Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Jum'a el-Gumati


Jum'a al-Gumati

Wednesday, 11 ِApril, 2006

نحو توطين ثقافة سياسية جديدة في ليبيا

جمعة القماطي

لا يمكن أن تنجح أية عملية تغيير لواقع متخلف متردي دون أن تقوم على رؤية فكرية حضارية واضحة تقابل هذا الواقع السيء وتكون بديلا عنه، ولا بد لهذه الرؤية البديلة أن تبنى على منظومة من القيم والمبادئ والقواعد، تتحول إلى ثقافة عميقة ووعي جماعي فاعل داخل المجتمع بمثقفيه وعامة أفراده. فكل شيء ينطلق ويبدأ من دائرة الفكر والثقافة، وكل ما نمارسه من سلوك فردي أو جماعي هو انعكاس لما نحمل من ثقافات وأفكار حتى وإن كنا لا ندرك أو نحس بذلك.

والثقافة السياسية هي جزء من مكونات الثقافة العامة للمجتمع، وعادة ما تكون على مستويين: ثقافة النخبة، وثقافة الجماهير. وكان أول من استحدث مصطلح ومفهوم "الثقافة السياسية" في الدراسات الإنسانية والسياسية هو الأمريكي جبرائيل الموند، وذلك في مقال نشره عام 1956 بعنوان "أنظمة سياسية مقارنة".(1)

عاشت ليبيا- ولازالت - على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن تحت ثقافة سياسية محددة، فرضت من أعلى إلى أسفل، جوهرها الاستبداد والإقصاء، وتهميش دور المواطن في التفكير والمشاركة في عملية بناء الدولة وتطوير المجتمع، وتحقيق الازدهار والتنمية المستدامة. وليبيا في هذه الثقافة السياسية المتخلفة ليست منفردة، بل هذه الثقافة هي السائدة – بدرجات متفاوتة- في كل بلدان الوطن العربي، وهي ثقافة تختزل دور الشعوب إلى مجرد رعايا وأتباع وإمعات.

وقد وصف هذه الثقافة المفكر السياسي السوري برهان غليون قائلا: ".. ونحن نشاهد هذا يوميا أمام أعيننا اليوم، كيف تحول النظم الراهنة الناس إلى إمعات، عندما أمنع الناس من التفكير، من التنظيم السياسي، من الكتابة، من التعبير عن الرأي، من المشاركة في وسائل الإعلام، عندما أفرض عليهم الصمت المطلق إذا كانوا مخالفين إلا إذا كانوا يريدون التصفيق للحاكم وللحزب الحاكم إلى آخره، عندما ألغي حتى منتديات صغيرة يجتمع فيها عشرات وأحيانا أقل، من المثقفين في منزل وفي صالون أو منزل خاص من أجل تبادل الرأي حول ما يجري في البلاد .. عندما أمنع كل هذا، أنا أحول الناس لإمعات، أطلب منهم ألا يفكروا .. أنتم ليس عليكم أن تفكروا .. هناك زعيم ملهم .. هو يتولى التفكير ويتولى القيادة ويتولى العمل مكانكم."(2) وهذا التصوير والتشخيص الدقيق من قبل برهان غليون ينطبق تماما على الحالة الليبية!.

ما هي إذا مكونات الثقافة السياسية الجديدة المطلوبة في ليبيا؟ ومن تقع عليه مسؤولية بلورة ونشر هذه الثقافة؟.

لا شك أن هذا الدور يقع بالدرجة الأولى على مثقفينا الوطنيين في الداخل والخارج .. هؤلاء المثقفون عليهم مسؤولية وطنية كبيرة اليوم في أن ينحازوا بوضوح الى ثقافة التغيير، وليس ثقافة التسويف والتبرير. وأعني بثقافة التغيير هنا التغيير الديمقراطي بأدواته وآلياته المشروعة.

وبلورة ثقافة سياسية جديدة تعتبر ضرورة، لأن المجتمع الليبي لن يحل مشاكله المزمنة وينجح في تحقيق مشروع نهضوي شامل، إلا بثقافة تتحول بنا من فوضى الثورة ونظام "جماهيرية الخوف"!، إلى دولة المؤسسات والشرعية الدستورية. ومن أكذوبة الديمقراطية المباشرة وسلطة الشعب، إلى الديمقراطية الحقيقية المبنية على التعددية السياسية والفكرية والتداول السلمي. ومن نظام حكم فردي شمولي عائلي مطلق، يستند على تحالفات قبلية ضيقة، إلى نظام مبني على سيادة الدستور والقانون والمساواة في حقوق المواطنة. ومن فوضى التصعيد والترشيد وتحكم قلة ثورية فاسدة في مفاصل الدولة، إلى حق جميع المواطنين في اختيار مسؤوليهم من خلال صندوق الانتخاب الحر النزيه، ومحاسبتهم من قبل سلطة تشريعية تستمد إرادتها من الشعب، وسلطة قضائية مستقلة شفافة لا سلطان فوقها، إلا القانون والدستور.

إن ثقافة "التمثيل تدجيل"، وثقافة "من تحزب خان"، هي ثقافة خاطئة لا تستقيم مع العقل والمنطق، ولا مع ما حققته البشرية من تطور وتراكم سياسي ديمقراطي، ولذلك فقد آن لهذه الثقافة الفاشلة المفروضة من أعلى أن ترحل، وتبقى تجارب ونماذج الديمقراطية النيابية والفصل بين السلطات هي أفضل ما توصل إليه العالم اليوم من نجاح في مسيرة تطور الديمقراطية فكرا وممارسة. ويبقى دور الأحزاب السياسية كمؤسسات مهمة تنشر الوعي السياسي في المجتمع وتصقل الكوادر التي تدير مؤسسات الدولة بكفاءة. والشعب الليبي ليس غريبا عن تجربة الأحزاب السياسية التي كان لها دورا رياديا في عقد الأربعينيات من القرن الماضي، في نضال الليبيين السياسي من أجل استقلال ليبيا. وكان من أبرزها حزبي "جمعية عمر المختار" و"المؤتمر الوطني".

كانت تجربة تلك الأحزاب متقدمة ومتطورة جدا في سياق الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها ليبيا في ذلك الوقت، ومازال عدد من قيادات وكوادر تلك الأحزاب أحياء بيننا اليوم، ومنهم الأساتذة علي مصطفى المصراتي، ومصطفى السراج، من قيادات حزب المؤتمر الوطني، وعدد من نشطاء جمعية عمر المختار، ومنهم الأساتذة مصطفى الشيباني، ومفتاح السيد الشريف، وعلي عميش. ولا يمكن لقارئ موضوعي في التاريح الليبي إلا أن يعتبر أن يوم 20 فبراير 1952، وهو يوم إلغاء الأحزاب في ليبيا، يوم حزين من تاريحنا، كانت له تبعات وخيمة عانيناها في 1 سبتمبر 1969 عندما سقطت الشرعية الدستورية الضعيفة المترهلة بسبب غياب مؤسسات سياسية قوية، وما تلاها من شمولية واستبداد مطلق أفسد البلاد والعباد.

من المكونات الأساسية للثقافة السياسية الجديدة المطلوبة في ليبيا، ثقافة المجتمع المدني ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة في تكوينها وتسييرها عن السلطة السياسية، وحق شرائح المجتمع المختلفة من طلاب وأطباء ومهندسين ومحامين وكتاب وأدباء وصحفيين وتجار وعمال ومزارعين وموطفين وغيرهم، في الانخراط في روابط واتحادات وجمعيات ونقابات خاصة بهم، تتولى الدفاع عن حقوقهم الفئوية والعامة، ويمارسون داخل هذه المؤسسات الانتخابات النزيهة والمحاسبة الشفافة، والحوار الحر الصريح، فتكون مؤسسات المجتمع المدني بالتالي مدارس وورش صغيرة لتعلّم الممارسة الديمقراطية، فتنتقل هذه الممارسة والسلوك الديمقراطي إلى المجتمع بأسره وتترسخ فيه. ومن هنا تعتبر مؤسسات المجتمع المدني بمثابة الرافعة التي تقوم عليها عملية التحول والتطور الديمقراطي.

وقد كانت هناك بداية ظهور واعدة لجمعيات وروابط ونقابات مستقلة مع بداية مرحلة الاستقلال وميلاد دولة ليبيا الحديثة عام 1951, وبدات هذه التجربة في التطور والنمو وخاصة اتحادات الطلبة وجمعيات المرأة ونقابات العمال وجمعيات الفكر ومؤسسات ثقافية مختلفة. ولكن مع انتهاء الشرعية الدستورية في 1969 تعرضت هذه المؤسسات الى ضغوطات التدجين السياسي. وكان الصدام مع اتحاد الطلبة المستقبل عام 1975 هو بداية النهاية لهذه المؤسسات المستقلة تلاه ما سمي بثورة المنتجين عام 1978 وانتهى وجودها بالكامل مع عام 1980.

ولا غرابة أن نجد ليبيا اليوم ترزخ تحت وطأة الاستبداد والدكتاتورية، طالما أن مؤسسات المجتمع المدني المستقلة محظورة ومؤممة من قبل السلطة السياسية، حيث تم اختزالها في شكل كيانات هشة يقودها مجموعة من التبع من جوقة السلطة الحاكمة، وطالما أن (قانون19) هو الذي ينظم تواجد ودور ما يسمى رسميا بالمؤسسات الأهلية، ويفرض أن تكون هذه المؤسسات جزء من أيديولوجية النظام وتركيبته. وأفضل ما قرأته من دراسة نقدية حول قانون 19 الجائر هو ما كتبه الأديب والمثقف الوطني الأستاذ يوسف الشريف تحت عنوان "قراءة في قانون ظالم"(3). وخير تجسيد لثقافة المجتمع المدني المستقل المطلوبة في ليبيا هو أن تبادر الفئات المختلفة في داخل ليبيا وخارجها بتأسيس روابطها ونقاباتها وجمعياتها الموازية، بغض النظر عن اعتراف السلطة السياسية القائمة بها من عدمه، لأن هذا حق مشروع لا يحتاج أن تمنّ به السلطة الحاكمة أو توافق عليه، وهي لن تفعل ذلك طالما أنها لا تريد أن تلغي قانون 19 الظالم!.

من مكونات الثقافة السياسية الجديدة المطلوبة في ليبيا أيضا، حرية التفكير والتعبير من خلال منابر ومؤسسات ثقافية وإعلامية مستقلة، وعلى رأسها حرية إصدار الصحف والمجلات والمنابر المختلفة. ولا بد من التذكير هنا أيضا أن ظاهرة الصحافة الحرة ليست جديدة على الشعب الليبي، بل هي جز من تاريخنا وإرثنا الحديث، حيث كانت تتواجد داخل ليبيا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي العشرات من الصحف والمجلات الحكومية والخاصة الحرة المستقلة التي أصدرها أفراد، ومنها صحف مثل: الحقيقة .. الشعب .. الحرية .. الرائد .. البلاغ .. والميدان لصاحبها الإعلامي الوطني المخضرم الأستاذ فاضل المسعودي، الذي فاصل النظام الشمولي منذ أيامه الأولى، ويعيش اليوم في منفاه في سويسرا.

ويعود تاريخ الصحافة والصحف المستقلة في ليبيا إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما كانت ليبيا ولاية عثمانية. ومن أوائل هذه الصحف صحيفة "طرابلس الغرب" عام 1866، وصحيفة "الترقي" عام 1897. ومن الكتب القيمة المهمة عن تاريخ الصحافة في ليبيا كتاب للأستاذ علي مصطفى المصراتي(4). والجدير بالذكر أنه حتى أثناء الاستعمار الفاشتي لليبيا كانت هناك صحافة تتمتع بهامش من الحرية، وتدعم إخباريا ومعنويا جهود الليبيين في التخلص من الاستعمار، على الرغم من مراقبة الإيطاليين لها، ومنها على سبيل المثال مجلة "ليبيا المصورة" عام 1935، التي تناولها الكاتب الدكتور محمد المفتي بدراسة قيمة بعنوان "الهوية المهربة" (5).

في أكتوبر 1973 صدر قانون رقم 75 بشأن تأميم الصحف والدوريات الخاصة المستقلة أو الأهلية، وأيلولتها بالكامل إلى الدولة. ومنذ ذلك اليوم انقطعت مسيرة أكثر من قرن من الزمان من تاريخ الصحافة المستقلة في ليبيا، وسادت ثقافة المنع والحجرعلى الأصوات والأقلام الحرة لتستبدل بالاعلام والصحافة الرسمية التي تمارس التملق والنفاق والتمجيد. وانتفى دور الصحافة كسلطة رابعة تدافع عن حقوق المواطنين وتتصدى للفساد والانحراف داخل السلطة السياسية ومؤسسات الدولة والمجتمع. ولعل المبادرة الأخيرة من قبل أكثر من مائة من الكتاب والصحفيين والأكاديميين الليبيين من داخل ليبيا وخارجها في بيان يطالب بوجود صحافة مستقلة في ليبيا هي مبادرة هامة، وتحرك نوعي غير مسبوق من قبل مثقفين وطنيين ليبيين نرجوا أن يكون لها ما بعدها من مبادرات تطالب بحقوق عامة أخرى كثيرة مصادرة.

ولكي ننجح في نشر ثقافة سياسية إيجابية جديدة، نحن اليوم بحاجة كذلك إلى هزيمة ثقافات عديدة سلبية قاتلة تفشت داخلنا معشر الليبيين مثل: ثقافة الخوف لدى الأفراد والمجتمع من الدولة، وثقافة القطيعة والتشكيك التي أصابت قدراتنا وحركتنا الجماعية بالشلل، وثقافة الفردية والتعصب. وننشر بديلا عنها ثقافة العقل الجمعي، والعمل الجماعي التكاملي، وثقافة المطالبة العلنية بالحقوق، وعلى رأسها المطالبة بالحرية والعدل، قبل المطالبة بالخبز والدواء! لأنه بالحرية والعدل تكون هناك كرامة واستقرار، ويكون هناك إبداع وتميز يشارك فيه الجميع، لكي تنهض ليبيا وتتطور وتزدهر، فينعم أبناؤها بحقهم الطبيعي في خيراتها الوافرة، ويحققوا مكتسباتهم المادية والمعنوية المشروعة.

gelgamaty@hotmail.com
________________________

(1) باسم اليزيدي في كتاب الثقافة السياسية الفلسطينية (ص11).
(2) برهان غليون – الجزيرة، برنامج مسارات بتاريخ 9-1-2006.
(3) يوسف الشريف – قراءة في قانون ظالم – مجلة عراجين، عدد 2 (ص 133).
(4) على مصطفى المصراتي – كتاب صحافة ليبيا في نصف قرن الطبعة الثانية عام 2000.
(5) د. محمد محمد المفتي – الهوية المهربة - مجلة الفصول الأربعة عام 1999.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home