Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Jum'a el-Gumati


Jum'a al-Gumati

Tuesday, 12 September, 2006

ليبيا الى أين؟!

جمعة القماطي

مع بداية القرن الثامن عشر حين كانت ليبيا جزءا من الدولة العثمانية استطاع ضابط تركي مغمور من جنود الانكشارية وهو (أحمد القره مانلي) أن يستولي على السلطة، ويعلن نفسه حاكما على ليبيا، مستقلا عن سلطة الباب العالي في استانبول، ويأسس لحكم العائلة القره مانلية.

وطـّد أحمد باشا القره مانلي حكمه بالقوة، وفرض الضرائب المجحفة على الليبيين، ومارس القرصنة في عرض البحر المتوسط. وضمن تحييد ضغوطات القوى الخارجية من خلال دفع الأتاوات لهم، والتي كان يجمعها من الليبيين غصبا. واستمر حكم القره مانلليين لليبيا من خلال أبناء أحمد باشا وأحفاده لقرابة القرن وربع قرن من الزمان (1711 – 1835)، وكانت تلك الحقبة مليئة بالجور والفساد والتخلف.

هذه الحقبة المظلمة من تاريخنا التي ليست بالبعيدة كثيرا عنا، هي جزء من ذاكرتنا الجماعية، وكما يقال فإن "الذي لا يتعلم تاريخه يعيش دائما فيه!" أي أنه يعيد ويكرر نفس الأخطاء. ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى تعلم تاريخنا - البعيد والقريب – جيدا، واستخلاص الدروس والعبر منه، حتى لا نكرر نفس الأخطاء وتحل بنا من جديد نفس الكوارث السياسية.

ومن هذه الدروس ما يتعلق بحقبة العهد الملكي، وأسئلة مشروعة لا نجد أي دراسات أو أبحاث منهجية تجيب عليها مثل: لماذا كان الوضع السياسي في ليبيا في أواخر الستينييات من القرن الماضي ضعيفا؟ وأصبحت المؤسسات السياسية مترهلة وشبه عاجزة عن أداء دورها؟ وهل يعقل أن يترك الملك ادريس السنوسي (رحمه الله) السلطة في السابع من أغسطس 1969 ويغادر البلاد، بعد أن قدم استقالته الرسمية إلى رئيس مجلس الشيوخ، وتبقى ليبيا بعد ذلك ولمدة ( 24 يوما) في فراغ سياسي دون أن يعلم الشعب بهذه الاستقالة؟ وهل كان إنقلاب القذافي سببا في إنهاء النظام الدستوري القائم؟ أم أنه كان عرض لمرض ونتيجة حتمية لنظام ضعيف مترهل؟!

وهل لو أنه لم يتم إلغاء الأحزاب السياسية بمرسوم ملكي عام 1952، وتزويرالإنتخابات، ونفي الزعيم السياسي الوطني بشير السعداوي، والتضييق على اخرين مثل مصطفى بن عامر، وسمح في المقابل للحركة الوطنية بتياراتها الفكرية والسياسية المختلفة في العمل العلني المفتوح، وبناء مؤسسات سياسية ومؤسسات المجتمع المدني، هل كان سيوجد الفراغ والتململ السياسي الذي مهد وسهل الإنقلاب على السلطة من قبل مجموعة من صغار الضباط؟.

في خطاب "زوارة" عام 1973 قام القذافي بإنقلابه الثاني الذي كان تلك المرة على رفاقه في مجلس قيادة الثورة، وانفرد وحده بالسلطة المطلقة، كما زج بكل النخب السياسية والفكرية في السجون، مؤكدا بذلك رفضه لأهم أسس الديمقراطية وهي التعددية. وبعد ثلث قرن من الزمان جاء خطاب "البيضاء" قبل أسبوعين كأهم وأخطر خطاب للقذافي منذ زوارة، مدشنا فيه لبداية مرحلة جديدة، ومؤكدا فيه على ثلاث نقاط رئيسية وهي: استمرارالدولة الشمولية التي لن تتسامح مع أي فكرأو رأي مغاير في من أسماهم بأعداء الثورة الذين يجب القضاء عليهم أينما وحيثما ظهروا، وثانيا مباركة وتشريع الفساد والسرقة التي قام بها أعوان النظام إلى يومنا هذا حينما أكد لهم أن "اللي فات مات"، وثالثا إلزام اللجان الثورية وفعاليات النظام الأخرى بمبايعة وريث الحكم المنتظر من خلال ما أسموه تأييد وتبني مبادرة الشباب.

وهكذا اذا فان الخطوات العملية لتنفيد مشروع توريث الحكم في ليبيا قد بدأت فعليا بتنسيق محكم بين القذافي الأب والإبن، وما يقوم به سيف الإسلام عمليا الآن هو بناء دولة داخل دولة، وتركيب نظام سياسي جديد دون تفكيك نظام الأب القائم. حتى إذا ما استكمل بناء النظام الجديد يتلاشى النظام القديم، ويظهر مكانه الجديد في تحول سلس دون أية قلاقل أو هزات! وسيف الإسلام القذافي يريد أن يستند في ما يقوم به الآن من بناء لنظامه القادم على شرعية أنه هو الذي قاد الحوار والتفاوض مع الغرب من أجل رفع الحصارعلى ليبيا، ويسوق هذا على أنه إنجاز تاريخي حققه للليبيين، وأن سيف الإسلام هو الذي سيحقق الإصلاح والرخاء الاقتصادي والتطور لليبيا في المستقبل.

ومن معالم دولة سيف الإسلام التي يقوم ببنائها الآن، داخل دولة أبيه، ما يعرف بمؤسسة القذافي للتنمية التي تعمل في عدة مجالات، ولها ميزانيات ضخمة مصدرها خزينة الشعب الليبي، وكذلك منظمة الشباب الليبي التي قال أن عدد أعضائها (أربعمائة ألف) شاب، ودار طباعة ونشر حديثة، ومواقع على الإنترنت مثل (جليانه)، ومحطة راديو (إف إم) بدأت بالبث داخل ليبيا بأسلوب جديد لم يعهده الليبيون من قبل، ومحطة فضائية مرئية (الليبية) تبدأ بثها التجريبي قريبا، ولجنة فنية سرية منعكفة على إعداد دستور لليبيا، لن يكون للليبيين أي رأي فيه! وربما هذا الدستورسيقدم لنا الإخراج السياسي لكيفية تولي سيف الإسلام السلطة بعد والده، وعلى الأغلب أن ذلك سيكون من خلال ترأسه ما يسمى "القيادة الشعبية الاجتماعية" التي أكد القذافي الأب في أكثر من مناسبة بأنها هي المرجعية السياسية العليا في ليبيا بعد غياب "القائد"!.

وكذلك من القضايا التي على الأغلب قد تم ترتيبها أيضا من قبل القذافي الأب والإبن هي دور ونفوذ بقية الأبناء من إخوة سيف، وذلك بأن يقبل هؤلاء بالدورالسياسي القيادي لسيف الإسلام، وأن يحصلوا هم في المقابل على النفوذ والقيادة للقطاعات الحيوية الهامة الأخرى، اقتصادية وعسكرية وأمنية واجتماعية. وهو ما بدأ يتشكل بالفعل داخل ليبيا في السنوات الماضية، وهي أشبه بتقسيمات النفوذ والشراكة المتعارف عليها داخل الأسرالحاكمة في دول الخليج.

ولعل السؤال المهم هو: ما موقف الليبيين من هذا المشهد الذي يتشكل أمامهم الآن؟ وهل صحيح أن الشعب الليبي، الذي أجهده الاستبداد، وأثقلته المعانات الاقتصادية، أصبح يتوق إلى، ويتقبل أي تغيير طالما أنه يقود إلى الأحسن - ولو نسبيا - خاصة في مجال الخدمات والملفات المعيشية؟

قد يكون هذا هو الشعورالسائد لدى بعض الليبيين، ولكن لا يمكننا تقييم مواقف الليبيين، وادانة ما يبدو أنها مواقف سلبية لدى البعض تجاه مستقبلهم السياسي، بمعزل عن الواقع الاجتماعي والثقافي والبطش الأمني الذي يعيش فيه المجتمع الليبي، وبعض سلبيات هذا الواقع التي تشكل جملة من المعوقات أمام قدرة الليبيين الذاتية على تحقيق أي تطور اجتماعي سياسي قريب نحو دولة الحريات والديمقراطية الحقيقية المنشودة.

ومن هذه المعوقات كون أن المجتمع الليبي هو في الأساس مجتمع قبلي تسود فيه ثقافة القبلية بإفرازاتها السلبية، والتي شجعها وعمقها أكثر النظام الحالي، وأن الوعي بمفاهيم الديمقراطية وحقوق المواطنة مازال ضعيفا بيننا كليبيين، وأننا مازلنا أسرى الثقافة الأبوية التي ترسخ فكرة الولاء الغير مشروط ، وكذلك أسرى ثقافة انتظار"القائد المنقذ" الذي سيظهريوما ليقدم لنا الحرية على طبق من ذهب، ويملأ الأرض عدلا. ومن سلبيات الشخصية الليبية كذلك ضعف الذاكرة الجماعية، وضعف القدرة على التفكير والعمل الجماعي بين الليبيين, وتفشي انعدام الثقة والتوجس والريبة من الأخرين.

كما أن مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية التي تعتبر من أهم أدوات النضال والتدافع في عملية التحول إلى الديمقراطية، لم تتح لها أية فرصة في التكوين والتطورالمستقل داخل ليبيا تحت النظام الحالي. ولعل كل هذه المعوقات وخاصة الاجتماعية الثقافية منها تؤكد الحاجة إلى العمل التكاملي المتوازي على مساري القمة والقاعدة لهرم المجتمع. وهو العمل المؤسسي الذي يفرز كوادر وقيادات وينشر وعي وثقافة وطنية اصيلة داخل المجتمع, مع ضرورة وجود حراك دائم في مواجهة الاستبداد من القمة.

أما دورالمعارضة الليبية في الخارج فهو ربما انعكاس لحالة الضعف والتيه التي تعانيه اليوم، فهي لازالت - في غالبيتها- معارضة ردود أفعال وليس صناعة أفعال، ولا تشتغل سياسة وإنما تشتغل عواطف! وأصبحت بالتالي أسيرة لماضي نظام القذافي وتاريخ جرائمه، وغير قادرة على استشراف المستقبل، وبلورة رؤى استراتيجية مناسبة له. وخطابها مازال يختزل مشاكل ليبيا في شخص معمر القذافي، ويرى أن تنحيه هو الحل السحري لهذه المشاكل. بينما واقعيا يمكن أن يتنحى معمر القذافي في أي وقت لأسباب طبيعية بحتة، ولن تتحول ليبيا فجأة إلى دولة دستورية ديمقراطية، خاصة بعد أن بدأ عمليا مشروع توريث السلطة وانتقالها إلى جيل الأبناء. ولنا في تجربة سورية درس وعبرة.

ودعاة الإصلاح في الخارج، الذين يعتبرون أن الاصلاح منهج أصيل وخيار استراتيجي، فإنهم لازالوا يعانون كذلك من ضعف الوضوح والتأصيل لمشروعهم الإصلاحي، فهم يتحدثون عن روافد الإصلاح، ومحددات الإصلاح، ورفع الواقع والخيار السلمي، وغيرها من الجمل المتكررة في كل تصريح ومقابلة، دون تحديد لماهية هذا الإصلاح، وموقع الإصلاح السياسي منه. وهل هذا الإصلاح سيقود إلى دولة التعددية الفكرية والسياسية لكل التيارات والقوى في المجتمع، وإلى التداول السلمي والانتخابات الحرة النزيهة ومنها انتخاب الحاكم، وتحديد مدة حكمه؟ أم أنه مجرد إصلاح يقود إلى تحسين نسبي في الأوضاع القائمة؟ ومن حق الليبيين على من قد يصبحوا أهم تيارسياسيي في مستقبل ليبيا، وهم الإخوان المسلمون، أن يكونوا أكثر وضوحا في برامجهم ورؤاهم السياسية.

وفي الوقت الذي يراهن فيه سيف الإسلام القذافي وأتباعه على أن الخروج من مأزق نظام والده سيكون من خلال الإصلاح الاقتصادي, والاستقواء بالغرب مقابل تأمين مصالحهم الاستراتيجية, دون الحاجة لإحداث أية إصلاحات سياسية جوهرية في ليبيا. فإن الواقع الليبي وتجارب انظمة أخرى كثيرة مشابهة تؤكد أن الإصلاح الاقتصادي وحده لن ينجح إلا إذا كان مسنودا بإصلاح سياسي ودستوري، يواجه الفساد المستشري. وأنه بدون المراجعة الجذرية للنظام السياسي في ليبيا لن تكون هناك حلول حقيقية للمشاكل المستعصية، وإنما مجرد ترحيل لأزمات مستفحلة.

ولعل أخطر ما ينخر في جسم النظام الليبي اليوم هو الفساد على كل المستويات، وخاصة الفساد المالي والإداري بين أتباع النظام الممسكين بمفاصل الدولة. والفساد يمكن تشبيهه بالخراج الذي إذا ما أصاب جسد ولم يتم فتحه ومعالجته فإنه سيصيب الجسد كله بالتسمم، وبالتالي الموت. والمؤكد أن نظام الوريث القادم سيعاني من نفس الأزمات والأمراض، ما لم يستبدل كل النخبة الإيديولوجية السياسية الحاكمة الفاسدة، بنخبة وطنية جديدة أكثر نزاهة وكفاءة، ولكنه لن يستطيع ذلك لأن النخبة المتسلطة الفاسدة استشرت وتمترست، ولن يكون من السهولة إزالتها أو الاستغناء عنها.

لذلك فإنه لا بديل عن التغيير السياسي الحقيقي لكي نخرج من واقعنا المتردي، وهذا يتطلب بلورة رؤية وطنية شاملة لليبيا ما بعد العقيد القذافي يشارك فيها الجميع، ويكون من المكونات الرئيسية لهذه الرؤية.. التحول من دولة الشمولية إلى دولة التعددية، وبلورة دستور منبثق من الشعب، يرسخ هذه التعددية. كذلك ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون واستقلالية القضاء، وحرية الصحافة، وحرية الانخراط في مؤسسات مجتمع مدني مستقلة فاعلة، ومبدأ اختيار الحاكم من خلال انتخابات تعددية نزيهة، وتحديد مدة حكمه بفترتين فقط، وضرورة وجود محكمة دستورية عليا تفصل في الاختلافات القانونية والدستورية، ووجود مجلس أعلى لحقوق الإنسان يرعى ويحمي حقوق الإنسان في ليبيا، وتكون له سلطة سيادية مستقلة عن السلطة السياسية.

وقد تكون هذه الرؤية حالمة مقارنة بواقع اليوم، ولكن التأكيد على هذه المبادىء، والتمسك بها، أمر هام، لأنه تأكيد لمبدأ الانحياز للقيمة وليس لهوى أفراد أو مجموعات. وقد علّمنا التاريخ بتجاربه البشرية الغنية أن التغيير ينطلق من دائرة الأفكار والقيم أولا، وطالما أن هناك إيمانا راسخا بهذه القيم السياسية والاجتماعية، وأن هناك مؤسسات وشرائح من المثقفين الوطنيين ينشرون الوعي بها ويناضلون من أجلها، فإننا حتما سنصل يوما، ولو كان ذلك من خلال سنن التدرج والتراكم في تحقيق المكاسب الوطنية، وتقديم الثمن النضالي المطلوب لمهر هذه المكاسب.

عود على بدء، فان المرحلة الحالية من تاريخ ليبيا حرجة ومفصلية لأنه يتم فيها رسم وتشكيل مستقبل ليبيا لعقود قادمة من الزمن، ببعد عن، واقصاء لأي دور أو رأي للشعب الليبي في هذا المستقبل، ولذلك فهناك حاجة ملحة إلى فتح قنوات حوار وتواصل بين كل الليبيين الغيورين على مصلحة الوطن ومستقبله في الداخل والخارج، من أجل بلورة مشروع وطني، والوصول إلى توافق ديمقراطي وعقد اجتماعي يؤكد على حق التعددية والمشاركة وحماية القانون للجميع بما فيهم حتى المؤمنين بالفكرالأخضر! وإذا لم يتم ذلك فإننا سنقف جميعا على الهامش متفرجين نراقب ونرصد توالي فصول مشروع توريث الحكم في ليبيا، ودخول بلادنا في حقبة حكم عائلة جديدة قد تدوم لزمن أطول من حكم عائلة القره مانلي.

gelgamaty@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home