Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)


Ibrahim Grada

Saturday, 22 December, 2007

صفقات بصفعات

غـرّ أول جمهورية يراقص خَرِف أخر جماهيرية

بقلم : ادرار نفوسه

الصفعة بمليار يورو واليوم بمليارين، هذا هو الملخص الإحصائي لتوزيع الصفعات التي سددتها الكفوف الفرنسية للقذافي. فزيارة الديكتاتور القذافي لفرنسا تصلح أن تكون نموذجا دبلوماسيا ودرسا سياسيا في معاهد العلاقات الدولية وكواليس الخارجيات في طرق إهانة الرؤساء. حجم وتنوع الإهانات التي تعرض لها القذافي مؤخرا في فرنسا يستصعب على الافاهم هضمها، لان كيفية تقبل ورضى القذافي بها محيرة. ومما يزيد صعوبة الفهم أن القذافي منح ووقع عقود بمليارات الدولارات مع الفرنسيس، وانه صاحب تاريخ- حتى وقت قريب- في الفجاجة والجلافة والطز، والتي يبدو أن الأمريكان فد سلخوها منه بإتقان فريد!

القذافي وصف زيارته لفرنسا بالتاريخية. القذافي الذي يحلو له دائما المقارنة والقول أن ثورته- والأصح انقلابه- خلفت وتجاوزت الثورة الفرنسية وعصر الجمهوريات بتدشينها عصر الجماهيريات. هذا القذافي لم يجد خلال زيارته لمتاحف وقصور فرنسا، ومنها قصر فرساي، غير أن يقف طويلا وبإعجاب أمام عرش لويس الرابع عشر أعظم ملوك فرنسا، متهربا من رؤية مقصلة الثورة الفرنسية (الجيلوتين) التي اعدم بها لويس السادس عشر وزوجته ماري انطونيت، والذي بهما تدشنت الجهورية الفرنسية. ولا الوقت للسؤال عن المصير نفسه الذي لاقه ماكسمليان روبسبير ديكتاتور الثورة الفرنسية. القذافي فر من زيارة سجن الباستيل معقل الثورة الفرنسية لأن ذلك سيذكره حتما بسجن بو سليم. القذافي تجنب ذكر وزيارة مشاهد نابليون وديغول لان ذلك يصغره ولا يجعله يرى ذاته، رغم تضخمها وانتفاخها.

شعور الشماتة والتشفي سرى في العقل والروح للحظات، لترده مرارة علقمية مردها أن سلوكيات القذافي الذليلة تمرغ كرامة الوطن في التراب. التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن لحوداثه استحضارات، ومنها أن فرنسا اعتدت على الجزائر لان داي الجزائر حسين باشا نش قنصل فرنسا المتطاول بمروحة يد. فرنسا عدت ذلك إهانة لكرامتها، في حين أن تلقي القذافي لعديد الصفعات المتوالية خلال زيارته لفرنسا لم تجعل منه يقطع زيارته، ولا أن يطالب باعتذار أو حتى بتوضيح كما كان سيفعل أي شخص محترم، ليصر مخالفا كل ذوق على إكمال زياراته بجولات ورحلات.

أن ما تعرض له القذافي سيكون سنة في طريقة معاملته مستقبليا، لأنه استمرأ واستساغ نوعية هذه المعاملة المذلة، في حين انه يستأسد على أفراد شعبه العزل، كما حدث وطلب من السلطات الفرنسية منع وسجن ثلة من شجعان الوطن المتظاهرين الرافضين لديكتاتوريته والمنددين سجله الإجرامي.

الإهانات بدأت لحظة أن حطت قدمي القذافي ارض مطار باريس وتوالت ولم تتوقف. بدأت بإرسال الرئيس الفرنسي وزيرة داخليته لاستقبال للقذافي، بدلا عن وزير الهجرة والهوية الوطنية كما كان مقررا. استقبال رئيس دولة زائر من قبل وزير داخلية أو هجرة له رمزية ومغزى لا تغيب عن عاقل.

وزير الخارجية الفرنسي، برنار كوشنير، رأس الدبلوماسية الفرنسية، وصف القذافي بأنه منتهك محترف لحقوق الإنسان، وان أحاديث القذافي حول حقوق الإنسان مدعاة للرثاء، معتبرا الزيارة حدثا ثانويا، قائلا في مقالا: دعونا لا ننس شيئا، وعلى الأخص الضحايا الذين سأقف دوما إلى جانبهم، وانه من غير الوارد نسيان أي من عذاباتهم. كوشنير امتنع وتجنب بإصرار لقاء القذافي وشلقم، وتلكم بدعة سياسية خطيرة ومهينة. أمر كوشنير لم يتوقف عن الامتناع ليتجاوزه مصرحا بأنه ممتن بفرح لصدفة حضوره مؤتمرا أوربيا حتى لا يحضر مأدبة عشاء رسمية للقذافي في فرنسا، داهسا بذلك ما تقتضيه الضرورة البروتوكولية والأعراف الدبلوماسية، التي تحرص عليها فرنسا عادة. كوشنير عاد وصرح بسعادة بأنه لم يلتقي القذافي ولو لمرة واحدة، وبأنه "لم يكن مرتاحاً كثيراً خلال زيارة الزعيم الليبي معمر القذافي لفرنسا"، معتبراً "أنها كانت زيارة مبالغاً فيها".

أما وزيرة حقوق الإنسان الفرنسية رما ياد، ذات الأصول الأفريقية، فعلقت مستهجنة زيارة القذافي بأن "فرنسا ليست ممسحة أقدام يمكنه أن ينظف فيها دماء جرائمه، ويجب أن لا تتلقى فرنسا قبلة الموت هذه"، وتستمر ملقنة القذافي درسا في الكرامة حين قالت شارحة موقفها: "لا ينسحب المرء في عز المعركة".والأنكى أن الرئيس ساركوزي جدد ثقته بوزيرته مبررا موقفها.

عميد بلدية باريس برتران ديلانو بدوره أصدر بيانا جاء فيه: "منع المارة من عبور كل جسور العاصمة بسبب نزهة للزعيم الليبي، هو في حدود علمي سابقة ويمثل مفاجأة وعملا غير لائق للكثير من مستخدمي الجسور في مدينتنا." . فيما أعلن المدير العام لمتحف قصر فرساي بيار أريزولي كليمان عن عدم ارتياحه لزيارة القذافي للمتحف، وأنه سيتغيب عنها وأنه تم تعيين مسئول لاستقباله، وذلك بعد رفض مماثل من المكلف بالبروتوكول بالقصر من استقبال القذافي.

وحتى عندما برر ساركوزي استقباله للقذافي، قال: "إن القذافي أقدم حاكم في المنطقة"، غافلا بذلك، وبدراية أو بدونها، ما تتضمنه عبارته من نقد مبطن، إضافة لوصفه للقذافي بالحاكم وليس بالقائد أو الزعيم كما يشترط القذافي رسميا على مضيفه.

ولم تقتصر مصدر الصفعات على الجانب الرسمي فقط، حيث كان للمعارضة والمجتمع المدني نصيبهما. أهمها الصفعة المجلجلة بمنع القذافي من الحديث في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) بسبب رفض نواب اليسار لدعوته والاستماع لأحاديثه الممجوجة، معتبرين دخول القذافي إلى الجمعية الوطنية "إهانة للديمقراطية".

شدة وألم الصفعة لا يتأتى فقط من حرمانه من الحديث في البرلمان، وبل أن الصفعة كانت من ساسة يساريين رفضوه باعتباره دخيل ومدعي لليسارية. فقد وصف فرانسو هولاند رئيس الحزب الاشتراكي القذافي بأنه "ديكتاتور ضالع في الإرهاب"، متسائلا "عما يمكن أن يفعله" القذافي في الجمعية الوطنية التي تعتبر "مقر الجمهورية والمكان الذي صدر منه إعلان حقوق الإنسان". في حين قال الزعيم الاشتراكي أرنو مونبورج "هذه الزيارة تحولت إلى مهزلة من مهازل الكوميديا السوداء. إنها تسخر من فرنسا وتضعف صوت فرنسا وتشوه صورة رسالتها العالمية". أما النائب الاشتراكي موسكوفيسي فقد وصف زيارة القذافي للجمعية بـمجيء "ديكتاتور إلى هيكل الديموقراطية".

القذافي المهرج حرم من لغوه المحبوب حول الجمهورية والجماهيرية عند لقائه ببعض المثقفين الفرنسيس، حين قوبل بابتسامات ساخرة ومشفقة من هذيانه الساذج والممجوج حول الأديان والرسل، ليعجلوه بوريقة تبلغه عن انتهاء الوقت، وعن العجز على الصبر لهلوساته الخرقاء. القذافي وبجبن خارق، حرم الصحافيين من نصيبهم من الصفع المباشر برفضه التام لعقد مؤتمر صحفي كما هو متعارف عليه، إلا أنهم عوضوا هذا الحرمان بصفعات مكتوبة.

ضيف ثقيل لخمسة أيام، جعلت من صحيفة التايمز البريطانية تكتب: " نادرا ما فرح مضيف برحيل ضيفه كفرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اليوم بمغادرة القذافي للبلاد بعد زيارة دامت 5 أيام لكن بدت إلى الأبد". فيما صرح وزير الخارجية الفرنسي بأنه: "ربما كان علينا أن نختصر هذه الزيارة إلى زيارة عادية بحيث لا تستمر خمسة أيام ". في حين عبر أحد الوزراء الفرنسيين عن تذمرّه من إطالة مدة إقامة العقيد، قائلا: "إن بقاء القذافي خمسة أيام في فرنسا كثير جدا، وسنرتاح كثيرا عندما يغادرنا"، متسائلا عما إذا كان القذافي سيغادر فعلا باريس يوم غد السبت.ولكن هات من يحس، كما يقول الليبيون على عديمي الشعور وأصحاب القلوب الميتة.

قلب القذافي ميت وعليه سبع مراوح، كما يقول الليبيون أيضا. فرغم الضجيج الإعلامي والوعيد الرسمي الليبي المتشنج لخديعة ساركوزي للقذافي بشان الممرضات البلغاريات المدانات من القضاء الليبي، بعد صدور عفو رئاسي البلغاري عنهن بمجرد إطلاق سراحهم وتسفيرهم من ليبيا، في مخالفة لتعهد وضمانة ساركوزي السرابية بأنهن سيقضين العقوبة في بلغاريا. القذافي تناسى ذلك بالكامل، ولا حتى الحديث عن المأساة، بزيارته لفرنسا. بل أن الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان أفاد أمام البرلمان بأن ليبيا لم تحصل أي مقايضات للإفراج عن الممرضات. ليبقى أطفال بنغازي الضحايا وأسرهم في مهب رياح نرجسية القذافي المقلوبة، الذي لم يلتقيهم ولا مرة واحدة، حين حرص ساركوزي على لقاء وطمأنة والتضامن مع اسر ضحايا الطائرة الفرنسية التي إسقاطها نظام القذافي في صحراء النيجر 1989.

ما أريق من ماء وجه القذافي الجاف لا يساوي ذرة من قوت الليبيين المضاع بغير مبرر، كصفقة شراء 30 من طائرات رافال الحربية الفرنسية والتي لم تنجح فرنسا في تسويقها وبيعها لأي دولة أخرى سوى لنظام القذافي، الذي سوق الخبر كعادته بكذبة أن ليبيا هي أول دول غير الدولة المصنعة تحصل على هذه المقاتلات.

الكذب والانبطاح ليستا ببدعتين ولا جديدين على القذافي، إلا أن الفرنسيين كشفوه وفضحوه دون أي مجاملة أو تقدير لوضعه وموقفه عندما أصر الرئيس ساركوزي، وبتأكيد من أمين الرئاسة الفرنسي، بأنه تطرق للحديث مرتين ومطولا حول وضع حقوق الإنسان في ليبيا خلال محادثاته مع القذافي، مكذبين بذلك نفي ونكران القذافي لحدوث ذلك الحديث. والكذب مرذلة والمواجهة به صفعة كذلك!

فرصتان فقط حظي فيهما القذافي بالحفاوة. الأولى كانت عند حضوره حفلات توقيع عقود بقيمة 10 مليار يورو مع الشركات فرنسية. وهي الحجة الوحيدة التي وجدها الرئيس ساركوزي لتبرير زيارة القذافي، لأنها ستوفر الآلاف فرص الشغل للفرنسيين. فشتان بين رئيسين، احديهما مضعيا لمصالح شعبه والأخر سعيا لها. والفرصة الأخرى في لقائه مع كبار الرأسماليين، والمبرر هو الرابح ومص أموال الليبيين. وشتان بين الحفاوة والاحترام! ومبروك لزمرة الفساد من قذاذفة وثوريين وتكنوقراط نسبة 10 %، الرشوة المعلومة والمعتمدة جماهيريا.

القذافي أمضى جل وقته في فرنسا على الجوانب الترفيهية، والتي اشتملت على جولات تسوق، وتسكع في المقاهي، ولفات على المتاحف، وزيارات لقصور، ونزهات نهرية، ورحلات صيد، وحلقة تدريب خيول، لعلها تخفف من أثر الصفعات.

ازدواجية الموقف الرسمي الفرنسي قد تكون توزيعا فاقعا للأدوار. المعاملة الفرنسية الرسمية للأسرة القذافية تذكر بأساليب فرق تسد وأسلوب العصا والحلوى- وليس الجزرة، وهي تذكير بالمعاملة الاستعمارية السحيقة لسلاطين أفريقيا وشيوخ الجزيرة في غابر العصور. فالفرنسيون طرودا عائشة وهينبال، وفرشوا البساط الأحمر لسيف، ومنعوه عن القذافي الأب احتقارا، بعدما حرموه من لبس البدل العسكرية المارشالية إثر هزمهم له وتمريغهم لشرفه العسكري في تشاد. ولكنه القذافي العجيب تستميله البهارج عن الجواهر.

بعض المواقف الرسمية والسياسية الفرنسية المحترمة لا تلغي مرارة الشعب الليبي واستهجانه من استقبال فرنسا للديكتاتور الملطخ سجله بدماء الليبيين والفرنسيين. ليس فقط لان فرنسا هي بلد فلاسفة وأدباء التنوير والتحرير(موطن رسو وفولتير ومونتيسكو وهوغو وديدرو ولامارتين وبودلير ومولبير وسارتر)، وأنها هادية تمثال الحرية (Statue of Liberty) لأمريكا( 1886)، وأنها منشأ إعلان حقوق الإنسان والمواطن (1789)، وأنها بلد الثورة الفرنسية العريقة (1789) والتي كان شعارها "الحرية تقود البشر" وكانت مبادئها هي "الحرية والمساواة والإخاء"، بل لان العلاقات الليبية الفرنسية تاريخية تعود لأيام الدولة القرمانلية، وان فرنسا ساهمت في تخليص إقليم فزان الليبي من الإيطاليين وإدارته لحين الاستقلال.

فرنسا مبعث وحاضنة النظام الجمهوري الديمقراطي تتنازل عن كل ذلك وتستقبل الجلاد القذافي من اجل دولارات مسبوغة بدم الشعب الليبي البائس ومسروقة من قوت عياله. وللشعب الليبي ذاكرة.

ادرار نفوسه
Igrada@yahoo.co.uk
20/12/2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home