Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Jum'a el-Gumati
الكاتب الليبي جمعة القماطي


جمعة القماطي

السبت 13 نوفمبر 2009

هل حان الوقت لتوافق سياسي وطني ليبي؟!

جمعة القماطي

قبل أن ألج الى فكرة التوافق السياسي الوطني المنشود في الحالة الليبية, وهل حان الوقت لتبني ونجاح هذا التوافق, لابد من التأكيد على أن قضيتنا الليبية عموما تمر بمنعطفات مهمة وتطورات متسارعة فرضتها حالة التخبط والفوضى والفساد المستشري, وكذلك الغياب الكامل لوجود دولة مؤسسات في ليبيا, فقد أختزلت الدولة في مؤسسات سلطة سياسية جعلت التحكم والبطش الأمني ديدنها في المحافظة على وجودها وضمان استمرارها.

لقد عشنا في الأيام القليلة الماضية الانكشاف الجلي لحقيقة ما يسمى بتيار الغد على أنه مجرد مشروع استعداد وتمهيد لوراثة الحكم في ليبيا, حيث يراهن هذا التيار على أن يستلم سيف الاسلام القذافي السلطة بسهولة وسلاسة بعد رحيل العقيد, وبالتالي يرث هؤلاء المتمحورين حول سيف الاسلام ليبيا معه, ويمسكوا بمفاصل الدولة ومؤسساتها, ويحققوا طموحاتهم كأفراد تحرك غالبيتهم المصلحة الذاتية الشخصية. فما يعرف بتيار "ليبيا الغد" ليس بتيار اصلاحي وان التحف شعار الاصلاح! لأنه لا يطرح رؤية ومشروع متكامل للإصلاح في ليبيا وعلى رأسه الاصلاح السياسي والدستوري والقانوني, وحتى مشروع الدستور- الذي اعدته لجنة "غنوصية" أغلب أعضائها أجانب - وضع على مزاج التوريث ومقاس الوريث المنتظر. ولم يحقق ما يسمى بتيار الغد أية خطوات عملية ملموسة في اتجاه اصلاح الأوضاع باستثناء اطلاق سراح بضع مئات من السجناء السياسيين ومصالحات مع قيادات في التيار الجهادي فرضت شروطها من طرف قوي متغلب على طرف ضعيف أعزل سئم البقاء بين جدران الزنازين, ولازال هناك المئات الأخرين من الصابرين المحتسبين في السجون.

لقد حسم العقيد القذافي شخصيا مؤخرا أمر تسلل بعض العناصرالعائدة من الخارج, والمنتمية فكريا لتيار الاخوان المسلمين, الى مجموعة سيف الاسلام وسيطرتها على "شركة الغد الاعلامية" أو الدراع الاعلامي لمجموعة سيف على الرغم من وجود عناصر ثورية مهمة أيضا داخل هذه الشركة مثل عبدالهادي الحويج ورمضان البريكي. وكانت تبدوا هذه العلاقة بين عناصر اخوانية, سابقة أو حالية, وعناصر ثورية داخل شركة الغد غريبة وشاذة هي أشبه بزواج المصلحة أو الاستغلال والتوظيف من قبل مجموعة لأخرى.

ومع ذلك أتمنى أن لا يجد كثيرون ما حدث داخل شركة الغد الاعلامية فرصة ومدعاة للتشفي والشماتة سواء من هذه العناصر التي خسرت الرهان بسرعة كبيرة ربما نتيجة صغر السن وضعف الوعي السياسي وغياب العمق النضالي والتجربة والقراءة الخاطئة لطبيعة الصراع في ليبيا, الى جانب النزعة النرجسية الجامحة لحب الظهور وتحقيق المكاسب الشخصية, وبالتالي أوقعتهم في مغامرة غير محسوبة لم يكن لها الا نتيجة واحدة حتمية وهي الفشل والخسران. وأتمنى كذلك ان لا يكون هناك تجريم جماعي وتشفي من جماعة الاخوان المسلمين عامة الذين وان ساندوا ضمنيا مغامرة هذه العناصرووضعوا منابرهم الاعلامية وجمعياتهم الحقوقية في خدمتها, الا أننا لا نعلم بدقة طبيعة العلاقة أو الموقف الحقيقي لجماعة الاخوان من هذه المجموعة. وأتمنى أن يمنح البعض الوقت والفرصة لقيادة جماعة الاخوان في أن تجمع خيوطها وتلملم أوراق استراتيجيتها التي عصفت بها هذه المجموعة وأرجعتها الى المربع الأول قبل عشر سنوات أو يزيد منذ لجوء هذه الجماعة الى الخارج في أواخر التسعينيات من القرن الماضي.

يجب أن ننظر الى تيار الاخوان المسلمين على أنه تيار وطني أصيل وجد في ليبيا منذ ستة عقود وهو امتداد لقيم الوطن وعقيدته وثقافته وجزء من مكونات واثراء التعددية الليبية التي ننشدها ونؤمن بها. وحتى ان قامت القيادة الحالية- لضعف فكري وسياسي وحركي لديها - بادارة ظهرها للتيار الوطني الليبي العريض من أجل تحقيق مصلحة ذاتية حزبية ضيقة, فان ممارسات قيادة ما في مرحلة ما يجب أن لا تحسب على تيار بأسره له جذوره وحضوره ودوره الايجابي الممكن في المستقبل. بل أن ثقافة التعدد وآمال التوافق المنشود تحتم عدم اقصاء أو تخوين أي فرد أو مجموعة داخل ليبيا وخارجها طالما أنها تعتبر نفسها في الخندق الوطني, وليست في خندق السلطة الاستبدادية أو متماهية ومتعاونة معها.

اذا ما هو مفهوم التوافق السياسي الوطني ؟ وماهي أهميته؟ ومن يجب أن يكون بينهم توافق سياسي وطني؟ يقول الكاتب اليمني عصام المطري.. "التوافق السياسي الوطني واحد من المنقذات من التصدعات والتشققات السياسية الوطنية", ويرى الكاتب كذك أن...التوافق السياسي الوطني هو ثمرة من ثمرات الحوار السياسي الوطني الهادىء المتزن المرن الوسطي المعتدل الذي يلبي كافة الاحتياجات والمطالب لشركاء الفعل السياسي الواحد المبرأ من الأهواء المتضاربة والمتشاكسة...ويرى أيضا أن...التوافق السياسي الوطني يمكن المجاميع والقوى السياسية والاجتماعية من تدشين أعمال مشتركة نحو الفعل الوطني والعمل الوطني المشترك.

لاشك أن ليبيا تمر بتدافع وحراك مفصلي له ما بعده, وهناك عدة أطراف داخلية وخارجية لها مصلحة مباشرة في كيفية تطور الأحداث, والى ماذا تؤول, خاصة بعد نهاية الحقبة السياسية الحالية برحيل العقيد القذافي! والمؤكد أن نجاح مشروع وراثة الحكم في ليبيا بعد رحيل القذافي سيكون كارثة على ليبيا لما يعنيه من استمرار للإستبداد والشمولية, والاقصاء لجموع الليبيين من المشاركة في مسيرة تنميتهم بكل أبعادها وعلى رأسها التنمية السياسية والتمتع بثرواتهم.

قد يختلف الليبيون على تشخيص الواقع, وقد يختلفوا على تحديد أولويات واستراتيجيات التعامل مع هذا الواقع خاصة في شقه السياسي؟ ولكن هل يختلف عموم الليبيين على أن توريث الحكم في ليبيا أمرا مرفوضا أخلاقيا ومبدئيا ولن يخدم المصلحة الوطنية؟ وهل يختلف عموم الليبيين على معالم البديل الوطني المطلوب في ليبيا في مبادئه وخطوطه العريضة؟ أعتقد جازما أن السواد الأعظم من الليبيين ونخبهم الوطنية ومثقفيهم يرفضون مبدأ ومشروع توريث الحكم في ليبيا, وهذا الرفض يجب أن يكون أحد اسس توافق سياسي وطني مطلوب. وأن السواد الأعظم ينشدون كذلك بديل سياسي أسسه دولة الدستور المنبثق من الشعب..دولة المؤسسات..دولة سيادة القانون والقضاء المستقل.. دولة التعددية السياسية والفكرية, ودولة التدافع السلمي والتداول المحتكم الى صندوق الاقتراع الشفاف النزيه..دولة الحرية والعدل والمساوات بين الجميع.

اذا ما تابعنا عن قرب تجارب بعض جيراننا والحراك السياسي الحيوي لديهم, نجد هناك تيار سياسي واسع يرفض ويعمل على الحيلولة دون وقوع توريث الحكم الحالي في مصر, ونجد توافق سياسي بين شرائح الطيف الفكري والحزبي في اليمن على رفض فكرة توريث الحكم هناك, ونجد حراك سياسي في تونس ضد تعديل الدستور الذي سيسمح للرئيس بالبقاء في الحكم مدى الحياة. قد لا تتطابق تجارب جيراننا وأشقائنا العرب مع خصوصية تجربتنا الليبية ولكنها بلا شك تتقاطع معها في أبعاد كثيرة, وبالتالي ما أحوجنا كقوى وطنية ليبية الى أن نستفيد من تجارب غيرنا, ونخرج من هذه العزلة والانطواء الليبي الضار.. خصوصا ونحن نعيش زمن العولمة والانسياب للمعلومات وتفاعل الثقافات والتجارب.

انني لا أطرح هنا مبادرة سياسية جديدة! فذلك أتركه لأصحاب المشاريع السياسية مع دعمي لكل جهد وفكرة تقرب بين الأطراف المختلفة وتشحد الهمم والجهود لصالح العمل الوطني الفاعل..بل أن هذه المبادرات والجهود – ان صدقت – ستخدم فكرة التوافق الوطني المنشود. انني أدعوا الى نقلة نوعية في نمط تفكيرنا كنشطاء سياسيين واعلاميين وجماعات العمل الاجتماعي والثقافي والحقوقي..نقلة من الأنانية الى التجرد لله أولا وللوطن, ومن ثقافة البديل الى ثقافة المكمل, ومن أساليب الاقصاء والمزايدة والتخوين الى روح الحوار الهادىء وتقبل حق الأخرين في الاختلاف والاجتهاد داخل الخندق الوطني. اننا في حاجة ماسة الى نضج ووعي سياسي حقيقي, والى قراءة دقيقة عميقة لواقعنا, والى دعم وتأييد الحراك الوطني الداخلي الذي نشهده يتنامى ويتطور ولا نشكك فيه ونقسي على اخواننا الوطنيين في الداخل. علينا أن نتفهم اجتهاداتهم والظروف الصعبة التي يتحركون فيها, وأن لا ننسى حقيقة أن حراك المجتمع الليبي بمثقفيه ونشطائه في الداخل هو الأصل لأنه يتم في الرحم والمحضن الطبيعي للعمل والميدان الأول للتغيير.

رغم تفشي الفساد في ليبيا على كافة المستويات, ورغم استشراء الظلم والاستبداد, ورغم انسداد الأفق أحيانا وعتمة الصورة المستقبلية التي تسير نحوها ليبيا في ظل السلطة السياسية الحاكمة حاليا, الا أننا يجب أن نتسلح دائما بالاصرار والعزيمة والتفاؤل. لقد أفسدت سلطة العقيد القذافي كل جوانب الحياة في ليبيا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, وحرمتنا معشر الليبيين من فرصة ذهبية في توظيف ثرواتنا الهائلة في بناء دولة متطورة دعائمها العدل والحرية والتنمية الشاملة المستدامة. ولكن يجب أن لا يغيب عن تفكيرنا وأنظارنا أن غدا والمستقبل برمته هو صفحة بيضاء نملك نحن تسطيرها وتتذبيجها بما نريد ونطمح له من خير وعزة وكرامة ورخاء. ولن يكون ذلك الا برؤية استراتيجية شاملة, وبحوار وطني هادىء يشمل كل القوى والتيارات الوطنية الفاعلة أفرادا وجماعات في الداخل والخارج ومنهم جماعة وتيار الاخوان المسلمين.

هكذا حوار وهكذا تجرد لله أولا, وللوطن ومصلحتنا العليا ثانيا سيقودنا حتما الى مد الجسور بين جزر وطنية معزولة والى تشكيل رؤى ومواقف مبدئية مشتركة, والى توافق سياسي وطني سيكون قوة دافعة تقلب الموازين وتفسد مخططات المستبدين في استمرار السلطة في أبنائهم من بعدهم, وتصل بليبيا التى تتقاذفها أمواج عاتية الى بر الآمان.

gelgamaty@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home