي الأولى للمباني والناس والأشجار، كان شارع البريد يعج بالأطفال من الجيران ومواسم اللعب وصنوفه لا تنتهي إلا لتبدأ. إنها حسرات التأمل الرجعي المنعشة.
هناك في شارع البريد ذي المشهد الغابي عرفت الشجرة والعصفور ولامست أصابعي تراب الحي وجدران بيوته,وخضت مغامراتي البكر في أزقة ودروب العبث البريء والنزق الطفولي الخلاق, هناك نمت فكرتي الأولى عن المجتمع ورجالاته في قوالب مثالية مفعمة بروح البطولة والحب والتعاون في أجواء الهناء والود الاجتماعي. نظرتي تلك تعكس الطهر الذي كان والجمال الذي ارتحل.
الأستاذ الشريف المدرس الفاضل بهندامه الكامل بذلة سوداء وربطة عنق وحذاء لامع, كنا نضبط توقيت اللعب ومغادرة الملاعب على ساعة حضوره.
رجل البوليس حارسنا الأمين بقيافة كاملة وحضور مسيطر، كان يستوقفنا كثيرا النظر إليه عائداً إلى بيته في صمت وهدوء. كنا نتمنى أن تلمس أيدينا الصغيرة قماش بذلة الشرطة السوداء ذات الأزرار الفضية اللامعة وليته يقربنا لنتحسس شارته النحاسية البراقة، هكذا كان عمي الدرناوي يرمقنا بنظراته الحانية في وقار وكبرياء لا يخذلان مشيته المميزة كان حارس الحي الأمين.
الفقيه عمر رغم ما يثيره فينا من خشية وارتباك عند مروره بنا قادماً من المسجد أو ذاهباً إليه إلا أننا كنا نحترمه ونجله، فنحن نعرف بفطرتنا ونعلم مما نسمعه إنه الشيخ والعالم دائم الصلاة خادم الجامع، غير أننا كصغار كنا نتبعه في قفاه بضحكات مكتومة تعبر عن ارتياحنا بعد ابتعاده,فنتحلل من هدوءنا المزيف دون أن نأتي على فعل يدينه أو يثير تعنيفه أو توبيخه ، كان الصمت يلفه,أحيانا نراه يتمتم بكلمات عرفنا فيما أنها تسبيح أو تراتيل من القرآن الكريم.
أحببناه وقوراً وناصحاً وهكذا أردناه .
بعد منتصف النهار تبدأ دورة الحياة الطفولية، ها قد اجتمعنا تحت شجرة الزاوية عند نهاية الرصيف نخطط للمرح ونختصم حول مشروع لعبة اليوم، فجأة يهبط الصمت ويمنع الحراك ,نسمع القادم يركن سيارته المرسيدس الكبيرة الأضخم في شارعنا، بعد نزوله منها في هدوء وبطء,يعتدل في وقفته ثم يجيل نظره في الشارع حتى يعثر علينا بنظرة واحدة يرسل رسالته المعتادة التي نفهمها ومفادها
"أرجو الهدوء وعدم العبث بالسيارة كما أن الخلافات محظورة "،عند هذا الحد يحمل نفسه ناحية باب البيت ملوحا بعكازه الهرم.
هذا هو شهبندر التجار عائداً إلى البيت للغداء والمقيل،عمي الناقوزي صاحب الطراز المألوفي بزيه العربي الأنيق.
حوالي الثانية والنصف كان مشهد الخروج بعثاً جديداً في الشارع لأصناف الرجال وأشكال الأناقة أنهم موظفوا الدولة المحترمون ينصرفون من مبنى البلدية المجاور عائدين إلى بيوتهم كنا ننظر بفضول وشوق اثنان منهم الهجرس الكبير الذي ننظر إلى مشيته السقيمة مستغربين فيما عكازه يجهد ويئن ينشد الارتكاز وحمله من تحت إبطيه.
رجلنا الثاني كان بمثابة الحاوي ذي الوجه الصوفي والابتسامة الدائمة صديق الجميع،كنا نهرع مسارعين نحوه يحملنا الفرح حتى نتمسك بيديه الممتدة إلينا جميعنا ـ هذا الرجل الملائكي عاش غريباً وحيداً-، لكن الجميع يحترمه ويحبه ، هكذا كان عمي الغرباوي الجميل وحلواه بعضاً من هداياه المعتادة .
عشية كل يوم نستهل تربصنا بانتظار مروره المعتاد ومناداته لنا جميعاً لتقديم الكارميلا وسماع طرائفه وتعليقاته على حلاقة رؤوسنا الصلعاء صيفاً أو انتبهاته إلى جروح أقدامنا المولعة باقتلاع الأحجار عند تقاذفنا للكرة فصنادلنا مغبرة كما أن بعضنا لا يحب أن يلعب الكرة بها فيخفيها في صندوق ساعة المياه الذي كنا نعتبره بيت الكنوز العجيبة. عمي الشريف والد الأستاذ الشريف دائم التوقف في الشارع ينظر إلينا بحب ويحيطنا برعاية خاصة. كان هو الأخر محب للعب وصاحب حكايات لاتنتهي.
بين الحين والأخر يطل علينا صاحب الشعر الطويل ذي اللحية المثيرة والوحيدة في وجوه أهل الحي،رمز الشباب ومروج الترفيه الرياضي لكل شباب الشارع،كان صاحب السيارة الحمراء الصغيرة النادرة التي تثير خيالاتنا الصغيرة وتسيل لعاب غريزة الملكية, على أننا كنا نطمع فقط في ركوبها بين الحين والأخر.حين يخرج حاملاً منشفته يعلن الفرح وتسود السعادة أرجاء الشارع فالكل يدرك أن الدعوة مفتوحة وموجهة للجميع للذهاب للبحر,نتيجة الاقتراع تفضي إلى أن ينال البعض حظه في الرحلة ويقنع الباقون بالمكوث مع الوعد بالالتحاق في المرة القادمة هكذا كان حسين صاحب الشعر الغزير والظل الطويل. حوالي الغروب يجلس أبي أمام البيت مراقباً الشارع من السقيفة,كان على كرسيه ويداه مشغولتان واحدة تحمل كوب الشاي والأخرى تراوح بين فمه ومنفضة السجائر.
تتوقف سيارة عمي امحمد نتسابق في الوصول إليها طمعاً في الشيكولاته الفاخرة التي يحملها ولا ينساها.نتمعن وجهه المدور المرصع بحقول الشيب الأبيض منتظرين ضحكته الرائقة التي تجعلنا نسميه ذي الوجه الأحمر, فكلما تعالت ضحكاته زادت حمرة وجهه. بعد أن ننال الأعطية نشرع في التذوق والالتهام فيما الحوار التقني الفني-الذي لا يعنيننا - الدائر بينه وبين أبي لا ينتهي ثم يحولانه إلى طاولة العدة حيث أدوات الشرح والتجريب ،كانا بمثابة علماء عظام وتقنيين كبار, أصحاب للحلول الفنية والتجربة المستمرة ورواد مجالات للاستكشاف اللامتناهي. لا يخلو المشهد والحوار من طرائف ونكات نسمعها ولا نفهما ولكنها كانت تعكس حياة الأصدقاء وأيام الرفقة الطيبة .
الشيخ عبد العالي قاضي القضاة بهندامه الفريد وعمامته النادرة كانت مشاهدته اليومية مثيرة للأسئلة مستدعية للخيال، فهل هذا الشيخ هو الحاكم أو السلطان ؟.. فيجيب أحدنا مدعياً المعرفة بأنه من يضع الأشرار في الحبس وينتصر للأبرياء الأخيار،عرفنا معنى العدل وقيم الحياة النبيلة وجدلية الخير والشر في صورة شخصه ووظيفته ورمزية زيه الأزهري. صاحب دكان الشطائر قبالة النادي يرتاده الشباب والكبار, لكننا كنا نشن عليه بين الحين والأخر غارات من الحرب النفسية متسلحين بما سمعناه عن كرهه لكلمة " الدحية = البيضة" التي نقذفها لتنكسر في أذنه متى أردنا استفزازه وإثارة غضبه,يستشيط غضبا ويشتعل كصاروخ فيركض وراءنا مهدداً متوعداً قاصفا إيانا بكل ما يقع في يديه.ما أن نصل ركن الأمان القصي نبادر عن بعد بإخراج ألسنة الغيظ من أفواهنا البعيدة عن متناول يداه.
النادي ... منتدى الكبار من الرجال الذين كنا ننظر إليهم عشية كل يوم يتوافدون إلى الداخل. كنا نتسلل إلى سياراتهم لنرتقي بها درجات علها تساعدنا في استراق النظر ولملمة مسامع صوتية لما يدور بالداخل فالجدار كان يحول بيننا وبينهم. الدخول عبر الباب مغامرة لن تحظى بالنجاح وستفتح علينا أبوابا أخرى لن نستطيع إغلاقها.
المنظر المتاح عبر حافة الجدار يشدني ويثيرني فهم جالسون على كراسي وبينهم طاولة يحتسون القهوة والمشروبات الباردة " الكازوزا " بعضهم يحمل كتب ومجلات وأوراق,أما أقلامهم التي تخرج من جيوب قمصانهم مرة وتعود مرة فكانت لغزاً صعب حله آنذاك فلماذا ؟.........
عادة ما تقام احتفالات أو ندوات في هذا المكان فنسمع ما يشبه الخطابات والمناقشات, فيحملنا مركب الفضول إلى النادي - (نادي الاتحاد المصراتي) - لنقترب أكثر طمعاً في فهم ما يحدث ولكن دون جدوى. السعادة تغمرنا حين تتسرب من الداخل أنغام الموسيقى ولكن قد يخرج أحدهم ليمسك بأحدنا معتلياً سيارته فيهرب الكل، تاركين رفيقهم معلقا من أذنيه كجرو صغير في خيانة معلنة وصريحة.
يمين الداخل إلى مبنى البريد كانت هناك فتحات ذات أغطية نحاسية أسفل شباك استلام الرسائل تقذف عبرها أظرف ورسائل الناس, وبالقرب من المبنى كان هناك صندوق توضع فيه مستهلكات الورق وأغلفة الرسائل والأظرف يحمل بعضها طوابع البريد الجميلة التي تستهوينا وتأسرنا لما فيها من صور ومناظر، فكان جمعها والتقاطها والتسابق لأخذها أمراً مثيراً للجدل والصراع ووسيلة للتباهي بجمع أكبر قدر منها ولصقها في البوم خاص.
في أيام الصيف جرت العادة على قدوم سيارة رش المياه إلى شارعنا كنا ننتظرها بفارغ الصبر لترشنا بالمياه الباردة أيضاً,فيما السائق المعجب بتصرفاتنا البريئة يطل برأسه باسما ومحذرا بحاجبيه مرات. نتراقص هنا وهناك مبللين نركض وراء السيارة وأمامها طمعاً في الرذاذ المنعش, حتى انه كان يتعمد الوقوف راضياً مستعذب ما نفعل, يبدو لي أنه كان يغبطنا ويتمنى النزول للعب معنا وتبريد جسده الملتهب من حرارة الشمس وسخونة قمرة القيادة في زمن اللاتكييف .
يا الله و آه آه يا عبد الله
لقد أثرت الشجن فتراكمت صور الزمن الجميل في بؤرة التذكر.أطحت بضباب التقادم فبزغت الرؤيا بعينيك, فمن شعاع الحنين انتصبت أقداس الماضي المفقودة في رمال ذات الرمال.
يوسف صاحب المبادرات الطيبة والمكرمات الودية الحانية سألني الرفقة فقلت إلى أين ؟..
قال إلى عقل المدينة وذاكرة القرية إلى شاعر الإنسان وراسم المكان
إلى عبد الله السعداوي.
سعدت بعرضه الجميل ورددت بالموافقة.
أمتطينا سيارة الصديق يوسف الغزال طالبين دار السعداوي, في الطريق التي لم أرها,استغرقني وصف يوسف وعباراته المختارة وانخرطت في خضم التساؤل دون إجابة ، فقط أسعفتني الذاكرة بعد أن أنهكتها بإلحاحي.
عبد الله السعداوي كاتب وشاعر ألم به المرض كنت أظنه مرضاً عادياً. الزيارة لعيادته والسؤال عنه لكن لم أرض بهذا, فما تعودت القيام بشيء لا أفهمه أخشى دائماً من الخطأ والفشل انشد التجويد واطلب التوفيق ما استطعت.
كيف هي صورة الرجل في مرضه؟.. ما هي ملامحه الشخصية ؟.. كيف هو فكره وثقافته ؟.. أخشى أن لا أوفيه حقه، لكنني رضيت أخيراً وقلت: هذه زيارة عيادة ولا بأس.
خدرت التحفز وأقفلت على الفضول في خزانة ووفرت على يوسف أسئلتي التي قد تبدو عجيبة أو غريبة. أسلمت قيادي للموقف القادم والمشهد الآتي لكنني داعبت رغبة الاكتشاف الأناوي المحض فانتقضت للموقف بسجلاتها وأقلامها لتوثق وتصور. عند اقترابنا من الدارة طفا على صفحة الذاكرة قارب النجدة يحمل صعقة المعرفة ليلقيها في أذني هذه دارة السعداوي الذين أعرفهم.
فهل هو قريب نوري و جمال ؟..
لم أتأكد وظللت مراوحا بين الشك واليقين. نزلنا من السيارة وقرع يوسف الباب، فتح الباب إذ به نوري الذي أعرف رحب بنا وأدخلنا إلى غرفة عبد الله.
لم استكشف الغرفة ومارست عليها صنوف من التجاهل والاستعلاء ، كنت أبحث عن عبد الله السعداوي فتسمرت عيناي على السرير ومن يرقد عليه.
رأيته نعم كان هو.
رأيت رأسه رأيت عينيه.
قدمني يوسف إليه بأسمى، فأومأ بابتسامة كاملة ومن عينيه أرسل سلاما حارا وكتب ألف ترحيب. دون أن ينطق ففهمت وتفهمت. تابع يوسف بقوله إن عبد الله متابع نشط رغم مرضه وشغفه بهذا السرير.......... قال ذلك بروح مرحة وطلبا للمزاح مع عبدالله.انه يعرف عنك كل شيء فأنا أخبرته عنك كثيراً عبرت له عن امتناني لذلك وقلت سوف أزودك بنسخ عن أعمالي,ابتسم ابتسامة عريضة تنم عن قبول وشغف ظللت متأملا وجلاً.ً
دارت أحاديث وألقيت طرائف وتعليقات كان عبد الله يتابعها في مجلسه العامر بين يوسف و صالح السيوي وحسين الهيشي وأخوي عبد الله الحاج بشير والحاج نوري.
أعقب ذلك إعلان للجوع فتحالف يوسف – المنهك بجوعه والمتعب من عمله طيلة هذا اليوم – مع بشير الذي نال منه السغب مطلبه, فأسفر ذلك الحلف عن قدوم قصعة عصيدة ساخنة بعسلها وسمنها، دعينا إليها جميعاً إلا عبد الله الذي ظل يحيطنا بنظراته الفرحة باجتماعنا من حوله, أدام الله عزه و رفع عنه بلاء المرض وعمر بالكرم والعلم داره.
كنت في واقع الحال وفي زمن المشهد مذهولاً ولازلت مهموماً بالتأمل والتحليل والاستقراء في ملامح وجهه وترجمة نظراته والاستماع إلى صمته الناطق, كانت ابتسامته مشرقة ومستمرة.
فتح مجال للتواصل لم يسمح به المقام والحال, فارض بما نلت.هكذا قال أدب الزيارة بصوت الضمير,وأمر سلطان المرض فالمصاب لا يسمح بإدارة حوار عقلي فكري مثالي، هكذا أحب أن تتجلى الحقيقة في مخمل وتتجسد في محاريب من رخام وتبر.
ما تعودت أن أبخس الناس أشياءهم، فأثرت السكوت وفضلت المجالسة لا المحاورة،كنت في حالة استثنائية وتحت وطأة الألم.
تأخر الوقت حوالي منتصف الليل قررنا توديعه ولم نرد توديعه, فقلنا إلى اللقاء, دعونا له بالشفاء وبنوم هادئ مع الوعد بقرب اللقاء.
حملنا جثتينا كطائري نورس هدهما الألم بعد أن تكسرت أجنحتهما على شطآن العذاب. دلفنا إلى السيارة مثقلين بهموم الروح، كان يوسف أكثر جلداً واستيعاباً للأمر فهو الزائر الدائم الحضور.
بعد سكوت اتبعه بزفرة ملئها الألم والحسرة بادر بالحديث ممسكا بناصية الخبر عن عبد الله السعدواي الإنسان والأديب عن مرضه عن إبداعه، فلقد أحس بذكائه أنني متلعثم ومرتبك تطحنني الصدمة والمفاجأة تقصفني, تعوزني المعرفة لاكتشاف ملامح هذا الإنسان الجميل.
أذهلني ما سمعت وشدني ما قال فلقد أجاد الرسم والتصوير لكنه نسى أمراً
آلا وهو أنه كان يجلدني بألمه فزادني ألماً على ألمي.
أقتسمنا سياط الألم لكننا انتشينا بنخب ميلاده الجديد هذا الفينيق يبعث ذاته بإشعال ذاته فتألق لنا مشعاً بنوره في ليل المدينة الدامس إلا من أضواء الشوارع التي نراها رغم ذلك مظلمة، مع أن القمر كان بدرا. مجموعة قصصية وديوان شعري بعضاً من نوره طبعت ونشرت هكذا ردد يوسف واتبع ذلك بعرضه سوف تقرأ عبدالله في نصوصه فعبدالله السعداوي الإنسان هو عبدالله الأديب كاتبا وشاعرا.
هذا الرجل يكتب بدمه بقلبه وينحت من صخرة الألم حروفه.
لازلنا في سكرنا الطاهر نحتسي الطريق متراً متراً في دياجير الصدمة وأقنية الدهشة كنت أجلس في فم الوجع أي ضيق وأي ظلمة.
فجأة أوقف السيارة لقد وصلنا بيت أخي محمد ترجلت وانتصبت أجمع ماتفتت وتشظئ فتكونت من جديد فيما يوسف يلوح بيده قائلاً أقرأ لعبد الله ولا تنسى أن تقرأ باسم ربك.
اخترقت الأبواب كطيف مثقل بالهموم وتمثلت بشراً في حضرة الله مصلياً،ختمت بالدعاء لعبدالله بالشفاء.
استلقيت على الفراش معتزما السفر مع السهر المعتاد بإصرار الحالة التي تسكنني وبرغبة التلذذ بطعم الصحو الذهني والكل نيام جسد وروح.
اليوم يبدأ الآن كتابين مجموعة قصصية وديوان شعر أرصدة ضخمة لإطلاق مكوك التجلي في فضاء ليلة قمرية فريدة.
الاجتياح لفيوض الكلم ودفقات منابع الحرف مع مجادلات وتساؤلات كانت سريعة ومتلاحقة,لابد من استبطان النصوص وتحقيق مراد القراءة الذي يتضخم ينشد الوصول ويهتف بي عتاباً ولوماً " تأخرت كثيرا وفاتك الكثير.
شرعت في تقليب الصفحات ببطء ثم عدت وأقفلت الكتاب لأبدأ بقراءة الصفحة الأخيرة لغلاف الكتاب .. سرت تجليات الصحو والنشاط في شعاب عقلي تطارد ذيول الظلام وفلول النعاس دون الحاجة إلى فنجان القهوة وكل بن العالم كان قهوتي.
عجلة القراءة الدائرة - كأنها نواعير حماة – بهدوء وسلاسة تداعت الصفحات الواحدة تلو الأخرى تهرق ماء المعاني وروح النصوص في جداول التلقي، فيما قطرات الانتشاء الندية تكتب دموعاً لؤلؤية على سفوح عقلي الأخضر أما نفسي الربيعية فقد أعلنت عن حبورها بعزف الحروف النضرة وبموسيقى الكلمات المزهرة, كنت محلقا كعصفور جنة مرفرفا بأجنحة ملونة بالنور فوق جنائن الورد والياسمين.هذا المعبر الصادق ذو الإحساس الرفيع لامست معه إحساسات البشر الرقيقة في أسمى درجاتها واغترفت من أعماق حزنه المخزون آلام الإنسان.
أخجلتنا يا عبدالله بطهرك فنلنا منك الطهارة أيها النقي.
راعني فيه قدرة حضوره الذاتي في رياض إبداعه بملائكية طفله الداخلي وبحكمة الشيخ العارف بث روح الرسالة الملتزمة لخطابه معبرا في مواضع قوله الكثيرة عن فلسفته الخاصة المطعمة بقراءة عميقة لمشهد الحياة ونصوص الثقافة الإنسانية. أما نصه فلم أنشغل بتراكيبه البنائية ولم تستغرقني مهارية الحبك والسبك فلم أسقط عليه نظريات النقد الأدبي والإحساس الجمالي بصوغ اللغة,وألغيت أمام نسجه تقنيات المعالجة السردية للنص.فقط استقبلت كلماته ومعانيه كما أرادها أن تصل فارتضيت خياره واستمتعت بسرده ونثره وشعره. أشعلني كشمعة وأذاب وحشتي قطرات, لكنه أرسلني مضيئاً شفافا, استحثني للنهوض والارتقاء فمارس الأنسنة التي يقصد.
نجحت آلة الاستقراء في استعادة المشهد بكامل صوره وأشكاله وأبعاده في قاعة الكلام كنت أتأمل كلماته.عبدالله الكاتب كما هو الإنسان يسرد من على سريره دون حجاب ودون أغطية ملامح وجهه واضحة وفكره جلي, ظللت أتابعها الآن بحرية أكثر وأعكسها من نصه, كانت صوره وأفكاره وراؤه التي تبث تلتصق بالحياة وتضج بالواقعية. كان يكتب للإنسان كان يحكيها للوطن كان ينشد الشعر في قفار اليباس والجمود. تضاعف الإحساس بنثره وشعره وتجسمت من بين السطور رموزه وقيمه وأقداسه.
أن تحظى بحق المشاركة في عقل أخر أمر رائع وحالة تواصل نادرة فإذا بحوارك الأثيري يحلق فوق غمامة الخيال ويتجاوز حفر الواقع ليشكلك روحانياً بين الروحانيين مستعيناً بغواية النصوص وببصيرة الاستلهام. جمعت ما ظننته مفصصاً ومبعثراً وارتسمت شخصية الكاتب وبيئته ودلالاتها في نصه وحددت ملامح الثقافة الرديفة, كونت منظومة الموازين القيمية الضابطة لنسق الكلمة وأبعادها وانعكاساتها,هذه مستلهمات الكتابة وهمومها المستفزة للحبر هكذا هي ألوانه في الحياة وصورته للطبيعة والكون, رائعة فكرته للوطن وعميقة عقيدته وجميلة هادفة كلمته للناس.
معركته المفتوحة على جبهات الفشل والجهل تكشف عن رغبة نضالية صادقة ومخلصة لقضية الإنسان وحيثما كان نابضاً مخاطباً يصرخ بين قيمة الثورة التي أحب و السكون الذي يرفض.
استحضار التاريخ والقدوم من عتقه شاهرا مشعل تنوير وحداثة دون تفريط أو انسلاخ وتجرد,تقييم مسارات الحياة واستشراف المستقبل بعين الأمل وبسلاح العمل والعلم هي رسالة عنوانها الدور والفعل في حركة الزمن وإعادة هيكلة المكان كانت رؤيته للماضي واستقراء التاريخ مع قراءة فاحصة للواقع مصدره لتناول التجربة الإنسانية ومعينه الذي يحتفي بالمجد والساخر من الترهات والأراجيف, كان على إدراك شامل وبوعي كامل للماضوية البناءة التي تقوم على تفعيل صور الجمال العريقة ودفق حياوات العز والخلود في أطلال تجاوزها واقع التخبط وانعدام الوزن الذي أطاح بعقلنا المعاصر في أتون الانبهار بالأخر.
غير أن صرخات الألم وآهات الحسرة تذوي من صدر الجمرات تلهب الحماس في القلم القاص وتسعر الإحساس الشاعر، أنه القادم من التاريخ ، هكذا عبر عن نفسه كطائر ليس ككل الطيور كأنه الرخ العريق يحلق بين الماضي والحاضر في زمن الضياع يجدد رحلته نحو فضاءات الحقيقة... يزينه ريش الرموز الأصيلة والعهود الطيبة، يزهو بتواضع الصالحين مستنداً على جدار المبادئ الأخير يوقد للعابرين منارة الرشاد في بحر الظلام والمظالم. يأبى إلا أن يصدح في ظلمات الصمت وميادين الشلل.كارها للأصنام عاشقا للحرية والنور والسلام.
في المساء حضر يوسف ساطعاً متألقاً يبدو انه قد أصاب من قائله النهار نصيبه المعتاد انتقلنا بسيارته إلى دارة السعداوي في الطريق مارسنا اختراقاً للطرق و الشوارع صاحبنا حوارنا الهادئ والمعتاد المفعم بالشجن والانجذاب لم يستغرب ما أخبرته به عن قراءتي للديناصور العائد بل أنني التهمته تماماً ودفعة واحدة بعد أن تنسمت العبير من زهرة الصبار الشعرية .
تعددت و تداخلت علاقات عبد الله الكائن مع الكيان والكون والكونيين فطرح مشاريع السعادة وطرح دعوات وأفكار لبعث حياة الأمل والهناء فأطلق حسرته على القيم المصلوبة فوق أخاديد الترهات والمسفوكة أمام كهوف الجهل بأوامر الحمقى والدجالين.
قلت يا يوسف هذا العابد لله يقف على مشارف الزمن ممسكاً بزمامه مطلاً على شرفات المكان.
وصلنا إلى البيت كان الوقت متأخراً لكننا دخلنا مرحباً بنا كالعادة كان كل شيء على ما هو عليه فلست أرى سوى عبد الله الواقف مستعداً للنوم في صحوه الدائم. سريره شرف باحتضانه فلم يمله.وجه عيناه إلينا مرحباً بابتسامة مرسلاً اهتمامه معبراً عن سعادته بحضورنا أخبرته عن قراءاتي لمجموعته القصصية وديوانه الشعري واستمتاعي بذلك,علقت على بعض نصوصه مستفسراً أو متسائلاً حاولت أن تكون الإجابات بنعم أو لا حتى لا أثقل عليه فاكتفى بحراك عيناه حيناً وبالابتسام حيناً أخر، اكتفيت بهذا القدر راضياً ممتنا وسلمته ما حملت له كما وعدته .
يوسف كعادته أفاض علينا من فكره وغمرنا بمرحه التصويري وبقصصه القصيرة النقدية العميقة في الدلالة فكان يصوغها من اقتباساته عن الواقع الشعبي وحياة الليبيين اليومية,فأدخلنا في عالم الضحك النقدي و النقد الضاحك ، تحققت المجالسة الهادفة ونعمنا بالتسلية والتسرية في ليلة أكتمل فيها القمر بدراً لكننا كنا بجوار بدر أخر لا ولن نفتقده .

أطلق ندائه التنويري وقدم بيانه النهضوي في تحرير ذاته وخلص إنسانه من ربقة الاحتواء والضياع في مفازة الشتات.نأى عن الإسفاف والخوض في مطارحات النفاق وسجالات الارتزاق,نفض الرهج عن كنز الهوية ونشر من بساتين الذات عبق الصدق والجدية, فشاد من عمارة نصوصه صرح وطنه الخالد وبث فينا معاني الوطنية العريقة وأذاقنا من بؤسنا حلاوة العيش فسقانا بهجة الانتماء.كان يحترم الوطن ويقدس التراب, يعشق البلد ويحاور الشعب, شاعرا بهموم الحياة وشاعرا ممجدا لأقداسه.

عـبدالله السعـداوي" العمر والسيرة"

ولد عبدالله في 22 مايو من عام 1949م لأسرة مصراتية محافظة في قرية زمورة غير بعيد عن زاوية الشيخ السعداوي المعروفة والقريبة من الزاوية المدنية في الطرف الغربي للمدينة, أشتهر منها العلماء والصالحون والمجاهد السياسي المعروف بشير السعداوي.
نال الشهادة الابتدائية في مدرسة مصراتة المركزية عام 1963م
تحصل على الشهادة الإعدادية من مدرسة مصراتة الإعدادية عام 1966م
أكمل دراسته الثانوية في مدرسة مصراتة الثانوية ونال الشهادة في العام 1969م
بعدها انتقل إلى مدينة بنغازي لإكمال دراسته الجامعية بالجامعة الليبية والتحق بكلية
الاقتصاد ,وتحصل على شهادة بكالوريوس في إدارة الأعمال في العام 1974م.
عاد إلى مدينته مصراتة للعمل بشركة ليبيا للتأمين من العام 1975م وحتى العام 1980م.
سافر إلى الولايات المتحدة ودرس بجامعة اوكلاهوما سيتي وتحصل على درجة الماجستير في محاسبة الأعمال عام 1984م.
من إبداعات عبدالله السعداوي العلمية انه كان معروفا عنه حبه للتجريب والاشتغال بالتقنية بعقل الهاوي والمبدع في آن,ففي أثناء دراسته بالولايات المتحدة الأمريكية نجح في تسجيل براءة اختراع موثقة باسمه خلص فيها إلى ابتكار تقنية جديدة لتشغيل المراوح لتوليد الكهرباء.
رجع إلى أرض الوطن واستأنف عمله بشركة ليبيا للتأمين من العام 1984_ 1995 م.
رشح من قبل شركة ليبيا للتامين للعمل في مؤسسة عربية مشتركة هي شركة الاتحاد العربي لإعادة التامين بمقرها الرئيسي بدمشق في سوريا كممثل لليبيا فيها, ونظرا لما تميز به الراحل من كفاءة مهنية وتاريخ وظيفي مشرف تم اختياره كمدير عام لهذه المؤسسة.
بعد أن قرر مجلس الإدارة كسر قاعدة التناوب في الرئاسة للدول العربية المساهمة وتكليف عبدالله السعداوي كرئيس ومدير للشركة على الدوام بعد أن نجحت إدارته للشركة محققا نجاحا غير مسبوق في تاريخها.
كان المغفور له مواظبا على حضور معارض الكتاب والفنون ومحبا للرياضة وعرف عنه براعته وولعه بلعبة الشطرنج التي أحبها كثيرا إلى درجة انه كان ذو صبر كبير في تعليمها لغيره.
كما تميز الراحل بموسوعية ثقافته واطلاعه العميق على التراث الليبي كالأمثال والحكايات والأشعار الشعبية بفضل ذاكرته التي يصفها من عرفه بالذاكرة الفولاذية كونه ضليع بالتفاصيل وملم بالأحداث والتواريخ يحفظها عن ظهر قلب.

قراءات وشهادات كتبت عن الراحل عـبدالله السعـداوي

(( إن مصير اللغة - أي لغة - هو في مصير الأمة التي تتكلمها، وإن أمة ضائعة سيكون لها لغة ضائعة، ثم لن يكون لها لغة ولا هوية. وعندما ننادي بالتمسك بوحدة اللغة، ومجاراتها للتطور العلمي من حولنا، فإننا نحن نتمسك بالهوية العربية والوجود العربي الذي لا نريد له الضياع أو الهوان)). عبدالله السعداوي

الشيخ إبراهيم بن غشير عرف الراحل منذ الصغر ورافقه, يحمل في وعاء الذاكرة والمجايلة الكثير من الصور والمواقف و الحكايات, يذكر أن الراحل عبدالله في طفولته وشبابه, ويقول كان عبدالله السعداوي مميزا بالكثير من الصفات الحميدة منذ الصبا, عرفته منذ الستينات كان ملتزما بالخلق الكريم وله التزام فكري ميل أدبي مبكر, نشأ على الواقعية والجدية , عرف بالصدق والنظام, كان قليل الكلام , وإذا تكلم كان في نبرته وكلماته جادا وناضجا,كنا نراه لسان واعظ ونحسه كشاعر يحمل رسالة, في حديثه مذاق الأديب حاضر وفي صوته حزن المهموم بشؤون الوطن والأمة, مشغول بمعاناة البؤساء وقضايا الفقر والجهل.كان متابعا للأخبار عبر إذاعة صوت العرب والشرق الأوسط المصرية, كان مهووسا بالبحث عن دور ووضع حقيقي للوطن والأمة.
عبدالله السعداوي الصبي والشاب كما هو عبدالله السعداوي كبيرا, بنفس الصفات وذات السمات, ذو قلب كبير وضمير حي,خلوق ودين, عاشق للعلم والمعرفة والثقافة , وهذا ما عكسته كتاباته ونصوص.
ومن صفاته الأخرى التي عرفتها فيه انه كان ورعا ومؤمن, صاحب صبر وشاكر وذي باطن سليم وعلى سوية طيبة, كان في شعره معاني الدعاء ومفردات الالتجاء إلى الله والتوكل عليه, يجمع بين الوطنية الطاهرة والإنسانية الراقية. كان مشدودا ومهموما بفلسطين ومأساة المهجرون واللاجئين الفلسطينيين بعمق وبألم شديد, ظلت فلسطين وطنه المنتهك وقدسه المدنس.

الكاتب الرائع محمد مليطان رئيس تحرير صحيفة أسواق كتب في إحدى مقالاته قائلا:
من البديهي أن يقال إن الأديب لا يولد هكذا دفعة واحدة, بل لابد له من مراحل يمر بها وتمر به......مراحل تكونه ويتكون معها. يقرؤه القراء ليكتشفوه رويدا رويدا, وقد يستشرف مستقبله الفاحصون فيتنبؤن بقدرته على الإبداع, وبأن ما يبدعه ليس عاديا.
يضيف مليطان: عبدالله السعداوي كونته المراحل وتكون خلالها, وصقلته التجربة الذاتية, والاحتكاك بالأدباء والمبدعين العرب, خاصة في دمشق, التي ارتاد صالوناتها الأدبية, ولكنه لم يقدم نفسه كما فعل الآخرون, فلم يسع السعداوي إلى وسائل الإعلام ومنابر المهرجانات,بل ظل عصيا متأبيا على الشمس,هذا إذا استثنينا الاحتفالية الأولى التي أقامتها رابطة الأدباء والكتاب بمصراتة ضمن مهرجان القرعون في دورته اليتيمة المقامة بكلية الآداب في 23/3/2004.
في أول ملحق ثقافي تصدره صحيفة أسواق تناولت بتوسع واحتفاء إبداعات الأديب عبدالله السعداوي إنساناً ومبدعا, وهذا ما يحسب للصحيفة وكتابها والقائمين عليها الذين سجلوا ولأول مرة احتفالاً وتكريماً لأديب ومبدع في حياته, وهو مسلك فريد ونادر لم يتحول بعد إلى مقام العادة ودرجة السلوك في علاقاتنا بالمبدع ونتاجه كشخصية وطنية جديرة بالاعتراف والإشادة, كونه بمثابة الراسم للوحة الروح الوطنية وركن من أركان الصرح الوطني ذاته.
كان المرحوم متواصلاً ومتابعا لصحيفة أسواق, هذا ما يذكره علي رشدان مدير التحرير بالصحيفة والمسرحي المبدع فيقول: إن صحيفة أسواق كانت السباقة والوحيدة في نشر مقالات الراحل السعداوي والتي تنوعت بتنوع موضوعاتها, حيث عكست فلسفة ورؤى وشجون الأديب بأسلوب صحفي متميز أودعها في زاويته الثابتة تحت اسم شجون."

خلال إقامته في سوريا بسبب ظروف انتقاله للعمل بها كمدير عام لشركة الاتحاد العربي لإعادة التامين حتى عام 2003,حيث بدأت أعراض المرض تظهر فاضطر للعودة إلى حضن الوطن حتى فارقه في 23/6/2006. نشرت بعض الأعمال للأديب الراحل في صحيفة الثقافة السورية, التي تصدر في دمشق لصاحبها مدحت عكاشة, ولعل هذه الفترة قد شهدت ظهور المكنون الإبداعي في أجواء أحس الفقيد فيها بجماليات الممارسة الثقافية استمتع فيها ولاشك بمناخات الصداقة الأدبية النقية دون منغصات الحسد والتنافس اللاشريف الذي يشوب المشهد الثقافي المحلي المتعب بزحام المرواحة المثخن بجراحات الصراع,والمجلل بتصاوير الشهرة وأصحاب مشاريع الذاتية والأنانية الإقصائية.
هناك في بلاد الشام اطلع على وفرة النتاجات الإبداعية مقارنة بما كان عليه الحال في وطنه.هناك استطاع السعداوي أن يتواصل مع همومه الإنسانية والثقافية ويتفاعل مع قضايا الأمة بل تجاوز ذلك إلى ما يمكن أن نسميه بالتحول إلى مرحلة الصفاء الروحي والسمو الوجداني حين غمرته مشاعر الشجو الكونية فصاغ كتابات نحتت من شغافه الشجن الإنساني وعذابات البشرية.
بعد عودته إلى وطنه ليبيا ومدينته مصراتة يصور يوسف الغزال أمين رابطة الكتاب بمصراتة مشهد العودة " لاشك أن الراحل قد أحس بوجع العودة وهو مريض ولابد انه افتقد في البداية أجواء الثقافة والفنون الدمشقية, حيث كان يتردد على مقاهي وصالونات الفكر والثقافة وأمسيات الشعر ونوادي الأدب.
فلا هو عاد قادرا على التواصل ولا المكان الذي عاد له وهو وطنه سيحقق له أجواء التواصل الثقافي تلك التي عرفها في الشام. ولهذا ظل الراحل في بيته يعاني وجع المرض ويتعايش معه بقلب المؤمن وبصبر نادر, ظل متكتما يكنز سره ربما بحسرة يخفي إبداعه بخجل ولايبوح.

يضيف الغزال لعله من محاسن الصدف أن وافقت عودة الفقيد إلى مصراتة انطلاقة الصحافة المحلية بها بصدور صحيفة الجماهير ثم صحيفة أسواق ,وأيضا انطلاق البث المحلي لإذاعة مصراتة المحلية والتي أحدثت حراكا لا بأس به للمشهد الثقافي المحلي, جملة هذه المفعلات الثقافية,ساهمت في إسعاد السعداوي وخففت معاناته وآنست روحه لافتقاده للأجواء الدمشقية. صار السعداوي متابعا من سريره لكل ما يحدث في مدينته, فكان الأصدقاء يترددون عليه لعيادته حاملين الأخبار والصحف والمجلات والكتب,التي كانت بمثابة جرعات الثقة وبلاسم للصبر والاستمرار.

أطياف النور هم نحن
أكاليل الورد على اللحد
ونصوص الوجد تعزينا
يا عبدالله لا تحزن
ملائكة الفرح لا تبكي

في ظل هذه الظروف اللامتوقعة تشجع السعداوي ويبدو انه قد تحدث عن بعض إنتاجه الأدبي إلى بعض المقربين منه ومنهم صديقه الأستاذ عبدالباسط أبومزريق الذي جمع أعماله وقام بتصنيف أجناسها من شعر وقصة ومقالة, وبعد أن تداولها قلة من المقربين الثقاة,اجمع الكل على ضرورة الشروع في نشرها.
ومما يحكيه الأستاذ احمد شيلابي والأستاذ حسن الأشلم والأستاذ حسين الهيشي أن الأستاذ يوسف الغزال قد أطلعهم ذات يوم على نصوص شعرية ومقاطع مسموعة على شريط مسجل( كاسيت ) من شعر الراحل دون أن يخبرهم باسم صاحبها, وكم كانت تقييماتهم رائعة لهذه النتاجات الإبداعية,ولكنهم فشلوا جميعا في التكهن باسم صاحبها, وعندها اخبرهم الغزال بأنها للأستاذ عبدالله السعداوي, فاستغربوا وتعجبوا, لأنهم لم يسمعوا باسمه كشاعر أو قاص, كما إن المستوى الإبداعي جد رائع, ولكنهم تأكدوا من ذلك حين ترددوا في زياراتهم المتكررة للراحل في بيته واطلعوا على المزيد من جهاز حاسوبه الشخصي*. * كان الراحل لا يكتب نصوصه, فالمرض حال بينه وبين الإمساك بالقلم أو شيء أخر. وفي أخر أيامه توقفت كل مظاهر الحركة وأشكالها في أعضاء جسده بما فيها توقف عضلة اللسان عن الحركة.كتب نصوصه الإبداعية الثلاثة وهي (عودة الديناصور – زهرة الصبار – وقريبا من التراب وهو تحت الطبع) كان يملل بلسانه شبه العاجز .كانت ابنته تترجم حركة شفاهه وتطبع كلماته وجمله حرفا حرف على جهاز الحاسوب. خلال ثلاث سنوات من المرض وأي مرض عفاكم الله أنتج هذا المبدع ثلاث كتب ولكم أن تتخيلوا كم من الوقت يمضي وكم من الجهد يبذل لكتابة نصوصه الشعرية أو القصصية فهو لم يكن يسرد أرقاما أو يعد أموالا كان ينسج إبداعا وينحت تحفا ,كان يكتب بدم وروح كل خلية حية في جسده الطاهر على صدى الألم وبنور شمعة العقل.أراها دعوة صريحة للنظر في استثمار الوقت والصحة في هذه الدنيا الفانية.

الأستاذ أبولقاسم القويري رفيق دراسة وصديق للراحل ظل وفيا لذكريات الصبا ومقاعد الدرس,يذكر أن الراحل كان منذ الصغر أيام الدراسة بالمدرسة الثانوية مغرما بالأدب ومهووسا بالعلم والمعرفة يقول كنا نتعاون ومعنا صالح السيوي على إصدار صحيفة حائطية وان عبدالله كتب ربما أقدم نصوصه الشعرية المعروفة حوالي العام 1968 وكانت نصا شعريا بعنوان البدر.

القصة الأخرى وهي أكثر غرائبية حدثت مع الأستاذ على فهمي خشيم والذي كتب تقديم ديوان السعداوي الأول ( زهرة الصبار).
يقول الدكتور خشيم تقابلت مرات قليلة مع عبدالله السعداوي مرتين أو ثلاثا قي لقاءات عابرة في دمشق,تبادلنا فيها أحاديث المجاملة وتذاكرنا فيها صلات والدينا اللذين كانا زملاء عمل بدائرة الأملاك سابقا بمصراتة.
لم يخطر ببالي أن لعبدالله السعداوي أي صلة بالشعر والنظم والأوزان والعروض والتفعيلات, فطبيعة عمله ذات المسحة المحاسبية وتعامله بالأرقام والجداول لا توحي بذلك.
ذات مساء (والكلام للدكتور خشيم ) حضر إلى بيتي الصغير بمصراتة الصديقان يوسف الغزال وحسين الهيشي - حيث اقضي عطلة نهاية الأسبوع - واخبراني بأنهما كانا في زيارة عيادة لعبدالله السعداوي, واسمعاني شريط مسجل عليه شعر لعبدالله السعداوي بصوت الشاعر السوري جابر خيربك, بعد أن استمعت للشريط بإنصات, كنت أقول
ما هذا؟ ما الذي اسمع؟ هل ما اسمعه من شعر عبدالله السعداوي فعلا؟ متى؟كيف؟.
ثلاث قصائد سمعتها أدركت منها أن لدينا شاعراً مجهولاً - عندي على الأقل - ورغبت في سماع المزيد إن كان ثمة مزيد.
في اليوم التالي جاءني قرص مدمج احتوى على قصائد تكون ديوانا كاملا استغرقتني تماما.
ويعلق الدكتور علي فهمي خشيم على شعر الراحل
(( لاحظت أولاً تلك الجزالة في الألفاظ وان شاعرنا لا تعوزه المفردات المعبرة, مما يدل على قراءات كثيرة عميقة سابقة, وأن ذخيرته اللغوية وفيرة يمكنه أن يغترف منها ما شاء دون أن يتعثر أو يتلجلج. وهذه أولى خصائص الشعر ومتطلباته وضروراته.
ولاحظت ثانيا أنه أحاط بكثير مما سبق من نتاج شعري في قديمه وحديثه.
ولاحظت ثالثا أن اغلب الديوان يموج بالروح الساخطة على الواقع العربي البالغ الرداءة والسؤ المتمردة على أولئك الذين قادوا أمتنا إلى مصيرها الذي تحياه هذه الأيام. كما يغني لوطنه الليبي ولا يفرق بين دمشق وطرابلس.إنه الإحساس القومي الحاد والإيمان بوحدة هذا الوطن في ماضيه وحاضره ومستقبله.
شاعرنا يتوجع من جرح فلسطين ويخلد شهداء الحجارة.
ثم أنه شاعر التأمل والنظرة الفاحصة للحياة في مجملها وإذا كان معروفا القول" إن الآلام العظيمة تولد الأعمال العظيمة" فإن الألم في روح عبدالله السعداوي يتحول إلى أمل‘ وما يراه في هذه الحياة من أسى يتحول عنده إلى أسوة, لكن إرادة الحياة هي الأقوى وهي الأغلب في الصراع الأبدي الأزلي بين الخير والشر والجمال والقبح والحركة والسكون)).
وفي جانب العواطف وإحساسات الجمال كقيمة لازمة للحياة وغريزة داخلية تسكن البشر جميعا فما بالك بالشعراء يقول الدكتور خشيم:
كأي شاعر تستثيره الأنثى ويستجيشه الجمال فيطرب له ويعجب به وينجذب إليه, فتأتي قصائد غزل يسكب فيها عاطفته بلغة راقية متعففة تصور الجمال الأنثوي وترسمه في لوحات مشرقة بالبهاء المشع روحا رفافة متسامية. يختم الدكتور خشيم تقديمه وتقييمه لشاعرية السعداوي:
ثمان وثمانون قطعة في ( ديوان عبدالله السعداوي ) .... جداول ترفد نهر شعره البديع, بعضها يجري هادئاً رقراقاً وبعضها يهدر متدفقاً عنيفاً, تلتقي جميعها في تيار واحد إلى غايته ليصب في بحر الشعر العربي ويندفع في محيط الشعر الإنساني الأعمق والأحلى والأروع. يطيب لي أن أقرا قصائد عبدالله وأستعيد قراءتها مرات فأجد فيها متعة الروح والعقل معاً, وكلما قرأت واستعدت ازدادت المتعة حتى تبلغ حد الغبطة الصوفية الغامرة.
في الدراسة القيمة التي أعدها الناقد الليبي الأستاذ عبدالحكيم المالكي والتي قدم خلاصتها وانعكاساتها في الجانب القصصي للراحل عبدالله السعداوي في اللقاء الإذاعي الذي أداره الإذاعي المميز أحمد ابوفناس بمشاركة الأساتذة يوسف الغزال , محمد بن لامين , حسن الأشلم , الحبيب الأمين , الطاهر بن طاهر أحمد شيلابي ونخبة من مثقفي مصراتة في برنامج المخرج الرائع الأستاذ أبو القاسم القط " هذا المساء "
بعنوان ( القصة الليبية القصيرة ) نقتبس بعض الفقرات التي تناول فيها عبدالحكيم المالكي نتاج الراحل عبدالله السعداوي القصصي ممثلا في مجموعته ( القصصية عودة الديناصور ), خاصة عندما تحدث عن تصنيفه للأعمال القصصية, وهي حسب تصنيفه تنقسم إلى ثلاث أنواع
القصة الطويلة – القصة القصيرة – القصة القصيرة جداً, نجده قد وظف جملة من الأمثلة القصصية للاستدلال على ما طرحه من تصنيف, وعلى ما قدمه من توصيف اشتراطي لعوامل معينة بذاتها تجعل من هذه القصة ضمن هذا النوع وتلك القصة ضمن نوع أخر.

من خلال ما قدمه المالكي من أمثلة تطالعنا أعمال السعداوي القصصية عبر بعض قصص مجموعته زهرة الصبار ضمن باقة من الأمثلة الأخرى لقصاصين آخرين, وهنا تحققت للقارئ فرصة نادرة - وفرها المالكي بتحليله - للوقوف على تفاصيل البناء القصصي وخطاباته عند كتاب عدة اشتركوا في بعض الخصائص والسمات التي نجح المالكي في استقرائها وطرحها على هذا النحو من التصنيف.
عند حديثه عن الأنواع القصصية نجده يضم السعداوي القاص إلى مجموعة كتاب القصة القصيرة من خلال بعض نصوص عودة الديناصور فيقول:
(( نوع القصة القصيرة جداً والتي تمثل النوع الأكثر انتشارا خاصة من خلال طبيعة النشر داخل الصحف وما تفرضه من قسريات على النص الحديث ومنها : بعض قصص (الأصفر) في مجموعته حجر رشيد وكذلك مجموعة بعض قصص (أحمد عقيلة) غناء الصراصير وكافة القصص التي نشرها في موقع القصة هو والأصفر وكذلك مجموعة (عمر عبود) أخر التيه وأغلب قصص مجموعة ( الشفق الأبيض ) لفوزي الحداد وبعض نصوص مجموعة (عودة الديناصور) لـ"عبدالله السعداوي" و بعض نصوص مجموعة ( طقوس ) لعوض الشاعري وأغلب نصوص (عبدالعزيز الرواف ومحمد زيدان ) التي نشرت في موقع القصة وكذلك بعض قصص ( الصديق بودوارة ) في مجموعته "يحكي أن")) .
ثم يعود للحديث من جديد عن السعداوي عندما طرح مفهومه وفكرته ووصفه وأمثلته للخطابات النوعية المختلفة في القصة الليبية القصيرة,وحدد منها جملة من الخطابات أسقطها على مجموعة من الأعمال القصصية ومنها أعمال السعداوي القصصية والتي برز حسب المالكي في بعضها خطاب الفانتازيا.
يقدم المالكي لخطاب الفانتازيا فيقول:
الخطاب الفانتازي والذي يتشكل من مادة بين الغرائبي والعجائبي ولا يمثل حالة تلبس من الراوي بخطاب مدسوس، وإنما اتفاق بين الراوي والمروي له أمامنا علي تداول تلك المادة الخطابية الخيالية وغير الواقعية والتي من غير المتوقع أن تحدث في الحياة العملية؛ أو غير ممكنة الحصول .ونجد بعض من هذه الكتابات في نصوص مجموعة "عبدالله السعداوي" "عودة الديناصور" ، وكذلك قصة "خديجار" ل"سالم العبار" وكذلك بعض نصوص الأصفر وأحمد عقيلة.
ويرصد الناقد عبد الحكيم المالكي ملامح الخطاب الفنتازي فيقول:
نجده ايضا في بعض نصوص "عبدالله السعداوي": "عودة الديناصور" خاصة في القصة المعنونة بهذا الاسم، حيث يظهر الديناصور من جديد ويبدو أستاذ التاريخ الطبيعي هو الوحيد المختلف عن الآخرين ، إن عبدالله السعداوي من خلال اتفاقية القراءة والكتابة وعبر ما اصطلح على انه رمز، يطرح أمامنا اللامعقول والذي ينتهك الواقع حاملاً معه لنا مقبوليته ، ويتحقق عبر ذلك كله للكاتب المراد من رمزه الذي أنتجه ومن نهج كتابته الذي أشتغل عليه.

وفي نص الدراسة التي زودني بها الصديق المالكي عن المجموعة القصصية عودة الديناصور, سيلحظ القارئ تفاصيل أوفى يقترحها القطاف النقدي المستمد من المادة الإبداعية للراحل السعداوي, والتي سنترك فيها كرسي الخطاب لضميري المتكلم لنستمتع بصوت ورؤية الناقد عبدالحكيم المالكي دونما تعليق أو إضافة:
عــودة الديناصـور لعبد الله السعداوي (غفر الله له) تنتمي نصوص هذه المجموعة من حيث (الجنس الأدبي) إلى ما يعرف بالقصة القصيرة جداً ويتركز البعد الرئيسي في أغلب النصوص من المحورين الرئيسيين في القصة القصيرة وهما:
1. الحدث الذي يحصل في زمن ما لشخص ما (غالباً).
2. لحظة التنوير الكلاسيكية والتي تأتي غالباً لتقلب التوقعات أو لتزيد من تأسيس ما طرح منذ البدء.
كما تتميز نصوص هذه المجموعة، بمستويين من الرمز مستوى قريب يكاد أن يكون معلناً بل لدرجة الوعظ المباشر في بعض الأحيان، ومستوى أخر من الرمز عميق والذي نستشفه من خلال بعد النص الكلي.
كما أن المجموعة من خلال رصيد الشخصيات المتعددة فيها وكذلك الأحداث والمواقف المختلفة والمتباينة ومن خلال اختلاط الواقعي بالعجائبي، تطرح رصيداً ثقافياً متنوعاً ومادة متنوعة في تناصاتها. يتحرك كل ذلك وبدون أدنى شك ضمن منظومة القيم الأصيلة التي من الواضح أن الكاتب يزخر بها.
نسجت نصوص هذه المجموعة عبر مستويات متداخلة من حيث (الحقيقة والخيال) فنجد نصوصاً تحكي حكايات من الممكن أن تحدث في الواقع أو في الحياة المعاشة. ونجد نصوصاً ذات بعد غرائبي وعجائبي تعتمد في تحققها على طبيعة تلك العلاقة الأدبية التي أنشأها الكاتب معنا عبر لغتي الواثقة.
الغرائبي والعجائبي تأتي غالباً في لحظة التنوير (اللحظة النهائية من القصة، وتأتي غالباً لتضفي على النص قوى المدينة إلى القرية إلى النهر والغابة والجبل وغيرها. إي إننا أمام فضاءات مختلفة تأتي كلها لتضيف من خلال نوعها زخماً لمادة الحكاية).

الرصد الثقافي للنصوص:
تطرح المجموعة في مجملها قيماً ثقافية واجتماعية ويتخذ كاتبها موقفاً واضحاً من كل ما يحدث لنا ومن حولنا. وتتمفصل غالب القصص البعدين. بعد وجداني عاطفي يتخذ فيه الكاتب موقفاً من قضية ما والبعد الثاني بعداً فكرياً تتحول من خلاله أمامنا مادة النص يطرح رؤية أو فلسفة الكاتب من قضية من قضايا الحياة الكبرى.
وقد لاحظنا كيف انقسمت النصوص للعديد من الرؤى المختلفة عبر هذان المحوران.
فنجد أمامنا انسحاق إنسان هذا العصر وهزيمته وإرهاقه من خلال نصوص الصداع، القنبلة، عندما تضرب العصافير، القمقم.
ونجد موقفاً عاطفياً من إنسان هذا العصر، موقفاً من زيف معيشة والأكاذيب التي يغلف بها حياته ويبرز هذا في نصوص (الأجوف، اجتهاد الرواة) كما نجد طرحاً لشره هذا الإنسان للقتل والموت وعدم امتلاك الآدمي لأي قيمة من خلال نصوص (الرخيص، الخروج عن النص).
كما نجد رصداً لطبيعة التحولات الأخلاقية والاجتماعية والثقافية عبر (عودة الديناصور، التنور، توفيق الصيدلاني). ونصوص ترصد التحولات الاقتصادية مثل (الجراد، الرجل الذي ابتلع لسانه). وتطرح أمامنا أثر تلك التحولات على الإنسان فعل إضافية، تخرجني من المباشرة والعادية في الطرح. كما تأتي لتطرح المزيد من التشطئ والقلق الذي تعيش تلك الشخصيات. كما أنها تأتي من خلال تناصات مختلفة مع الشخصيات أو الكائنات الأسطورية في ثقافتنا وسيرنا الشعبية، تأتي تلك الكائنات ولكن ليس لمجرد الحضور وإنما ليطرح عبرها مجموعة متداخلة من الرموز، فمارد القمقم في نص القمقم صار حائراً عندما اصطدم بالشخصية (حسن) وهو يتركه رافضاً أي مساعدة، والديناصور الذي خرج في نص عودة الديناصور رأينا أمامنا أثاره دون أن نراه، والمقتول يغيب في ضمير القاتل في نص (الجثة9 وذلك من خلال وعي الجماعة البشرية التي رأت الجثة.
إننا وكما رأينا أمام توظيف فني جميل لمكوناتنا الثقافية والاجتماعية والأسطورية يتحقق عبرها طرح لفلسفات خاصة.

مكونات الحكاية في المجموعة:
تتكون حكاية أي قصة من أربع مكونات رئيسية، حدث، شخصية، وزمان ومكان.
وقد لاحظت من خلال نصوص المجموعة، أن أحد أكبر مكامن القوة في كتابة صاحبها هو قدرته على خلق أحداث جديدة ومختلفة ومتغيرة باستمرار - مع شخوص مناسبين لنوع ذلك الحدث – يتحقق عبرهم طرح لبعد فكري وفلسفي لدى الكاتب إننا أمام اختيارات متميزة فبطل عودة الديناصور هو أستاذ التاريخ الطبيعي، وبطل يوم الثأر من البحر هو الرايس قدورة، كما أن نص صعود وهبوط والحسناء يأتي من خلال شخصيات نمطية ترسخ الأفكار المراد طرحها.
إننا باستمرار أمام اختيارات لأحداث وشخصيات تحدث أزمنة مفتوحة (وإن كانت تخص هذا العصر بدون شك) وفي فضاءات مكانية تجريدية غير محددة بدقة وإن أيضاً لا تخرج من فضاءاتنا.
إن هناك دقة في اختيار الأمكنة والأزمنة. ففي نص الجثة مثلاً نحن أمام أهل القرية، إننا بلا شك أشعر بأن جريمة القتل لها صدى في القرية أكثر من المدينة، ولنلاحظ قوله على لسان راوية (كان منظراً مذهلاً لم يتعود هؤلاء القرويين على رؤيته) إن هذا الحدث قد حدث كما سنرى بعد المغرب بقليل (بعد غروب الشمس بقليل).
إننا ومن خلال أغلب النصوص لاحظنا توفيقاً في نسج حبكة للقصص جيدة تترابط من خلال الحدث والشخصيات والزمان والمكان، كما أن الكاتب يستخدم الأسماء المنطقية للشخصيات لتحقق له بعداً رمزياً إضافياً من مثل (حسان الوسنان) في نص الصداع والذي قام من النوم على صداع وكذلك السجين رقم 87 وكذلك عنوان "القرش" لنص القرش وقصة تحول الإنسان لقرش.
إننا كما نرى أمام ربط متميز لأسماء الشخصيات ولعناوين النصوص مع بنية الحكاية الكلية للنص تحقق كلها في مجملها أبعاداً رمزية متعددة وانفتاح في الدلالة يجتمع كل ذلك ويحدث في فضاءات مكانية مختلفة تبدأ ونجد أمامنا الشخصية النمطية للظلم والقهر والطبقية والتي تنقسم لشخصية الغني والمرابي وشخصية الزعيم والشيخ والتي نراها بوضوح في نصوص (الثري في المقبرة، المرابي الصغير، المواطن الصالح، والسراب، السيد والمدير، المدينة المشبوهة).
كما نجد من زاوية أخرى الشخصية النمطية للمقاومة كمثل الرايس قدورة في (يوم الثأر من البحر) والحفيد في نص (المفتاح). كما يطرح المجموعة القصصية كماً من الشخصيات الإنسانية، مثل العم فرحات في (القلب الكبير) والجدة في نص (المفتاح) وزينب الأم والجدة في نص (زينب).
إن كل ذلك الكم من الخليط الممزوج بجمال تصحبه لغة ساخرة من الواقع كما في (النرجيلة، الوالي، باقات الزور، الوهم) أو رومانسية في الرؤية كما في (الشحرور والصياد، وعدو الأقفاص، وعلوان الذي سرق النهر).
البعد الثاني من الأبعاد الثقافية الموجودة في نسيج هذه النصوص هو البعد الفكري والذي نجده من خلال النصوص التي تشتغل بنيتها الكلية لتحقيق بعد فكري محدد.
فنجد رؤية خاصة في الموت والحياة وفي البكاء والسعادة تمثلها قصة (الموكب الكبير).
ونجد رؤية في الشيخوخة والشباب وطبيعة الحياة التي لا تتوقف من خلال نصوص (صعود وهبوط، الحسناء) ورؤية في العمق الخبيث للإنسان وطبيعة الأنانية من خلال نصوص (تصرف حضاري، سليمان الذي هلك).
ونجد رؤية في مفهوم الفن وعلاقة الفن بالتلقائية من خلال نص (الفنان الصغير).
ونجد رؤية في مفهوم الهوية من خلال نصوص (الهوية، حسان الذي خلع ثوبه، الديك الذي فقد هويته). ختاماً: إننا كما نرى مع رصيد ثقافي متنوع يطرح كله في مجمله رؤية وموقف من كل ما يحيط بنا. وعبر مستويات من الرمز مختلفة تتضافر لتحقيق ذلك عشرات الشخصيات والأمكنة والأحداث ويتم عبر كل ذلك رصد مرحلة زمنية طويلة غالباً من عمر تلك الشخصيات.

عن العنونة بعودة الديناصور:
يمثل عنوان المجموعة الذي يفترض أن يكون هدفنا الرئيسي والذي حِدنا عنه بعض الشيء لأسباب سأوضحها فيما بعد، يمثل حالة إعلان عن حدث، والحدث كما سبق أن عرفنا هو أحد أهم فعاليات القوة في هذه المجموعة، كما أن الديناصور بهذا الشكل يمثل فاعل معروفا ومتداولا ضمن رصيد الثقافي والعلمي بعد علوم الحفريات وغيرها ككائن كان موجود سابقا وانتهى وجوده هنا بيننا، وعودته تعني جعله رمزا للموت وللقتل، أستخدم هذا العنوان عنوانا للمجموعة وعنوان للقصة الرئيسية فيها.
ولقد شعرت في البداية وأنا أقرا العنوان بالخوف على الكاتب من السقوط في المباشرة، ولكن مع قراءة النص وجدت أن الكاتب وهو أستخدم الخطاب الغرائبي وصنع عبر الغرائبية المذكورة تناقضا في الرؤية بين الأستاذ الذي يرى الحدث أمامه وبين العالم كله، وأنحاز الراوي للأستاذ ولما حدث له عندما حدث العالم عن ذلك الديناصور. لقد كانت طاقة الغرائبية مع السرد السهل والخفيف مادة لجعل الكاتب يحقق كل مقصده دون أن يقع في شرك التقريرية التي يمتلكها فطريا هذا العنوان، وكان النص ككل نصوص المجموعة بكاء عن الزمن الضائع واستدعاء للقيم المفقودة وحلم بزمن أخر.
كتب عبد الله السعداوي (غفر الله له) هذه المجموعة القصصية بعد أن سقط طريح الفراش تحت وطأة المرض وكان كل ما يتحرك من جسده النحيل لسانه فقط، وكان القلب تحت جهاز خاص يقوم استخراج الزفير لأن عمل الرئتين على إخراج الزفير كان قد توقف. ضمن هذا الوضع وبهذه الكيفية كتب عبد الله السعداوي نصوص مجموعته عودة الديناصور وكذلك مجموعة شعرية أخرى واستمر على هذا الحال لعدة سنوات كتب في أخرها سيرة اسماها قريبا من التراب ضمنها حكايات من الماضي والحاضر وطرح فيها رؤيته في الموت والحياة ، ضمن هذا الوضع وعن طريق الإملاء الشفوي كتبت هذه المجموعة المحتوية على ما يربو عن السبعين نصا، كانت تنبض حياة وقوة وكانت بذلك تنفيس عن الم الفراش والمرض والعجز .وأستطاع بذلك هذا المرض أن يستفز مبدعا ظل طويلا لا يفكر أن يكتب."
عند هذا الحد يكتفي المالكي بالصمت بعد أن أفاض في طرحه وفصل في سرده النقدي مؤكدا ولوجه الموضوعي لطبيعة وبناية النص ضمن عملية تفكيك مفصلية واستنطاق استقرائي للروح والشكل في كتابة السعداوي الحكائية, دونما إغفال للبحث في منطلقات الكاتب الفكرية والنفسية بل جاوزها برصد المدارات القيمية والأخلاقية التي حلق فيها واعتقد بها الراحل وحتى النبضات العاطفية وشواغل النفس والضمير. ويختم بالترحم على روح الراحل الطاهرة داعيا له بالمغفرة وسكنى جنان الخالدين.

في هذه الوريقات محاولة لن تكون قريبة من الإحاطة والإلمام بهذه القامة السامقة ونتاجها الإبداعي.كانت الغاية بسكب الكلام وسرد الآراء جسر هوة اللاوعي ووصل المطلعين بنصوص إبداعية ينبغي أن يطاولها النور ولا يركنها الزمن في وحشة النسيان.
عادة ما ينجح العقل الواعي في اغتنام لذة النص وترسيب خلاصته متى وفق في عزل الاسم ومعانقة المقرؤ ومحاورته دون سابق حكم أو إشهار لعصا الرفض الأولي قبل الدخول في عالم وروح الكاتب فالتعالي فوق كرسي اللامبالاة مربك لتداعيات المتعة الذهنية ومعكر لصفاء الذائقة اللاحسية.
الشاعر الشيخ امحمد المجري في قصيدة نادرة - وهو المقل المجيد- يقدم نص لتأبين الفقيد عبر فيه عن معاناة المرض ورحلة الألم التي مر بها الراحل السعداوي , والتي لم تثنيه عن الإتيان بأدب رفيع , طاف فيه أجناس الإبداع وقدم عبره رسالته للإنسان والحياة والوطن, ختم الشاعر قصيده بالدعاء للراحل معظما ذكره الطيب ومعزيا كل المثقفين في مصابهم بفقد هذا الإنسان الرائع والأديب الكبير.

ولقد دهتك من الحياة شدائد            فأريتها بالصبر عزم رجال
هيهات للأمراض تثني عزمكم        يا شامخا تعلو علو جبال
يا صاحب القلم البليغ كأنه            مما يفيض عذوبة كزلال
عودتنا الأدب الرفيع تفننا            برواية وقصيدة ومقال
عظمت مصيبتنا بفقدك يا أخي         فخلا المكان وما الفؤاد بخالي
تأسى عليك قلوبنا وعيوننا            تبكي عليك بدمعها الهطال
قد كان شعرك حكمة ونصيحة         جمعت من الآلام والآمال
أما الرواية أنت فيها رأسها            وبها تكون براعة الأعمال
مهما الحياة تدوم فهي قصيرة            قدر الإله وحكمة المتعالي
وصبرت للأمراض صبر مسلم         وشكرت مولاك ولست مبالي
أبشر بدار الخلد قرارة                   بجوار خير الخلق خير رجال
إنا نعزي فيك كل مثقف                 يا من كتبت ثقافة الأجيال
سيظل صوتك بيننا متعال               ويظل ذكرك مضرب الأمثال

الكاتب الدكتور طاهر بن طاهر
في مقالة له بعنوان الشقيق وعصا موسى
يقول:
إلى الأديب والكاتب عبد الله السعداوي/ الذي صنع من ضعفه قوة, ومن إرادته نتعلم الحياة, ونستشعر ضعفنا الرهيب والمفرط
من مرقده الرهيب مرفوقا بضربات الخارجي الملحة على منحنا الحياة, تتوقد الروح عطاء سخيا في ملك لن يبلى نبض الكلمات بل الحروف متقطعا باليا خافتا ليلتئم جرحها المنسكب قطرات ندى في صحراء يومنا. الجسد الممدد بلا حراك وصوت رتيب غريب يملأ النفس رهبة, ينبعث في النفس قلقا خفيا مبعثه النفس الرائية في الآخر ضعفنا وقوته, تختنق الكلمات عبر ذاكرتي المشوشة المبللة بعرق الاتكال والتواكل والتوكل المنتظرة ليوم وغد أفضل لتصنع معجزتها, لكن الجسد الإرادة يمثل الغرابة والفرادة والرفادة, يفجر طاقاتنا المكبوتة, ليعلمنا أن هذا الكائن جدير أن يمسك الخيوط أطرافها جميعا, خذلتني قواي وتاهت الحروف والكلمات تفلتت من بين بقايا ذاكرتي, لأحس أن الحياة أثمن وأروع وأبدع, وأن عالم المعجزات والخوارق لا ينتهي مطلقا, كان الجسد الطيف أكثر جلدا وصبرا وطربا وودا من القادم مجاملا مواسيا مسليا, قرأت ذلك من خلل العينين الباسمتين فرحا وألقا وأملا ومشاريع عديدة قد نحتاج ألف عُـمْرٍ وعُـمـَر لإنجازها, عينان تقرءان الآخر نفذت إلى داخلي لأستشعر رهبة المكان والزمان, وعلمت أن يوسف قد سحر زليخة, وألقى بها في أتون الحيرة والقلق فالمنظر لم تكن الذاكرة قد رسمت هوله.
أتتدفق الحياة إبداعا من ركام الموت المحاصر لخاصرة المكان؟
أيصبح العجز والوهن أشد صلابة من بأسنا وشدتنا؟
أيخلق الجسد الممدد المستكين معنى آخر لفهم الحياة وسبر أغوارها ؟
أسئلة كثر لم تبق في النفس ولم تدر, وضعت عليها 19 مخبرا كي تخرج إحساسها ومشاعرها قهرا وقسرا, لكن أقفال الواقع تصدمني, وهل يكذب الفؤاد رؤاه وما رءاه؟ إن هي إلا زفرة واحدة فيظلم الكون من حولي ليضئ الجسد الواهن ملايين الشموع وقودا ومنارا يلتهم ويضئ درب عجزنا الطويل, وليلقي في روعنا أن الكاتب والمفكر والمبدع لا تعصف به غوائل العجز, ولا يثنيه المرض ولا يقعده, فعالمه الحرف والكلمة المندفعة شلالا دافقا ونبضا خفيفا تتلقفه آذان مرهفة تنسجه عطاء سخاء ينشر ظلاله ودفئه مانحة الوسط والمحيط, وهاتكا ستر عجزنا المزمن, ومانحا قوة الأمل والرغبة والرهبة, ويسد ألف كوة للضجر والإكتيئاب ولنتحدى صمت دواتنا المطبق وظلمة النفس, ونعلم أن الأمل والقوة والإرادة فعل نحن من نمسك خيوطه تماما كفعل اليأس والقنوط والاستسلام الغارقين فيه حتى آذاننا الموقورة والموقرة.
بعد جمع شتات النفس في ذلك المجلس الرهيب, وتشعب الحديث مع الرفيق الذي أتقن لعبة المكان والزمان والحدث فكان رسول إخبار وإعلام وتسلية يستجيب الجسد المسجى عبر همهمات ووشوشات ودوران رهيب لحاسة استطاعت أن تجمع بقية الحواس تعبر وتنطق تتفاعل وتستجيب وتعلق أيضا هالني تتبعه الدقيق والغريب, فلقد جرنا الحديث إلى كتابة ظريفة طريفة شرق صاحبها وغرب, وأصابت سهامه الطائشة وغير المثقفة البعيد والقريب, وارتد بعضها على ثنايا جسمه ونفسه, ضجرا قلقا منشغلا على مدينة ارتبط بها وهما وفارقها جسدا وعطاء, تلك المدينة التي شكلت بشبابها ووجدت في مثقفيها النسغ المانح لفضيلة اللقاء واللقيا المتدفقة خيرا وعطاء, ارتوى الجميع منه عبر مساحة الوطن الواسع الضيق المانح المانع القاسي والرحيم, كانت ردات الفعل وتعليقاتهم حول ما سطر صاحبنا مشوبة بالغضب وبالخيبة والاستغراب واللاتوقع, فهم الجسد الروح المتسامي الحدث والحديث, فكانت ضربة التقييم والتقويم قاسمة وقطعت قول كل حكيم ولئيم, استطاع أحد الحضور من أقربائه ترجمة ما باح به وأعلن : آه إنه فلان من كتب هذا لا بأس إنه زميلي أيام الدراسة ولا غرابة في ذلك ففي إحدى المرات وفي بيوت الطلاب ولمشادة صغيرة اعتلى صاحبنا منضدة الطعام وبال عليها, ويبدو أنه لم ينس هذه العادة, فطهروا المكان ورشوه بالورد والحناء, وامنحوه فيضا من شقيق مصراتة ورتمها ولا تجعلوا صبارها وريحه يطغى على مشهد وشهد ربيعكم المتدفق خيرا وعطاء وبركة وليكن فعله هذا آخر قطرات سيله.

بقلم الكاتب المبدع مصطفى الهاشمي بن نصر
نطالع هذه المقالة الخاصة عن الراحل والتي عنونها السعداوي.. قراءة خاصة

عبدالله السعداوي مثقف من الطراز الأول انبجس كعين صافية تصب في جدول الأدب والثقافة الوطنية، إذ لم يكن مرتهناً للشعر وحده بقدر ارتهانه للفكر بمعناه الأشمل والثقافة العميقة والفنون ومختلف الأجناس الأدبية ككتابة القصة القصيرة والنقد الأدبي وقراءة التراث من وجهة نظر مختلفة عن السائد والمألوف وفوق ذلك يأتي حسه العلمي المواكب لكل جديد في مجال العلوم والتقنية والاختراع، ثم يأتي الشعر متمماً لثقافته الموسوعية التي شكلت وعيه الشاخص الذي يتجاوز الذات إلى تخوم قضايا الإنسان العربي الذي مازالت الهزيمة تسري في عروق حياته اليومية ويتعدى دوائر الاهتمامات العادية إلى دوائر أرحب وأكثر اتساعاً.. تلك التي يرصد من خلالها التطورات التاريخية وحركة المجتمع وآلام الأمة بعين الناقد الأديب. ولئن كان ديوانه المنيف (زهرة الصبار) نقلة مهيبة على صعيد تفرد موهبته الشعرية تطرق باب الحداثة المنضبطة لثوابت وخصوصية الزمان والمكان، إلا أنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن هامة السعداوي الثقافية وما تتمتع به من مراكمة ورصيد ثقافي متنوع بتنوع مراكمة الأفكار المعمقة والأصالة لديه. لذلك فإنني أزعم أن الحالة الشعرية لدى الأديب عبدالله السعداوي تأتي في العربة الثانية من قطاره المنطلق بسرعة فائقة نحو مدن الندى والتفاؤل والحياة والمدن والشجر. ويظل ديوانه الأول (زهرة الصبار) وما لقيه من احتفاء في الأوساط الثقافية والأدبية دلالة على عمق واستواء تجربته في مجال الإبداع الشعري حيث استطاع من خلاله بهواجسه وروحانياته أن يحرك فينا الاستجابة لإيقاعاته وألوانه التي هي لون الحياة لأن نصوصه لا تتكلف الموقف ولا تتصنع الحدث لأنها تعيشه وتتمثله. فهو لم يذهب إلى القصائد بل هي التي تأتي إليه، ولا يكتبها بل هي التي تكتبه فينساب صوتاً هادئاً يرسل نغماً هادئاً مخضلاً بأسمى الأبعاد الإنسانية. إن الأديب السعداوي هو أحد المقاتلين بشراسة من أجل تأكيد الهوية القومية وقضايا الإنسان وبحمى العشق وتمرين النفس استطاع أن يمتلك أدوات قتالية فتاكة هزمت قساوة هذا العالم. بل إن مرضه الأسطوري الذي اغتال حركته ببشاعة لم يحزن أديبنا فيميت حسه وطموحه ولم يدفعه إلى البكاء والشكوى بالأمل بل أشرق في نفسه شمساً وبث كوكباً موحياً بالأمل واليقين الآتي.. فتحية لعبدالله في محنته وتحية لإصابعه بما تختزن من حرارة وصدق وأن الغد الجميل لم يأت بعد.

رغبة وإرادة

أريـــد جـــوار قـبـر أبــي وأمــي            لـــكــي أبـكـيـهـما ولـيـبـكـياني
وأشـكـو إلـيـهما بـثـي وحـزنـي              وقــلـة حـيـلـتي فـيـما دهـانـي
ومـــن ســقـم ألـــمَّ بـنـا تـبـاعاً               فـلـم يـصـرفهما حـتـى ابـتلاني
لـعـلـهـما إذا ســمـعـا نـحـيـبي                يـفـيـضان عــلـي مـــن الـحـنان
فــمـا قـصّـرت بـالإحـسان يـومـاً            لأهــلــي بـالـيـدين أو الـلـسـان
ومــــا ضــنّــا بـحـبـهـما عــلــي             ولا بــودادهــمــا ســيــقـصـران
ولــيـس بـكـاؤنـا ضـعـفاً وعـجـزاً            ولا مــــن ذل نــفـس أو هـــوان
ولا أسـفـاً عـلـى الـدنيا وحـرصاً              على ما في الحياة من المغاني
فـقـد جـلـت بـهـا شـرقـاً وغـربـاً              ونـلـت مـن الـمغانم مـا كـفاني
ولــيــس بــكـاؤنـا إلا احـتـسـاباً               إلـــى رب الـعـبـاد مــن الـزمـان

لو كان لي

ما كنت أخطيء ما أقول وما أرى             لو كان لي دون الورى عمران
لأخوض تجربة الحياة بواحدٍ                   وأعيش في درب الصواب iالثاني

عبدالله السعداوي

رحم الله عبدالله السعداوي واسكنه فسيح جنانه
23 / 6 / 2007

• إن هذه المقالة تدين بالفضل في صوغها وإعدادها ونشرها لكل من ساهم فيها,فهي في واقع الحال كلمة من كل من عرف الراحل وأحبه,فلهم جميعا وافر الشكر وخالص الامتنان واختم بالقول إن العزاء واحد فلندعو للفقيد بالرحمة والمغفرة.
• الشيخ ابراهيم بن غشير
• عطية ادراه
• محمد مليطان
• د.الطاهر بن طاهر
• عبد الحكيم المالكي
• أبوالقاسم القط
• أبوالقاسم القويري
• د.علي فهمي خشيم
• يوسف الغزال
• مصطفى الهاشمي
• علي رشدان
• محمد بن لامين
• عبدالله الغزال
• صالح السيوي
• محمد الشقماني
• محمد الأندلسي
• حسين الهيشي
• حسن الأشلم
• الشيخ امحمد المجري
• الإعلامي أحمد ابوفناس
• المصور المبدع عبدالحكيم فرشوح ( صاحب الصور المرفقة )

الحبيب الأمين
masproject65@yahoo.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home