Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)


Ibrahim Grada

الخميس 10 ديسمبر 2009

في ذكرى الكيخيا.. المحيشي لا بواكي له

ابراهيم قراده

الاخفاء القسري عمل شنيع، لا يقترفه إلا جبان وخسيس، ولا يتم في نظام يحترم شخوصه ادميتهم. فهو جريمة يهتز لها الضمير الانساني السليم، لانها صورة شيطانية على العدوان الدنئ على حرمة الإنسان. فكان لذلك جناية عظيمة في العرف الإنساني والشرائع الدينية والقانون الدولي، وقائمة المختفين قسريا، تغيبا واختطافا، في جماهيرية الرعب القذافية بالعشرات. ولكننا نذكر ونتذكر قلة منهم، لا لأنهم أكثر أدمية من الآخرين، ولكن لأنهم شخصيات عامة توفرت معطيات وظروف سياسية وإعلامية واجتماعية، في جعل قضايا اختفائهم القسري تحظى بالتغطية والمتابعة. ولهذه الاستثنائية ايجابية وميزة بتوفيرها فرصة مهمة في إبقاء ملف المختفين قسريا حيا في الضمير الجمعي المعذب للشعب الليبي، وسيفا مسلطا سيهوي يوما على نظام القذافي الديكتاتوري وازلامه المتورطين والمقترفين لهذه الجريمة البشعة، كما أنها تساعد في توظيف وملاحقة هذه الجريمة لذا الجهات والمنظمات الدولية المهتمة بمتابعتها.

من اشهر المختفين قسريا الذين خطفهم نظام القذافي الارهابي وغيبهم قسريا عن ذويهم واحبابهم ومريديهم: الإمام اللبناني موسى الصدر، والأستاذ الوزير والسفير (سابقا) منصور الكيخيا، والبرفسور والداعية د. عمرو النامي، وقياديي الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا السيدان جاب الله مطر وعزات المقريف، فك الله اسرهم أو رحمهم جميعا. وعلى هذا الشخصيات العامة المرموقة يستند جهد وعمل التنظيمات الليبية الحقوقية والسياسية في متابعة ملف المختفين قسريا ليبيا.

الشخصية المختفية قسريا والمهمة، والتي وإن ذكرت فأن ذكرها يكون عابر، هي الرائد عمر عبد الله المحيشي. ربما لتوجس البعض من اشتراكه في قيادة انقلاب سبتمبر 1969 المشئوم، والذي يعتبره الليبيون سبب نكبتهم ومعاناتهم. يضاف إلى ذلك ذكريات مرافعات المحيشي الحادة والمتجاوزة، إبان توليه مهمة المدعي العام في محكمة الشعب، ضد رجالات الفترة الملكية، الذين قضوا أحكامها سجنا لسنوات.

المحيشي ربما كان من أوائل من تصدي وواجه شهوة القذافي التسلطية، لدرجة إشهاره رشاشه على القذافي، حدث ذلك في عمر مبكر للانقلاب، سنة 1972. ليصل خلاف المحيشي ومواجهته للقذافي الذروة بتخطيطه وقيادته لمحاولة انقلابية تصحيحية، فشلت، في أغسطس 1975.

لا اختلاف في دور المحيشي في الانقلاب المشئوم، الذي اضر جسيما بحياة الشعب الليبي. إلا أنه من المناسب تذكر حالة القبول الواسع بالانقلاب في مدته الأولى من عموم الشعب، في فترة سادتها الانقلابات في منطقة ابتليت بالشعارات والحماسيات والاوهام. وانه لا توجد معلومات- حسب علمي- بتورط عمر المحيشي في حالات قتل أو تعذيب إرهابية. وفي كل الأحوال، فالانقلابات العسكرية في عمومها كانت نقمة على الشعوب، إلا في حالات نادرة تعد حصرا، ورغم ذلك تتعشم فيها الشعوب المقهورة خيرا على أمل تخليصها من الطغاة. ومن تلك الشعوب الشعب الليبي، ومحاولات ضباط وجنود الجيش الليبي المتوالية للتضحية بأرواحهم إنقاذا لليبيا والليبيين، حيث تم إعدام 21 ضابط من المنخرطين في محاولة أغسطس 1975، المعروفة بمحاولة المحيشي.

من حسن أو سوء حظ عمر المحيشي وليبيا انه نجح للفرار من ليبيا قبل القبض عليه، إلى تونس أولا، فالى مصر في فبراير 1976، ليؤسس ويقود "التجمع الوطني الليبي" كتنظيم مهجري يسعى للإطاحة بالقذافي، وليذيع من القاهرة برنامجا إذاعيا معارضا ومضادا لنظام القذافي. وبسبب معارضة المحيشي لخط أنور السادات التطبيعي مع إسرائيل تم تسفيره الى المغرب، سنة 1980، ليواصل نشاطه المعارض من هناك. وفي سنة 1983، واثر ونتيجة صفقات سياسية ومالية، رخيصة الغرض باهظة الثمن، بين النظامين الليبي والمغرب، يغدر نظام الحسن الثاني بالمحيشي فيرحاة ويسلمة لنظام القذافي غدرا وخديعة، لا تليق بشريف ما بالك بملك، حين حسب المحيشي انه متجه للسعودية لأداء مناسك العمرة! منذ لحظاته الأخيرة في المغرب، اختفى عمر المحيشي قسريا لتهبط الطائرة في مطار قريب من سرت، وتتضارب الإنباء حول مصيره، إلا أن أكثر الإنباء شيوعا وتداولا تفيد انه تمت تصفيته بوحشية في ارض المطار، بعد استقبال عدواني ومهين من قبل العقيد القذافي ونائبه الرائد ركن عبد السلام جلود.

وحتى هذا اليوم، وبعد مرور أكثر من ربع قرن على اختفاء عمر المحيشي لا توجد أي إنباء مؤكدة عن مصيره، وعما تعرض له، وإذا ما تمت محاكمته، و لا عن مكان دفنه.

لقد فتحت محاولة المحيشي الانقلابية الباب واسعا للقذافي ليكشر ويكشف عن طبيعته الإرهابية. فمنذ تلك المحاولة بدء مسلسل الإرهاب الدموي المنفلت، فنصبت المشانق في الساحات والجامعات، وسيق الآلاف للسجون، وانطلقت حملة الاغتيالات والاختطافات القسرية، وطبق أسلوب العقوبات الجماعية، الذي كانت كل مصراتة، موطن المحيشي، أول حقوله. فانصب جم حقد القذلفي على أسرة المحيشي وأبنائه بفرض الإقامة الجبرية والعزل الاجتماعي عليهم، وحرمانهم من التعليم والخدمات العامة، ومنهم ابنه عمر المختار عمر المحيشي الذي منع السفر لمدة ثلث قرن، حتى ابريل 2008، حين رفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر.

دموية وشراسة ونزق وحقد القذافي، صفات ومسلكيات خبرها وجربها الشعب الليبي طويلا، إلا أن السؤال: ما الخاص في المحيشي ومحاولته الانقلابية ليكون رد فعل وتعامل القذافي معهما بعد الإفراط والتطرف؟، وخصوصا أنها ليست المحاولة الانقلابية الأولى، ولا المحيشي كان أول رفيق سلاح يحاول الانقلاب!

تناول وربط بعض الوقائع التاريخية قد يساعد في إلقاء بعض الضوء، ومنها:

§ معرفة المحيشي بالقذافي تعود لسنة 1961، حين رحل القذافي، التلميذ البدوي الفقير، إلى مصراتة مطرودا من سبها، لتساعده أسرة المحيشي معيشيا. والشواهد التاريخية تؤكد أن عقدة المنشأ مستحكمة عند القذافي بحقده وانتقامه كل من أحسن إليه، كما فعل مع أسرة سيف النصر الذي احتضنته وحمته كثيرا وطويلا!

§ المحيشي كان أول وأكثر أعضاء قيادة الانقلاب معارضة للقذافي، ومن ذلك إرغام القذافي على عدم الجمع بين منصبي رئاسة "الجمهورية العربية الليبي" ورئاسة الوزارة، وفرض الاستقالة من منصب رئيس الوزراء. كما أن حادثة إشهار السلاح المتبادل بين المحيشي والقذافي، تركت في نفس القذافي الحقودة الكثير، وخصوصا انه كان الأقرب للموت لولا تدخل أعضاء مجلس الانقلاب في حمايته من رشاش المحيشي. كما كان المحيشي على رأس المجموعة إلي ضغطت بشدة على القذافي ليقدم استقالته من رئاسة الدولة، والتي رضخ لها تكتيكيا، ليخدع زملائه بإعلان الثورة الشعبية، في زوارة، 1973.

§ المحيشي ايضا، هو من كشف ازدواجية القذافي في تعاملاته مع شركات النفط، وخصوصا شركة "إسو" و"اكسيدنتال"، حين منحهما امتيازات وضمانات مجزية تحت طاولة "تأميم النفط"، عكس ما يدعيه القذافي من حرصه على ليبية النفط الليبي وعوائده.

§ ولعل القاصمة، هي تسريب وإشاعة المحيشي لخبر توصله على دلائل بوجود دم يهودي في نسب معمر القذافي، من مراسلة تلقاه عندما كان أمينا لـ"مجلس قيادة الثورة"، سنة 1972. هذه الراوية المحيشية حول الموضوع ليست الوحيدة ولكنها بالتأكيد مهمة، بسبب حيثيات التوصل إليها وصدورها من رفيق وصاحب مقام، مما جعلها تنتشر بشدة بين الليبيين، وتثير التساؤلات عندهم.

§ خوف القذافي الهستيري من المعارضة الوطنية بالخارج، باعتبار المحيشي من أوائل مؤسسيها تنظيميا، عبر التجمع الوطني الليبي- سبق التجمع في الوجود "اللجنة الليبية للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان"، التي أسسها المناضل فاضل المسعودي، في ابريل 1973.

خلاصة، عمر المحيشي، رغم المآخذ، شخصية وطنية جديرة بالاعتبار، واختفائه قسريا تغيبا جريمة إنسانية ووطنية، لان سببها هو محاولة المحيشي تخليص ليبيا وإنقاذنا نحن الليبيين من ديكتاتورية القذافي الفاسدة، التي لازال أحرار ليبيا يسعون جاهدين للقضاء عليها منذ أربعين عاما.

الواجب الأخلاقي، الإنساني والاجتماعي والوطني، يوجب تحرك جمعي لمعرفة مصير عمر المحيشي، ومعرفة حقيقة ما تعرض له من خداع وعذاب جسدي ونفسي، ومعرفة كيف توفى ومكان قبره- إذا كان توفى. يتوجب حراك جمعي اتجاه أهله وعشيرته لمؤازرتهم في مصابهم ومعاناتهم ومساندتهم في حقهم بالمطالبة باعتذار الجناة اجتماعيا وسياسيا وتقديهم لمحاكمة عادلة، وحقهم في إقامة شعائر دفن فقيدهم، وحقهم في تعويض اجتماعي ومعنوي ومادي عادل.

قد لا تتفق القدرة مع الواجب، ولكن قصور القدرة على الإيفاء بالواجب لا يعني أبدا ترك الواجب، فوفاء الواجب تدرجي وتراكمي، فما لا يدرك كله لا يترك جله، واعقل وتوكل. وهنا، فحديث الواجب والضمير، يتوجه بعد تعميم إلى: أهالي مصراتة المجاهدة، عشيرة المحيشي المصابة، بواسل القوات المسلحة، رفاق المحيشي في التجمع الوطني الليبي والمعارضة، رفاق المحيشي في المحاولة الأحياء (وبالأخص الرائد عبد المنعم الهوني)، وناشطي تنظيمات الدفاع عن حقوق الإنسان الليبية. يتوجه إليهم الحديث بأن يتذكروا فقيد الوطن الرائد عمر المحيشي.

عمر المحيشي، اختفى قسريا وهو في أوائل الأربعينيات من عمره، وهو عمر قصير قضى جله في حراك، اعتقده سليما ووطنيا. غمر وخاطر بحياته أكثر من مرة، لينتهي مسلوب الإرادة في شراك القذافي القاتل. فحياة المحيشي تراجيديا إنسانية ووطنية باستحقاق، ضمن ملحمة وطنية مأساوية، وسيأتي اليوم الذي تكون فيه مصدر الهام وموضع تبجيل. وإمعانا في التراجيديا، فمن المحتمل أن يلفق القذافي جريمة تغيب المحيشي في عبد السلام جلود، أو سمسار الصفقة الخبيثة مع المغرب احمد قذاف الدم. فالقذافي فعلها سبقا، وإن لم يفعلها هو فأبنه سيف جاهز لها، وقد فعلها الاخير سابقا أيضا.

"لابد من ميتةٍ في صرفها عبر ... والدهر في صرفه حول وأطوارُ"، وقالت الخنساء أيضا: "يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس".

ادرار نفوسه
igrada@yahoo.co.uk
10 ديسمبر 2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home