Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)
الكاتب الليبي ابراهيم قراده (ادرار نفوسه)


ابراهيم قـراده

الجمعة 8 مايو 2009

مايو.. لهذا كانت معركة باب العزيزية ولهذا ستكون أخرى أو أخريات

ادرار نفوسه

الأول من مايو هو يوم العمال العالمي، وكعادتي شاركت في احتفالية مدينة ارهوس- المدينة الثانية في الدنمارك- حيث بدأت التظاهرة أمام ساحة البلدية لتنطلق إلى حيث الحديقة النباتية في مسيرة مسالمة تعلو وجوه المشاركين فيها سمات السعادة وتعابير الأمل وترفرف فوقهم رايات العمال الحمراء وشعارات التضامن والتغيير، في غياب كامل للبوليس. وهناك في الحديقة تجمع المتظاهرون، يربون على العشرة الآلاف، احتفلوا غناء وموسيقى واستماعا لخطب قصيرة معبرة، كان من أهمها كلمة رئيس كونفدرالية العمال ورئيس حزب الشعب الاشتراكي، احد اكبر الأحزاب الدنمركية. الملفت للنظر والمهم، أن كل الحضور سواء جداً، فالخياران المتاحان أمام الحضور هما إما الوقوف أو افتراش عشب الأرض، والذين كان منهم عميد البلدية، الاشتراكي الديمقراطي، والذي جمعني معه طابور شراء أمام عربة المنعشات، فقد كان يشتري قنينة ماء لوحده ومن جيبه، لا يحيط به حارس ولا متملق ولا قواد.

وينقلب البصر متحسرا وينفعل الفكر انزعاجا و عجزا، فيتبدل الحال لحزن متكور بعد انشراح، وقنوط إثر فرجة، فهناك في بلدي أخي مهدور الكرامة ومقهور الإرادة ومحروم الحقوق، لأن زمرة من أشرار استباحت حرمة الإنسان، وعصابة من لصوص نهبت قوت الإنسان. في دولة يحكمها دجال، يتبجح بمعايرة الليبيين: بـ"تحيا دولة الحقراء".

في مايو، وفي الأول منه تخرج شغيلة العالم إلى الشوارع استذكارا لفضيلة وعظمة سلاحهم الأخطر "التضامن"، احتفاء واحتفالا بإنجازاتها، وتظاهرا ورفضا لأوضاعها، إلا في جماهيرية العقيد حيث يتم وصف عيد العمال بأنه "يوم الدجل والتدليس". في جماهيرية العقيد، أو في بلد الحقراء على وصفه، أو بلد "الله غالب" حسب عقيدة التواكل الليبية، العمال مستعبدون، فلا هم شركاء كما وعدوا، ولا أجراء كما كانوا، فلا قانون عمل متوازن وفاعل يحميهم، ولا نقابات حقيقية وحرة تجمعهم، ولا قضاء نزيه وفعال يتعقب اللصوص. في وطني، مسكينة الشيغلة، عمال وموظفين، إنها تقتات ذل الحاجة وتتوسد هوان الحرمان، وتنام على كوابيس البطالة وتقليص العمالة وسيف الخصخصة، وتصحو على ضبط حساب مرتب "قانون 15 لسنة 1981" المنكمش، في حين قادة "اتحاد المنتجين" المعينون يسبحون بحمد الدجال الأكبر طائفين بروكا وتمرغا للعق ما يبصقه اللص الأكبر من فتات ورذاذ، وما يسيل من لعاب وقيء أبنائه وعصابته. ليس أمام عمال ليبيا، إلا استلهام تاريخ أسلافهم وأقرانهم، ليس أمامهم إلا الانتفاض، ليس أمامهم إلا الثورة، ليس أمامهم إلا التضامن، وليس أمامهم إلا التنادي بتشكيل نقابات حرة. فيا عمال ليبيا اتحدوا لتنقذوا أنفسكم، لتمنعوا الذل والهوان عن أبنائكم. يا عمال ليبيا اتحدوا لتنقذوا ليبيا. فليبيا تستغيث بكم: و عمالاه... و عمالاه! فالعروش تزلزلها سواعد المحرومين المتحدة، وهدير الغلابة الزاحف.

الثالث من مايو، هو يوم حرية الصحافة العالمي، والتقرير الصادر عن منظمة بيت الحرية، يصنف جماهيرية العقيد العظمى في المرتبة الأخيرة على مستوى كل منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وفي المرتبة الرابعة من القاع عالميا. عظمة وعظمة لا يستحقها ولا يحققها إلا من قال: "أنا عميد الحكام العرب وملك وملوك إفريقيا وإمام المسلمين". أمام هذا الوضع المزري والمخجل أمام أنفسنا قبل الآخرين، والمخزي والمعيب أمام وفي حق الأجيال القادمة، ليس أمام مثقفي وصحفي ليبيا إلا أن يواجهوا بكل الطرق والوسائل، ليس أمامهم إلا أن يرفضوا مقص الرقيب ومسطرة الشاويش، ليس أمامهم إلا أن يدعوا ويعملوا على تحطيم قيود الكلمة وإطلاقها تحريرا من قفص التدجين، ليس أمامهم أن يكتبوا لا ولا ولا، ليس أمامهم أن يقولوا لا ولا ولا، ليس أمامهم إلا أن يحرضوا على لا ولا ولا. نعم، النظام شرس، نعم النظام قاسي، ونعم أن العشرات راحوا ضحية الكلمة الشجاعة والقلم الجريء، نعم ونعم ونعم كل ذلك صحيح. ولكن، نعم هناك العشرات من مصاصي الحبر وانتهازي القلم ومجيري الصحائف وتنابلة السلطان وفقهاء القصر، وهؤلاء هم أول خنادق الديكتاتور، ومصير هؤلاء يجب أن يكون مثال للخسة ونموذج للوضاعة وموضع للتحقير. فالعروش تهزها الأقلام قبل السيوف، وللحرية الحمراء باب.. بكل يد مضرجة يدق. و اليد حاملة القلم، والقلم مسطر ملاحم التحريض والتغيير، من اجل ليبيا اليوم والغد.

في الأول من مايو وقبل تسعة وستين، إي في 1940، توفى عميد مجاهدي القلم والسيف، الشيخ سليمان باشا الباروني في المهجر ليعاد رفاته اثر انقلاب سبتمبر المشئوم ويدفن في ركن قصي مجهول في احد جبانات طرابلس.

في الخامس والعشرين من مايو 1983، انتقل إلى رحمة الله الملك المهجر إدريس السنوسي، أول حاكم لدولة ليبية مستقلة دستورية وديمقراطية، بعد جهاد وجهود قاد وتشارك فيها مع صفوة أعيان ونخب وأبناء الوطن لتدشين ليبيا الحديثة، ليبيا وطن الجميع، ليبيا الحقوق والواجبات، ليبيا السائرة بثبات على درب الديمقراطية والتقدم، ليبيا المساواة والتسامح. ولكن، ليبيا تلك اغتالها مجرم صغير تضخم حقارة وحقدا ليقلب الوعد الليبي إلى موعد مع الموت والى عهد للفساد. ليبيا الوفية المترامية الأطراف تضيق بقبر يضم ويحتضن رفات احد أهم رموزها التاريخية، ليدفن الملك الطيب الزاهد في مقبرة البقيع، بالمدينة المنورة، بالسعودية.

وفي مايو 1985، يتوفى والد القذافي، رحمة الله عليه، ليشيد له ابنه الحاقد القذافي نصبا تذكاريا متعاليا معتبرا إياه أخر شهيد للغزو الإيطالي الغاشم، بعد ادعائه أن جده كان أول شهيد. في حين تزهر على قبر الباروني القصي الأعشاب البرية البريئة، وحين يدفن السنوسي بعيدا وبعيدا عن وطنه الحبيب، وحين تحتضن صحاري الخليج رفاة ورجل الدولة المناضل عبد الحميد البكوش، الذي وفاه الأجل مهجرا في مايو 2007. فتباً لوطن هكذا جزاءه، وخزياً لشعب هكذا وفاءه. ولكن مهلا، فاللعنة معلقة، لا تحل ولن تستوجب القضاء، لان عهد النضال قائم ومسيرة الكفاح مستمرة، وحي على الجهاد من اجل ليبيا الوفاء.

كثرة الكوارث وتواليها منذ قفز القذافي قالبا الشرعية الدستورية، مغتصبا الوطن ومستحلا لدماء الليبيين ومستهينا بآدميتهم ومهينا لكرامتهم، لن تمحو وتنسي المئات من ضحايا تدخل القذافي لدعم صنوه في الديكتاتورية والإرهاب وآكل لحوم البشر الجزار عيدي أمين، بإرساله، تغريرا ومخادعة، للآلاف من مجندي المقاومة الشعبية الغير مدربين، لأوغندا، في مايو 1979. والى هذا اليوم، ورغم مرور 30 عاما، لا احد يعرف مصير مئات المفقودين والمشوهين وضحايا التورط القذافي في أوغندا، الذين خذلهم وتخلى عنهم القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية. تماما، كما فعلها ثانيا مع مئات من ضحايا التدخل الحربي المجنون للقذافي في تشاد. مأساة الجيش الليبي الباسل من صلف وجهل وخوف وتنكر الديكتاتور العقيد القذافي طويلة، واجهها بواسل الجيش الأبرار بمحاولات رفض شجاعة متوالية كان منها محاولة مايو 1971، وهي محاولات ستتوالى حتى يتخلص الليبيون والى الأبد من حكم الديكتاتور القذافي، ويقبرونه.

التاريخ أحداث وجولات، ولا يحفظ في تقادمه إلا عظيم الفعل وجليل الأثر وطويل المفعول. وفي تاريخ ليبيا المعاصر كان الاستقلال المجيد، والانقلاب المشئوم، وثورة الطلاب المنيرة، ومعركة باب العزيزية الخالدة، وجريمة مذبحة بوسليم الدامية، وشنيعة إصابة أطفال بنغازي الأبرياء بالإيدز. تلك أحداث حفرت في ذاكرة الليبيين أخاديد ومعالم لا ولن تنسى، وإن سبقتها وتلتها أحداث جسام. وتظل معركة باب العزيزية معلم نضالي بارز ودائم في قاموس النضال الليبي الماجد ومقاومته الالتحامية الإرادية والايجابية، والذي يشمل ضمن بنوده ومفرادته مقاومة الغزاة والمعتدين والطغاة من عهد الإغريق والرومان إلى عصر أحفادهم الطليان، وعملائهم من بعدهم من أمثال طائفة العصابة القذافية.

اليوم، الثامن من مايو 2009، يحي الليبيون بإجلال وإكبار، وإن بصمت وتحفز، ذكرى اليوبيل الربع قرني، لمعركة باب العزيزية، 8 مايو 1984. يحيونها بآهات تضمر التربص لتكرار الحدث ومعاودة المحاولة لتخليص الوطن من الديكتاتور وديكتاتوريته المتعفنة النتنة، الذي والتي أزكمت رائحتهما الأنوف، الذي والتي أرهقت عزة الوطن، الذي والتي أهانت واستهانت بحرمة الوطن، الذي والتي استباحت مقدرات الوطن، الذي والتي أزهقت أرواح الأحرار والأبرياء، الذي والتي أهدرت كرامة المواطن، الذي والتي رهنت حقوق الأجيال.

في معركة باب العزيزية، ميزات وصفات استثنائية. والتي على رأسها انه حالة نادرة في الإيمان العميق بقضية الوطن والإحساس الكبير بمعاناة الشعب، وقدوة سامقة في التضحية المخلصة والفداء الخالص، وفي مقدمتها استهدافها الديكتاتور في وكره وماخوره، ومن أهمهما الأهم تجنب وتجنيب عموم الشعب هول وعواقب الاشتباك والالتحام. ولكن النظام الخسيس انتقم ببدائية ودموية من عموم الشعب، في مسلسل انفعالي منفلت وحاقد فأعدم عشرات الأحرار جورا، ودمر بيوت عشرات الأحرار بطشا، وسجن مئات الأحرار عدوانا، وأرعب أسر الأحرار ظلما، وأرهب ملايين الليبيين عسفا. ومن ميزات كوكبة الأخيار، مجموعة بدر الفدائية، مفرزة الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، أنها جمعت ضما وتطوعا خيرة وخير أبناء الوطن من كل مناطق وجهات ليبيا. أنهم شهداء الوطن، لهم دين علينا، يستحق الدفع العاجل، وحرائر الليبيات لا يعقمن ابدأ.

معركة باب العزيزية كانت تفاعلا واعيا ودرسا عميقا، رافضا وساعيا لتغيير استبداد الديكتاتورية القذافية، بنظام ديمقراطي وطني. واليوم بعد ربع قرن طويل تراكمت الأسباب والدواعي، فالديكتاتورية استغولت استفحالا، من ديكتاتورية شمولية إرهابية سياسيا، إلى ديكتاتورية شاملة عم فسادها كل مناحي الوطن ومفاصل حياة المواطن السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية، فقلة إقطاعية فاسدة تحتكر الوطن وتستحوذ على خيراته دافعة قصدا وعمدا، وبإصرار وترصد، عموم الشعب إلى ذل الحاجة وهوان الحرمان وعبودية الاستجداء ورق التسول، مجندة كل من تستهويه حقارة التملق وتغريه نذالة الوشاية ويغويه رنين الحرام.

ولكن كما كانت معركة باب العزيزية ستكون بالتأكيد معركة أخرى وجولات أخريات، وعلى الباغي تدور الدوائر. والسؤال هل فكر القذافي في أين سيدفن، وفي اللعنات والأشواك التي ستكون على قبره إذا كان سيكون له قير؟ على فكرة، في الدنمارك هناك خيار حرق الجثمان، ونثر رماده أو حفظه في قنينة. وفي خاتمة موسوليني عبرة، وكذلك في الدنمارك حيث الحاكم مواطن ينتخب ولا يسرق فلا يخاف، ويموت مطمئنا بسلام.

ادرار نفوسه
المهجر، 08/05/2009
Igrada@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home