Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)


Ibrahim Grada

Monday, 21 May, 2007

القذافي رجعـي

بقلم : ادرار نفوسه

التقدمية هي نقيض الرجعية، والتي تعني فيما تعني استبدال وتغيير المنظومة الفكرية السائدة الجامدة وتكويناتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية بمنظومة وتكوينات تضع خير الإنسان ورفاهه وتطور حياته وتحسن معاشه في المركز، مقابل الرجعية التي تعطي الأولية والسيادة للمنظومة الفكرية القائمة وتطبيقاتها، حتى وإن ترتب عن ذلك عذاب الإنسان وبؤسه، وسندها وحجتها في ذلك الأعراف والتقاليد وبعض التفاسير الدينية.

ولهذا التصق مفهوم الرجعية بالجمود والتخلف والسلفية والمحافظة في حين ارتبطت التقدمية بالتغيير والثورة والتطور والاصلاح. تبنت التقدمية أفكار تهدف إلى التحرر والمساواة والعدالة الاجتماعية والتضامن في حين تشبثت الرجعية بدعاوى الاصالة والتراث والعراقة. ولهذا، وبالنظر لما تحمله لفظة الرجعية من محمول سلبي وقدحي، فان أصحاب الأفكار المحافظة أو الماضوية يرفضون بشكل قاطع (وذلك منطقي ومفهوم) صفة الرجعية، ويدعون في المقابل أنهم حارسي القيم الأصيلة والتقاليد النبيلة. وباختصار، فهي جدلية الزمن ضمن قواعد النسبية التي يصعب فيها ومعها وصم منظومة فكرية، بالمطلق، أنها رجعية صافية أو تقدمية نقية.

لا أعرف جيدا إن كانت هناك منطقة في المعمورة شهدت تجاذبات وصراعات واصطفافات حول المفهومين مثل ما شهدته منطقتنا( ربما سوى أمريكا اللاتينية)، حين تخندقت الايديولوجيات بأنظمتها وأحزابها وتياراتها إلى جناحين أحداهما يدعي التقدمية ويصف خصمه بالرجعية، والأخر يدعي الاصالة وينعت غريمه بالاغتراب. والآن، بعد خمس عقود متواصلة، فالمحصلة أن بعض الأنظمة الموسومة بالرجعية كانت أكثر تقدمية من بعض الأنظمة المصرة على جذرية تقدميتها. ومثال ليبيا القذافية أبرزها.

ولكني باليقين أعرف انه لم يوجد شخص كالقذافي صرخ ويصرخ بأنه التقدمي الأول ليس في المنطقة فحسب، بل في كل العالم وعبر كل التاريخ، بما فيه القادم. هذا الإطلاق لست أنا مصدره، بل هو القذافي نفسه، حين اعتبر ما ورد في كتابه الأخضر بأنه الحل النهائي لجميع مشاكل العالم، وانه نهاية المطاف في رحلة الشعوب نحو الانعتاق والخلاص. القذافي نصب نفسه قائدا أمميا- أي ما بعد العالمي- وختم فكره بأنه يسار اليسار، مصنفا وجعلا من كل التيارات الفكرية، بما فيها التقدمية اليسارية، في خانة الرجعية واليمين المتعفنين، حسب خزعبلات حكمته.

وبدون تضييع الكثير من الوقت- الأثمن من ترهات القذافي بكثير- فان جولة فاحصة على سلوكيات القذافي وممارساته كحاكم لليبيا قرابة الأربعة عقود تفصح بجلاء أن القذافي لا يعرف من التقدمية إلا ظلها الرجعي، أو أنه تلبس لبوس التقدمية لغايات رجعية. أنفضحت وفاحت!

عندما قاد القذافي انقلابه على النظام الملكي كانت دعوى الرجعية هي الحجة الجامعة لكل انتقاداته للنظام الملكي. فهو نظام سياسي رجعي يرأسه ملك رجعي ويحكمه ساسة رجعيين منتخبون بآلية فاسدة، وأنه نظام عميل وتابع للإمبريالية وللاستعمار، وأنه متخلف اقتصاديا وموصوم بالفساد والمحسوبية وسوء الإدارة والفشل الاقتصادي، وأنه نظام تعسفي وبالي يكبل الحريات ويقمع النقابات ويعيق تحرر المرأة، وأنه نظام طبقي قبلي مضاد للتحضر والعلم، وأن استمراره كان لبوليسيته.

وهكذا كانت شعارات الانقلاب تقدمية وبإفراط ورومانسية. فعلى الصعيد السياسي، كان الوعد بأن يكون كل الشعب سادة وحكام عبر نظام ديمقراطي حر ونزيه تكون السلطة فيه لكل الشعب. وعلى الصعيد الاقتصادي، فالثروة ستقسم عدلا على الشعب عبر المشاركة والتنمية. واعدا ومدعيا، بأنه لن تكون هناك قيود على الحريات السياسية والاجتماعية، حيث التعبير حر، وتتساوى المرأة مع الرجل، ويدير العمال مصنعهم والطلاب جامعاتهم عبر الإدارة الذاتية، وان الجيش والبوليس سيلغيان ليحل محلهما الشعب المسلح والأمن الشعب، عبر آليتي التناوب والتطوع، وانه بتعميم أسلوب حرق المراحل ثوريا وفكرة المؤتمرات واللجان الشعبية والاشتراكية الجماهيرية سيتم إذابة الطبقية سحقا واحتواء القبيلة وتجريدها من سطوة أشواكها.

قبل 38 عاما كان عندنا نظام موصوف بالرجعية لأنه نظام ملكية دستورية ومقيدة وبرلمانية بحكومة منتخبة، والصحافة فيه مستقلة، واقتصاده مختلط ومرشد (موجه وحر، عام وخاص) وبخطط تنمية علمية، ونظامه تعليمي مفتوح وراقي، وفيه النقابات حرة- مارست حق التجمع والإضراب، وأعطى المرأة حقوقها السياسية مبكرا (1963)، وجهاز الأمن فيه واضح ومقيد السلطات وتحت طائلة القانون والقضاء المستقل، وجيش بسيط وبدون استخبارات عسكرية. نظام بدون مشانق 7 ابريل، وبدون سجن بو سليم، نظام بدون قانون العقوبات الجماعية، وبدون "نصفيهم بالدم"!

والآن ومنذ 38 عاما، يحكمنا نظام يتغنى بالتقدمية ويسيره ديكتاتور فاشي بدون شرعية ولا دستور، استحوذ على كل السلطات بقانون "الشرعية الثورية"، مسلطا أبنائه وعشيرته وهراوات أزلامه الشرسين، ويستأثر بكل الثروة في إقطاعية المواطنين فيها أقنان، واحتكر فيها القوة والسلاح في كتائب مدججة لا يدخلها إلا ابن عم وخال أو منحل. والنقابات عنده مدجنة والمرأة سلعة وعرض، وما تبقى للشعب هو الاستماع إلى البيانات والأناشيد من الإذاعة "التقدمية" جداً. وذلك لقصور وعي الشعب عن مواكبة فهم فكر "القائد!"

والآن ومنذ 38 عاما، حق الوعد المخلف فكان أزيز الرصاص الغادر وآهات المعتقلات المظلمة وانين الثكلى المكظوم وصرير الأمعاء الخاوية وتوسلات الحرمان الذليلة وتضرعات الأمل الخاشعة، وكان نهيق الطاغي المتجبر وعواء "شاربين الدم" الناشز ونعيق "الثورة" المسعور ورنين الفساد المستكبر، وكانت زمجرة الانتفاضات الرافضة.

إن تقدمية القذافي أفرزت هراء رجعي يترفع حتى أئمة اليمن البائدين والموسومين بقمة (قاع) الرجعية عن التلفظ به، ما بالك بفعله. ومن أمثلة ذلك ذكراً لا حصرا:
- تحول مناداته من "الأخ معمر" إلى "سيدي القائد".
- ارتداء "القائد" للفساتين البراقة بدلا عن بدلة الكاكي، ونصبه للخيام الفاخرة في حله وترحله، وحتى في صقيع أوروبا،
- تهافت القذافي على لقاء الأجانب وخصوصا الشقر منهم، وإن دنت مراتبهم، واستعلائه وترافعه واحتجابه عن وزرائه، وأما الشعب المغضوب عليه فنصيبه الترشيد والتوجيه، أو التحريض سابقا، وعبر الشاشات فقط.
- كرهه للنظام والتناسق، بما هما صفتين حضرتين ومكتسبتين، لغلبة بدائيته وفطرته المحبة للعشوائية والمخالفة، بما هما دليلين على التخلف المستحكم.
- انبطاحته اللوكربية المخجلة- بعد طول ردح- وما تبعها من متوالية تنازلات أباحت سيادة الوطن ورهنت مقدراته ( النفط) للشركات المتعددة الجنسيات، وبشروط مجحفة ومضرة بالحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
- خيانته وبيعه لأسرار تعاملاته مع تنظيمات دولية كان يدعمها، وبصفها بالتقدمية والتحررية.
- اعتماده لنظام مالي بدون ميزانية، يقوم على استحواذ واحتكار موارد الدولة، وصرفها كهبات ومنح ورشاوى ومكرمات، أو منعها أو التقتير بها على عموم الشعب.
- تبذيره لثروة الوطن على الأوهام الفارغة- الفاشلة- والأبهة الجوفاء- المضحكة، وعلى الخدم لضمان ولائهم، وتوزيعه ضئيل الثروة على الغلابة الليبيين في صورة دواجن وخراف وسندات يانصيب.
- استناده الكامل على القبيلة ( قبيلته القذاذقة) في الحكم، وتطبيقه سياسة "فرق تسد" بين قبائل الوطن، وتشجيعه لتشكيل ونشر روابط قبلية في كل الوطن بما في ذلك المدن الكبرى.
- الأخذ بعامل القرابة والولاء دون الكفاءة في الإدارة، عبر تنصيبه الأبناء والأقارب في كل المناصب الحساسة، وتنصيبه لأميين مدراءً لشركات ومستشفيات وأجهزة مخابرات،
- تنكره للطبقات الكادحة والعاملة وإرهاقها بالتفقير الممنهج وبدفعها للبطالة والتسول، وامتهانه للمرأة وجبرها على العهر قهرا وترغيبا.
- دعوته إلى تحويل قيادات النقابات إلى مشيخات تقاد بمعيار السن لا الانتخاب والكفاءة.
- التجهيل المقصود للأجيال عبر نظام تعليمي متخلف وتلقيني تمجيدي لشخص وحيد، هو "القائد".
- وأخيرا وليس أخرا دعوته النكوصية لإقامة الدولة الفاطمية الثانية، بعد ادعائه زوراً النسب للأرومة النبوية الشريفة.

فأيهما أكثر رجعية نظام فيه دستور وملك مقيد ومحدود السلطات وبرلمان منتخب يعين الحكومة ويراقبها، أم إقطاعية يجثم على كل ما فيها دعي تقدمية؟

القذافي رجعي، ورجعي بامتياز، مهما ادعى أو توهم التقدمية، لان التقدمية كمنظومة فكرية وممارسة نضالية عمل واعي وشاق لا تتوفر في القذافي شروطه الموضوعية، ولا تتواجد عنده الصفات الشخصية والأخلاقية ولا القدرات الذهنية ولا إمكانيات المثابرة والصبر على مثلما توجه.

يستحيل أن يكون القذافي تقدميا لأنه ديكتاتور وفاشي، ولأنه إقطاعي ومستغل، ولأنه قبلي ومتخلف، ولأنه فاسد ومرتشي، ولأنه عميل ومتعفن، ولأنه مختل ونزق، ولأنه استعراضي ومشهدي. ولأنه لن يكون أبدا تقدميا فلا مربض له إلا الرجعية.

ليبيا الآن رجعية وتتراجع، وفي حاجة ماسة وعاجلة لعمل تقدمي، بما تعنيه التقدمية من استبدال المنظومة الفاسدة والمعيقة وإحلال منظومة الفكرية وبناء تكوينات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يكون المواطن أساسها، وكرامته غايتها ورفاهه هدفها.

يستحيل أن يكون القذافي تقدميا لأنه رجعي. وفي الختام فأن هتاف القذافي: "الله اكبر عاصفة على الرجعية ناسفة"، يصدق ويتوجب عليه.

ادرار نفوسه
igrada@yahoo.co.uk
20 مايو 2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home