Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)


Ibrahim Grada

الاربعاء 26 مايو 2010

في ذكرى رحيل شعلة النضال فتحي الجهمي :
الحاجة إلى "محمد البرادعي" ليبي

ادرار نفوسه

أنظمة الحكم تختلف تصنيفا متراوحة بين الحرة الديمقراطية إلى الاستبدادية الديكتاتورية، والديكتاتوريات تتشابه وتشترك في عموم صفاتها وأساليبها وأضرارها ومآلها، وإن اختلفت في جزئياتها وتفاصيلها وتنوعت في أشكالها ومسمياتها. والحالة الديكتاتورية في ليبيا، وهي تقترب من طي سنتها الواحد وأربعين، تتفرد إضافة إلى شراستها ودمويتها وفسادها وفشلها، بالتخلف والفوضى والتهريج، مما جعل اوضاع الوطن مزرية ومهينة وأحوال الأهل مأساوية وكارثية، ومثيرة للألم البليغ والحزن العظيم والغضب المتعاظم، وبل لعذاب السخرية القاتمة والمريرة، نتيجة تواصل مهزلة حكم معتوه نزق ومختل أحمق ومحتال نصاب ومجرم سفاح ومخرب فاسد كل هذه السنيين، رغم تراكم الضحايا وجسامة التضحيات على طول درب الفداء التحرري وطريق النضال الوطني.

تجارب الشعوب في ثورتها من اجل الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، وفي كفاحها ضد جور الديكتاتوريات المستبدة وفي نضالها للخلاص من عسف الطغم الظالمة ثرية وعظيمة، دونها التاريخ وتناقلت الشعوب دروسها ونماذجها، نجاحا أو إخفاقا، مستلهمة ومعتبرة ومستفيدة.

لقد طرق وجرب الأحرار الليبيون طرق عدة ووسائل عديدة للتخلص من لعنة الفاشية القذافية، من نشاط التنظيمات السرية والتحريض الشعبي إلى محاولات الكفاح المسلح والتغيير بالقوة، ولكن وللأسف نجا النظام. لم تيئس كل قوى المعارضة الوطنية، ولكن جزء منها، تصالح قبولا بالديكتاتورية بدعوى التخفيف على الشعب، ومبرر تقلص وسائل التغيير لعوامل يحددونها بمعطيات توازنات ومصالح السياسة الدولية، وسطوة قبضة النظام الأمنية، وضعف حجم ووعي المجتمع المدني المحلي، وتفكك قيادة المعارضة الوطنية الخارجية.

إلا أن كتلة المعارضة الوطنية الرئيسة، والمصنفة بالتغييرية، التقت على أن تلك العوامل والظروف لا تبيح التصالح مع الديكتاتورية، لدواعي أخلاقية مبدئية رافضة للباطل والشر والظلم ومنحازة للحق والخير والعدالة، ولأسباب موضوعية تاريخية في انعدام المؤلفة بين الديكتاتورية والصلاح، ولالتزامات وطنية بمناصرة تضرعات المظلومين ومساندة جهود حراك التغيير الداخلي. وتوافقت المعارضة التغييرية على الشرطية المرحلية بوجوب تنحي الديكتاتور القذافي ورفض التوريث كخطوة أساسية لإقامة دولة دستورية ديمقراطية تعددية سياسيا وثقافيا، مع منح أسلوب العصيان المدني والثورة الشعبية أهمية وأسبقية كوسيلة للتغيير المستهدف والمرتقب.

الثورات التاريخية العظمى وموجات العصيان المدني الهادرة وحركات التغيير الشعبي الكاسحة قدمت وتقدم الدليل تلو الدليل وتوفر البرهان اثر البرهان وتدعم بالحجة بعد الحجة بأن الشعوب المغلوبة هي العامل الحاسم، في التوقيت الغير متوقع وفي الظرف الغير محسوب، في كسب جولة المقارعة الأخيرة بدفن الديكتاتوريات، والأمثلة كثيرة، قديما وحديثا، شرقا وغربا.

بعد هذا التمهيد النظري الطويل، يأتي التساؤل العملي عن ترابط المقدمة مع العنوان. المعارضة الوطنية الليبية ـ كما هو معروف ـ قدمت نماذج ورموز في كل أشكال النضال التحرري تقريبا. فكان الشهيد عمر المحيشي رمز لأشهر واخطر قائد محاولة تغيير عسكرية، والشهيد احمد احوس كرمز وقائد لأشهر واخطر محاولة استهداف مسلحة، والمغيب (الشهيد احتسابا؟!) منصور الكيخيا كرمز لأشهر واخطر داعية حقوق الإنسان، والمغيب (الشهيد احتسابا؟!) د. عمر النامي كرمز لأشهر واخطر مثقف معارض، والشهيد محمد البشتي كرمز لأشهر واخطر رجل دين معارض، وشهيد الواجب الوطني عبد الحميد البكوش كرمز لأحد اشهر واخطر سياسي معارض. هؤلاء أمثلة فقط لنماذج مشعة في الدرب الساطع لملحمة النضال الوطني المنيرة.

أما الشهيد صبراً، شعلة النضال فتحي الجهمي، وإن كان أخر الشهداء المعلنين، فهو رمز لمرحلة وأسلوب نضال أدبي سلمي ، رافض بثبات راسخ للديكتاتورية وداعي باصرار صامد للديمقراطية، مقدما مثالا يحتذي به للمناضلين في الداخل والخارج. فكانت محنة المناضل عبد الرزاق المنصوري، ومحنة المناضل إدريس بوفائد ورفاقه، ومحاولات المناضل جمال الحاجي الذي مازال منتصبا مكافحا ورافعا لراية النضال السلمي الداخلي. هذا النموذج الليبي النضالي المميز نوعا والسباق زمنا والغالي ثمنا، والمنتشر تأثيرا واقتباسا، رغم التعتيم المجحف والتنكر المغرض، في حاجة للمواصلة والتطوير.

الجدير بالوقوف في التجربة الليبية هو تلاحم المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية المهجرية مع نضال مناضلي الحراك السياسي الداخلي أثناء سجنهم واعتقالهم، إلا أن الملاحظ في تلك المساندة إهمالها النسبي لموضوع النضال وقضيته بالتركيز على مسألة إطلاق سراح المناضلين. فمسألة النضال، موضوعا وفاعلين، مسألة متلاصقة.

شدة قسوة الديكتاتورية القذافية لا تقارن بالحالة المصرية الأكثر انفتاحا، مع اتفاق المعارضتين الليبية والمصرية في مقاومة جهود النظامين لتمرير وفرض توريث الحكم للأبناء. بدأ الحراك المصري المنافس والرافض للرئيس حسني مبارك، متصاعدا ليملأ ويعوض تقلص دور وزيادة انتهازية الأحزاب التقليدية، فتأسست في الداخل المصري حركة "كفاية"، وحزب "الغد" ورئيسه أيمن نور، وحركة 6 ابريل العمالية. ليشهد هذا الحراك تطورا دراماتيكيا بانضمام د. محمد البرادعي.

انضمام البرادعي للحراك الداخلي في مصر، وتأسيسه للجمعية الوطنية للتغيير، كان مربكا ومعرقلا لمخططات النظام المصري سواء من جهة استغلاله الدستور ومؤسسات الدولة وتدجينها لخدمة مصالح وأغراض مبارك وعائلته وحزبه، أو من ناحية استمرار ترشح مبارك للرئاسة أو تمريرها توريثا لابنه جمال، وهي العملية التي جرى الإعداد والتمهيد لها طويلا.

الذي ميز حركة د. البرادعي عن باقي التحركات المهمة الأخرى، وجعلها أكثر أثرا وخطورة هو كاريزمية البرادعي وشخصيته المشهورة والمحترمة عالميا، الحائزة على جائزة نوبل للسلام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكفاءته العلمية والعملية، مما ضيق وبل منع السلطات المصرية وأجهزتها الأمنية من معاملاته كما تعامل كل مناوئ بالسجن أو التشهير أو التضييق أو كل ذلك، كما فعلت مع ايمن نور عندما رشح نفسه للرئاسة. وفي كل الأحوال، فكلا من البرادعي ونور ـ الآن ـ شخصيات عامة دولية، لا يستطيع النظام المصري تصفيتهما ماديا أو اعدامهما معنويا.

وربطا بتجربة الحراك الداخلي الوطني الحقيقي، الذي أرساه شعلة النضال فتحي الجهمي، فالحاجة ملحة والضرورة ماسة إلى "البرادعي" أو "نور" ليبي. قد تكون ظروف الحالة المصرية مختلفة، وربما اختلفت صفات الشخصيات المؤهلة والمرشحة وطنيا للقيام بتصعيد الحراك الداخلي الليبي الحقيقي نحو إنهاء ومنع الملكية الديكتاتورية القذافية وتدشين البديل الديمقراطي الدستوري المنشود، إلا أن للواجب أحكام كما لكل زمان رجال ونساء.

الشخصيات المرشحة وطنيا، يتطلب فيها أن تكون معروفة وحاضرة وطنيا، ويفضل دوليا أيضا. لان البروز المفاجئ مثير للتساؤل المشروع في ضوء تجارب قاسية واحتياطا من ألاعيب النظام القذرة واحتراسا من الانتهازيين المغامرين. وأن تحظى هذه الشخصيات بدرجة من القبول العام والمصداقية والنزاهة والكفاءة والمقدرة والقدرة على التأثير.

يمكن تصنيف المرشحين للقيام بدور "محمد البرادعي" ليبياً في ثلاث فئات. الفئة الأولى، وهي الفئة المنضوية في لواء المعارضة التغييرية، ومن الأسماء المرشحة كمثال فقط وليس حصرا أو غلقا للأبواب (أبجديا) : إبراهيم إغنيوه، إبراهيم صهد، إبريك السويسي، سالم قنان، عاشور بن خيال، علي الترهوني، غيث سيف النصر، فاضل المسعودي، فاطمة محمود، محمد السنوسي، محمد المقريف، محمد حميدة، محمود شمام، مفتاح لملوم، نوري الكيخيا، ويوسف المجريسي...

الفئة الثانية هي المحسوبة أو المنشقة على النظام، ومن الأسماء المرشحة كمثال فقط وليس حصرا أو غلقا للأبواب (أبجديا): إبراهيم الكوني، جاد الله عزوز الطلحي، عبد السلام جلود، عبد المنعم الهوني. التحفظات على هذه الشخصيات لا تلغي وزنها المؤثر ـ بدرجات ـ والإزعاج والزعزعة التي ستخلقها للنظام حال تصديها لقيادة حراك داخلي مطالب بالتغيير.

أما الفئة الثالثة، فمحسوبة على الإصلاحيين التصالحيين، ومنهم كأمثلة (أبجديا): علي الصلابي، علي بوزعكوك، ومحمد بويصير... وبالمثل فقد تبرز حجج بأن المذكورين هادنوا النظام، ولكن هذا لا يمنعهم من تصعيد خطابهم نحو الدعوة للتغيير، إن أرادوا!

الأسماء السابقة هي أمثلة فقط ـ ربما غابت عنها شخصيات ذات وزن بسبب قيود المثال أو سهو النسيان، فمحور القصد هو الحاجة إلى حراك جماهيري من الداخل، حراك شعاره التغيير، حراك يرفض الديكتاتورية، حراك يبشر بالبديل الديمقراطي الحقيقي، حراك يطالب بالعودة للشعب، حراك ينطلق من الشارع، حراك يقوده رسل أمل، حراك وقوده فدائيو سلام.

محمد البرادعي ـ وهو من هو ـ كان محبا لبلده وفيا لشعبه، لم يرضى بالتقاعد المريح المتوفر ولم تستهويه الشهرة والنجاح والنعيم المحقق، بل ترك راحة المهجر المرفه ومتعة الختام الحسن، فنزل لساحة النضال ليكمل تقاعده الوظيفي بعمل جاد لإنقاذ وطنه وتخليص أهله. فما أحوجنا، الآن، إلى مثيله في ليبيا، فالليبيون ينتظرون قادة ليلتفوا حولهم، والقادة يصنعهم الأيمان والريادة والإقدام والتضحية.

كلنا، نعلم أن النظام يجاهد مستميتا لمنع ووأد أي بادرة لتكون قيادات محلية نزيهة وصادقة ومستقلة عنه، وبالتالي فالدعوة عاجلة ومفتوحة وملحة إلى قيادي ليبي أو مجموعة قياديين ينزلون للميدان داخل ليبيا. واني مجيب فملتحق وملتحم!

ادرار نفوسه
Igrada@yahoo.co.uk
25 مايو 2010



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home