Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Jum'a el-Gumati


Jum'a al-Gumati

Saturday، 18 February, 2006

"عراجين" الرابعة.. بحث في الذاكرة الليبية واستشراف لبدائل المستقبل

جمعة القماطي

صدر مؤخرا العدد الرابع من مجلة عراجين (أوراق في الثقافة الليبية) التي يتولى تحريرها الأستاذ إدريس المسماري. ويتم طبعها وتوزيعها في مصر، بسبب منع السلطات الليبية لهذه الدورية من الطباعة أو التوزيع في ليبيا، على الرغم من أن كل المساهمين بالكتابة فيها تقريبا، هم من المثقفين والباحثين الليبيين الذين يعيشون داخل ليبيا.

العدد الأخير اتسم بنفس العمق في التناول، والزخم في المواضيع والملفات، التي كانت عليها الأعداد الثلاثة السابقة. وأفرد هذا العدد ملفا كاملا من (74 صفحة) عن الجامعة الليبية منذ تأسيسها عام 1955، ومسيرتها الزاخرة بالعطاء وتواصل الأجيال عبر نصف قرن من الزمان.

كما تضمن العدد دراسات ومقاربات مهمة حول المجتمع المدني والعلمانية، وكذلك القبيلة والقبلية كبديل للمجتمع المدني. وبحث موضوعي صريح في حقبة هامة من تاريخ ليبيا الحديث، وهي فترة الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي، وما تخللها من تدافع وتحالفات واستقطابات حادة أحيانا بين رموز وقيادات معروفة في مسيرة الجهاد الليبي سعت إلى غرس وتثبيت جذور دولة وطنية في ليبيا.

كما تضمن العدد ورقة أولية تهدف إلى فتح الحوار الوطني حول المستقبل الليبي، والبدء بمشروع دراسة استشرافية حول بدائل وسيناريوهات هذا المستقبل.

يمكن أن تستوقفك أوتستثير عقلك في هذا العدد الرابع عدة أفكار وأراء سأقف عند بعضها، ومنها ما جاء في افتتاحية العدد من أن الاصلاح هو رهان المستقبل، ولكن أي إصلاح؟ فتجيب عراجين بأن "الإصلاح المنشود ليس مجرد أحاديث، ووعود براقة. ولا هو مؤتمرات ودعوات وقرارت فوقية. إنما هو عملية مجتمعية شاملة، تنخرط فيها مؤسسات المجتمع المدني وفعالياته، وكل المواطنين، بهدف تغيير الواقع الثابت، وتنميته بما يخدم مصالح الوطن ومستقبله.."

وفي دراسة قصيرة عن المجتمع المدني والعلمانية، يستوقفك حماس الكاتب : سالم العوكلي الكبير للعلمانية، ودفاعه المستميت عنها. وقناعته بأنه لا يمكن أن تقوم ديمقراطية إلا في ظل مجتمع مدني. ولا يقوم مجتمع مدني إلا في ظل مجتمع علماني! ويدعو صراحة إلى تقنين العلمانية في مجتمعاتنا، وتشريعها في دساتيرنا. وأن تصبح دساتيرنا العلمانية ملزمة للمواطن، مؤمنا كان أو غير ذلك. ولا يخفي الأستاذ العوكلي رفضه التام للخطاب الديني، أو المشروع السياسي الإسلامي. بل رفضه حتى لرموز وعلامات التدين، التي يرى أنها خطر على الديمقراطية والمجتمع المدني، ويذهب إلى حد القول : "لا يمكن لمجتمع مدني أو ديمقراطية أن تكون في برلمان أو قاعة كل رؤوس نسائها مغطاة بالمحارم.."

في رأيي المتواضع أن منهج الإقصاء والاستبداد الفكري الذي تستشفه من أفكار الأستاذ العوكلي العلمانية المتطرفة، هو الوجه الآخر المقابل لروح الغلو والتطرف التى تجدها لدى قلة من الإسلاميين الذين يرون أنه لا حقوق في مشاركة سياسية لأي حامل فكر علماني في مجتمع مسلم! وأجد نفسي هنا داعيا الله سبحانه وتعالى أن يحمينا ويحمي ليبيا (وطننا جميعا) من شرور المغالين والمتنطعين أينما وجدوا!

الدراسة الأخرى في هذا العدد كانت عن القبيلة والقبلية: بديل للمجتمع المدني للدكتورة آمال سليمان محمود، التي لا بد أن نقر بشجاعتها في التناول والبحث، وآرائها الأكاديمية المستقلة التي لا تنسجم بالضرورة مع التوجهات الفكرية والسياسية الحاكمة في ليبيا. وتخلص الدكتورة آمال محمود في دراستها إلى أن المجتمع الليبي لا يزال مجتمعا قبليا، وأن القبيلة هي إحدى أقوى التنظيمات الاجتماعية، وقد تكون القبيلة وحدة سياسية غير منظورة، ولكنها برزت كأحد أهم مصادر الشرعية للنظام الثوري في ليبيا في السنوات القليلة الأخيرة. كما ترى الدكتورة آمال محمود أن النظام الثوري حاول إلغاء دور القبيلة في بداياته، ولكنه عاد مؤخرا ليعتمد عليها كأحد مصادر شرعيته.

وأشارت الدراسة إلى أن القبيلة لا تزال مصدرا مهما للهوية الشخصية داخل المجتمع الليبي، وأن الغالبية العظمى من شريحة طلاب تم دراستها في استبيان، رفضت فكرة تغيير الانتماء القبلي من قبيلة إلى أخرى. ولكن نصف الطلاب تقريبا كانوا مؤيدين لفكرة التخلي عن الهويات القبلية إذا كان ذلك سيقود إلى مجتمع أفضل في ليبيا.

وهذا الاستنتاج الأخير في رأيي هو مؤشر إيجابي لإمكانية تطور المجتمع الليبي اجتماعيا للتخلص من بعض سلبيات العقلية القبلية المتعصبة لصالح نمط تفكير جماعي، يرسخ ثقافة حقوق وواجبات المواطنة، التي يتساوى على أساسها الجميع داخل مجتمع مدني. وبالتالي قد يطور هذا المجتمع الذي يتقلص الدور السلبي للقبيلة فيه تجربة وممارسة ديمقراطية حقيقية، تحترم هويته ومرجعيته الأخلاقية القيمية المتمثلة في الإسلام كأهم محدد للهوية الليبية.

الدراسة الثالثة هي للدكتور محمد المفتي، هذا المثقف الوطني الغني عن التعريف، الذي يطل علينا دائما من خلال كتبه ودراساته، ومن خلال مقالاته ومواقفه. حتى أضحى يعيش بيننا فكريا وثقافيا، وكأننا - كمتابعين وقرّاء في داخل الوطن والمنافي - نعرفه شخصيا عن قرب. فمن الهوية المهربة، إلى توطين العلم والمعرفة. ومن هدرزة في بنغازي، إلى غمق زلة، وتاريخ بشير السعداوي. ومن شعار الاختلاف لا يعني الخلاف، إلى المطالبة بالتسامح وإنهاء ثقافة العسف، ووجود صحافة مستقلة داخل ليبيا.

الدكتور محمد المفتي يلج بنا في تاريخ ليبيا الحديث من جديد، بعد كتابه القيم الرائع عن بشير السعداوي. ويروي لنا في خاتمة الدراسة المعنونة بـ "إمارة على الرمال، وجمهورية على صهوات الخيل" التي خصها عن إمارة إجدابيا، والجمهورية الطرابلسية، وأحداث أخرى خلال فترة ما بين (1916- 1922) أن صديقا له سأله عن جدوى الخوض في هذا التاريخ القديم، واجترار وقائع في صحاري بلد صغير مثل ليبيا؟ فيجيب الدكتور المفتي صديقه بأنه لا بد لنا أن نصحح ما شاب تاريخنا من خلط وخطأ، وأن نتجاوز الحساسيات وقصر النظر. ويضيف قائلا: "والأهم، إن كل جيل بحاجة إلى أن يعيد قراءة تاريخه، لأن التاريخ قصة لا تنتهي، وكل جيل سيعيد قراءة الماضي، لأنه يبحث عن إجابات لأسئلة الحاضر الجديدة، ولهذا يجب أن يبقى الحوار عن الماضي مفتوحا دائما، فتاريخ الماضي هو مرآة الحاضر والمستقبل، ثم ألم نبلغ بعد مرحلة النضج لكي نتحدث عن ماضينا دون تلعثم ؟.."

لا شك أن الدكتور المفتي أصبح من القلائل الذين يتحدثون دون تلعثم، ويقلبون في ذاكرتنا الجماعية بأيدي جرّاح موهوب ماهر. وهو في ذلك لا يمارس دور الوصي في إصدار الأحكام النهائية المطلقة، وإنما يقدم لنا الوقائع والأحداث التاريخية في سياق وربط وتحليل سهل شيق، بكل ما تخللته هذه الأحداث التاريخية من بطولات وخذلان .. انتصارات وهزائم .. تقدم وتقهقهر .. نجاح وفشل .. ويترك لنا المفتي دائما هامش للاستنتاج والحكم، واستخلاص الدروس والعبر.

ويستمر بحث عراجين في ذاكرتنا الليبية من خلال ملف الجامعة الليبية .. هذا الصرح العلمي الحضاري الذي بناه على أرض ليبيا رجال وطنيون أفاضل .. رجال الاستقلال ومؤسسي دولة ليبيا الحديثة قبل نصف قرن من الزمان.

يستعرض أستاذ علم الاجتماع الكبير الدكتور مصطفى التير مسيرة التعليم الجامعي منذ بدايته عام 1955 بافتتاح الجامعة الليبية في بنغازي، وبداية تدريسها بعدد (33) طالبا فقط في كلية واحدة في العام الدراسي الأول عام 1956، وكيف أنه سرعان ما تكاثر وتضاعف عدد الطلاب ليصل إلى حوالي خمسة آلاف في نهاية الستينيات، مع وجود كليات وتخصصات مختلفة في مدينتي بنغازي وطرابلس.

ويقول الدكتور التير أن الجامعة الليبية كان ترتيبها السادس بين الجامعات العربية عند إنشائها، وأنها استعارت خيرة الأساتذة والمحاضرين من دول أخرى لكي تقدم مستوى تعليمي وأكاديمي عالي. ويشير الدكتور التير إلى التوسع الكمي في عدد الطلبة والجامعات إلى يومنا هذا على حساب المستوى العلمي والآداء الأكاديمي. وينتقد تهميش أساتذة الجامعة في أكثر من جانب، وبروز ظاهرة الجامعات الخاصة التي أوصلت عدد الجامعات في ليبيا اليوم إلى الأربعين جامعة؟ وتساءل إن كانت هذه الجامعات الخاصة مؤسسات علمية، أم دكاكين للتعليم العالي؟

الدكتور محمد دغيم يكتب عن الجامعة الليبية كصفحة مشرقة في تاريخ ليبيا، ويسرد كذلك السياق التاريخي لتأسيس الجامعة وتطورها، ويذكر أن كلية الآداب نجحت في استقطاب خيرة الأساتذة في العالم العربي في الخمسينيات والستينيات، وأصبحت الأقوى والأولى بين كليات الآداب في العالم العربي في ذلك الوقت بدون منازع، وبشهادة الدكتور طه حسين (بزات نفسه).

البحاثة الليبي الدكتور فرج نجم يتناول الجامعة الليبية وجلال الليبيين في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، من خلال حوارات شخصية مطولة مع شخصيات ليبية معروفة كانت لها بصماتها في إنشاء وتطوير الجامعة الليبية، ومنهم السيد مصطفى بن حليم (رئيس وزراء ليبيا عند تأسيس الجامعة)، والأستاذ عبدالمولى دغمان، وما جاء في المذكرات الشخصية - التي لم تنشر بعد، وتحصل عليها الدكتور فرج نجم- للدكتور مجيد خدوري، الأكاديمي والباحث العراقي الذي كان أحد عمداء الجامعة الليبية في بداية مسيرتها.

وينقل لنا الدكتور فرج نجم ذكريات أحد طلاب الجامعة الليبية وهو الأستاذ محمود الناكوع من مدينة الزنتان، والذي تخرج من كلية الآداب في بنغازي عام 1963. وينقل عن الأستاذ الناكوع قوله: "بالإضافة إلى هيئة تدريس قوية كانت أجواء رائعة ممتازة. حيث جامعة منضبطة، وإدارة حازمة تريد أن ترتقي بمستوى التعليم. وشهدت الجامعة كذلك وصول التيارات السياسية والأدبية العابرة من الشرق العربي، وكان هناك مخاض فكري ممتاز بالنسبة للطلبة، وكانت رياح الثقافة تهب على ليبيا من كل الاتجاهات". (راجع مقالة كاملة للأستاذ الناكوع عن الموضوع في موقع "ليبيا جيل").

ملف الجامعة الليبية احتوى مساهمات أخرى لكل من محمد العمامي ورمضان بوغالية. وقدم صورة منصفة لحجم وأهمية هذا الإنجاز الذي تحقق قبل نصف قرن من الزمان، من خلال تأسيس هذا الصرح الليبي. ويجعلني كمواطن كليبي - ولد في العام الذي بدأت فيه الدراسة في الجامعة الليبية - أشعر بالأسف تجاه من مارسوا علينا التزوير والتزييف المتعمد لذاكرتنا الوطنية، عندما رددوا - ولا زالوا يرددون - أن ليبيا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كانت صحراء قاحلة، ومجرد قرى وأحياء من أكواخ الصفيح، بدون مستشفيات، أو جامعات، أو حتى مدارس ثانوية. وأن قائد بطل ملهم مفكر أوحد هو الذي صنع ليبيا، وهو الذي منّ علينا بالفردوس الأرضي الذي يتنعم فيه الشعب الليبي اليوم!!

ورقة استشراف بدائل المستقبل الليبي، ومقترح البدء في إجراء هكذا دراسة كانت للخبير الاستراتيجي الليبي الدكتور محمود جبريل. وقد ركزت الورقة على المنهجية البحثية التي يمكن تبنيها، والعوامل المختلفة (محلية وإقليمية ودولية)، التي يجب رصدها وتحليلها. والسيناريوهات المختلفة المقترحة لليبيا حتى عام 2025. غير أن هكذا مشروع بحثي استشرافي يتطلب طاقات بشرية تستوعب وتملك القدرة على التفكير الاستراتيجي المتعدد الأبعاد وتعمل من خلال إطار مؤسسي. ونأمل أن يصل نضج وآداء الخبرات الوطنية الليبية إلى هذا المستوى من التعاطي مع همومنا ومستقبل أجيالنا الصاعدة.

الملف القادم لعراجين سيكون حول "الثقافة الليبية في نصف قرن"، وهي تدعو من يرغب في تناول أحد جوانب هذا الملف إلى المساهمة بالكتابة.

ختاما: تبقى مجلة "عراجين" إضافة نوعية إلى المشهد الثقافي الفكري الليبي، وهي محاولة جادة لإبراز الهوية الليبية، والتعريف بالثقافة والإبداع الليبي في أجواء واسعة رحبة، تيسر التفاعل. بعيدا عن مقص الرقيب، وعن التوجيه الشمولي للفكر والثقافة الذي يتم بسياسة متعمدة داخل ليبيا. ويجب أن نتذكر دائما أن عراجين بمحرريها وكتّابها هي مشروع من داخل ليبيا، لا يرفع أي أجندة سياسية، وبالتالي فلا علاقة عضوية أو تنسيقية لها مع تجمعات المهجر وأجندتهم السياسية أو غير السياسية - اللهم إلا هموم الوطن، والحرص على مستقبله- وأفضل ما يمكن أن نقدمه لعراجين هو المتابعة، والتعريف، وتشجيع كل المهتمين على الاستفادة منها. ويمكنك مراسلة عراجين على عنوانها الإلكتروني المنشور وهو:libyanarajeen@hotmail.com

جمعـة القماطي
gelgamaty@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home