Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Jum'a el-Gumati


Jum'a al-Gumati

Tuesday, 21 March, 2006

دراسة حول غـزو أمريكا لعـقول المسلمين! للدكتور عـبدالوهاب الأفندي(*)

جمعة القماطي(**)

علاقة أمريكا مع المسلمين والعالم الإسلامي والسياسات التي تنتهجها نحوهم، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تعتبر من القضايا الجديرة بالبحث والنقاش لأسباب كثيرة، ليس أقلها وجود حالة تماس وتوتر وتصادم مباشر بين الطرفين اليوم. فأمريكا تحتل عسكريا دولتين مسلمتين (أفغانستان والعراق)، وتهدد دولة إسلامية أخرى (إيران) بضربات عسكرية، وتهدد رابعة (سورية) بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية، ما لم تستجب لإرادتها في أن تغير سلوكها، وتتحول من دولة مارقة! إلى دولة تذعن لإرادة أمريكا، وتنخرط في مخططاتها للمنطقة، ومنها ما يسمى بحربها على الإرهاب، أسوة بما فعلت دولة إسلامية أخرى (ليبيا).

أضف إلى تعقيدات علاقة أمريكا بالعالم الإسلامي انحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل على حساب حقوق مشروعة لشعب عربي مسلم بأكمله، يعاني القتل والتشريد، ويعاني من ويلات أبشع أنواع الإرهاب وهو (إرهاب الدولة)، الذي تمارسه الدولة العبرية الصهيونية ضد الفلسطينيين. بينما تصنف أمريكا حركات المقاومة الفلسطينية المشروعة بأنها حركات إرهابية.

كذلك فإن أمريكا التي يمثل عدد سكانها نسبة 5% من سكان العالم، ولكن يبلغ استهلاكها من الطاقة 25% من مجموع الاستهلاك العالمي، تعتمد بقوة على انتاج وتدفق النفط من بلدان إسلامية، خاصة في الشرق الأوسط. وكما علق خبير أمريكي على هذا الأمر بسخرية وغرور قائلا: "إن ثلثي احتياطي النفط في العالم يوجد تحت منطقة الشرق الأوسط. وهذا خطأ جيولوجي لابد من تصحيحه"! فمن الواضح أن التصحيح المقصود هنا هو تأمين السيطرة المباشرة -أو غير المباشرة- على هذه المنابع النفطية، وفرض الهيمنة السياسية والعسكرية التي تضمن استمرار هذا التأمين.

ومن الواضح أن سياسات أمريكا تجاه العالم الإسلامي والشرق الأوسط أصبحت تعاني أزمة مصداقية حقيقية في السنوات الأخيرة، خاصة محاولاتها في تسويق هذه السياسات على أنها تصب في صالح شعوب المنطقة. بينما هذه الشعوب تشاهد يوميا قتل الأبرياء في العراق وأفغانستان. وتشاهد المعاملة الوحشية للسجناء العرب والمسلمين في سجون أبوغريب وغوانتانامو. وتدرك هذه الشعوب جيدا كذلك، أن أمريكا هي التي تدعم جلاديها، وتدعم استمرار نظمهم الاستبدادية. وهو الأمر الذي اعترف به الرئيس الأمريكي بوش بنفسه في خطاب له أمام مؤسسة "الوقف الوطني للديمقراطية" في أكتوبر2003 في مدينة واشنطن عندما قال أننا ساندنا الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط على مدى الستين عاما الماضية.

"سياسات أمريكا في غزو قلوب وعقول المسلمين واستراتيجيات نشر الإصلاح" هي الدراسة التي أعدها مؤخرا الدكتور عبدالوهاب الأفندي، بالتعاون مع "مركز بروكنز" المعروف كأحد مخازن التفكير ومراكز الثأثير في واشنطن. ويرأسه حاليا المسؤول في الخارجية، والسفير الأمريكي السابق مارتن انديك. والدكتور الأفندي هو منسق برنامج دراسات الإسلام والديمقراطية في مركز دراسات الديمقراطية الشهير بجامعة ويستمنستر في لندن، وهو شخصية أكاديمية وفكرية سودانية إسلامية معروفة، ويعتبر أحد أبرز المتخصصين في مجال دراسات نشر الديمقراطية في العالم الإسلامي، وأحد معدي تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004.

ينطلق الدكتور الأفندي في دراسته من أن الإشكالية في سياسات أمريكا الحالية تجاه الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تنطلق من استراتيجية أمريكية بحتة، تركز فقط على الفهم والاحتياجات والمخاوف والطموحات الأمريكية، ثم تتجه هذه الاستراتيجية إلى محاولة تشكيل العالم، وخاصة العالم الإسلامي وفق هذه الاحتياجات. ثم تقوم بحملة دبلوماسية علنية، ترتبط مباشرة مع حملاتها العسكرية والأمنية كجزء مما أسمته بالحرب على الإرهاب. وأن هذه السياسة لا تظهر أي تفهم أو احترام لرأي المسلمين ومشاعرهم.

وتضيف الدراسة أن المشكلة الأخرى الأعمق في استراتيجية أمريكا الحالية، أنها تنطلق من فرضية أن هناك خطأ أساسي في الإسلام والشعوب الإسلامية، لا يمكن علاجه إلا بتدخل خارجي، سواء من خلال مناهج التعليم، أو إجراء إصلاحات اجتماعية، أو حتى إصلاحات دينية! كما طالب بعض المفكرين الأمريكيين علنا بأن تتم مراجعة بعض المبادىء والمفاهيم الإسلامية وتطويرها!! شبيه بما حدث من تطوير في الديانة المسيحية في القرون الأخيرة.

وترى الدراسة أنه عندما يكون هناك حوار، فمن المهم أن يكون حوارا سياسيا، وليس حوار عقيم حول الدين، كما فعلت بعض الجهات الأمريكية التي خاضت في مبادىء وتعاليم الإسلام، وفي كتابات إسلامية مثل كتابات "ابن تيمية" و"سيد قطب" وغيرهم، على أنها تشكل مصدر استلهام وتحريض لشرائح واسعة من المسلمين على العداء لأمريكا. ويضيف الدكتور الأفندي أنه حتى لو كانت المفاهيم الدينية هي المشكلة ـ وهي ليست المشكلة ـ فمن العبث أن تحاول أطراف خارج المسلمين أن تحدث إصلاحات دينية لدين لا يؤمنون به أصلا!.

تقول الدراسة كذلك أن أسباب تزايد العنف والكراهية والعداء الموجه ضد أمريكا لا ترتبط بعقيدة معينة أو أسباب دينية، وانما بدوافع وأسباب سياسية بالدرجة الأولى. وأن الأسباب يمكن أن تنسب إلى الخطأ في السياسة والمواقف الأمريكية، وليس فقط الخلل في حكومات ومجتمعات الشرق الأوسط. لذلك فإن مدخل التعامل مع المشكلة من خلال فرض إصلاحات دينية هو مدخل خاطىء وخطير. ويجب أن يكون المدخل هو إحداث إصلاح سياسي حقيقي، ودمقرطة في الشرق الأوسط كهدف في حد ذاته.

ويرفض الدكتور الأفندي في دراسته الربط المباشر بين ظاهرة الإرهاب وغياب الديمقراطية، مؤكدا على أن تصاعد الإرهاب له علاقة مباشرة بضعف شرعية الدولة والتراجع الكبير لهذه الشرعية. لذلك فإن سياسة دعم ونشر الديمقراطية، فقط من أجل مواجهة الإرهاب - كما تدعي أمريكا - هي سياسة خاطئة. ولكن نشر الديمقراطية يجب أن يكون هدف لذاته. وأفضل ما يخدم نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط هو التوقف عن دعم الأنظمة الاستبدادية في المنطقة. وأن السياسة الصحيحة يجب أن تكون مكافحة الاستبداد وليس مكافحة الإرهاب.

وينتقد الدكتور الأفندي سياسات أمريكا الضعيفة والمتناقضة في مواجهة الأنظمة الاستبدادية في الشرق الوسط، ويرفض مبدأ "التدرج" في مواجهة أنظمة شمولية استبدادية مطلقة، ويرى أن التدرج لا يصلح إلا عندما تكون هناك حكومات جادة في طريق الإصلاح السياسي والدمقرطة، وتحتاج إلى بعض الوقت لبناء مؤسسات، وإجراء حوار داخلي، وتفاهمات مع القوى المختلفة في المجتمع. ولكن هذا الوقت ـ في رأي الأفندي ـ الذي يتاح لبناء مؤسسات، والقيام بخطوات عملية في تحول حقيقي نحو الديمقراطية، يجب أن يكون شهورا وسنوات، وليس عقودا من الزمن! ويجب أن لا يستغل هذا الوقت من قبل الأنظمة في الالتفاف حول الإصلاحات الحقيقية. ولا يمكن أن تبرر هذه الحكومات والأنظمة، في عالم اليوم وثورة المعلومات، الاستمرار في الحجرعلى حرية الرأي، وإيداع مواطنيها السجون فقط لأنهم زاروا مواقع ممنوعة على شبكة الإنترنت.

وتخلص الدراسة إلى أنه لكي تنجح أي استراتيجية للتعامل مع العالم الإسلامي، فإنها يجب أن لا تكون مجرد حملة علاقات عامة لتحسين صورة أمريكا، أو امتداد للحملات العسكرية من أجل تبريرها. بل يجب أن ترتكز على حوار سياسي حقيقي، وهذا الحوار يجب أن يكون مع ممثلين حقيقيين للشعوب الإسلامية، وليس فقط حوار مع طغاة متمترسين معزولين عن شعوبهم، أو مع نخبة صغيرة هامشية من العلمانيين الموالين للغرب. وأن يكون هذا الحوار على أساس الاحترام المتبادل، ويكون فوق الطاولة، عبر قنوات علنية مكشوفة ومباشرة.

تخلص الدراسة كذلك، إلى أنه على أمريكا أن تختار بين صداقة الشعوب العربية وصداقة جلاديها. وأنه يجب الخروج من دائرة التركيز فقط على تحقيق مصالح أمريكية قصيرة المدى فوق كل شىء آخر، والبحت عن شراكة حقيقية جديدة بين الشعب الأمريكي وشعوب الشرق الأوسط، مبنية على قيم مشتركة ومصالح مشتركة. وهذه الشراكة تحتاج إلى قاعدة صلبة من الفهم المتبادل، والحوار الجاد الصريح.

تعتبر دراسة الدكتور عبد الوهاب الأفندي بالتعاون مع معهد بروكنز، محاولة جادة وعميقة في تشخيص الدوافع الحقيقية وراء التوتر القائم في علاقات أمريكا مع العالم الإسلامي، وأسباب تنامي روح العداء والكراهية لأمريكا في الشارع العربي. خاصة وأن هذه الدراسة تصدر عن مؤسسة أمريكية معروفة، وهي منبر وصوت يتصل ويصل مباشرة إلى صناع الرأي والقرار في أمريكا.

ومن الواضح أن الدراسة ترفض ربط التوتر والاستقطاب في العلاقة بين أمريكا والعالم الإسلامي بما يسمى ظاهرة الإرهاب، أو موقف الحركات الإسلامية من أمريكا. وإنما يرجع هذا التوتر وروح العداء والكراهية، إلى انحياز أمريكا ودعمها للحكام المستبدين في الشرق الأوسط على حساب مصالح شعوبهم، وحق هذه الشعوب في نفس قيم الحرية والعدل والديمقراطية، التي يفتخر الأمريكيون بأنهم حققوها لأنفسهم، وأنهم على استعداد لمحاربة كل من يحاول استهدافها.

ويرى الدكتور الأفندي أن من مصلحة أمريكا الحقيقية البعيدة المدى، التوقف عن دعم الاستبداد في الشرق الأوسط، بل ووضع سياسات لمكافحته، ومنها السحب الفوري - وليس المتدرج- لعملية سند هذه الأنظمة الاستبدادية من الخارج. وفي المقابل دعم النشطاء والنخب والممثلين الحقيقيين لشعوب المنطقة في تحقيق إصلاح سياسي، وبناء المؤسسات، وتهيئة الأوضاع الاقتصادية والثقافية المطلوبة لتحقيق عملية تحول ديمقراطي حقيقي.
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في موقع "بوابة العرب" ، 19/3/2006م
(**) كاتب وباحث من ليبيا مقيم في لندن
gelgamaty@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home