Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Hakim

Sunday, 29 January, 2006

الدانمارك ومحنة العـقـل المسلم

حكيم

لم يعد ممكناً تأجيل الحديث عن موضوع الصور التي نشرتها الصحيفة الدانمركية عن الرسول محمد، ذلك على الرغم من أني تحدثت عن هذا الموضوع منذ أكثر من شهر على هذه الصفحة (انظر أرشيف ديسمبر 2005) إلا أن شعوبنا العاطفية تنساق دائماً لرد الفعل ويأتي رد فعلها دائماً متأخراً ومتوقعاً وعاطفياً وغوغائياً وغير ذي تأثير .. إقرأ توضيح الصحيفة الدانمركية المنشور على صفحتها الرئيسية..
http://www1.jp.dk/indland/doku/jp_aabent_brev.pdf

قلت دائماً أن مشكلتنا أننا لا نحب أن نسمع صوت العقل ومستعدون لرجم كل من يزداد صوته عن الهمهمة وغالباً ما تعلو أصوات الغوغاء المحرّضة على التهييج وهذا ما حدث أمس في إحدى الغرف الليبية إذ تمّت مناقشة هذا الموضوع وكالعادة لم نسمع سوى أصوات شبيهة بأصوات المتفرجين في حلبات المصارعة الرومانية وهم ينتشون لرؤية الدم.. ونال الدكتور اغنيوة نصيب الأسد من هذه الغضبة المضرية فمن مطالب بمقاطعته إلى مطالب بقتله لأنه مرتد!.. واستدل الحاضرون بما قلناه مراراً وتكراراً من أقوال الرسول وأفعاله فجاءوا بحديث "نصرت بالرعب"، وبآية "يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال".. وقال أحدهم أن الدفاع عن عرض الرسول هو أولى من دفاع الإنسان عن عرضه.. الخ.. وأورد بيت شعر لحسّان بن ثابت يقول فيه :

فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء

وأنا أجزم أن من كتب هذا البيت وتسعة أعشار الحاضرين لا يعرفون قائله، وإن عرفوه فهم لا يعرفون أن قائله، حسان بن ثابت، هو أحد الذين جلدهم الرسول لتورطهم في قذف عائشة في حادثة الإفك.. أي أن هذا الذي يتمثّلون بشعره هو أول من طعن في عرض الرسول فهو شخص حقير بكل المقاييس إذ لم يتورع عن الطعن في عرض فتاة لم تتعد الرابعة عشر من عمرها، فهل لنا أن ندقق قليلاً في مصادر إلهامنا؟

ثم ترددت الدعوات القديمة نفسها من مقاطعة المنتجات الدانمركية ووجوب طرد السفراء وإغلاق البعثات الدبلوماسية.. الخ.. وكما هو متوقع فلا يسأل أحد نفسه عن المنطق (ولن نقول العدل) في معاقبة شركة تنتج أجبانأ بجريرة صحيفة؟.. إذا كان هذا منطقنا في معاقبة الجميع بجريرة الفرد (هذا إذا افترضنا أصلاً أنها جريرة) فلماذا نغضب عندما يصم العالم المسلمين جميعاً بالإرهاب لجريرة بن لادن؟.. هذا تعميم وهذا تعميم فما الفرق؟..

النقطة الأخرى التي تغيب عنّا جميعاً هي نقطة تحدثت عنها على هذه الصفحة أيضاً هي أن المجتمعات الغربية تتبنى قيماً معينة أهمها التسامح وبسببها يجد المسلمون الهاربون من الاضطهاد ملاذاً آمناً في الدول الغربية على الرغم من أنهم يخالفونهم في الدين.. وهذا دليل على جديتهم في الالتزام بهذه القيم.. ومن هذه القيم أيضاً "حرية التعبير" وهي التي يجد المسلمون عادة صعوبة في فهمها.. فالإنسان حر في أن يعبر عما يراه حتى لو كان نقداً للأديان أو استهزاءً بها.. والمتابع لوسائل الإعلام الغربية يرى هذا واضحاً، فلا توجد حصانة لعيسى الذي يؤمن به الناس كإله وليس كرسول، فعيسى مادة مفضلة للاستهزاء في البرامج الكوميدية..

حتى بعض الأصوات العاقلة التي تحدثت كانت تحذر المسلمين من مغبة أي عمل متسرع كقتل الرسام أو ناشر الصور خوفاً من أن تتخذ الدول الغربية من ذلك حجة للتضييق على المسلمين وترحيل بعضهم.. وهذه نقطة جيدة لتأمل النظرة الدينية للأخلاق فحتى من يدعو إلى التريث والحكمة إنما ينطلق من دافع مصلحة وليس من وازع أخلاقي أصيل.. فإذا كان المسلمون أقوياء فلا مانع من إرهاب الناس وإخراس الأصوات أما الآن فنحن في مرحلة استضعاف ولذلك يكون من الحكمة التريّث وإظهار التسامح حتى تنقلب الموازين وعندها سنتّبع سنة الرسول حرفياً والتي لخصها بعض المتحدثين بأن الرسول لم يتسامح مع من آذاه شفوياً أو بالشعر وأمر بقتل بعض الناس حتى لو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة ومنهم جارية (كلام قديم، أليس كذلك؟ وقلناه مراراً واتهمنا بسب الرسول، وهاهم الآن يلجأون إليه ويؤكدونه بأنفسهم).. بل قال بعضهم ممن يظهر أن له علماً بالشريعة أن إجماع علماء الأمة أن من يشتم الرسول يقتل حتى ولو تاب! وهذا يعني أن جريمة شتم الرسول هي أشد حتى من الشرك بالله والذي ما جاء الرسول إلا لأجله (أليس كذلك) فالمشرك يعطى فرصة لكي يتوب قبل أن يقتل أما شتم الرسول فهو أشد من الكفر بالله.. طبعاً هذا إجماع علماء الأمة حسب المتحدث فهل يا ترى أن علماء الأمة لا يفهمون الشريعة؟

بعد أن يهدأ الغبار دعونا نحاول أن نرى المشهد كما هو :

1. أن الصحيفة اعتذرت عدة مرات كما بينته على صفحتها الرئيسية وباللغة العربية ولكن المسلمين يريدون اعتذاراً من الحكومة رغم أن الحكومة لا تملك الصحف ولا تملك الحق في معاقبتها وبوسع المسلمين اللجوء إلى القضاء وهذا ما أتمناه..

2. أن موقف المسلمين بائس شديد البؤس، فالنقطة الرئيسية التي أراد محرر شئون الثقافة بالجريدة أن يثيرها هو ما تردد عن الرقابة الذاتية التي يمارسها الكتاب والرسّامون في أوروبا على أنفسهم من تناول الشئون الإسلامية بعد عملية الاغتيال التي تعرض لها المخرج الهولندي ثيو فان جوخ.. وبكل بؤس استجاب المسلمون لجيناتهم الغوغائية وهاجوا وماجوا في أقطار الأرض مطالبين "الحكومة" بالاعتذار وليس الصحيفة!.. ألا يفهم هؤلاء أنهم يؤيدون النقطة التي أراد المحرر إثباتها وهي أن الوجود الإسلامي في أوروبا يحاول أن يفرض قيمه الإسلامية حتى على غير المسلمين؟

3. أن المسلمين لا يملكون إلا سلاحين: المقاطعة أو الإرهاب.. والمقاطعة قد تؤثر سلباً على قطاع واحد من قطاعات الاقتصاد ولكنها لا تكفي لتقنع هؤلاء بنبذ إرثهم الحضاري لكي يعود المسلمون إلى شراء الجبنة الدانمركية والتي يشترونها بأموال المساعدات الاجتماعية التي يتلقاها أغلبهم من الحكومة الدانمركية الكافرة.

4. إن هذه الزوبعة لن تفعل شيئاً إلا إثارة الانتباه إلى الخطورة التي يشكلها الوجود الإسلامي في الغرب مما سيدفع بالمزاج العام إلى الاتجاه نحو اليمين وستمضي تلك الأيام التي استفاد فيها المسلمون من تعاطف اليساريين معهم، وستخضع كل قيم المواطنة والحرية والتسامح لمراجعة نقدية شديدة من قبل أصحابها أنفسهم، وسيثبت المسلمون للعالم أنهم قادرون على إركاع الحضارة على قدميها مرةً أخرى لصالح البداوة وقيم الصحراء.

حكـيم
www.7akeem.net


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home