Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Grada (Adrar Nfousa)
الكاتب الليبي ابراهيم قراده (ادرار نفوسه)


ابراهيم قـراده

السبت 6 سبتمبر 2008

الخديوي معـمر يبيع الوطن رهناً ويتاجر بالمواطن بخساً

صفقة الخديوي الدوتشي نموذجاً، واختفاء الطريق الساحلي مثلاً

ادرار نفوسه

لا للتوريث غـداً ـ ومعاً لخلاص ليبيا اليوم

ليس لدى القذافي ألذ من أن يطلق عليه وينتحل أسماء وصفات العظمة والتفرد، فبداية بفارس الصحراء ورسولها، وأمين القومية العربية وعميدها، فموحد أفريقيا وحكيمها وطافي حرائقها، مرورا بالقائد المعلم والمفكر الثائر، والصقر الوحيد وقائد النصر والتحدي- يضيف الليبيون تهكما الأهلي البنغازي كتكملة- وصانع الإنجازات ومهندس النصر الصناعي العظيم- والذي توقع الليبيون أن لا يملى قربة راعي- إلى محرر السجناء وممزق قوائم الممنوعين من السفر- وليبيا اكبر وأكثر دولة منتهكة لحقوق الإنسان في المنطقة والقارة.

كل الألقاب والنعوت السابقة، وإن كانت في غير موضعها ولا محلها، إلا أن منتحلها القذافي جهد عبرها لإقحام نفسه في خانة الثوار التقدميين والبناة المصلحين، ولكنه بعد اكتشافه فداحة الاستمرار في الانتحال لقصوره عن شروط الثورة والتقدم والبناء والإصلاح، ارتد مؤخرا لطبعه المتخلف الغالب، فجمع مرتشيا حزمة من شيوخ وسلاطين القبائل الأفريقية التقليدين والغير رسميين، ليطلقوا عليه "ملك ملوك أفريقيا"، على وزن الشاهان شاه الإيراني، وفطزة في خنازير الجزيرة!

فالمتمعن لشأن القذافي وحاله بعد انكشاف غطاء الشجاعة الكاذب عنه وانحسار رداء النخوة المصطنعة منه، هو تلهفه ولهثه لضمان سلامته أولا، بكفره وتنكره لكل شعارات البطولة ولافتات الرجولة. الحدث، الذي فضح وأرجف القذافي هو صورة صنوه في الديكتاتورية والألقاب المهيب صدام حسين، وهو مختبئا خانعا ومختفيا مرتعدا في جحر حقير.

بالمرور على التاريخ وجرد صنائع القذافي في شراء سلامته ببيع مقدرات الوطن ومستقبله وتبديده مليارات الدولارات وارتهانه لثروات الوطن الحاضرة والمستقبلة في صورة إمتيازات ومنح للشركات الغربية، وخصوصا الأمريكية، فأن أنسب تقريب له هو خديوي مصر الخديوي إسماعيل، الذي اغرق مصر في الديون وباعها في صورة امتيازات ورهونات، أفقرت مصر وكبلت اقتصادها لقرون.

وهكذا، وحتى يرضى القذافي المهووس بالألقاب، فالمناسب أن يسبغ على نفسه لقب خديوي ليبيا، الخديوي معمر. وهذا يسهل مسعى التوريث أيضا، بحيث يكون وريثه هو الخديوي سيف، المتمرس في البيع والارتهان منذ نعومة شعره.

وللإنصاف وتجنبا للاجتراء، ففي صفقة الخديوي معمر مع الدوتشي بيرلسكوني الأخيرة لطي مسألة الاستعمار الإيطالي لليبيا نموذجا جيدا يتوفر على عناصر التحليل لوصول واستخلاص حكم بان الخديوي معمر يبيع الوطن رهنا ويتاجر بالمواطن بخسا. توصيف بيرلسكوني بالدوتشي مستعار من الصحافة الإيطالية ليمينيته وسيطرته على الآلة الإعلامية والمالية في ايطاليا. إلا أن الدوتشي برلسكوني مضطر لعرض الاتفاقية على البرلمان الإيطالي للمصادقة، أما في ليبيا فالخديوي معمر هو ليبيا وابنه الخديوي الصغير هو ليبيا الغد، أما الشعب الليبي فعليه العوض والمعوض الله.

للصفقة الخديوية الدوتشية جانب معنوي وأخر مادي. الجانب المعنوي، وحسب نص معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون بين ليبيا وإيطاليا، يشير فقط إلى عزم الدولتين "على القفل النهائي لـملف الماضي المؤلم، الذي سبق لإيطاليا أن عبرت في الإعلان المشترك عام 1998، عن أسفها للآلام التي لحقت بالشعب الليبي من جراء الاستعمار الإيطالي، وذلك بحل كافة الخلافات الثنائية". الفقرة المنقولة من نص الاتفاقية لا إشارة فيها للاعتذار العلني والرسمي، ولا عن اعتراف ايطاليا بجرائمها في حق الليبيين، وهي جرائم شنيعة شملت القتل الجماعي والتهجير والنفي والتشريد والاعتقال في معتقلات جماعية والتجويع والتشغيل بالسخرة والتجنيد القهري وزرع الألغام ومصادرة الأراضي والممتلكات والتنصير. فقرة بهذه الصياغة والمحتوى، وبكل المقاييس، تعد تنازلا كبير وتفريط جم في حقوق الوطن وأجياله المجاهدة والحاضرة والقادمة. ولكنه الخديوي معمر!

نأتي للجانب المالي، والذي يحاول الخديوي معمر أن يظهره بأنه ضربة معلم في فن الصفقات والمفاوضات، فهو بكل المقاييس ضحك واستهزاء بالشعب الليبي المرهون. فالاتفاقية تنص على التزام ايطاليا بالدفع الغير المباشر لمبلغ خمسة مليار دولار أمريكي على مدى عشرين عاما، بمعدل ربع مليار دولار سنويا. المبلغ يبدو ضخما للوهلة الأولى، ولكن إذا عرفنا انه دفع غير مباشر، أي انه سيكون من نصيب شركات إيطالية تنفيذ مشاريع محددة وبإدارة إيطالية، وإذا ما تم خصم قيمة أرباح الشركات الإيطالية وحساب تهاوي قيمة الدولار الآن وفي المستقبل، فان المبلغ سيتقلص بحجم كبير. المبلغ ضئيل اصلاً، إذا ما قارننا مبلغ التعويضات الليبية المدفوعة حالاً لغلق ملف طائرة لوكربي والمعلن بمليارين وسبعمائة مليون دولار لتعويض اسر ضحايا الطائرة المنكوبة المائتين والسبعين، وعلمنا أن عدد ضحايا الاستعمار الإيطالي كان مليونا وسبعمائة وخمسين ألف ليبي قتيل. وبحسبة بسيطة، فتعويض القتيل الأمريكي كان عشرة مليون دولار، أما الشهيد الليبي فنصيبه ألفين وثمانمائة وستين دولار فقط. طبعا، مع تعامي وإغفال النظام لكل أضرار الشعب الليبي الأخرى في هذه العملية التجارية الضيزى، والتي لن يسقطها الحساب الوطني ابدأ من تاريخه وذاكرته. ولا ننسى أن الاتفاق نص على تكفل الدولة الليبية بتكاليف الأراضي والإعفاءات الضريبية الممنوحة للطليان. ولكنه الخديوي معمر!

ومن زاوية أخرى، فالاستعمار الإيطالي لليبيا امتد من 3 أكتوبر 1911 إلى 26 يناير 1943، أي 11439 يوما، وبتقسيم مبلغ التعويض فيوم احتلال سيكلف الحزينة الإيطالية مبلغ 437 ألف دولار فقط. وهو مبلغ جد تافه في ميزانية خمس اكبر اقتصاد صناعي في العالم. الناتج أو الدخل القومي الإيطالي السنوي يتجاوز مبلغ اثنان تريليون دولار أي ألفان مليار دولار، أي أن مبلغ مائتان وخمسون مليون دولار كتعويضات سنوية تدفع لليبيا هو لا شيء بالنسبة لايطاليا، والتي تبلغ مساهمتها في المساعدة التنموية الرسمية لدول العالم الثالث حدود الأربع مليارات دولار سنويا- الأرقام مستقاة من إحصائيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD.

مبلغ 250 مليون دولار سنويا الذي ستتقاضاه ليبيا كثمن لـ"قفل ملف الماضي والمنازعات" حسب نص الاتفاقية، هو مبلغ تافه لا يساوي شيئا أمام جرائم الاستعمار الإيطالي، وهو يوازي العائد اليومي من تصدير ليبيا لاثنين مليون برميل. أي أن التعويض الإيطالي لمدة سنة يساوي دخل ليبيا النفطي فقط لمدة يوم واحد فقط. كما أن مبلغ 250 مليون دولار سنويا هو تقريبا ما تتلقاه دول من مثل الصومال وبنين والنيجر من مساعدات تنموية مباشرة. أليس هذا ضحك على ذقون الليبيين واستهانة بتضحيات الأجداد. ولكنه الخديوي معمر!

وإذا تمعن المرء ونظر في بنود صرف مبلغ 250 مليون دولار السنوية، سيجد فقرات تبين مدى استهتار الخديوي معمر بمصالح الليبيين ومدى حرص الدوتشي على مصالح الإيطاليين. وللتبيان والتدليل، فمن البنود الواردة في الاتفاقية "استئناف دفع معاشات التقاعد للمستحقين الليبيين من مدنيين وعسكريين ولورثتهم المستحقين لها بموجب اللوائح الإيطالية النافذة"، فعن أي ليبيين تتحدث الاتفاقية وأين هم الآن؟

أما بخصوص توفير 100 منحة دراسية إيطالية لطلبة ليبيين، فانه من المعروف أن الدول المتقدمة ملتزمة دوليا بمنح مقاعد دراسية لطلبة دول العالم الثالث، وهكذا فبدل أن تتم الاستفادة من هذه الخدمة وفق العرف الدولي، يتم اقتطاعها من مبلغ التعويض. وكذلك ماذا يعني أن تلتزم ايطاليا التي دمرت كل ليبيا ببناء 200 وحدة سكنية فقط ؟ وكأنه لا توجد أزمة سكن في ليبيا، وأن 200 مسكن سيحلون الأزمة، إلا إذا كان المقصود بناء 200 قصر واستراحة للخدويويات.

أما اللغز الكبير فهو اختفاء بند التزام ايطاليا برصف وتعبيد الطريق الساحلي الرابط بين رأس أجدير وإمساعد. هذا الطريق تم تقديمه كجوهرة تاج في الاتفاقية الإيطالية الليبية، وبلسم بلع الاتفاقية إذا كان بالإمكان بلعها، وإن مرت براحة ببلعوم القذافي المتسع. لا يوجد ذكر للطريق في نص الاتفاقية المنشور رغم تسويقات الخديوي وابنه، فأين ذهب البند الخاص بالطريق؟ عموما، وحتى في حال تخصيص كل مبلغ الخمسة مليارات دولار، لم يكن من الممكن فنيا ولا ماليا بناء طريق رئيسي سريع بطول 2000 كلم بتلك القيمة. لان تكلفة تشييد كيلومتر واحد من طريق رئيسي بأربع خطوط هو أربع مليون دولار، مع تضاعف المبلغ حال بناء جسور وأنفاق، وذلك حسب تقدير مستقى من موقع بي بي سي العالمي. أي أن الطريق الساحلي لوحده سيكلف على اقل تقدير 8 مليار دولار أمريكي. فهل ينتظر الليبيون 25 سنة لحين انتهاء أجل الاتفاقية ليعرفوا الطريق؟

على الليبيين أن يموتوا في حوادث الطرق طالما الخديوي معمر في السلطة، أو لحين استدانته لبناء الطريق ليرهن ما تبقى من الوطن، أو حتى يستعمرنا الطليان أو الأمريكان ويعيدوا إعمار البلاد، بعد إكمال تخريبها أولا. وحتى ذلك الحين فالطريق الساحلي الحالي، والمنشئ إبان الاحتلال الإيطالي هو طريق الموت المؤكد الأقرب، والأسلم منه طريق التضحية والفداء لتخليص الوطن من خديوي الموت معمر القذافي.

ولكن الخديوي إسماعيل الذي باع مصر تخلى عنه المصريون فخلعه الإنجليز- أمريكيوا الأمس- فمات منفيا معزولا. وفي عهد الخديوي إسماعيل شقت قناة السويس، فماذا سيترك الخديوي معمر؟!

ادرار نفوسه
6 سبتمبر 2008
igrada@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home