Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Jum'a el-Gumati


Jum'a al-Gumati

Friday, 7 September, 2007

حول الدستور الليبي القديم والمستقبلي!

جمعة القماطي

يعتبر وجود دستورمنبثق عن الشعب، ومتمتع بموافقة الغالبية العظمى من أبنائه، من المعالم الأساسية لبناء الدولة الحديثة، دولة المؤسسات التي يحترم فيها المواطن، وتضمن له فيها حريته وكرامته وحقوقه الأساسية. وقد تكون كلمة دستورمن أصول فارسية، والدساتير الديمقراطية الحديثة نشأت وازدهرت ثقافتها في الغرب (أوربا وأمريكا) خلال القرنين الماضيين، ولكن هناك في الثرات العربي الإسلامي ما يؤصّل لوجود هكذا وثيقة، ونعني بذلك تلك "الصحيفة" التي كتبها رسولنا الكريم (صلعم) مع بداية المجتمع الإسلامي، ووضعت القواعد والأسس العامة لمجتمع ودولة المدينة، بما في ذلك العلاقة مع الأقليات العرقية والدينية.

عرف العالم عدة أنواع من الدساتير، منها ما يعرف بالدساتير الصلبة التي لا يجوز تعديل أو تغيير بعض المواد فيها أبدا، ومنها الدساتير التي تشترط أن تكون أية تعديلات فقط بعد مرور مرحلة زمنية معينة، أو أن تكون بأغلبية الثلثين على الأقل من الشعب أو مجالسه النيابية المنتخبة. بينما هناك دساتير تسمح للحاكم أو المجلس التشريعي بأن يدخل عليها أي تعديلات، وهي دساتير ضعيفة وغالبا ما تخضع لهوى الحاكم ومجموعة صغيرة من الموالين له، حتى وإن كانوا منتخبين صوريا من الشعب، ومثال على ذلك ما جرى ويجري في دول مثل سورية وتونس ومصر وغيرها.

أهم ما يجب أن يتضمنه الدستورهو الشكل العام للنظام السياسي للدولة، والفصل بين السلطات، وضمانات واضحة لا تحتمل التأويل أو التسويف، للحقوق الأساسية للمواطن لحماية نفسه وعرضه وماله ودينه وعقله، وهو ما يتعارف عليه بالمقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية في دولة مثل ليبيا يدين جميع أبنائها بالإسلام الذي يشكل المحدد الرئيسي لهويتها. وكذلك أن يضمن الدستور حق التفكير والتعبير والتنظيم والمشاركة السياسية والاجتماعية بالتساوي لكل المواطنين رجالاً ونساء، وحق النشاط العام كأفراد وجماعات تنتظم في جمعيات ومؤسسات وأحزاب ومنابر تنتهج الطريق السلمي والشفافية، ودون أن يتعارض نشاطها مع مصالح المجتمع العليا التي يحددها ويضبطها الدستور والقانون.

كان الدستور الليبي الذي أقر في 7 أكتوبر 1951 ومهد لميلاد دولة ليبيا المستقلة، من الدساتير الرائعة والمتقدمة جدا في ذلك الوقت، وقد أنجزته جمعية تأسسية تتكون من 60 شخصا ممثلين عن الشعب الليبي. وعكفت هذه الجمعية على ترجمة ودراسة دساتير 12 دولة للإستنارة بها، وحدد الدستور الليبي نظام ليبيا السياسي على أنه نظام ملكي وراثي، وأختير الأمير محمد إدريس السنوسي (رحمه الله) كأول ملك وحاكم لليبيا.

ويتحدث البعض - خاصة في الخارج- عن ضرورة العودة إلى الدستور الليبي الذي ألغي بإنقلاب عسكري في 1 سيتمبر 1969 ، ويتحدثون كذلك عن ضرورة العودة إلى الشرعية الدستورية دون وضوح لما هو المقصود بهذه العودة؟ إن كانت عودة إلى محتوى دستور 1951 الذي يحدد أن نظام الحكم ملكي وراثي مطلق، ويعطي للملك صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة، وتنص المادة (197) منه على أنه لا يجوز أبدا اقتراح تنقيح أو تعديل المواد والأحكام الخاصة بشكل الحكم الملكي، وبنظام وراثة العرش. وبالتالي فالعودة إلى دستور 1951 تعني ضمنيا وتلازميا العودة إلى نظام الحكم الملكي، وغيرذلك يصبح مخالفة للدستور نفسه!.

أم أن المقصود بالعودة إلى الشرعية الدستورية هو العودة إلى مبدأ أن تبنى دولة ليبيا على أساس شرعي دستوري يكون الدستور فيه منبثقا عن الشعب وبموافقته الحرة، ويحدد دستورمستقبلي شكل نظام الحكم الذي قد يكون ملكيا أو جمهوريا، أو أيا من أشكال الحكم التي يختارها الليبيون عندما يتملكون هذا الحق من جديد ويمارسونه. وهذا الفهم للعودة إلى الشرعية هو الأقرب إلى الخيار الديمقراطي الحقيقي، خاصة وأن الشرعية ليست أمرا جامدا أو أبديا، وإنما ملك وحق للشعب يمنحها ويسقطها ويجددها متى شاء. فالشعب - باختياره الحر- هو مصدرهذه الشرعية الدستورية وفوقها، وليس العكس!.

لقد مرعلى دستور 1951 أكثر من نصف قرن من الزمان، شهد فيه العالم تطورات سياسية وفكرية هائلة، قفزت فيها الديمقراطية نوعيا على مسار التنظير والممارسة في الغرب والشرق، حيث ترسخ عمليا مفهوم دولة المؤسسات، وازدهرت الحريات وثقافة حقوق الإنسان والمجتمع المدني المستقل. وأصبح تحديد مدة الحاكم وضبط صلاحياته ومحاسبته هو الأصل. وقد حدثت كل هذه التطورات بعد ظهورالدستور الليبي عام 1951 وتوقفه عام 1969، وبالتالي أصبح محتوى هذا الدستورقاصرا وناقصا في قضايا جوهرية، وغير مواكب لكثير من متطلبات اليوم وآمال المستقبل.

فالدستور الليبي لعام 1951 لم ينص صراحة على حق تشكيل الأحزاب والتجمعات السياسية أو مؤسسات المجتمع المدني المستقلة. والمادة 26 التي تكفل حق تكوين الجمعيات لم تضمن صراحة هذا الحق والمطلب الأساسي، ولو كانت المادة 26 تتضمن هذا الحق لكان صدور مرسوم ملكي عام 1952 بإلغاء وقفل الأحزاب السياسية، التي ناضلت طيلة عقد الأربعينيات من القرن الماضي من أجل استقلال ليبيا، غير دستوري! كما أن الدستوركان يعطي شخص الملك سلطات تنفيذية وتشريعية واسعة إلى جانب اختيار أعضاء المحكمة العليا، لأن نظام الحكم كان نظاما ملكيا مطلقا، وليس ملكيا دستوريا يكون فيه الملك مجرد رمز (وحكم لا حاكم!) والمهم هنا هو المبدأ والقيمة الديمقراطية وليس التبرير المتكرر من أن الملك إدريس كان رجلا ورعا تقيا غير متسلط في ممارسته للحكم المطلق، لأن المبدأ هو الذي يبقى وشخص الملك يتغير!.

وما جدوى تباكي البعض اليوم على أطلال العهد الملكي ونظامه الشرعي الزاهي الذي لن يعود، وهل المطلوب أن نعيش في الماضي؟! أم نتصدي لتحديات الحاضر، ونعد العدة للمستقبل. الحاضر والمستقبل الذي يتطلب أن تكون طموحاتنا وبر أماننا هو في نظام ديمقراطي مؤسسي حقيقي يمنع تكرار أخطاء الماضي التى أفرزت لنا ديكتاتورية بشعة. وهذا هو الدورالمتوقع من النخب الفكرية والسياسية الوطنية الأصيلة التي تكون دائما القدوة في الوقوف ضد الإستبداد والظلم والتمسك بقيم الحرية والعدل.

ولذلك فإن الموقف الوطني الواجب من المحاولات الحالية لفرض وتمرير دستور (فوقي) جديد من قبل النظام الحالي هو التصدي والمواجهة لهذه المحاولات، لأنها غير مبنية على آلية صحيحة تتمثل في أن يضع مسودة هذا الدستور هيئة منتخبة من قبل الشعب الليبي، ثم بعد ذلك تعرض هذه المسودة للتمحيص والنقاش العلني الواسع حتى يتم اقتراح أية تعديلات عليها، وتعرض في شكلها النهائي على الشعب من أجل إقرارها أو رفضها عن طريق الإستفتاء السري الحر الشفاف.

وعندما نتحدث عن دستور جديد لليبيا، لابد أن نتحرركذلك من كل الأطر والقوالب الفكرية التى فرضت علينا قسرا خلال الأربعة عقود الماضية. فلا قداسة سياسية ولا خطوط حمراء لأي فكر أو اجتهاد بشري، ولا قبول بأي شخص أن يكون خطا أحمرا (لا يسئل عن ما يفعل!) والمواطنون يسئلون، أو يكون فوق النقد، سواء حكمنا بالديمقراطية المباشرة، أو حتى بعدل ابن الخطاب! ولا شرعية إلا لما يقره الشعب الليبي بإرادته الحرة. لقد جربنا النظام الجماهيري ولم ينجح بعد 30 سنة من التجربة، ولذلك فلن ينجح حتى بعد 300 سنة، لأنه فرض بالقوة من أعلى! تم لماذا لا يكون القصورفي الفكر نفسه؟! وليس بالضرورة في عدم قدرة الجماهيرعلى إستيعابه! كما يدعي أصحابه.

من حقنا كليبيين يستشرفون المستقبل أن نستفيد من تجارب تحول ديمقراطي حقيقي عديدة في العالم، ومنها تحولات نوعية رائعة على مستوى مضمون الدساتير وتطبيقاتها. وكل هذه التجارب تؤكد على ترسيخ مبدأ التعددية والتداول السلمي للسلطة، وعلى ضرورة تحديد مدة تولي الحاكم بسقف زمني. ومن هذه التجارب الحديثة ما أقره الشعب الموريتاني في دستوره الأخير هذا العام من مواد عرفت بمواد التداول على السلطة، حيث جاء في المادة 29 قسم يقسمه ويلتزم فيه الرئيس المنتخب بعدم السعي لمراجعة أو تعديل فترة حكمه التي هي فترتين فقط مدة كل فترة خمس سنوات، واعتبرت المادة 99 من الدستورأن المواد المتعلقة بفترة حكم الرئيس من المبادئ التي لا يجوز المساس بها أو تعديلها أبدا.

إن تحديد فترة حكم الحاكم، المنتخب من الشعب وخاضعا لمراقبته ومحاسبته، بفترتين فقط غير قابلة للتعديل أو التغيير دستوريا، تعتبر من الضمانات المهمة التي تحتاج لها اليوم الشعوب العربية عامة، والشعب الليبي خاصة بعد أن اكتوينا بنار الفردية المطلقة، والحكم الأبدي القاتل الذي حطم البلاد والعباد، وشل قدرة الليبيين على التجديد والتنمية وعلى رأسها التنمية السياسية.

إنني أدعو كل الليبيين الغيورين على وطنهم إلى إعطاء متطلبات التحول الديمقراطي في ليبيا، وعلى رأسها مطلب الدستور، والإنتقال إلى شرعية دستورية حقيقية، الأولوية في الاهتمام والبحث والحوار من أجل بلورة رأي عام وتوافق وطني حولها. خاصة وأننا على مفترق طرق، ولحظة تاريخية في مسيرة بلادنا قد يؤدي التقاعس والتفريط فيها إلى الدخول في نفق آخر مظلم من الاستبداد المتجدد! وعندها لن ينفع اللوم والندم بعد أن نكون قد جنينا على أنفسنا وعلى أجيالنا اللاحقة.

جمعة القماطي
gelgamaty@hotmail.com
7 سبتمبر2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home