Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)


Ibrahim Grada

Friday,24 March, 2006

ملكية أو جمهورية إلا أن تكون قذافية

ادرار نفوسه

تصاعد في الآونة الأخيرة حديث حول أهمية وجود رمز للمعارضة الليبية، وتوجه الحديث حول تنصيب السيد محمد حسن رضا السنوسي رمزا من أولئك المنادين بأهمية وجود الرمز. والسند الذي يقدمه أولئك أن السيد محمد هو ابن ولي عهد المملكة الليبية، الراحل الأمير حسن رضا السنوسي، وان والده الأمير أوصى بأمارته قبل رحيله، رحمة الله عليه.

المقام وهدف المقال ليس البحث في وجود الوصية أو شرعيتها أو فاعليتها، بالنظر إلى توقيع ولي العهد الراحل، مرغما، على التنازل عن المطالبة بالعرش، من قبل نظام سبتمبر الانقلابي، الغير شرعي. إضافة إلى حقيقة أن الملك الراحل إدريس السنوسي، المتوفى سنة 1983ـ أي بعد 14 سنة من الانقلاب ـ لم يصدر عنه صراحة ومباشرة أية مطالبة ـ حسب علمي ـ بعودة العرش السنوسي أو حتى المطالبة باعتباره رمزا للمعارضة الوطنية للنظام الانقلابي. وهو من هو من تاريخ تليد لا يكون تاريخ ليبيا الحديثة بدونه. وليس مجال البحث كذلك مناقشة طرق تكون وفرز القيادات ديمقراطيا أو شعبيا، ولا شروطها الذاتية (الكاريزمية) أو الموضوعية الواجب توفرها في الرمز السياسي والنضالي.

لا منصف يشكك في شرعية الاختيار الشعبي للنظام الملكي كشكل للدولة الليبية المستقلة الحديثة، وان وجدت أصوات معارضة لم تحز التأثير، نتيجة التوازنات الظرفية، الوطنية والدولية. كما أنه لا منصف يجادل في عدم شرعية انقلاب سبتمبر، رغم الزخم الشعبي التلقائي المؤيد للانقلاب في شهوره الأولى، والذي قد يفسر بتأثر الرأي العام الوطني بالمد القومي الشرقي، وخصوصا الناصري، ولكنه قد يقرأ كتعبير عن تبرم شعبي من النظام الملكي أكثر منه تأييدا للانقلابين.

عودة لحديث المطالبة بتنصيب السيد محمد السنوسي رمزا للمعارضة الوطنية المهجرية، والذي يمكن تجزئة محتواه إلى شطرين، شطر المطالبة برمز، وشطر المطالبة بعودة الملكية. بخصوص الرمز، علينا اولا التسليم بان المعارضة لديكتاتورية القذافي تتكون من قاعدة أساسية هي المعارضة الداخلية، ومن امتداد مهجري لها هو المعارضة في الخارج. ورغم الترويع والترهيب والتكميم تظل معارضة الشعب الداخلية هي الأساس والمرجع، مع اعتبار معارضة الخارج صوت منعكس وذراع مساند لها. والمقصود أن وجود رمز موحد للمعارضة الوطنية يتطلب مطالبة وإلحاح داخلي بذلك، وبالنظر لظروف الداخل يتعذر وبل يستحيل ذلك. وفي حال قيام معارضة الخارج ـ افتراضا بتنصيب رمز للمعارضة، فأنها بذلك تتجاوز دورها وحجمها ومهمتها.

معارضة الخارج، هي انعكاس لتيارات وتوجهات الشعب الفكرية والايديولوجية والفكرية والثقافية، وان وحدتها المطالبة بمستقبل أفضل للوطن بإصلاحه. فاليوم نرى بوضوح تكتل المعارضة في الخارج في تكتلين رئيسين، تكتل تغيير أو تنحية النظام، وتكتل تصليح أو تحسين النظام الحالي.

واقعيا، تكتل إصلاح النظام، وفي المدى المنظور، يقبل باستمرار النظام مقابل قيام النظام بتبني إصلاحات جزئية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تؤدي في حدها الأدنى إلى تحجيم تغول الحكم الشمولي المطلق، وبالتالي محاولة زيادة مساحة المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأطياف الشعبية، مما يؤدي إلى تخفيف المعاناة الشعبية، والذي سيدفع، حسب نظريتهم، في المديات الأبعد إلى التوالي التدريجي نحو التغيير المنشود. وهنا، فهذا التكتل الإصلاحي التصالحي المعارض يقايض قبوله باستمرار النظام بإجراء النظام لتحسينات. وهكذا، كتحصيل حاصل يخرج التيار الإصلاحي التصالحي من دائرة المطالبين بضرورة وجود رمز موحد للمعارضة.

التكتل الرئيسي الأخر في معارضة الخارج، هو تكتل أو تيار التنحي والتغيير، والذي يرى أن إصلاح البلاد وشأن الشعب يشترط وجوبا تغيير النظام، لانعدام توفر مستلزمات الإصلاح في النظام الحالي لطبيعته القمعية وجمود هياكله، ولتواصل تراكم جرائم النظام وتضيقاته ضد الشعب في كل المجالات: الحقوقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبانعقاد المؤتمر الوطني المعارضة الليبية، في لندن، يونيو 2005، وتأسس المؤتمر الوطني المعارضة الليبية تشكلت مظلة كبيرة تضم اغلب التيار التغييري، وتجمع تحتها العديد من تنظيمات ومستقلي المعارضة.

وبالمنطق، فإن المنادين بوجود رمز للمعارضة الوطنية، ينتمون إلى التيار التغييري، وهذا يعني أن الرمز المقصود والمستهدف يستثني من خطابه التيار التصالحي الإصلاحي، ويوجه حديثه تركيزا إلى التيار التغييري الإصلاحي.

الإشكالية أو المشكلة المتوقعة هنا، أن يؤدي هذا الحديث إلى انقسام عمودي في التيار التغييري، إلا إذا تنبه دعاته إلى طبيعة المؤتمر الوطني المعارضة الليبية التوافقية والقائمة على أساسيات مرحلية ثلاثة متتالية هي: تنحي النظام الحالي، فترة انتقالية لمدة سنة يعد خلالها دستور يستفتى الشعب عليه، وإقامة دولة دستورية ديمقراطية. وهنا يمكن للمنادين بتنصيب السيد محمد السنوسي رمز للمعارضة الانتظام والتأطر في تشكيل سياسي معلن الأهداف والمطالب والوسائل، والانضواء تحت مظلة المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية الجامعة للتيار التغييري. وهذا يعني أن يتقدم السيد محمد السنوسي ويقدم نفسه كقائد لتيار دعوة عودة الملكية، وهذا يتضمن تصديه وتحمله لتلك المسئولية بمستوى يناسب المطلب ويراعي الظرف الوطني ويحتسب كلمة الشعب العليا.

أما إذا أصر "الرمزيون" على وجوب قبول جميع وكل التيار التغييري، فأنهم في الواقع يشقون وحدة التيار التغييري، لأنهم لا يملكون ولا يحق لهم فرضه على غيرهم، لان أسلوب الفرض هو نوع سافر من العسف والإجبار المناقض للديمقراطية وبالتالي يعاكس الدعوة إلى تدشين الديمقراطية في ليبيا المنشودة، وهو لا يوافق سابقة الاتفاق الشعبي بقبول الملكية كنظام حكم لدولة الاستقلال، بل يكرر نظام الفرض القذافي، السعي للتوريث.

ويبقى أمام "الرمزيين" كذلك، الالتزام صراحة بان الشعب الليبي كله وفقط هو صاحب الحق في اختيار نوع وشكل نظام الحكم الذي يرتضيه، ملكي أم جمهوري، وذلك عبر استفتائه. وكقاعدة تاريخية لم يحدث ـ حسب علمي ـ أن عادت دولة جمهورية لنظامها الملكي، منذ الثورة الفرنسية، باستثناء الحالة الأسبانية الخاصة. كما حدث بانهيار الامبرطوريات والمالك العثمانية والروسية والمجرية التشيكية والألمانية والصينية والمصرية والإثيوبية والإيرانية بتحولها إلى جمهوريات نتيجة ثورات شعبية، أو انقلابات عسكرية أو هزائم عسكرية، مع بقاء بعض المالك مستمرة لحد الآن كما هو الحال في بريطانيا وشمال أوروبا واليابان والخليج العربي والأردن والمغرب وبعض دول شرق أسيا. مع ملاحظة تحول تلك الممالك إلى ملكيات دستورية ديمقراطية بدرجات، ما عدا ممالك العرب حيث يستمر الملك العضوض المستأثر بالسيادة على كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

للاستفادة والاستعبار، أمامنا جملة من تجارب دعاة عودة نظم ملكية بعد زوالها بحروب وانقلابات توجهوا فيها لشعوبهم بغية نيل الرضاء الشعبي استفتاءا، أخرهم المُطالب بالعرش العراقي "الشريف حسين بن علي"، والذي لم تنل مَطالب حركته "الملكية الدستورية العراقية" بعودة الملكية، موافقة الشعب العراقي حينما استفتى على دستوره الحالي، في 15 أكتوبر 2005، وقرروا بدل ذلك اعتماد النظام الجمهوري كشكل لنظام الحكم. ونفس الأمر حدث في أفغانستان عندما صوت الشعب الأفغاني لصالح النظام الجمهوري، ضد مساعي الملك الأفغاني، ظاهر شاه، المزاح من العرش بانقلاب 1973. من المهم الإشارة إلى دور ظاهر شاه الايجابي في صياغة الدستور الأفغاني بتوليه رئاسة المجلس القومي الأفغاني الكبير (لويا جيركا) الذي اقر الدستور الجديد للبلاد، في ديسمبر 2003، واحترامه لرغبة الشعب الأفغاني في نظام جمهوري. وبالمناسبة انقل قول ظاهر شاه في جلسة إقرار الدستور:"أشكر الله لأنني أشارك في احتفال هو خطوة إلى الأمام على طريق إعادة بناء أفغانستان بعد عقود من القتال."

كما أن تفتت جمهورية الاتحاد اليوغسلافي لم يؤدي إلى عودة الملكية إلى صربيا، التي اخترت النظام الجمهوري، وهو الأمر الذي تكرر في رومانيا وبلغاريا بعد سقوط نظامي الحكم الشمولي فيهما. والجدير بذكره انه رغم رفض البلغار لعودة النظام المكي في دستور 1991، إلا أن ملك بلغاريا السابق، سيمون الثاني، تزعم "حزب الحركة الوطنية"، ودخل انتخابات يونيو 2001، وفاز بها ليكون أول ملك سابق يستعيد السلطة السياسية لا كملك بل كرئيس للوزراء وعن طريق الانتخاب الحر.

إلا أن في التجربة الإيطالية عبرة مهمة تستوجب التوقف والتمعن، والمتمثلة في معاقبة الشعب الإيطالي للأسرة المالكة على مهادنتها حكم موسوليني الفاشستي، حين اقر فقرة تحظر على الملك وخلفه الذكور البقاء في البلاد، ضمن الدستور الذي صوت عليه الشعب الإيطالي بعد الحرب العالمية الثانية، سنة 1946، بإقامة نظام جمهوري بدلا عن النظام الملكي، وذلك رغم تنازل الملك عمانويل الثالث عن العرش لابنه اومبرتو، سنة 1944، أثر سقوط نظام موسوليني.

نعود للحالة الأسبانية، باعتبارها تاريخية ومثيرة ومليئة بالدروس، أهمها أن الملكية استعانت بالجيش لمواجهة المطالب الشعبية والعمالية، سنة 1917، ليتطور الأمر إلى ديكتاتورية عسكرية بقيادة الجنرال دي ريبيرا، سنة 1923، إلا أن استفتاء شعبيا في أوائل الثلاثينات اقر نظاما ديمقراطيا برلمانيا جمهوريا برئاسة مانويل اثانيا، ولكن الجنرالات المستعمرين المتواجدين في "الريف المغربي" رفضوا الإذعان لخيار الشعب، مما اغرق أسبانيا في حرب أهلية ضروس سنة 1936، فرض على أثرها، سنة 1939، الجنرال فرانكو حكما ديكتاتوريا عسكريا فاشيا دون أحزاب، مواليا لألمانيا الهتلرية النازية وايطاليا الموسولينية الفاشستية، دام أربعين عاما، عاشته أسبانيا في عزلة شبه كاملة عن العالم. وقد قام فرانكو بتنصيب الأمير خوان كارلوس ملكا شكليا على أسبانيا، وهو لم يتجاوز السادسة عشر من العمر، متجاوزا ومقدما إياه على والده "دون خوان" صاحب التسلسل في ولاية العرش.

وبعد موت الجنرال فرانكو، سنة 1975، انحاز الملك خوان كارلوس إلى الخيار الديمقراطي بتدشينه لمملكة ديمقراطية برلمانية، ودستورية باستفتاء شعبي سنة 1987. ولعل في وقفته الشجاعة ضد انقلاب 1981، ورفضه التعاون مع طلب قادة الانقلاب بالوقوف مع الجيش بقوله المشهور "على جثتي"، معلنا رفض مبادلة الشعب والديمقراطية بالعرش، ولو أدى ذلك إلى موته. فذهب العسكر وبقى الشعب وعاشت الديمقراطية.

وحتى لا يضحى حديث الرمزيين ومخالفيهم ضرب من الجدل المستهلك للوقت والمنهك للقدرات والمفتت للجهود، كالذي غرق فيه أهل بيزنطة وكهنتها، عندما كان السلطان العثماني محمد الفاتح يحاصرهم بجيوشه، حين كانوا منشغلين في جدل حول ماهية جنس الملائكة: هل هم ذكور أم إناث أم يجمعون الصفتين؟ فذهب موقفهم هذا مثلاً للجدل والهراء الذي في غير محله ولا وقته. فالعقل والتجربة تقول بضرورة احتشاد والتفاف التيار التغييري الإصلاحي حول الهدف المرحلي الأهم، والمتمثل في إنهاء الديكتاتورية القذافية أولا، وبعدها فلكل حادث حديث وحديث الشعب هو الأعلى ليختار نظام حكمه الدستوري الديمقراطي، ملكي أو جمهوري.

ادرار نفوسه
المهجر، 23 مارس 2006
igrada@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home