Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Hakim
الكاتب الليبي حكيم

الجمعة 16 اكتوبر 2009

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

الكهل الشبق والدمية الخرساء (14)

حكيم

في الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة "بيان بطلان إدعاء المنهجية العلمية عند حكيم" عاد الكاتب لقصة الغرانيق والتي تعرّض لها في حلقة سابقة، ورددْنا عليه في حينها ولكن سنردّ على ما أورده هنا أيضاً، فنكرر له إن علماء المسلمين قد استماتوا في تكذيب هذه القصة على تعدد رواياتها ومخارجها لأنهم يعلمون أنه لا يقوم دين بعدها، فترى منهم حماسة لنقد متنها قلّما تجدها منهم وهم من يقدّسون السّند، وقلت أيضاً -نقلاً عن ابن حجر صاحب فتح الباري وهو من هو في العلم- إن هذه الرواية ذات طرق كثيرة ومخارج عديدة ممّا يدلّ على أن لها أصلاً. فهذا كلام ابن حجر بعد أن رأى جميع الرّوايات ودرسها، وقال إن لها ثلاث روايات على شرط الصّحيح، ولكن انظر ماذا يورد كاتبنا ليفنّد هذا نقلاً عن الألباني: 

 

فدعنا نبسّط الحقائق هنا: فالحديث المُرسَل هو ما رواه التّابعي عن الرّسول مباشرة بدون أن يذكر عمّن أخذه، إذ أن التابعيّ بالتعريف هو شخص أدرك الصّحابة ولم يدرك الرّسول. ولدينا هنا سبعة روايات مرْسلة إسناد أربعة منها صحيح، أي أن السلسلة التي تصل هذا التابعي بمن روى عنه لا غبار عليها ويبقى السؤال: عمّن سمع التّابعي هذا الحديث؟ هل سمعه عن صحابيّ (والصّحابة عدول عند أهل الحديث) فيصبح حديثاً صحيحاً، أو سمعه عن تابعيّ آخر أو عن غير تابعي، وفي هذه الحالة يظل نفس السؤال قائماً.  

ولا خلاف أيضاً على أن التّابعين الأربعة الذين ينتهي عندهم الحديث هم عدول وإلاّ لما صحّ سند الحديث، وأحد هؤلاء هو سعيد بن جبير الذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل "قتل الحجّاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه"، فانظر قيمة هذا التّابعيّ في نظر رجل في وزن الإمام أحمد. أمّا التابعيّ الثاني فهو قتادة بن دعامة السدوسي وهو المشهور بقوله "لم أفت برأيي منذ ثلاثين سنة"، أي إنه لا يعتمد على رأيه قطّ وإنما على الكتاب والسّنّة. والثّالث هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الأئمة السبعة بالمدينة والملقّب براهب قريش لكثرة صلاته، والرّابع هو أبو العالية رفيع بن مهران الذي يصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بالـ"إمام المقرئ الحافظ المفسّر". 

ونعود إلى صلب المسألة فنحن هنا أمام أربعة تابعين أجلاّء، أحدهم من الكوفة، والآخر من المدينة، واثنان من البصرة وقد رُوِيَ حديث الغرانيق عن كلّ منهم بسند صحيح، ولكن الألباني في سعيه لهدم هذا الحديث حرصاً على "المقام الكريم" يريد لنا أن نصدّق أن هؤلاء التابعين وهم من هم علماً وعملاً إما أن يكونوا:

-  رووا جميعهم عن شخص واحد، جائز أن يكون كذاباً أو وضّاعاً أو ما إلى ذلك.

-  أو حدثوا عن أربعة أشخاص مختلفين، كلهم كذابين أو وضّاعين! 

فإذا لم يكن هذا تعسفاً فما هو إذن؟ فهو يرى أن مصدرهم جميعاً جائز أن يكون واحدأ، وجائزُ أيضاً أن تكون عدة مصادر ولكنها كلها ضعيفة، وعلينا أن نضرب عرض الحائط بأربع روايات على شرط الصّحيح لأجل احتمالاته هذه. فما الذي يجعل هؤلاء الأربعة وهم من هم في العلم والعمل والتقوى والورع يأخذون جميعهم عن شخص واحد كذّاب وقد اختلفت أماكن إقامتهم، وما هو احتمال أن يروي أربعة علماء عدول عن أربعة أشخاص كلهم كذابين أو وضّاعين؟ 

ولكنه سرعان ما يبين السّبب الحقيقي لخوفهم الشّديد من هذه الرّوايات إذ أنها تمس "المقام الكريم" ولذلك تتابع العلماء على إنكارها كما يقول الألباني، بدافع الذّب عن "المقام الكريم" مهما قادهم ذلك إلى احتمالات. هذا هو السّبب الحقيقي، دفاع مستميت عن رسولٍ لا يرقى فوق مستوى الشّبهات. 

ثم يمضي في سرد عجائب عقله الدينيّ فيقول أن "عصمة الرّسول" هو أصل ثبت بأدلّة قطعية يقينية: 

وهنا أتمنّى عليه أن يعرض مثل هذا الاعتقاد اليقيني على جامعة كامبردج لنرى إن كان لباحث يعتقد بعصمة موضوع البحث أية مصداقية، ولكن لندع هذا جانباً ولنسأله عن رأيه في حديث عائشة في البخاريّ عن سحر النبيّ هل يرى للمسحور عصمة؟ ونرجوه أيضاً أن يعرض إيمانه بالسحر واعتقاده بجواز حادثة سحر النبي وعصمته على الرغم من ذلك على جامعة كامبردج التي حرمنا من بركاتها واستمتع بها وحده. 

أما نطق الرسول عن الهوى فلعمري ما أعلم أن هذا الرّسول نطق شيئاً إلا عن هوى، فقد أنزل الآيات التي أباحت له زواج من شاء من النّساء، وآياتٍ زوجته من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زوجها زيد بن حارثة وبعد تغيير حكم الزواج من مطلقات الأبناء وإلغاء التبني، ومواطنَ أخر ليس هذا مجال حصرها، فإن لم يكن هذا نطقاً عن الهوى فلا أدري ما هو. أمّا قوله "ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين" فهو دعاية لا يعتدّ بها، فكما أسلفنا فإن محمدأ يملك لسان الدّمية الخرساء ينطقها متى شاء ويخرسها متى شاء. 

هذا من ناحية قصة الغرانيق، والتي يزداد المرء اطمئناناً إلى صحّتها متى ما قرأ التخبط الذي سيلي في تفسير آية "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته" والتي ينقل لنا تفسيرها عن الألباني -صاحب الغرض أصلاً في نفي القصّة باستماتة حفاظاً على المقام الكريم-  فيقول إنّ "أحسن ما قيل في ذلك ... إلخ" فهم لا يلتفتون إلى ما تعنيه الكلمات في اللغة العربية، ولا إلى معايير كامبردج ولكنهم يريدون تفسيراً يلوي عنق الآية التي بقيت شوكة في حلقهم شاهدةً على قصّة الغرانيق التي داهن بها الرّسول مشركي مكة: 

وإذا بمعنى كلمة "تمنىّ وأمنية" هو "تلا وتلاوة"!! والدليل هو قول شاعر في آخر عهد عثمان، أي بعد وفاة النبي بما يزيد عن ثلاثة عقود من الزّمان! وهذه هلوسات لغوية وليست أدلة لغوية، ولا تعين أبداً في فهم القصّة بل تعين في التضليل والتعمية فقط، ولكن التفسير الواضح للآية بدون أن تكسر أطراف اللغة العربية هو ما ورد في القصة أن الرّسول داهن قريش بتمجيد آلهتهم ثم تراجع عن ذلك بهذه الحيلة السّخيفة التّي لا تنطلي إلا على المؤمنين وهي أن الشيطان يتدخل في الوحي فيلقي فيه شيئاً من عنده ثم يتدخل الله بعد ذلك لمراجعة المسوّدة وكتابة النسخة الأخيرة من الوحي (والتي لا نأمن تغيّرها أيضاً بعد ذلك بطريق النّسخ).  

وهناك تفسير آخر طريف نقلها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان عن بعض العلماء أن "الرسول كان يرتل ترتيلاً تتخلله سكتات، فلما قرأ (ومناة الثالثة الأخرى) قال الشيطان لعنه الله محاكياً لصوته: تلك الغرانيق العلا فظن المشركون أن الصوت صوته صلى الله عليه وسلم" وقد قال الشنقيطي عن هذا التفسير الجمبازي البهلواني أنه من أحسن أجوبة العلماء وأقربها. ولن نعلق على هذا الكلام لأن أي تعليق سيفسد طرافته ونتركه لحصافة القارئ. 

وبما أنه لم يمكن له نفي الحديث بصفة قطعية، ولا يمكن له تفسير الآية التي تؤيد هذا الحديث، ولا وجه لتفسيرها إلا بلي عنقها حتى ينكسر، فإن أسئلتنا التي طرحناها سابقاً حول هذا الموضوع هي أسئلة مشروعة وقائمة ولن نتنازل عن إجابتها أبداً، ودعني أكررها:

 -  ما هو تفسير الآية السابقة إذا كانت قصة الغرانيق غير صحيحة؟

-   ما هو سلطان الشيطان على الأنبياء لكي يعترض رسالتهم ويلقي فيها ما يشاء؟

-   إذا كان الله يعلم أن الشيطان اعترض رسالة الأنبياء السابقين وألقى فيها فلماذا لم يمنعه من أن يلقي على لسان محمد؟ هل الإله عاجز إلى هذا الحد عن أن يحفظ نقاء رسالته؟

-   لماذا لا يحكم الله آياته قبل أن يلقي فيها الشيطان ما يشاء وليس بعد ذلك؟ 

أما صارمه الثالث والعشرون فقد زعم فيه أن حياة الرّسول كلها تشهد بأنه ما داهن قوماً قط، وهذا مردود عليه، فنفاقه ومداهنته ليهود يثرب في بداية هجرته معروف للعام والخاص، ومنه نفاقه لهم باتّباع قبلتهم، كما إن مداهنته لعبد الله بن أبيّ بن سلول الذي وصمه بالنفاق طوال عمره هو أمر معروف وقد أفضنا فيه سابقاً، ومداهنته لأبي سفيان بجعل بيته ملاذاً آمناً كالكعبة سواءً بسواء هو معروف كذلك، ولذلك نردّ عليه هذا الكلام مرفوقاً بصارمه الثالث والعشرين لعله ينتفع به. 

في الحلقة السادسة عشرة أتى الكاتب بما ظنّه تناقضاً مني حينما قلت إن العلماء الذّين كتبوا كتب السيرة والتاريخ والتفسير كالطّبري وابن كثير والقرطبيّ والرّازي هم أعلم بالحديث والجرح والتعّديل ممن يضربون عرض الحائط بكلّ رواية لا تناسبهم في كتبهم، ثم تعرّضت لمن جاء بعدهم من آلاف العلماء الّذين انشغلوا بتسويد الصّفحات بفقه الحيض والنّفاس ولم يشتغلوا بتنقيح هذه الرّوايات والتي يستنكرونها إن لم تعجبهم ... والفرق واضح، إذ أن من كتب في السّيرة والتاريخ قلّما كتب في الحيض والنّفاس، فالتناقض في هذا محله فهم كاتبنا فقط، وهذا ردّناعلى صارمه الرابع والعشرين

وفي ما سمّاه الصّارم الخامس والعشرين تعرّض لقصّة قتل الرّسول لعصماء بنت مروان، واتّهمني بالجهل لأن الألباني قال إن هذا الحديث موضوع بعد وفاة الرّسول بأربعة عشرة قرناً، فإذا كان ولا بد متهماً لي بالجهل فأرجو منه أن يتحلى بالشجاعة ويصم ابن تيمية بالجهل كذلك فقد أورد نفس هذا الحديث في كتابه المشهور "الصّارم المسلول لشاتم الرّسول". وابن تيمية عزيزي القارئ ليس في خانة من يجمع الرّوايات كيفما اتفق، ثّم إنّه أورد الحديث واستدّل به على جواز قتل من شتم الرّسول رجلاً كان أم امرأة، والقتل حكم شرعي لا يجوز فيه الاستدلال بالأحاديث الموضوعة. فهو هنا بين أمرين: إما أن هذا الحديث مرّ مرور الكرام على كل العلماء بمن فيهم ابن تيميّة ولا بدّ أن يصفهم جميعاً بالجهل قبل أن يصل إلينا، أو أن ابن تيميّة يرى أن هذا الحديث هو ممّا يجوز الاستدلال به وهو عين ما فعله في كتابه المذكور. وقد أورد هذه القصّة أيضاً ابن قيّم الجوزيّة في زاد المعاد واستدلّ بها أيضاً على قتل من شتم الرّسول. وهنا نرى أن عالميْن من أكبر علماء أهل السّنة ومنارة السلفية المعاصرة قد استدلاّ بهذه القصة، فهل كان كاتبنا يعلم ذلك قبل أن يصفنا بالجهل وتعمّد إخفاء ذلك على القارئ أم لم يكن يعلم ... إلخ! 

أما الصّارم السّادس والعشرون فهو ما يتعلّق بقصّة قتل "أم قرفة"، وهي قصّة رواها الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري" ، ورواها أيضاً أبو الحسن الماوردي في كتاب الحاوي في فقه الإمام الشافعيّ، كما أورد القصة بصيغة أخرى ابن كثير في البداية والنّهاية وقال فيها إن أسامة بن زيد "أمر قيس بن المسحر المعمري فقتلها وأسر ابنتها"، كما وردت القصّة أيضاً في المنتظم لابن الجوزي. وإذا سلّمنا لكاتبنا بأن من كتبوا في التّاريخ والسّير كانوا يورِدون الرّوايات صحيحها وسقيمها فما بال من يكتب في شرح الحديث كابن حجر وفي الفقه كالماوردي، هل هم أيضاً من الجهّال؟  

وقبل أن أنتقل إلى ما سماه الصّارم السّابع والعشرون، أريد أن أنبّه إلى نقطة مهمة فيما يتعلّق بالرّوايتين اللتيْن سبق ذكرهما، مقتل عصماء بنت مروان وأم قِرفة. فسياق هاتين القصّتين في مقالي "إفلاس الطبري وانتحار ابن كثير" كان هو فتح ملف الاغتيالات السيّاسيّة في عهد الرّسول، وقد أوردت للدلالة على هذا الأمر ستة قصص هي قصة اغتيال عصماء بن مروان، وأم قرفة، وأبي عفك اليهودي، وكعب بن الأشرف، واغتيال أبي رافع سلام بن أبي الحقيق، وقتل ستة أشخاص بالإسم في فتح مكّة ولو وجدوا متعلّقين بأستار الكعبة. 

وبدلاًً من أن يرد كاتبنا على الأمثلة الستة انتقى حديثين فقط ورفع عقيرته بالتشنيع علينا، وكان الأولى به أن يتناول كل الأمثلة التي أوردناها لينفي التهمة، فقصّة كعب بن الأشرف مثلاً ليس إلى ردّها من سبيل، وكذلك قصّة أبي رافع، وقتلى أستار الكعبة، ولكنه انتزع قصة اليهودييّن كعب وأبي رافع وتناولهما في موضع آخر حتى يفصلهما عن السّياق الذي وردا فيه لغرض في نفسه.  

وسأعود هنا إلى مثال كنت قد ضربته مراراً وهو أن من اغتصب ثلاث نساء مثلاً لا يصح له أن يدّعي العفّة لأن شخصاً ما أخطأ في العدد فاتهمه بأربعة أو بخمسة فهذا لا ينفي عنه التهمة ولا يجعله بريئاً، ونحن هنا اتهمنا هذا "الرّسول" بستّ جرائم قتل (الأخيرة منها جريمة مركّبة لأن ضحاياها أربعة رجال وامرأتان أمر بقتلهم ولو وجدوا متعلّقين بأستار الكعبة، وقتل منهم اثنان يقيناً). ونحن لا نحتاج لكي نثبت اتهامنا له باغتيال معارضيه سوى إلى إثبات حالة واحدة من الحالات السّت، فحتى لو ثبت بطلان قصّتين من السّتة فإن الاستدلال لا يبطل إلا ببطلان جميع القصص وهو محال. فهل كان يفهم هذا التفصيل وهو يتلاعب بالسّياق أم إن غرضه التّعمية على القارئ؟ 

وأعتذر عن الإطالة وأرجو أن نلتقي في الحلقة القادمة، وحتى ذلك الحين أستودعكم عقولكم وإلى لقاء قريب إن كان في العمر بقية.

حكيم

major7akeem@yahoo.com

www.7akeem.net

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home