Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)


Ibrahim Grada

Tuesday, 7 March, 2006

ما أبقاه القذاذفة من سلطة الشعـب

ادرار نفوسه

ليبيا للقذافي والقذافي على الشعب الليبي، هذه هي المأساة والحقيقة الواقعية الداحضة والنافية لمقولة القذافي الزائفة والمستهلكة بأن "السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب". القذافي منذ نشره كتابه الأخضر وفرضه تطبيقا على ليبيا في 2 مارس 1977، يكذب نفسه بنفسه بدهسه لشعاراته الممجوجة عن السلطة الشعبية والديمقراطية المباشرة المؤسسة، بناء على ادعائه، على مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ، عندما حول ليبيا إلى ديكتاتورية إقطاعية رجعية، يستعبد فيها كل الشعب قمعا وحرمانا، إلا عشيرته القريبة وبعض من أدواته الموالية والمطيعة.

الديمقراطية تعريفا، هي حكم رأي الأغلبية مع احترام حق الأقلية وجودا وتعبيرا، وتطبيقا هي حكم الشعب عبر انتخابه ورقابته لحكامه دوريا، والمقصود هنا تداول الحكم ضمن أحكام دستورية وشروط قانونية مقررة ومحددة شعبيا وديمقراطيا، وهذا يتطلب وجود مؤسسات منبثقة عن انفصال وفصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وذلك ضمن مجتمع ودولة يتمتع فيه المجتمع المدني والقطاع الخاص بعلاقة استقلالية مع القطاع الرسمي ضمن دستور مؤسس على المواطنة المتساوية، ومراعي لحريات وحقوق الإنسان الأساسية.

القذافي، الهاوي والمغرم بتلقيب نفسه بمبدع نظرية الديمقراطية المباشرة يخفق بجدارة ويفشل باستحقاق ويرسب بامتياز في امتحان الديمقراطية، على المستويين، المستوى الديمقراطي الدولي المتعارف عليه، وحتى على مستوى نظريته الهشة والساذجة.

القذافي يصر منذ 29 سنة، وحسب ما ورد فيما يسميه بـ"إعلان عن قيام سلطة الشعب"، المؤرخ في 2 مارس 1977، بأن "... السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، فالسلطة للشعب ولا سلطة لسواه، ويمارس الشعب سلطته عن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية..."، ولكن الواقع الذي يقاسيه الشعب الليبي، والوقائع التي يقترفها القذافي ونظامه، تشهد بالعكس والعكس المتطرف، حيث كل وكل السلطة والثروة والسلاح بيد القذافي، ومن شاء القذافي إشراكه.

الواقع والوقائع لا يحتاجان لبرهان بحكم أنهما معاشان وملموسان من الجميع، وبالأخص الشعب الليبي المكتوي بلهيب ديكتاتوريته وفسادها. إلا أن الحاجة تظل ملحة لمواجهة القذافي بدجله وصفعه بزيفه ودمغه بالحقائق، ليس بهدف ثنيته عن دجله المستفحل وكذبه البواح، وليس لمخاطبه ضميره الغارق في هوة الشر السحيقة، بل هي محاولة لكسر غروره وتحجيم ذاته المتضخمة ولتصغير شأنه إلى مقاسها الحقيقي، وتبقى في الأساس جهد لكشف وتدوين شواهد زيف ودجل القذافي.

القذافي يدعي انه بذلك الإعلان أعاد وسلم السلطة للشعب، لينصب نفسه قائدا للثورة، ذلك المنصب إلي تم فرضه بتقنينه عبر ما يسمى بـ"وثيقة الشرعية الثورية"، الصادرة في مارس 1990، والتي تقول في بندها الأول: "... تكون التوجيهات التي تصدر عن قائد الثورة ملزمة وواجبة التنفيذ". وبل أن مؤتمر الشعب العام في دورته الأخيرة، في 05 مارس 2006، قرر "التأكيد على ضرورة الإسراع في تنفيذ توجيهات الأخ قائد الثورة باعتبارها منهاج عمل للمؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية وأساسا لخطط التحول"، وكلف "أمانة مؤتمر الشعب العام بتشكيل لجان لمراجعة القوانين النافذة والتأكد من عدم تعارضها مع توجيهات الأخ قائد الثورة"، و" اعتبار التقصير في تنفيذ توجيهات الأخ قائد الثورة نقاط مساءلة للجان الشعبية".

والسؤال هنا، هل يعقل وكيف تكون السلطة للشعب مع فرض توجيهات شخص واحد عليه؟، كما انه لحد اليوم لا يوجد قانون أو نص تشريعي يخول أو يفوض القذافي القيام بمهام رئيس الدولة من مثل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والاجتماع برؤساء الدول والتوقيع على الاتفاقيات والمعاهدات معهم، إلا أن يكون انقلاب سبتمبر 1969 هو القانون الأعلى لا بصفته الشرعية بل بحكم القوة والوضعية الواقعية. وما يؤكد ذلك استمرار العديد من القوانين الانقلابية التي أصدرها "مجلس قيادة الثورة" كقرار حماية الثورة، الصادر في 11 ديسمبر 1969‘ وقانون تجريم الحزبية، الصادر في 30 مايو 1972، وهي قوانين تجرم وتحكم بالإعدام والسجن لكل من له توجه مخالف للقذافي. فبعد هذا فما الذي تبقى للشعب من سلطة الشعب؟!

القوات المسلحة بكل أركانها وفروعها البرية والبحرية والجوية والخدمة العسكرية، مستثناة من السلطة الشعبية، سلطة المؤتمرات واللجان الشعبية، فهي نظريا تقع تحت تبعية اللجنة العامة المؤقتة للدفاع، والتي يشرف عليها أسميا احد بقايا "مجلس قيادة الثورة"، المدعو اللواء ابو بكر يونس جابر، أم من حيث الواقع فهي تقع تحت سيطرة القائد الأعلى للقوات المسلحة، المدعو العقيد معمر القذافي، بل أن آمري كل كتائب الأمن والحرس الجمهوري هم من عشيرته (القذاذفة)، ومنها جحفل "خميس بومنيار القذافي" والذي يقوده اصغر أبناء القذافي، المراهق النقيب خميس القذافي، والقوات الخاصة التي يقودها ابن القذافي الكروي، العقيد الساعدي القذافي، وكتيبة الحرس 77، التي يقودها ابن القذافي المتمرد العقيد المعتصم القذافي، والقوات البحرية التي يسيطر عليها ابن القذافي الغواص، الملازم هنيبال القذافي. فأي نوع من السلطة الشعبية، التي يكون فيها الجيش خارج نطاق المؤتمرات الشعبية؟!

إقرار الميزانية ومتابعتها، إيرادا وصرفا هو من أهم سمات وشروط الديمقراطيات الحديثة، وهي من صلب واهم عمل مؤسسات الدولة الديمقراطية، وخصوصا المؤسسة التشريعية، إلا أنها في جماهيرية القذافي من الاختصاصات الحصرية والسرية المخصوصة بالعقيد القذافي، حيث لا احد غيره يسيطر ويعلم بماهية الميزانية الحقيقية ومصادر إيراداتها وأوجه صرفها، ومن ذلك اختراع القذافي الذي يسميه "المجنب"، والذي بلغ حسب احد خطاباته بداية هذه السنة 30 مليار دولار، حين يعيش الليبيون المرض والفقر والجهل ويعانون الحرمان بكل مظاهره. فما تبقى من سلطة الشعب، وهي لا تحدد ولا تعرف شيئا عن مواردها وميزانيتها؟!

الحزب الحاكم الوحيد، اللجان الثورية، لا يسري عليه قانون تجريم الحزبية ولم يؤسس بقانون صادر من سلطة الشعب، بل أن هذه اللجان تقوم حسب أدبياتها المنشورة بمهام رقابة سلطة الشعب. ويقود اللجان الثورية العقيد محمد المجذوب القذافي. فما الذي يتبقى من سلطة شعب يراقبها حزب متسلط غير قانوني؟!

معلوم أن مهمة التخطيط في المجتمع والدولة هي من اخطر واهم المهام، وهي مهمة تجمع بين التوجه السياسي ووضع أولويات المجتمع بمزج أهدافه المرحلية وإمكانيات تنفيذها وطرق تنفيذها في خطط وبرامج، ولحساسيتها حصر القذافي إدارة ورئاسة مجلس التخطيط العام في ابن عمه الزناتي محمد الزناتي القذافي، وهو نفسه أمين مؤتمر الشعب العام، وبذلك يسلب القذافي مهمة التخطيط من سلطة الشعب ليجعلها كيانا سياديا افتراضيا وهيكلا سياسيا مبتورا. فماذا تبقى لمؤتمرات ولجان سلطة الشعب لتخطط له؟!

نظرا لتطور وتعقد مهام أجهزة الدولة الحديثة، جرى العرف على وجود جهاز تفتيشي مستقل يقوم بمتابعة ورصد التزام أجهزة الدولة بالقوانين المنظمة السارية لمنع تجاوزها وانزلاقها في تصرفات غير قانونية أو أي فساد إداري أو مالي. ولطبيعة عمل مثل هذه الأجهزة جرى العرف على منح هذه الأجهزة سلطة الرقابة في استقلالية تامة عن أجهزة الدولة وخصوصا التنفيذية منها. الحالة الليبية هنا تشذ أيضا عن تلك القاعدة، وإن لم تشذ عن القاعدة القذافية، حين يتكلف إبراهيم علي إبراهيم القذافي برئاسة "أمين اللجنة الشعبية العامة للتفتيش والرقابة الشعبية". فعن أية سلطة شعبية يهذي القذافي؟!

السياسة الخارجية للدولة الليبية الحقيقية، خارج نطاق أمانة(وزارة الخارجية)، والتي ينحصر عملها في تنفيذ توجيهات "قائد الثورة" الملزمة، وتعليمات ابنه سيف الإسلام، رئيس "مؤسسة القذافي للتنمية"، ومتابعة توصيات المبعوث الخاص السامي للقذافي، العقيد احمد قذاف الدم ـ ولعل في قضية لوكربي، واليو تي أى، وأطفال الإيدز مثال صارخ عن دونية تأثير سلطة الشعب على السياسة الخارجية، فما تبقى لسلطة الشعب إذن؟!

النفط هو مصدر الدخل الأهم لليبيا، ولذلك لم يستثنيه القذافي من سيطرة القذاذفة بتكليفه ابن عمه احمد عبد الكريم القذافي بإدارته لحسابه، وإن كلف كومبارس من التكنوقراط بالإدارة الفنية للقطاع، والتي هي تابعة دائما للسيطرة الواقعية لأحمد عبد الكريم. فما تبقى للشعب من سلطة حرم فيها من ثرواته؟!

أجهزة المخابرات والأمن والسجون لا تتبع لا اللجنة الشعبية العامة (الوزارة) ولا أمانة مؤتمر الشعب العام (البرلمان)، وهما نظريا الجهتان التنفيذية والتشريعية في دولة الجماهير المزعومة، ليتبعا مباشرة العقيد عبد الله السنوسي، صهر القذافي، والعميد خليفة احنيش القذافي، رئيس لجنة الأمن المركزية، اللذين يقرران للقذافي. فما يبقى من سلطة الشعب حين يكون سجن العباد وقتلهم وإطلاق سراحهم يتم بدون علم السلطة الشعبية؟!

مؤسسات الاتصال البريدي والهاتفي والانترنتي والمطبوع وكل الأجهزة الأمنية، تخضع لسيطرة وإشراف "هيئة المعلومات والتوثيق" التي يرأسها الابن البكر للقذافي، محمد، والذي يرأس أيضا شركة البريد والاتصال، وشركات هواتف الموبيل. وكذلك هو حال هيئة الإذاعات الليبية، التي يسيرها العقيد علي الكيلاني القذافي، دون أية تبعية للسلطة الشعبية. فما تبقى من سلطة شعبية، لا تسيطر فيها هياكل سلطة الشعب عن الاتصالات والإذاعة والأمن؟!

الثقافة مصادرة في جماهيرية القذافي منذ ابريل 1973، حين أطلق القذافي ثورته الثقافية، التي دشنها بحرق الكتب وسجن وملاحقة المثقفين، لتصبح الساحة الثقافية حكر لفكر القذافي المضحك. واستمرارا في ذلك النهج المنحدر حصر القذافي مهمة تعيين رئيس مجلس الثقافة في أمانة مؤتمر الشعب العام، التي يسيطر عليها القذافيان الزناتي محمد الزناتي القذافي واحمد إبراهيم القذافي، مع غرس مركز دراسات الكتاب الأخضر (الذي يرأسه عبد الله عثمان القذافي) وشعبة التثقيف باللجان الثورية كمحورين مهيمنين به،. فما يبقى لسلطة الشعب عندما يُكتم صوت الشعب وتصم أذانه وتقلع عيونه، إلا من هذيان لسان القذافي وطنين أذنه وغبش عيونه وباقي حواسه المرتعشة؟!

الأنشطة الاجتماعية في ليبيا تحتكرها منظمات غير مستقلة معينة تحظى بكل النفوذ والتمويل الحكومي، وعلى رأسها جمعية "واعتصموا" التي ترأسها ابنة القذافي المدللة عائشة، وجمعية "رفاق القائد"، و"رابطة محبي القائد"، في حين يقيد قانون الجمعيات لسنة 1971 تأسيس وتسيير جمعيات أهلية، ومنهما منظمة الهلال الأحمر الليبي والكشافة الليبية الرائدتين. فما ما تبقى من سلطة شعبية ومنظمات المجتمع الأهلية تحاصر وتُفقر وتُسلب لصالح منظمات حكومية فاسدة؟!

حتى الرياضة في "المجتمع الجماهيرية" محتكرة بالكامل عن الجماهير، لوجود ابن القذافي البكر محمد على رأس اللجنة الاولمبية الليبية، وسيطرة ابنه الكروي الفاشل الساعدي على اتحاد كرة القدم الليبي، وسيطرة أبنائه وأبناء عمه كالعقيد سعد مسعود القذافي والعميد سعيد عويدات القذافي على النوادي الليبية العريقة والكبيرة. فما تبقى لأمانة رياضة سلطة الشعب من إشراف على الرياضة؟!

سرت موطن القذافي ومولده، هي مركز الدولة اليوم بعد اسكن فيها كل مرافق الدولة المركزية والمهمة، وشيد فيها كل متطلبات المدينة الحديقة، لتصبح مضرب خيمة القذافي المشئومة ولتكون العاصمة السياسية بتوطين البرلمان والوزارات فيها بعد أن كانت بدرجة فرع بلدي ودون مستوى البلدية أو المحافظة، ولتضحى العاصمة طرابلس وبنغازي اكبر مدينتين ليبيتين لواحق لها، تعانيان الإهمال وبل التضييق والمحاربة. فما يبقى من سلطة شعبية لا تقرر حتى مكان تواجد مركزها؟!

أخر إبداعات القذافي لتفريغ سلطة الشعب هي بدعة "القيادات الشعبية الاجتماعية"، الجامعة لكل الأعيان الذين أفرزتهما ديكتاتورية القذافي الفاسدة والمفسدة. هذه القيادة معينة وغير منتخبة، ويقودها العميد سيد قذاف الدم القذافي، وهي مكلفة بمتابعة ومعالجة كل المشاكل الجهوية والقبلية والاجتماعية. ورغم عدم وجود قانون يقرها ويبين دورها ومسئوليتها، إلا أنها تمتع بعلوية وأسبقية سياسية وبرتوكولية على كل أجهزة سلطة الشعب. فما تبقى من سلطة الشعب، واعيان مجتمع مزيفين يعلونها؟!

ربما يقول القائل، إن ما تبقى من سلطة الشعب هو مؤتمر الشعب العام الذي يمثل أعلى سلطة نظرية في البلد، ولكن أمين مؤتمر الشعب العام (البرلمان)هو محمد الزناتي القذافي، ونائبه هو احمد إبراهيم القذافي. وحسب نظرية القذافي تكون اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزارة) تحت سيطرة ومتابعة أمانة مؤتمر الشعب، والتي تقع أيضا تحت سيطرة القذافي وابنه الغر سيف الإسلام. وهكذا فحتى ما تبقى من سلطة الشعب لم يبقى للشعب!

ونبقى في نظرية القذافي السياسية الفاشلة لتعاضد تهافت و ضعف عرضها وسندها النظري مع فساد وجهل التطبيق القذافي لها، إلا انه من المفيد استعارة ما ختم به القذافي نظريته السياسية، حين كتب في نهاية الفصل الأول من كتيبه الأخضر: "... فهو ينذر بمجيء عصر الفوضى والغوغائية من بعده، ان لم تنتكس سلطة الديمقراطية الجديدة التي هي سلطة الشعب.. وتعود سلطة الفرد أو الطبقة أو القبيلة أو الطائفة أو الحزب.. أما من الناحية الواقعية فان الأقوياء دائما يحكمون.. أي أن الطرف الأقوى في المجتمع هو الذي يحكم". وهو نفس الواقع المظلم الذي يرزح تحته الشعب الليبي، فهو عصر الفوضى والغوغائية في أسوأ نماذجه، وهي سلطة القذافي الفرد وسيطرة قبيلة القذاذفة في أشنع مظاهرها، وهم اليوم الأقوياء دون الشعب المستضعف بما احتكروه من سلطة وبما استأثروا به من ثروة وبما سخروه من جبروت.

واقعة أن ليبيا للقذافي والقذافي على الشعب الليبي جائرة ومختلة، وصوابها هو أن تكون ليبيا لليبيين والشعب الليبي لليبيا، وتصويبها لن يتم بتزويقها بل بإزالة القذافي وتفجير بالون سلطة الشعب المجوف بانتفاضة زاحفة مزلزلة تكون بعدها ليبيا دولة ديمقراطية. والواقع هو أن ما تبقى من سلطة الشعب هو الشعب، وما سيزول هو سلطة القذافي.

ادرار نفوسه
المهجر، 6 مارس 2006
igrada@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home