Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)


Ibrahim Grada

الخميس 8 يوليو 2010

بوسليم تاريخ لن ينسى ولم ينته بعد

ادرار نفوسه

الحديث عن تواصل إجرام ديكتاتورية القذافية ليس موضوع حديث أو غريب على مسامع الليبيين. التأريخ للنظام الديكتاتوري الليبي وممارساته ليس عملية صعبة ومعقدة منهجيا لاتصاف النظام بالهمجية والبدائية والبذاءة، ولكنه صعب في تتبع وحصر جرائمه الكثيرة والجسيمة ضد الشعب الليبي، فضخامة حجم وعدد انتهاكات النظام لحقوق الإنسان في ليبيا، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وعلى المستويين الفردي والجماعي، وعلى الصعيدين النوعي والوطني، هي من الضخامة البليغة بحيث أن تاريخ جرائم النظام هو تاريخ النظام، وتاريخ النظام هو تاريخ جرائمه. وكما تعلمنا المأساة الليبية فعمر الفاشية القذافية تجاوز الأربعين عاما ومقتربة من عامها الواحد والأربعين. أي واحد وأربعون عاما من الإجرام المتواصل، وعندما يتواصل إجرام طوال تلك المدة الطويلة، فهو بوضوح مؤكد إجرام مقصود ومتعمد ومخطط وممنهج، وليس حالة استثنائية ولا عارضة ولا عابرة ولا انفعالية.

محطات الإجرام القذافي لها ذروات خطيرة لا يسع المقام ولا يتسع الوقت المتاح ولا تحتمل قلوبنا لا حصرها فقط بل حتى ذكر أمثلة منها، ولكن للحدث أحكام وللالتزام مكان، ففي مثل يوم ما بعد الغد 29 يونيو، وقبل أربعة عشرة عاما كان الحدث المريع المزلزل لكل إنسان له ضمير أو ذرة متبقية منه، حيث جرت المذبحة الشنيعة التي أودت بأرواح أكثر من ألف مائتين معتقل رأي وسياسة، أكثر من ألف ومائتين إنسان اعزل، أكثر من ألف ومائتين إنسان بريء، نعم أكثر من أكثر من ألف ومائتين إنسان بريء، أكثر من ألف ومائتين إنسان بريء، لان القاعدة الفقهية والقانونية تقول أن المتهم برئ حتى تبت إدانته، و هؤلاء الأبرياء لم يقدموا حتى لمحاكم النظام الظالمة ليحاكموا بقوانينه الجائرة التي سنها دون تشريع شعبي وفي غياب دستور شرعي، وهي القوانين التي طبقها مرارا على أحرار الوطن الشرفاء. ولكنه هذه المرة وفي هذه الحادثة المروعة فضح عن سوء عوراته وكشف عن دمويته وكشر عن شروره بشكل تعجز كلمات اللسان وتحير مفردات اللغة عن إيجاد الوصف المناسب والتعبير الملائم لها.

إن مجزرة مذبحة بوسليم لم تكن أول مجازر النظام التي يقترفها ضد أفراد الشعب الليبي وليست أخرها ولن تكون الأخيرة، لأنه نظام قمعي باستحقاق ودموي بجدارة ووحشي بطبيعته، يضمن استمراره بالإرهاب والترويع والقتل الوحشي والعنف المفرط، ولعل في ذكر كيفية تعامل أجهزة النظام الأمنية مع الانتفاضة العفوية لشباب بنغازي، في 17 فبراير 2006‘ والتي راح ضحيتها ما لا يقل عشرة شهداء من بينهم أطفال ومراهقين.

ادعاء أطراف انتهازية من النظام، تنتحل مسمى "ليبيا الغد"، هي ادعاءات تكذبها الوقائع، مما يستدعي تذكر تمثلية النظام في مارس يونيو 1988 عندما قام بإطلاق سراح مجموعة من معتقلي الرأي والسجناء السياسيين، وعندما أصدر ما يسميه بالوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ـ لاحظوا معي صفة الكبرى للوثيقة، وهي صفات مبالغة كاذبة ضرب النظام على رسم ودمغ كل أفعاله الوضيعة بها. ليعقب ذلك سنوات عجاف من الإرهاب المنفلت والعقوبات الجماعية التي عانت منها مناطق وجهات كثيرة نذكر منها للتدليل محاصرة جامعتي طرابلس وبنغازي ومعاقبة اجدابيا وبني وليد وهراوة وبنغازي وجبل نفوسة ودرنة.

انفراجة 1988 الوهمية كانت تكتيكية، فرضتها ارتعاده النظام من الغارة الريغانية الأمريكية، وحالة الاحتقان والتبرم والحزن الشعبي الناتجة عن هزائم النظام الشنيعة في تشاد وتخليه المذل عن ضباط وجنود الجيش الليبي، ليعود بعد اشهر قليلة، وفي يناير 1989 ليباشر حملة اعتقالات جماعية استمرت حتى ابريل 1989، اثر مظاهرتين عفويتين في مدينة طرابلس.

المرء باصغريه قلبه ولسانه، ولسانك حصانك إن صنته صانك وان خنته خانك، ولسان العاقل وراء عقلة وقلب الأخرق وراء لسانه، وهذا حال الديكتاتور القذافي، الذي يضيف إلى خلل العقل وعورات اللسان وحقد القلب وانفعالية المشاعر، حيث قال في أكتوبر 1990: " يجب أن تنسوا أبناءكم المسجونين، لأنهم مصابون بأمراض معدية". أليس في قول القذافي فضح عن نية مبيتة لتطهير السجون المكتظة بالسجناء السياسيين، والتي رغم زيادة عددها وتوسع حجمها، لم تعد تستوعب المزيد ولم تستطيع تلبية شراهة النظام للقمع، ولم تعد كافية لمواجهة الإصرار الشعبي على المقاومة والرفض.

محزنة مذبحة بوسليم تبدأ وتستمر باكتظاظ السجن وسوء المعاملة والتعذيب الجسمي والإهانة النفسية والعزل عن العالم الخارجي وانعدام المحاكمة، وتدني مستوى المعيشة الآدمية وتفاقم الأخطار الصحية، فحدثت عملية هروب 13 سجين من سجن بوسليم في أواخر نوفمبر 1995، لتحاصر طرابلس لشهور بحثا عنهم، والتي أسفرت عن استشهاد سجينين وفرار أثنين آخرين للخارج، والقبض على الباقي. وعلى اثر ذلك تحول السجن إلى قلعة مصمتة من الاسمنت المسلح والظلام الدامس والهواء الرطب العفن والأكل الشحيح الرديء، فانتشر مرض السل الرئوي والربو والقرحة والأمراض الجلدية المعدية والبواسير. ونتيجة ذلك أصيب حوالي 180 سجين بمرض السل الرئوي، توفي منهم 25 سجينا.

قصور الكلمات عن وصف الحالة المتردية والغير مطاقة لظروف السجن، تعبر عنها مخاطرة ومغامرة بعض السجناء بحياتهم فتمردوا في 28 يونيو بحجز حارس امني والسيطرة على قواطع في سجن بوسليم. ورغم أن عصيان السجناء لم يتطور إلى محاولة الخروج من القواطع إلى باحات السجن إلا أن حرس السجن تفاعلوا بتطرف فأطلقوا النار عشوائيا على قواطع السجناء ليستشهد ستة سجناء ويصاب سبعة آخرين. ولم تتوقف المجزرة عند هذا الحد، بل تقاطر رموز النظام الأمنيين برئاسة عبد الله السنوسي على السجن، ليخدعوا السجناء بادعاء القبول بالتفاوض والاستماع لظروفهم ومطالبهم، بعد أن اشتراط رموز النظام وقبل السجناء بالعودة إلى زنازينهم والقفل عليهم فيها. وفي الأثناء جرت عملية نقل وتحويل مجموعة من السجناء من بعض الزنازين إلى زنازين وقواطع أخرى ـ وبل تم إحضار بعض المساجين من خارج سجن بوسليم وبل حتى من المستشفيات. وفي صبيحة وضحى يوم التاسع والعشرين تم إخراج السجناء المستهدفين إلى باحات قواطع معينة لينهال عليهم وابل من الرصاص والقذائف العشوائية من كل الجهات، وعندما سكت صوت قصف الرصاص أعقبته زخات من الرمي المتقطع حتى اليوم التالي كان هدفها القضاء على من كان به رمق من بعض الحياة. ليتم تجميع جثث الشهداء في ثلاجات تخزين اللحوم والأسماك، نعم يا وطني شهدائك يرمون في ثلاجات الحيوانات، ليدفنوا كتلا متراكمة في مقابر جماعية من الخرسانة المسلحة، بدون إكرام واحترام لأي آدمية أو مراعاة للسلوك الإنساني المتحضر وبدوس للأعرف الإسلامية والشعبية.

مسلسل وتتبع أحداث المذبحة يفصح ويوضح بجلاء وخصوصا عملية الغدر بالسجناء ونقل بعض السجناء من والى ميدان المذبحة بأنها عملية عمدية وبإصرار. وهذه العمدية والإصرار لا زالت مستمرة في محاولات النظام لفلفة ملف المذبحة وتمييعه بتحويله إلى قضايا فردية منفصلة يضغط فيها على أهالي الضحايا التنازل عن حقوقهم مقابل تعويض مالي يستلمونه مقابل توقيع الأهالي على تعهدات بالتنازل الكامل عن حقوق المتابعة القضائية. المؤلم المبكي، إضافة إلى معالجة النظام المستهترة أن قيمة التعويض حددت لكل شهيد أو كل رأس حسب تعابير النظام، بمائة وعشرين ألف دينار أو اثنان وتسعين ألف دولار أي .% 0.0092% من قيمة التعويض الذي منح لأسر ضحايا طائرة لوكربي، أي أن قيمة الإنسان الأمريكي تساوي 108 مرة قيمة الإنسان الليبي في مشروع "ليبيا الغد الثوريتي" لسيف القذافي الراعي الفخري لعملية لفلفة ملف مذبحة بوسليم.

بعد ثمان سنوات من الصمت والنكران والتجاهل، وفي أوائل 2004 يعترف الديكتاتور القذافي بحدوث اضطرابات في سجن بوسليم، ليعلن النظام في سنة 2005 عن تشكيله للجنة تحقيق، وبعد 5 سنوات من اعتراف القذافي وفي سبتمبر 2009 يشكل النظام بقرار من لجنة (وزارة الدفاع) لجنة تحقيق أخرى يرأسها المدعي العام السابق للمحكمة العسكرية والمستشار القانوني للقوات المسلحة محمد الخضار. هذه الخطوات التي ختمها النظام بتكليفه لرجل من مؤسسته الأمنية تبين بجلاء نية وتفكير النظام المتهرب والمضيع للوقت والغير جاد.

التعاقب المنطقي، يبدأ بوعي الأهالي لخديعة النظام بإصرارهم لمعرفة الحقيقة ومطالبتهم بتحقيق عادل ونزيه ومحايد يكشف خفايا الجريمة ويحدد الجناة، يسبق تقديم الجناة لمحاكمة نزيه وشفافة ومن ثمة معاقبة الجناة ليعقبه التعويض العادل المعنوي والمادي. حتى لو أتت لحظة اعتذر فيها النظام عن الجريمة، وحتى لو برر البعض أن متطلبات المستقبل تتطلب طي صفحة الماضي بمبررات الإصلاح، فان الكرامة الإنسانية والعدالة البشرية والأعراف السياسية والقواعد القانونية والسوابق التاريخية تجعل من الاستحالة الأخلاقية والإجرائية سقوط أو الدوران على هذه الجريمة البشعة بأي مبرر، ومنها مبرر السقوط بالتقادم.

رغم عدم التخصص في القانون، ولكني أرى أن لجريمة مذبحة بوسليم شق جنائي خاص يتعلق مباشرة بالشهداء الضحايا وأهاليهم، وفي هذا الشق للأهالي الحرية والحق للوصول إلى تسويات مع النظام ودولته، شريطة أن يكون التوصل إلى هذا الاتفاق بالإرادة الحرة ودون إكراه، ولكن بعد إجراءات قضائية نزية وحرفية في الواقعة من ضمنها المحاكمة. وهناك شق أخرى هو شق الحق العام والذي تتولى مسئوليته دولة النظام، وهنا فالمسئولية قائمة والعواقب مترتبة لقيام أفراد يمثلون جهة اعتبارية بالقتل العمد لأشخاص رهن الاعتقال وتحت حمايتهم ومسئوليتهم في خرق صريح لقوانين سارية، ولا يحق البتة لسلطات النيابة العامة أو النظام القضائي تجاوز ذلك، وحتى لو أرادت دولة النظام العفو على الجناة، فان ذلك يتطلب محاكمة ثم سن قانون عفو خصوصي يلغي أو يجمد العقوبات المترتبة عن القوانين السارية.

وحتى لو نجحت دولة النظام في إسكات وإرغام الأهالي ولفقت مخارج تشريعية للجريمة، إلا أن حجم الجريمة يضعها في خانة الجريمة ضد الإنسانية والابادة الجماعية، والتي يشملها القانون الدولي ومنه نظام روما لمحكمة الجنائيات الدولية. "فالابادة الجماعية هي سياسة القتل الجماعي المنظم الذي تقوم به عادة حكومات ضد جماعات مختلفة، في حين أن الجريمة ضد الإنسانية تعرف بأنها جرائم بغيضة، لأنها تشكل اعتداء خطير على كرامة الإنسان أو إهانة جسيمة أو إهدار لحياة شخص واحد أو أكثر من البشر، وأنها فعل من الأفعال التي ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق ضد أية مجموعة من السكان المدنين وتتضمن هذه الأفعال القتل العمد والابادة والاغتصاب والاضطهاد السياسي والعنصري أو الديني، وأعمال غير إنسانية أخرى كالعبودية الجنسية والأبعاد والنقل القسري للسكان وجريمة التفرقة العنصرية وغيرها. كما يحدد القانون الدولي بان الابادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية عرضة للعقاب بصرف النظر عن ارتكابها وقت السلام أو الحرب".

لا يعفي نظام روما للجنائية الدولية الداخل حيز التنفيذ سنة 2002، النظام الليبي من الملاحقة القانونية الدولية بحجة أن جريمة مذبحة بوسليم وقعت سنة 1996، وان ليبيا لم تنضم إليها، لان سوابق وآليات أخرى في القانون الدولي والإقليمي تفتح الباب لجر وإحضار جناة مجزرة بوسليم إلى القضاء الدولي أو القضاء الأوربي المتجاور للحدود، والذي نشط في السنوات الأخيرة. أو عبر تشكيل محاكم خاصة كما حدث في محاكم نورم برج، طوكيو، كمبوديا، بورندي، يوغسلافيا، سيراليون، رغم أن هذه الجرائم ضد الإنسانية لا تغطيها محكمة الجنائيات الدولية... إضافة إلى وجود محاكم لدول يمتد قانونها ليلاحق جرائم ضد الإنسانية خارج حدودها فكانت ملاحقة بينوشية، ماركوس، حبري، شارون، سوهارتو وجنرالات الأرجنتين وغيرهم.

أما الشق السياسي فهو يتعلق بأن مسئولية القيادة السياسية قائمة ومستمرة وإن عطلتها ظروف ولكنها لا تلغيها أبدا، فحتى موت الجناة لا يوقف العدالة وإحقاق الحق ورد الاعتداء وتجريم الجناة. وهذا الشق شق وطني بجدارة حيث تتم محاكمة الساسة المجرمين والأمنيين الجناة بعد نزع الحصانة والحماية عنهم اثر تغير نظام الحكم وقيام نظام حكم بديل. واقرب الأمثلة محاكمة صدام حسين وأركان إجرامه على جرائمهم الجماعية كمذبحة الأنفال ومجزرة حلبجة وجريمة تطهير السجون، والحكم عليهم بالإعدام وتطبيقه. وهذا ما يفسر مشاعر القذافي النفسية المتضاربة من تمجيد صدام حسين والهرولة هلعا لمن كان وراء إسقاطه وإحضاره للمحاكمة، وفي حالتنا الليبية فالأمل والعمل أن يتم التخلص من الفاشي القذافي بإرادة وسواعد ليبية.

المحظور هو انجرار المعارضة الليبية، كما انجر البعض، إلى لعبة النظام لإلهاء وإرهاق المعارضة عن جوهر البعدين السياسي والدولي لمذبحة بوسليم، فتأبيد ودعم اسر الضحايا واجب إنساني والتزام وطني، ولكنه جزء من العملية السياسية الساعية لتغيير النظام المجرم ببديل وطني ديمقراطي إنساني. فقد تكون مطالب بعض أهالي الضحايا منحصرة في أبنائهم الشهداء المغدورين، دون أن تمتد مطالبهم إلى مجمل حدث المجزرة، وهذه المطلبية مفهومة، ولكن محدودة ومحددة، وبالتالي فتلبية بعضها أو جزء منها قد يضعف زخم تحرك الأهالي تماما كما فعل النظام مع ضحايا أطفال بنغازي المحقونين بالإيدز حين خدع النظام الأهالي وساوم رخيصا على معاناتهم وألهى المعارضة،

فالنظام يبذر إمكانيات الوطن ويرهن مقدراته ويحرم شعبه ويقامر بأجياله، وذلك لحين، حين يدون الفصل الأخير من ملحمة مذبحة بو سليم، عندما ينال الجناة، كل الجناة، جزائهم القانوني العادل وتكتب كلمة التاريخ الفاصلة، حينها تهدأ أرواح الشهداء، كل الشهداء. وتنتهي ملحمة مذبحة بوسليم لتبقى ذكراها عبرة لمنع تكرارها.

ادرار نفوسه
Igrada@yahoo.co.uk
27.06.2010

_________________________

الورقة (كاملة) مقدمة إلى ندوة إحياء الذكرى الرابعة عشر لمذبحة بوسليم، المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، جنيف، 27 يونيو 2010. ابراهيم قراده


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home