Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)
الكاتب الليبي ابراهيم قراده (ادرار نفوسه)


ابراهيم قـراده

الأحد 30 نوفمبر 2008

اتقوا الله في عـباد الله يا دعـاة شرع الله

ادرار نفوسه

الكرامة عند الله مشروطة بالتقوى والعدالة، والخيرية مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالسعي لتغييره فعلا أو قولا أو تضرعا، حسب الظرف والاستطاعة، ولا يوجد من ضمن درجات السعي التغييري المداهنة أو حتى الصمت الذاتي عن المنكر، إلا من اضطر غير باغي. ما يحدث في وطننا ليبيا من ظلم باغي وفساد فاضح ومنكر بواح، وما يُرتب له لتوريث دولة الظلم وإطالة أمد حكم الفساد هو منكر أقبح، لكن بعض التيار الإسلام السياسي الليبي، اصطف تدريجيا، في خندق التصالح ومصالحة النظام بدعوى الدفع بالحراك الإصلاحي الداخلي لتطوير مسلك وسلوك نظام القذافي، بمبررات أهمهما صعوبة التغيير وتجنيب الوطن مخاطر التصارع الداخلي والتدخل الخارجي. تلك المبررات قد تجد بعض القبول عند المحاججة النظرية، ولكنها تتساقط وبل تتهاوى أمام حقيقة عدم قابلية وقدرة نظام القذافي على التغير والانصلاح، لطبيعة شخوصه الأنانية المتشبثة وخوفه على هيكلية بنائه الهشة المتكلسة، وأمام واقعية عدم حدوث أي إصلاح حقيقي ملموس منذ ظهور النبرة التصالحية من سنوات خلت، وتواصل ترصيف وتسهيل المسارات للسيطرة الأجنبية على ليبيا ومقدراتها، مع بروز مهددات السلم الأهلي.

التعويل والترويج بأن إتاحة مساحات للحراك الداخلي ستتطور إلى ديناميكية متحركة ومتصاعدة نحو إحقاق التغيير المنشود نحو ليبيا ديمقراطية دستورية، هو نوع من التمني الساذج الذي ينتظر خيرا من نظام عقم عن الخير وجبل على الشر، نظام لا يستطيع إلا أن يكون سيئاً، بإصراره المستميت على الاستمرار في احتكار "السلطة والثروة والسلاح" في يده دون سواه. وسيفني هؤلاء المتمنيين عمرهم منتظرين، ليتسألوا ويسئلوا يوما بأي منطق وداعي كان وصفهم لاستمرار الديكتاتورية بأنه نوع من الإصلاح.

لا يمكن ترجمة وتجيير بعض التعديلات الشكلية، بأي قراءة من القراءات، بأنها خطوات إصلاحية، لأنها لم تمس جوهر ومسببات الإشكالية ومنتجاتها، بل تعاملت مع أعراضها ومظاهرها. وكمثال، فإطلاق سراح مساجين سياسيين، بعد سجنهم لسنوات عدة، مع بقاء مسببات سجن الناس في محلها، ليس إصلاح ولا يمكن تسميته انفراج حتى تجاوزا، بالرغم ما فيه من تفريج عن كربات وتخفيف من عذابات. بل أن النظام يتوجه إلى تقنيين مسببات السجن، ليكون سجن الناس تحت وفي إطار القانون، بعدما كان خارجه، عبر سن قوانين تشرعن الديكتاتورية وتجرم مناهضاتها. فصياغة وتفعيل قوانين الاعتقال والسجن لا يحيل ولا يجعل من السجن السياسي عادلا أو مبررا ولا مقبولا. طابور السجناء السياسيين لن يقل، لا اليوم ولا غدا، طالما بقت الديكتاتورية متسلطة وفاسدة، بشرعية القانون أو بشرعية "العنف الثوري" أو بشرعية "الخط الأحمر".

قد يجد المتصالحون ما يكفي من الحجج لتسويق خيارتهم لتهدئة نفوسهم ولإقناع أتباعهم، ولكنهم ـ إن لم يكابرواـ سيجدوا أن حججهم تقصر ومبرراتهم تعجز عن تفسير سكوتهم وتعاميهم عن مسلسل التوريث الجاري والمتسارع، والمتمثل قي إعداد وتجهيز وتوضيب وتلميع "سيف الإسلام" لخلافة أبيه، حيا أو ميتا. حيث بدأت بالفعل أجهزة النظام في حشد الأحداث واليافعين وتسييرهم في مسيرات بيعة تنادي بسيف القذافي قائدا لليبيا الغد، وكذلك شرع الإعلام الرسمي في بث أناشيد وأغاني تتغزل وتتغنى بمناقب الديكتاتور القادم. سكوت أطراف من المعارضة المهجرية، مع ما تتمتع به من حرية في التعبير، خطير وخطير ومحير لأنه يعطي إشارات مغلوطة للشعب المرهون، بحقنه للرأي العام في الداخل بجرعات يأس مخدرة ومسمومة، ولأنه يعطي رسائل خاطئة للمؤثرين الدوليين في الشأن الليبي.

"سيف الأوهام" أو "المهندس سيف الإسلام" حسب ما يحبذ بعض المتصالحين، هو في نظر الكثير منهم مهندس وضمانة الإصلاح في ليبيا، متناسين جسامة وخطورة لعبة التوريث، وعواقبها الوخيمة على الوطن وأهله الحاضرين والقادمين، ومتعامين عن تاريخه السلوكي المنبهر بالغرب الليبرالي واللاهث وراء الابتسامات الشقراء، سواء كانت صادرة عن سماسرة النفط الخبثاء أو فتيات الليل الماكرات. إن ما يقوم به سيف الأوهام باختصار هو الدفع شراءً وبيعا. شراءً، عند شرائه سندات أمان والده وضمانات للنظام وتعهدات بمساندة الاستخلاف. وبيعا، بتوقيعه صكوك تسليم ليبيا وثرواتها للشركات المتعددة الجنسيات، ورهن مستقبل أجيال الوطن لدى حفنة كل ما يهمها هو حجم ما تنهبه. بالطبع، هذه الشركات تحتاج لمساحات تحرك وتكييفات قانونية لتشتغل في ليبيا. وبالتالي فالمساحات المتسعة والتطلييفات القانونية ليس هدفها التفريج وتخفيف الضغط عن الشعب الليبي. واسألوا غلابة المصريين الذين زادوا وازدادوا بعد الانفتاح، عن ما جنوه من حصرم الانفتاح، سوى المزيد من العوز والحرمان، والكثير من الذل والهوان، وبعض من الصحف الصفراء والمنابر الجوفاء.

تصادم القذافي الابن، بدعم من والده، مع ما تبقى من أطلال من اللجان الثورية، ليس هدفه ولا نيته الاعتذار عن ماضيهم المشين، بل لتنظيف وترتيب المسرح السياسي لعملية التوريث، فلكل دولة رجالها. لا مجادلة في ضخامة السجل الدموي المقيت والفاسد للجان الثورية، ولا جدال في مسئولية أساطينها، وعلى رأسهم قائدهم معمر القذافي، ولكنه ليس من دور أو وظيفة المعارضة، في هذه المرحلة، الاصطفاف في جانب سيف الأوهام في مصارعته مع اللجان الثورية، لأنهما عملة قذافية واحدة. ولندع الفخار يكسر بعضه. لأن دور ووظيفة المعارضة الأساسية، كما في الحالة الليبية، تنطلق أولا ودائما من رفض عدم شرعية وجور وفساد النظام الحاكم، ومن ثم النضال لتغيير واقع الظلم والفساد، فالعمل والمشاركة على إقامة بديل ديمقراطي عادل ودستوري.

كما انه من المهم معرفة أن إجراءات التوريث لا ولن تعني تغيير طبيعة نظام الحكم الاستبدادية، ولا أسس ودعامات استمرارها والمتمثلة في قبيلة القذاذفة وشراذم حلفائها، والكتائب والأجهزة الأمنية، وزمرة التكنوقراط والبتروقراط، والتشكيلة الهلامية من المرتزقة المنخرطين في المنظمات الشبه الرسمية المتكاثرة، والتي تبدأ من اللجان الثورية وملتقى الرفاق وأبنائهم، ولا تنتهي عند روابط مواليد 1969 ومنظمات الشباب وجرائد الزحف الأخضر وقورينا. فما يحدث هو عملية تقصير رقاب وحلاقة شوارب وتهذيب حواجب وقص أظافر عتاة اللجان الثورية وأصحاب النفوذ في مراكز القوى ليرضخوا ويطبلوا للتوريث، وإلا فسيتم تلبيسهم جرائم النظام حال تلكؤهم أو تأخرهم. وهنا، فمن المهم أن لا تقع أطراف في المعارضة في فخ الالتقاء مع سيف الأوهام ومساندته في محاربته لأساطين اللجان الثورية تشفيا، وغفلة عن خطر سيف الأوهام الحقيقي المحدق. وهذا لا يعني بأي حال أو تفسير التغاضي عن تجاوزات وجرائم اللجان الثورية، ولا عن ضرورة ملاحقتها ومحاسبتها ومحاكمتها بقانون وفي محاكم. فالمقصود، أن لا يتم جر المعارضة، ومعها أنصارها، إلى معركة آجلة بدلا عن المعركة العاجلة. وفي ثورة السادات التصحيحية دروس وعبر، عند تغذيه بالناصريين أولا ليتعشى بالإسلاميين لاحقا، لتكون كل المعارضة باركة في عهد مبارك.

قد يكون لتداعيات حدث الحادي عشر من سبتمبر 2001، دور في دفع البعض في تيار الإسلام السياسي الليبي للقبول بمصالحة النظام تجنبا أو تقليلا من اثر تلاقي مطرقة " محاربة الإرهاب" الغربية مع سندان "تصفية المعارضة" الحكومي، وكلاهما يصنفان بعض الإسلام السياسي الليبي في خانة الإرهاب. ولكن ذلك لا يسوغ الارتماء ولا التمادي في التقية الاحتمائية ولا التطرف في الذرائعية البراغماتية. وحتى إذا كانت اللعبة ميكيافلية انتهازية وماكرة، تفرضها دواعي فكرية أو تنظيمية وتستوجبها ظروف وتكتيكات مرحلية، فأنها يجب أن تتوقف عن التقوقع الضيق لتناقضها مع مصلحة الوطن، بعد أن استنفذت أو فشلت في غرضها. لان ما نشاهده الآن هو تضخم كرة الأشواك والقش والغبار المتدحرجة في سهول وجبال وصحراء ليبيا، والتي ستدهسها وتضمها حتما كرة الجليد السيفية المتدحرجة بسرعة من صقيع الشمال. والأشواك مؤلمة والقش مع الغبار تلوث، أما الجليد فقارص ويذوب، وباقي المشهد مستنقع موحل وموجع.

مما يزيد من صعوبة فهم منطق قادة المتصالحين، وجلهم من أهل العلم والدراية، ومن ذوي الإطلاع والخبرة، ومن أصحاب التاريخ والنضال، هو إصرارهم على سير في طريق التغافل، ناهيك عن عدم المجاهرة بمعارضة عملية التوريث الجارية. فهل مرد ذلك التوجس من الملاحقة أو التضييق الأمني عليهم في دول الإقامة الغربية، أم هو بسبب إكراهات وإملاءات خارجية، أم هو نتيجة مراجعات فكرية أو مناورات تكتيكية، أم هو تغليب للمصالح الضيقة القريبة على العامة وتسبيق للأجندة التنظيمية على الوطنية، أم هو نكاية وضيقا بالمعارضة التغييرية الأكثر تلونا فكريا، أم هو الاستعجال فالتورط وصعوبة التراجع، أم هو الانتقام من اللجان الثورية لمشاركتهم سيف القذافي في معاداتها، أم هو انه ليس في الإمكان أبدع مما كان وأن لا أحسن من المتوفر، أم هو الأمل والتمني أو الإحباط واليأس، أم ماذا؟

إذا كان القذافي الأب ولجانه الثورية أرهقوا الليبيين بالظلم والعدوان وأذاقوا أحرار ليبيا الويل والعذاب، ومنهم أتباع التيار الإسلامي، فأنه من المؤكد أن سيف القذافي سيسير على نفس المنهج والخط. وهذا ليس رجما بالغيب، ولكنه من طبيعة أي ديكتاتورية في تعاملها مع أي رأي مخالف مهما كان. سيف القذافي لن يكون أحسن من أبيه، إلا كما كان السادات وحسني مبارك أفضل من عبد الناصر، وكما كان بشار مستأسد بعد أبيه. فالديكتاتورية بظلمها وفسادها وارتهانها للخارج متواصلة، والشعب في فقره وحرمانه وقهره مستمر. ربما بطرق أكثر تنوعا. وهناك من يقول في التنوع بركة، وفي تغيير السروج راحة حتى وإن كان مركوب عليه يترنح أنينا!

فاتقوا الله في الشعب الليبي يا دعاة شرع الله، يا من تقرأون فاتحة الكتاب سبعة عشر مرة على الأقل في اليوم، جهرا وسرا، فالخواجة سيف القذافي مستقوي بالعم سام ومستر جورج ومسيو ميشيل، وليس بالاخ المواطن. فالأخ المواطن الليبي مخير إجبارا بين القبول بالتوريث أو الإسكات، سجنا أو تهجيرا أو تجويعا. مخير إجبارا بين ذل إقطاعية الاشتراكية الجماهيرية وهوان إقطاعية الرأسمالية الجماهيرية. فيا دعاة شرع الله "اتقوا الله وقولوا قولا سديداً"، "إن أكرمكم عند الله اتقاكم"، ولنجتمع على كلمة سواء باختيار.

وفي بيتين من شعر معروف الرصافي خاتمة*:
أو قيل : إن بلادكم يا قوم سوف تورّثُ
فتحمّدوا وتشكّروا وترنحوا وترنموا

ادرار نفوسه
Igrada@yahoo.co.uk
29 نوفبمر 2008
________________________________________________

* بتصرف، استبدلت " تقسمُ" بـ "تورثوا" في البيت الأول.
• مرفق أدناه قصيدة معروف الرصافي(1875 ـ 1945)، لما فيها من سخرية محرضة، وحكمة جميلة، تناسب الموقف
يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم ُ
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النّوّم ُ
وتأخروا عن كل ما يقضي بأن تتقدموا
ودعوا التفهم جانبا فالخير ألا تفهموا
وتثبتوا فى جهلكم فالشر أن تتعلموا
أما السياسة فاتركوا أبدا وإلا تندموا
إن السياسة سرها لو تعلمون مطلسم ُ
وإذا افضتم في المباح من الحديث فجمجموا
والعدل لا تتوسموا والظلم لا تتجهموا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكرم ُ
فليمس لا سمع له ولا بصر لديه ولا فم ُ
لا يستحق كرامة إلا الأصم الأبكم ُ
ودعوا السعادة إنما هي في الحياة توهم ُ
فالعيش وهو منعم كالعيش وهو مذمم ُ
فارضوا بحكم الدهر مهما كان فيه تحكم
وإذا ُظلمتم فاضحكوا طربا ولا تتظلموا
وإذا ُأهنتم فاشكروا وإذا لُطمتم فابسموا
إن قيل: هذا شهدكم مر فقولوا علقم ُ
أو قيل: إن نهاركم ليل فقولوا مظلم ُ
إن قيل:إن ثمادكم سيل فقولوا مفعم ُ
أو قيل: إن بلادكم يا قوم سوف تقسم ُ
فتحمّدوا وتشكّروا وترنحوا وترنموا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home