Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Hasan al-Amin
الكاتب الليبي حسن الأمين


حسن الأمين

الأثنين 13 اكتوبر 2008

اعطني مسرحا أعـطيك شعـبا طيب الأعـراق

المسرح الليبي بين الأمس واليوم

عرض : حسن الأمين

عندما قررت فرقة المسرح الوطني بمصراته في أوائل السبعينات انشاء أول مسرح للأشبال في ليبيا كنت من أوائل المنضمين لهذه التجربة الرائدة. وكان المسرح في هذه الأيام يعيش فترة ذهبية تميزت بتعدد الأعمال وتنوعها وانتشار الفرق المسرحية في كثير من مدن البلاد وكذلك ببروز العديد من القدرات المسرحية المتميزة, سوى في الكتابة أو الاخراج أو التمثيل. وفي بدايات السبعينات كان المسرح بالنسبة لي, ولمن شاركني هذه التجربة في مدينة مصراته, مدرسة تعلمنا فيها الكثير, فتحت أمامنا كنوز الأدب العالمي ووفرت لنا مناخات جيدة للتفكير والبحث. فالمسرح كان بحق أستاذ الشعوب ومعلم الجماهير.

كنا يومها وعلى صغر سننا نتابع الحركة المسرحية ونشاطاتها بكل شغف ونسعى بجدية لمتابعة جديد انتاجها. والى جانب فرق المسرح, وفرت لنا الأندية الرياضية أيضا فرص مزاولة نشاطنا المسرحي الى جانب المسرح المدرسي الذي كان نشطا وفعالا في اثراء هذه الموهبة لدينا.

"بدايات المسرح الليبي ونشوئه يعود الى سنة 1908 على يد أول مسرحي ليبي وهو قدري المحامي ورواد أخرون منهم محمد عبدالهادي والشاعر ابراهيم الأسطى عمر وأنور الطرابلسي ومحمد سرقيوة ..."


أنور الطرابلسي
لقد توفرت للمسرح الليبي في بداية السبعينات أرضية خصبة للنمؤ والعطاء وكان من الممكن له أن يساهم في بناء مجتمع متحضر وواعي. وكان لهذا المسرح رجال ونساء يمتلكون قدرات فكرية وفنية عالية وأيضا يمتلكون الحماس والرغبة الجادة للنهوض بهذا اللون من الفنون. وبدأ المسرح الليبي في خلق جمهور له في كثير من المدن الليبية وبدأت النظرة التقليدية السلبية للفنان المسرحي في الانحسار.


بشير فحيمة - محمد بوسويق
غير أن هذه التجارب لم يكن مقدرا لها أن تنموا وتستمر. فسرعان ما تحول المسرح من منبرا للعلم والمعرفة وأداة لمزاولة النقد الهادف والبناء ومعالجة قضايا المجتمع الهامه الى أداة طيعة في يد النظام الحاكم يسخره كما يشاء لخدمة أغراضه المريبة والدعاية لافكاره المريضة. ولما الغرابة !! فالمسرح الجاد والهادف لا ينموا ويترعرع الا في ظل مجتمع ديمقراطي حر.



الفنان احمد النويصري
والفنان عبدالحميد بورواق
أذكر مرة اننا كنا نشتغل على عمل مسرحي في نادي الحياد الرياضي بمدينة مصراتة في أواخر السبعينات. وكانت المسرحية هى "الفيل يا ملك الزمان" للكاتب السوري سعد الله ونوس. ومن المعروف أن هذه المسرحية تعتمد شئ من الرمزية في اظهار قسوة الاستبداد والقهر. وفي اللحظات الأخيرة من الاعداد والتدريب يدخل علينا سليمان الشحومي الذي كان وقتها مسؤولا عن الاعلام بالمدينة ويمنعنا من مواصلة التدريبات بحجة أن هذه المسرحية لا تتمشى مع "ما يريده الجمهور" وأنه يتعين علينا البحث عن نص آخر. واذكر أيضا تدريباتنا بفرقة المسرح الوطني بمصراته على مسرحية "سنوات القهر" للكاتب المسرحي "عبدالكريم الدناع *" وهى أيضا مسرحية رمزية تعالج القهر السياسي بأسلوب ذكي ومونولوجات قوية, أذكر ان قسم الرقابة بالهيئة العامة للمسرح والموسيقى وقتها كان يرسل لنا اوامرة المستمرة "بالتعديل" و"الحذف" و"الشطب" حتى تحولت المسرحية من عمل رمزي معبر عن واقع الظلم والاستبداد بشكله المطلق الى عمل يطبل ويصفق للنظام الحاكم. وأحد الأمثلة على هذه التعديلات هو جملة يرددها بطل المسرحية تقول: "... كنا شعبا وقد صرنا عبيدا... كنا نتهادى الخبز واللبن ونتسامر في ضؤ القمر ... وها نحن الأن مكمموا الأفواه لا نستطيع حتى النطق بالشهادتين الا بعد اذن حاكمنا...." ثم يختم بالقول "اننا في انتظار أن تهب الرياح ونستنشق الهواء" فما كان من هيئة الرقابة الا ان تطالبنا بتغيير الجملة الأخيرة الى "اننا في انتظار الفارس القادم من الصحراء". ولم يكتب لهذه المسرحية ان ترى النور لأن الجميع كان قد... غادر.

هذه بعض من الانتهاكات في حق المسرح ورسالته الحضارية. انتهاكات ومعوقات دفعت بالكثيرمن القدرات المسرحية الى أن تنسحب. وبالنسبة لي أيضا فقد كانت هذه هى الشعرة االتي قسمت ظهر البعير ومن يومها قلت على المسرح في ليبيا السلام.

"وصلت الحركة المسرحية قمة مجدها أبان الثلاث سنوات الأولى من عمر الانقلاب وقد أبدع المسرح ابداعا حقيقيا. نستطيع تسمية هذه الفترة بفترة ازدهار المسرح الليبي...."

ولعله من المفيد هنا أن نتتبع تاريخ المسرح في ليبيا وتطوره التدريجي منذ بداياته الأولى عام 1908 على يد الأستاذ قدري المحامي. ففي مقال حول المسرح الليبي بعد انقلاب سبتمبر 1969 نشر بمجلة (صوت الطليعة) الصادرة عن الحركة الوطنية الليبية في العدد الثالث عشر لشهر مايو 1984, يتناول الكاتب بالتحليل تاريخ المسرح الليبي والعديد من القضايا المتعلقه به. وقد رأيت أن ألخص لكم بعجالة النقاط الرئيسية فيه.

يبدأ الكاتب بتقسيم تطور المسرح بليبيا الى المراحل التالية:

المرحلة الأولى: من سنة 1908 الى سنة 1936 والتي أطلق عليها اسم "المرحلة التاريخية" ووصفها بأنها "تنطوى على منحى ديني تاريخي يبعث أمجاد الجهاد والفتوحات الاسلامية والبطولات العربية". ويذكر من رواد هذه المرحلة محمد عبدالهادي والشاعر ابراهيم الأسطى عمر وأنور الطرابلسي ومحمد سرقيوه.

المرحلة الثانية: من سنة 1936 الى سنة 1945 وقد ميزت هذه المرحلة ظهور "المسرحية ذات التوجه الاجتماعي وان ظلت شخوصها امتدادا للمرحلة السابقة حيث لم يتعمق الوعى الاجتماعي". ويذكر من رواد هذه المرحلة رجب البكوش والبشير عريبي ومحمد حمدي وأحمد قنابه ومصطفى العجيلي وسالم بوخشيم.

"كان المسرح الليبي سابقا نوعان: النوع الأول الذي يعيش على هامش المشاكل الحياتية والثاني الذي يتطرق الى عرض المشاكل بجدية وبعض العمق (وقد مثله فرق الهواة) – ان التجربة المسرحية الليبية تؤكد لنا بأن فرق الهواة هى المؤهلة واقعيا للالتزام بصيغ الرفض والاحتجاج في المسرح فأعمالهم تقترن دائما بنشاط تركيبي ابداعي تهدف الى تحديد البئة النفسية والاجتماعية والفكرية لبلد من بلدان العالم الثالث هو ليبيا."


المرحلة الثالثة: بين سنتى 1945 – 1952 ويصفها الكاتب بأنها مرحلة تبلور الوعى السياسي "حيث دخلت القضية الليبية منعرجات متعددة في الفترة وتحرك الليبيون للدفاع عن القضية الوطنية وبدأت تتضح الرؤيا السياسية في المسرح وظهر الربط بين قضايا متعددة منها الاجتماعية والسياسية والفكرية وقد تأسست في هذه الفترة فرقا مسرحية متعددة وازداد المسرح ثراء وتنوعا كما تكونت الفرق المسرحية الأجنبية الايطالية والفرق اليهودية وامتاز المسرح بجرأة أكبر في تشخيص الواقع والعمل على تغييره وولد هذا المخاض جيلا كاملا من رجالات المسرح الجاد والملتزم".

المرحلة الرابعة: 1952 – 1962 والتي أطلق عليها كاتب المقال مرحلة "بواكير المسرحية الملتزمة". ويشير الكاتب الى أن ما ميز هذه الملرحلة هو "نشؤ الأحزاب السياسية التي رفدت المسرح بالجرأة والوضوح وتأثره الكامل بها". ثم يعرج الكاتب الى تناول تاريخ المسرح الليبي منذ انقلاب سبتمبر 1969 الى احتضاره في أواسط عقد السبعينات. وقد قسم هذه المرحلة الى "مرحلة تكاد تكون امتدادا للمرحلة السابقة أى مرحلة ما قبل الانقلاب واستمرارا لفترة المسرحية الملتزمة والثانية في الفترة التي دخلت فيها المسرحية ذلك النفق المظلم الطويل. عندما استولى العسكريون على السلطة...". ثم يسترسل الكاتب في تحليل أسباب تدهور المسرح الليبي منذ أواسط السبعينات ويبدا بالاشارة الى ان "المعوقات التي واجهت الحركة المسرحية الليبية قبل انقلاب سبتمبر مازالت هى نفسها مع اشتداد الرقابة على المسرح وزيادة الضغط والارهاب النفسي والاجتماعي". ويرجع الكاتب أسباب احتضار المسرح الليبي في في هذه الفترة الى عوامل كثيرة أهمها طبيعة وتأثير الأنظمة الفردية الدكتاتورية "ان الانظمة الفردية الدكتاتورية مثل النظام القذافي ترتعش أوصالها عندما تسمع بالدعوة الملحة للمسرح السياسي وهى تجهل تماما معنى المسرح ولكنها تخافه. انها تخاف ان يكون المسرح السياسي وسيلة لتصوير جوانب مشكلة ما. فد تكون سياسية أو اقتصادية مع تقديم وجهات النظر المحددة بغية التأثير على الجمهور أو تعليمه الطرق التي تعتمد على ادوات التغيير". ويضيف القول بأن المسرح الليبي انتقل من "... المعارضة الصريحة أو الضمنية للنظام الرجعى الذي سبق الانقلاب الى موقف التضامن مع السلطة الانقلابية والانتقال من التحريض ضد القهر السياسي والتخلف الاجتماعي الى التبشير بالقيم الاشترلكية والقومية. والتي تشدق بها النظام ثم أفرغها من محتواها حيث كشر عن أنيابه القبيحة وقصمت الشعرة ضهر البعير. وأعلن وصايته على الحركة المسرحية". ويصف المسرح الليبي الأن بأنه يعيش مرحلة "صمت مطبق. حيث يخيم على الحركة المسرحية حداد مردة القيود التي فرضتها عليه الزمرة العسكرية ووضعيته التي تكاد لا تخلو من شوائب كانت قد علقت به منذ بداية انطلاقته". ثم يتسائل "أين نحن من التجربة المسرحية قبل قيام الانقلاب الأسود فقد كان الكاتب يلجاء الى الابعاد الزماني والمكاني هروبا من قبضة الرقابة كاجراء وقائي يتيح للعمل المرور والعرض على خشبة المسرح وحتى لا يصادر ذلك هو الاسقاط السياسي الذي حاول الخروج الى الجمهور وكسر كافة سلاسل و أطواق السلطة". ثم يخلص الى انه ".... لم نلمس في الواقع اية شروط موضوعية تعمل على تنضيج أرضية المسرح وبذرها ببذور تعط ثمارها ليكون العطاء أكثر عمقا واتصالا والتزاما بمعضلات الانسان ومآسيه".

وفي ختام المقال تعرض الكاتب للمرأة ودورها في المسرح اليبي ويذكر بأن أول مشاركة مسرحية نسائية كانت يوم الاربعاء 4 يناير 1939 مع فرقة مكتب الفنون والصنائع الاسلامية في مسرحية (يسقط الحب) على مسرح البوليتياما في طرابلس. والممثلة كانت فتحية مصطفى وأخرى تدعى فتحية محمد وكلاهما من مصر. أما أول مشاركة نسائية ليبية فكانت في مسرحية (طريق الشيطان) بتاريخ 24 ديسمبر 1960 و الممثلة كانت فائزة محمود (حميدة الخوجه).

وحول دور المسرح بالنهوض بالمرأة الليبية يمضي الكاتب موجها النقد للمؤلفون المسرحيون الذين يعتقد بأنهم لم يستطيعوا "الربط بين فكرة تخلف المرأة وبين حالتها المرضية وابتلائها بشلل لا تستطيع معه الحركة. ولنكن منصفين وأكثر صدقا اذ نقول بأن المسرح الليبي لم يعير المرأة الا الاهتمام القليل وخاصة قضية تحريرها".

وختاما... كان المسرح في ليبيا من الأشياء الجميلة التي لم يعنى بها حتى ذبلت. كان احدى ضحايا حكم الفرد...

"... كانت سنة 1966 هى بداية ظهور المسرح الحكومي وفي 14/12/1963 أنشأت الحكومة معهدا للموسيقى والتمثيل في طرابلس وصدر قرار وزاري بتسميته معهد – جمال الدين الميلادي- وقد اطلقت التسمية على رائد من رواد الزاوية القادرية هو عبدالله جمال الدين الميلادي 1881-1963 موسيقي وعالم بالأوزان وفنون الغناء."


فوق خشبة مسرح الكشاف بطرابلس بعد احدى العروض المسرحية
لفرقة المسرح الوطني بمصراته صورة تضم : من اليمين : حسين الأمين,
المرحوم يوسف حيدر, حسن الأمين, فيصل النحائسي, عزالدين المنتصر (جالسا)
ويتوسطنا الممثل القدير عبدالبديع العربي الذي عمل لسنوات مخرجا بفرقة المسرح الوطني بمصراته.

________________________________________________

المصدر :
- المسرح الليبي بعد انقلاب سبتمبر 1969 - مجلة صوت الطليعة (مجلة دورية تصدرها الحركة الوطنية الليبية) العدد الثالث عشر / مايو 1984
* عبدالكريم الدناع كاتب مسرحي متميز من بين اعماله الرائعة مسرحية "باطل الأباطيل" و"دوائر الرفض والسقوط"


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home