Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)
الكاتب الليبي ابراهيم قراده (ادرار نفوسه)


ابراهيم قـراده

الأحد 7 ديسمبر 2008

طز في أمريكا

بوش يستعدي الليبيين على أمريكا باحتضانه سلالة القذافي

ادرار نفوسه

عداء وكره أطياف واسعة من شعوب العالم لأمريكا وسياساتها حقيقة واقعية تؤكدها إحصائيات ودراسات، مما يقلق صناعي القرار ومستشاريهم في أمريكا ويحير بسطاء الأمريكان. هذا الكره والعداء أو عدم المحبة منتشر، ولا يقتصر على جهة أو شعب دون غيره، وإن اختلفت النسب، فهو يشمل حتى شعوب الدول الغربية المتوافقة سياسيا والمتقاربة فكريا والمشتركة مصالحيا مع أمريكا. إلا أن ظاهرة كره وموجة العداء لأمريكا تستشري في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط وعموم العالم الإسلامي على نحو اكبر، ومرد بعض ذلك، مساندة الحكومات الأمريكية المتتالية للأنظمة الديكتاتورية الفاسدة في المنطقة، ودعمها اللا متوازن للممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وشنها حروب منفلتة كان ضحيتها الأبرياء غالبا. هذا أنتج ظاهرة "الإرهاب"، وإن اعتبارها البعض مقاومة، لا بديل متوفر عنها.

أمريكا بلد تمثال الحرية ووثيقة الحقوق، ومبعث حركة الحقوق المدنية ومحاربة للاستعمار التقليدي، والمانح الأكبر للمساعدات الإنسانية والتنموية في العالم، وارض الحريات والهجرة والفرص، ومكان العلم والمعلوماتية، وموطن العولمة ومناهضاتها، ومنشأ حركات حقوق الإنسان وحماية البيئة. هي نفسها، أمريكا الحرب والدمار وعدم العدالة، أمريكا الهيمنة والغطرسة والمصالح الضيقة القصيرة، والمنافع الاقتصادية الذاتية الأنانية، التي تحركها لوبيات مصالح شركات النفط والسلاح والأدوية والبنوك، وجماعات الضغط الشوفينية، ومكاتب العلاقات العامة المؤجرة من ديكتاتوري العالم الثالث. إنها أمريكا الرسمية القبيحة مقابل أمريكا الشعبية الطيبة، ولكن الكلمة الأعلى والملموسة هي لأمريكا الرسمية.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تصل درجة كره وعدم محبة أمريكا لهذا المستوى المتدني الخطير، والسبب سياسات إدارة جورج بوش الصغير. ففي عهده كانت الأحادية الدولية وإهمال وانتهاك البيئة، وكان حادث 11 سبتمبر المروع، وكان غزو أفغانستان والعراق، وكان اشتداد الهجمة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني بحصاره وتجويعه وترويعه، وكان تغول الديكتاتوريات، وتفشي الفساد وانتشار الفقر والحرمان، في منطقتنا بالأخص. ومما زاد من قتامة الأمور وجسامة عواقبها مرجعية إدارة بوش المحافظة ذات الجذور العقائدية الصهيومسيحية، التي رأت في سياستها الخارجية رسالة إلهية وحملة صليبية جديدة. وكجزاء تاريخي عاجل، شهدت نهاية حكم بوش الابن أسوء أزمة اقتصادية يعيشها العالم منذ 80 عاما، لتحكم عليه شعوب العالم وساسة ومؤرخي العالم، وفي مقدمتهم الأمريكان، بأنه الرئيس الأسوأ والأقل شعبية في التاريخ الأمريكي.

طرح الرئيس بوش، المنتهية ولايته قريبا، برنامجا اسماه "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، في بدايات سنة 2004، وتتلخص أهداف المشروع في دعم التوجهات الديمقراطية والحكم الصالح والمشاركة في الحكم، والدفع بأوضاع حقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية ومبادئ المحاسبة والإعلام المستقل، ودعم بناء مجتمع متعلم معرفي، والمساعدة في عملية التنمية وتوسيع الفرص الاقتصادية ونمو المجتمع المدني. والآن، ما هي الحصيلة المحصودة؟ سوى المزيد من الديكتاتورية والفساد والفقر والمرض والجهل. أي مزيد من تخلف المنطقة، بالمقارنة مع جميع باقي العالم. فالديكتاتوريات تمدد أعمارها بالتوريث وإطالة مدة بقائها في الحكم، في كل المنطقة. لهذا يكره الناس بوش وأمريكا، لان أمريكا هي السبب، بمسانداتها طغاة المنطقة ولصوصها. هناك تفسير، يصطبغ بنظرية صراع الحضارات، يرجع سلوك الإدارة الأمريكية لخوفها من الصحوة الإسلامية، وهو تفسير يتلقفه الناس، لأنه قابل للتصديق بأدلة.

ليبيا، عمر المأساة الليبية، أو المعاناة الليبية، يقارب الأربعين عاما، وهي فترة حكم الطاغية القذافي. بنظرة تاريخية مقارنة عابرة وعميقة يمكن استنتاج أن الوجه الأخر لعملة المعاناة الليبية هو الولايات المتحدة الأمريكية. كيف؟ الثلاث عقود الأولى من الديكتاتورية القذافية كانت عبارة عن مواجهة قذافية لسياسات الولايات المتحدة، تجسدت في صدامات مع أمريكية، تراوحت من العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية إلى حرب السفارات والعمليات العسكرية والحظر والحصار، كان ضحيتها الوحيدة هو الشعب الليبي، الذي فقد من جرائها خيرة أبنائه قتلا وتشريدا وسجنا، وعاني منها ضيقا في المعيشة وضنكا في الحياة وذلا من الحاجة، وتجرع فيها هوان الظلم وذاق مرارة الاستعباد، بحجة محاربة أمريكا. أما العشر السنوات الأخيرة، فامتداد المعاناة الليبية واستطالة المأساة الليبية، وبنفس مسمياتها وعناصرها، كان نتيجة وثمن التقرب والانبطاح القذافي لأمريكا.

قذافيات "طز في أمريكا"، "ويا ريغان فيك وفي أسطولك.. طز على طز نقولك"، و" طز مرة ثانية في أمريكا وبريطانيا" في الثلاث العقود الأولى، تحولت إلى "طرطرة" والقذافي أضحى "طرطور" مرسم يسلم بـ 99% من أوراقه لأمريكا، وبثمن باهظ جدا. الطرطرة تدشنت بقبول فقد مليار دولار من الأرصدة الليبية المجمدة، تلتها تسع سنوات من حصار غاشم على الشعب الليبي، فدفع ما يربو على ثلاث مليار دولار نقدا كتعويضات، وتسليم أسرار وملفات سيادية ليبية للمخابرات الأمريكية، وتوالي التفريط في الامتيازات النفطية، والحبل على الجرار... هذا هو ثمن الانتقال من "الطز القذافية" إلى "الطر القذافية". ومن شماتة الأقدار أن من استدرج "الثائر الأممي" القذافي على الانبطاح هو أبنه، وأن من بطحه واعتلاه هو أحد أغبى وأسوأ رؤساء أمريكا.

اعتقال صدام حسين المشين ومحاكمته وإعدامه المذل، كان السبب في الانهيار والانبطاح اللاهث القذافي، من "طز" الغليظة المسترجلة إلى "طر" الاسهالية العفنة. فالقذافي أضحى طرطور باستحقاق وبمساعدة من ابنه الخواجة سيف. تصرفات القذافي مفسرة بحكم نفسيته المريضة المجبولة على الجبن والتشبث بالكرسي احتماءً، وممارسات الخواجة سيف مبررة لسعيه اللاهث لوراثة ليبيا وخلافة أبيه، وبأي ثمن. ولكنه، من غير المقبول، وإن كان مفهوما، طريقة تعامل إدارة بوش مع القضية الليبية، بالنظر إلى دور ومسئوليات الولايات المتحدة الأخلاقية والأدبية كقوة عظمى أولى، وكداعية معلنة للحرية والديمقراطية.

أمل الشعب الليبي في الحكومة الأمريكية بمساعدتها الأدبية في التخلص من الديكتاتورية كان كبيرا، وليس أدل على ذلك من هتاف شعبي بسيط الشكل عميق المحتوى، هتف به جمهور أحد مباريات كرة القدم في طرابلس، أعقاب القبض على صدام حسين، والذي يقول فيه: "سيارة وحوش.. ولا نحرش بوش"، ومعناه باللغة الفصحى "سيارة وبيت.. وإلا نبلغ بوش". الهتاف يترجم حاجات الليبيين البسيطة ويوضح أملهم في المساعدة الأمريكية في التخلص من القذافي المتسلط على رقابهم والكابت لأنفاسهم.

هذا الأمل، رغم سذاجته وعفويته وعدم واقعيته السياسية، انكسر وتحطم إلى خيبة ومرارة عندما اصطفت الإدارة البوشية في صف الديكتاتور القذافي، وعندما زكت عملية توريث ليبيا وإطالة الحكم القذافي عبر سلسلة متسارعة من الحركات السياسية والدبلوماسية في الأشهر الأخيرة. كان من أبرزها رفع ليبيا القذافية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وزيارة وزيرة الخارجية الأمريكية رايس للقذافي، واستقبال الخواجة سيف في البيت الأبيض والتقائه بمستشار الأمن القومي الأمريكي واستلامه رسالة من الرئيس بوش موجهه للديكتاتور أبيه، ولقائه رايس في مبنى الخارجية الأمريكية، ومن ثمة تسمية سفير أمريكي إلى ليبيا. هذا التحركات السياسية والدبلوماسية الأخيرة، هي إشارة بالغة، يقرأها الشعب الليبي جيدا، ومعه كل المهتمين بالملف الليبي، بأنها مباركة ودعم واعتراف و"كرت بلانش" أمريكي بان يخلف الخواجة سيف أبيه في الديكتاتورية القذافية، في استدارة وتنكر كامل لكل مبادئ وأهداف السياسة الأمريكية المعلنة.

الأدهى، هو التمرير الإعلامي بان زيارة الخواجة سيف كانت غير رسمية، وإن حظي وقام بمهام رسمية، ولكنها السياسة الأمريكية، يا سادة. التساؤل الأهم الذي يبرز هو حول التوقيت والاستعجال بتسوية ملف علاقات الديكتاتورية القذافية بأمريكا، بالنظر إلى أن الفترة انتقالية، إثر خسارة الجمهوريين الانتخابات الرئيسية. فزيارة الخواجة سيف لأمريكا تمت بعد إعلان فوز المرشح الديمقراطي اوباما بالرئاسة. فهل مرد ذلك وجود أجندة سرية بين الطرفين، أم هو خوف الطرفين، القذافي والجمهوري، من أن يماطل الديمقراطيون ويعيدون النظر في ملف العلاقات القذافية الأمريكية؟

زيارة والتقاء الخواجة سيف بجورج بوش الأب في مزرعته الخاصة، وهو رئيس أمريكي أسبق ومدير وكالة المخابرات الأمريكية أسبق ورجل نفط، قد تساعد في إلقاء بعض الضوء على خفايا التطورات الأخيرة. المعلوم أن الإدارة الأمريكية الحالية ومنها بوش الابن ونائبه تشيني ووزيرة خارجيته رايس أصحاب مصالح ضخمة في صناعة النفط، والمعنى أن تعجلهم باحتضان القذافي، قد يكون وراءه خدمة مصالحهم النفطية، أو أنهم بحكم معرفتهم بماضي وخنوع الديكتاتور القذافي وببدائله فأنهم لن يجدوا أفضل منه ووريثه حارسين وضامنين لمصالح أمريكا النفطية. إطلاق صفة "غير رسمية" على زيارة الخواجة سيف، إخراج مناسب جدا لأي اتفاقات وترتيبات مخابراتية خارج السجل، لأن ذلك من طبيعة عمل المخابرات.

السياسة الخارجية، لأي دولة، ومنها أمريكا، تقوم على قاعدتين أساسيتين هما ضمان الأمن للدولة وحماية مصالحها. إلا أن أمريكا كدولة عظمى لها مسئوليات قانونية دولية وواجبات أخلاقية إضافية نحو رعاية الاستقرار والسلم العالمي وتخفيف الاحتقانات وحل المشاكل الدولية. وهذا ما رتب عليها التزامات وتوقعات من شعوب العالم. ونظرا لان العالم الواقعي ملئ بالتعقيدات والتناقضات، فأن سياسة أمريكا الخارجية تجد نفسها، في أحيان كثيرة، منقسمة بين اتجاهات متنافرة. ولكن ذلك لا يبرر مطلقا اصطفاف الحكومة الأمريكية مع أنظمة ديكتاتورية دموية وفاسدة، ولا يبرر بتاتا تجاهلها لمعاناة شعوب بكاملها في سبيل تحقيق مصالح ضيقة وقصيرة المدى.

الليبيون لا ينتظرون من أمريكا أن تحل محلهم وتحررهم من الديكتاتورية القذافية، ولا يريدون من الأمريكان أن يقارعوا الديكتاتورية القذافية نيابة أو بدلا عنهم، لأنهم وحدهم وبجهدهم الذاتي مسئولين على النضال للتخلص من الديكتاتورية وبناء البديل الديمقراطي العادل. ولكنهم، ينظرون إلى مساندة الديكتاتورية ودعم استمرارها بأنه جهد يصب ضد تطلعاتهم التحررية. الليبيون لا يريدون أن تحاصرهم أمريكا ولا أن تعاديهم، ولا يريدونها أن تقف عازلا ولا حاميا ولا حاضنا لنظام الديكتاتور القذافي الفاسد.

الشعوب تكره أمريكا لأنها تقف ضد توجهاتها في التحرر بدعمها للأنظمة الديكتاتورية، والشعب الليبي المضطهد والمغلوب على أمره يرى إن الإدارة الأمريكية البوشية تدعم استمرار الديكتاتورية القذافية وبالتالي تسبب تواصل معاناته. لهذا كانت تصرفات إدارة بوش عدائية ضد الليبيين. ففي الماضي كان القذافي هو من يقول "طز في أمريكا"، وقريبا يقولها الليبيون دون القذافي. ولكن أمريكا ليست بوشية فقط، فأين ستقف أمريكا الديمقراطية من نضال الشعب الليبي ضد ديكتاتورية السلالة القذافية؟

ادرار نفوسه
07 ديسمبر 2008
igrada@yahoo.co.uk



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home