Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Hisham Ben Ghalboun


هشام بن غلبون

Wednesday, 21 June, 2006

ليبيا بعـد 37 سنة من حكم العـقيد

هـشام بن غـلبون
أعددت هذا المقال خصيصا للعدد التجريبي من مجلة "الجنوبي"(*)


مع اقتراب حلول الذكرى السنوية لاستيلاء العقيد معمر القذافي على السلطة في ليبيا بواسطة إنقلاب عسكري مباغت أطاح بنظام الملك ادريس السنوسي (رحمه الله) الذي حكم ليبيا بعد أن قاد مسيرة الشعب الليبي ونضاله نحو انتزاع استقلاله من الإستعمار الإيطالي سنة 1951، يُجري المواطنون الليبيون –خلسةً- تقييماً سنوياً لحصيلة العام المنصرم ليضاف إلى سجل نظام العقيد القذافي على مدى الـ 37 سنة منذ وصوله للسلطة واستلامه لزمامها المطلق.

بينما تكثف أجهزة الإعلام الرسمية حملاتها المتواصلة لإقناع المواطن الليبي والعالم بأن ما حدث في ليبيا فجر الأول من سبتمبر 1969 إنما هو ثورة شعبية شارك فيها الشعب بأكمله، وأنها قامت تلبية لرغباته وطموحاته. وهي مزاعم ودعاوى لم يتم حسمها لصالح النظام بالرغم من محاولاته الدؤوبة، لأن الشعب الليبي، وخاصة المعاصرون لفترة قيام الإنقلاب العسكري منهم، يعلمون أن ما حدث صبيحة ذلك اليوم فاجأهم كما فاجأ أجهزة النظام السابق تماما.

ولعل الحدث الأكثر أهمية هذا العام هو شطب الولايات المتحدة الأمريكية لاسم ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وعودة العلاقات الليبية الأمريكية بعد انقطاع دام لربع قرن من الزمان.

فرأس النظام وأجهزته الإعلامية تسوّق هذا الأمر على أنه إنجاز باهر يضاف إلى إنجازات الثورة، بينما يطالب المواطن الليبي المقهور –خلسةً- بمحاسبة المسؤولين عن السياسات الطائشة والمغامرات غير المسؤولة طوال فترة السبعينيات والثمانينيات بدعم النظام لمنظمات إرهابية عالمية أدت إلى تصنيف ليبيا عربياً وعالمياً بأنها دولة داعمة للإرهاب، تزعزع أمن واستقرار العديد من الدول، ليس في الجوار فحسب، بل على المستوى العالمي كذلك، ويتسآءل المواطن كذلك عن كم كلّفت هذه التسويات خزينة الشعب من مبالغ طائلة لشراء الرضا الأمريكي(1) والسماح بالعودة إلى الحظيرة الدولية، ومن تشويه لسمعة ليبيا.

وتظل تساؤلات المواطن محصورة في النطاق الشخصي أو الضيق جدا بسبب عدم سماح النظام بحرية التعبير أو الصحافة المستقلة، أو إبداء الرأي المخالف مخافة التعرّض لعقاب وقمع الأجهزة الأمنية المتعددة التي تحكم البلاد بنفس الضراوة التي حكمتها بها طوال العقود الثلاثة الماضية(2) .

ولعل ليبيا اليوم أو "جماهيرية العقيد العُظمى" تُعد إحدى الدول القليلة في العالم التي مازال يُحظر فيها إبداء الرأي الآخر، ولو بطريقة صورية كالتي نشاهدها في كثير من الدول العربية خاصة ودول العالم الثالث بصفة عامة، وهو الأمر الذي فرض واقع لجوء المعارضين الليبيين إلى مزاولة نشاطاتهم خارج الوطن. وقد حققت المعارضة الليبية في الخارج نجاحات كبيرة في مجال كشف وتعرية انتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها النظام ضد الشعب الليبي بلا هوادة، ويرجع لها الفضل في تقصّي وتقديم حقائق جريمة تعد الأبشع في تاريخ النظام الحافل بالجرائم، وهي ما صارت تعرف عالمياً باسم "مجزرة أبوسليم"، حيث قامت أجهزة النظام بقتل أكثر من 1200 سجين سياسي أعزل رميا بالرصاص ليلة 29 يونية 1996. ثم تخلصت من جثثهم بوسائل لا انسانية كشفتها السنين اللاحقة، ولم تخبر ذويهم إلا بعد مرور تسع سنوات على تلك الجريمة النكراء تحت ضغوطات من منظمات حقوقية دولية.

وبالرغم من حرص النظام الليبي على التسامح والليونة في تعامله مع أمريكا والدول الغربية، تظل أجهزته الأمنية المتعددة تتعامل مع المواطن الليبي بمنتهى القسوة والوحشية في شتى المجالات، وإن كان مجال حرية الرأي والتعبير يظل من أكبر هواجس النظام، وهو الأمر الذي رصدته وأذاعته اثنتان من منظمات حقوق الإنسان العالمية المعروفة. فقد جاء في التقرير السنوي للمنظمة العالمية لحقوق الإنسان "أمنستي انترناشيونال" 2006 الصادر في شهر مايو الماضي تحت عنوان "حرية التعبير وتكوين الجمعيات" مايلي: "واصلت السلطات فرض قيود مشددة على حرية التعبير، ولم تكن هناك أية منظمات محلية مستقلة معنية بحقوق الإنسان. واستمرت السيطرة المشددة على وسائل الإعلام المملوكة للدولة، وظل القانون يحظر إنشاء صحف مستقلة خارج النظام السياسي القائم. وتعرض الصحفيون والكتاب الذين انتقدوا السلطات للقبض عليهم أو لغير ذلك من أشكال المضايقة. ففي 2 يونيو/حزيران [2005]، عُثر على جثة ضيف الغزال وقد شُوهت بالقرب من بنغازي، بعد 12 يوماً من اعتقاله على أيدي أشخاص عرفوا أنفسهم باعتبارهم من مسؤولي "جهاز الأمن الداخلي"، حسبما ورد. وقد تبين أنه أُصيب بطلق ناري في الرأس(3) ...."

وفي تقرير منفصل لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية صدر في 25 يناير/كانون الثاني 2006 بعنوان: "الكلام مقابل الأفعال: حاجة ليبيا الملحة للإصلاح الحقوقي(4) " قالت المنظمة "أن الحكومة الليبية ما تزال تواصل احتجاز سجناء سياسيين، وإجراء محاكمات غير منصفة، وتمارس تقييداً شديداً لحرية التعبير والتنظيم."

كما صرحت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لهذه المنظمة الحقوقية في 4 مايو الماضي مايلي: "تبذل الحكومة الليبية قصارى جهدها للظهور بمظهر ديمقراطي أمام العالم، لكنها تبدو مستعدةً لإعدام من ينتقد زعيمها أو يتحدث إلى مسؤولين أجانب. وهذا ما يبين مدى الشوط الذي ما زال عليها اجتيازه(5) "

أما على الصعيد الإقتصادي فإن نظام العقيد القذافي قد فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أي درجة من النمو أو الرخاء الإقتصادي المتوقع لأفراد الشعب الليبي بصفةٍ عامةٍ. فباستثناء أفراد أسرة العقيد نفسه وأفراد قبيلته والمنتفعين من أصحاب النفوذ وأعضاء اللجان الشعبية والثورية الذين يشكلون طبقة تزداد ثراءً باطّراد، فإن المواطن العادي قد وصل إلى حالات من الفقر لم تعرفها ليبيا منذ أن تدفق الخير تحت أقدام مواطنيها بكميات مذهلة جعلت منها احدى أكبر الدول المصدّرة للنفط في العالم.

وقد تناقلت صحافة الفن والنجوم أخبار وصور الحفل الساهر الذي أقامه نجلي العقيد القذافي، الساعدي و المعتصم في مدينة البندقية الإيطالية في سبتمبر من العام الماضي حيث دعوا إليه لفيفاً من نجوم السينما العالمية الذين كانوا متواجدين في المدينة بمناسبة مهرجان السينما السنوي الذي أقيم بها العام الماضي، والذي وصفته الصحافية الإيطالية "مارتا مارزوتّو" المتخصصة في أخبار المشاهير والأغنياء في تقريرمصوّر نشرته صحيفة "كي Chi " الإيطالية في عددها الصادر بتاريخ 21 سبتمبر 2005 ، بأن "الحدث بدا وكأنه عملية تصوير مشهد في فيلم سينمائي عالمي عظيم، يزدحم بالممثلين والكمبارس و معدات التصوير!(6) في الوقت الذي ينتظر الموظفون الليبيون مدة شهرين أو أكثر ليتقاضوا مرتباتهم الشهرية المتدنية (متوسط المرتب الشهري للموظف الليبي 200 دينار أي ما يعادل 150 دولار ! تقريبا).

وشهد شاهد من أهلها فقد جاء في خطاب لرئيس الوزراء الليبي الأسبق الدكتور شكري غانم(7) ألقاه أمام "مؤتمر الشعب العام حقائق مذهلة في هذا الصدد، حيث اعترف بأن "البطالة هي مشكلة ليبيا الأولى، حيث يبلغ عدد العاطلين عن العمل 300 ألف شخص". وزاد بأن "السكن هو ثاني مشكلة تعاني منها ليبيا بعد البطالة، وأن هنالك حاجة الى 200 ألف وحدة سكنية، وربما ضعف هذا العدد، مع زيادة سنوية بمقدار 25 ألف وحدة".

كما صرّح بالقول في مناسبة أخرى: " نحن الآن في عام 2005م ويوجد لدينا حالياً قرابة 180 ألف أسرة تعيش علي 100 دينار ليبي (75 دولاراً) الأمر الذي يعني أنّ خمس سكان ليبيا يعيشون تحت خط الفقر،.. وإذا كان دخل العائلة الليبيّة يعادل 75 دولار في الشهر ومعدل عدد الأفراد في الأسرة الليبية 8 أو 9 أفراد، فمعنى ذلك وجود مليون ونصف المليون إنسان ليبي يعيشون على 9 دولارات شهرياً(8)." وفي برنامج بثته القناة الليبية الرسمية "الجماهيرية" خلال العام 2005، كشفت لأول مرة عن وجود عائلات ليبية تعيش داخل أكواخ من الصفيح والخشب، وفي وضع صعب للغاية بدون ماء ولا كهرباء، ولمدة تجاوزت بعض حالاتها 10 سنوات.

وقد أدت الأوضاع الإقتصادية المزرية في ليبيا -بسبب ارتفاع المعيشة وغلاء الأسعار، مقابل أجور ورواتب ظلت جامدة لا تتزحزح، منذ قرابة ربع قرن (1981)، لم تعد قادرةً على تلبية أبسط الضروريات- إلى تفشي ظاهرة التسوّل في البلاد، حيث ينفطر قلب المواطن العائد إلى ليبيا من المهجر هذه الأيام لرؤية أناس معروفين بالكرامة وعزّة النفس يقفون أمام المساجد ويدورون على المتاجر والدكاكين في طلب المساعدة من المحسنين تحت وطأة الفقر وانعدام الفرص.

وما قصة الممرضات البلغاريات عنك ببعيد فهي تفضح استهتار النظام بأرواح الناس وسلطته القضائية وكرامة الوطن والدولة وتدميره للصحة، فهي تحكي جريمة القتل المتعمد مع سبق الاصرار والترصد لأربعمائة طفل حقنوا بمرض نقص المناعة (الايدز) في مستشفى الأطفال بمدينة بنغازي، حيث وجّه النظام التهم إلى 5 ممرضات بلغاريات يعملن في المستشفى وطبيب فلسطيني، في ظروف لا يزال يكتنفها الغموض، ثم حكم عليهم بالاعدام ثم أمر المحكمة العليا بنقض الحكم، ليتسنى لسلطته القضائية تبرأتهم، في مناورات مكشوفة لامتصاص الضغط العالمي الذي مارسته عليه الإدارة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي، ليصبح هاجس النظام الأوحد هو إيجاد وسيلة لحل الأزمة الدبلوماسية التي فجرتها هذه القضية الغامضة، بدون اكتراث بمن حقن هؤلاء الأطفال وتسبّب في هذه الكارثة وكيف تم ذلك ، فحياة المواطن المحلّي وكرامته لا قيمة لها في نظام القذافي.

هذا غيض من فيض عن أحوال ليبيا منذ أن تحولت إلى "جماهيرية العقيد"، بؤس للمواطن، وفشل في أجهزة الدولة، وانهيار في بنيتها التحتية، وتشويه لسمعة البلاد على المستوى العالمي. وقد يجد المرء العذر لدولة يبلغ تعداد سكانها مئات أو حتى عشرات الملايين، لا تتوفر فيها الموارد الطبيعية اللازمة لهم، أو لنظام حكم لم يمكث مدّةً كافيةً ليطبّق مشاريعه الإصلاحية. لكن ليبيا وعقيدها بعيدة عن كل ذلك كل البعد، فتعداد السكان -بحسب الإحصائية الرسمية الصادرة في الشهر الماضي- يتجاوز الخمسة ملايين بقليل، وتعد من أكثر دول العالم انتاجا للنفط، والعقيد يحكمها –بمفرده- منذ 37 سنة.

هشام بن غـلبون
عضو الإتحاد الدستوري الليبي المعارض
مانشستر/ المملكة المتحدة
hisham@lcu-libya.co.uk ________________________________________________

(*) بالإمكان مطالعة العدد التجريبي من مجلة "الجنوبي" الصادر يوم الأثنين 19 يونية باتباع هذا الرابط :
http://www.algeria-voice.org/Links/2020/EL_DJANOUBI_0/El_Djanoubi.pdf
(1) قبل القذافي بدفع تعويضات لضحايا طائرة بان أمريكان (رحلة رقم 103) التي انفجرت فوق قرية لوكربي الأسكتلندية يوم 21 ديسمبر 1988 قيمتها 2,7 بليون دولار أي ما يعادل 10 ملايين دولار للفرد الواحد، كما قبل كذلك بدفع تعويضات باهضة لضحايا جريمة تفجير الطائرة .التابعة لشركة اوتا الفرنسية أثناء رحلتها فوق النيجر عام 1989، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
(2) قامت أجهزة النظام باغتيال الصحفي الشاب "ضيف الغزال" وبتر أصابع يده اليمنى وألقت بجثته التي ظهرت عليها أثار التعذيب في مكان يسهل العثور عليه في استعراض سافر لعدم تخليها عن أساليب القمع والتخويف في التعامل مع من يوجه إليها النقد، وذلك بعد أن كتب الصحفي المغدور سلسلة من المقالات –من داخل ليبيا- توجه اللوم إلى أجهزة معينة في الدولة واتهمها بالفساد الإداري، وقد حظيت هذه الجريمة البشعة بتغطية إعلامية واسعة وإدانة للنظام من منظمات حقوقية بعد أن قامت فصائل المعارضة الليبية في الخارج بلفت الأنظار إليها.
(3) بالإمكان الإطلاع على التقرير الكامل على موقع المنظمة باتباع هذا الرابط :
http://ara.amnesty.org/report2006/lby-summary-ara
(4) بالإمكان الإطلاع على التقرير الكامل على موقع المنظمة باتباع هذا الرابط :
http://hrw.org/reports/2006/libya0106
(5) بالإمكان الإطلاع على النص الكامل على موقع المنظمة باتباع هذا الرابط :
http://hrw.org/arabic/docs/2006/05/03/libya13307.htm
(6) للإطلاع على مزيد من التفاصيل مع الصور اتبع الرابط التالي :
http://www.libya-watanona.com/news/n2005/oct/n08oct5a.htm
(7) بالإمكان الإطلاع على مزيد من التفاصيل لكلمة الدكتور شكري غانم باتباع هذا الرابط :
http://www.metransparent.com/texts/amazing_figures_on_libyan_economy.htm
(8) لمزيد من التفاصيل عن تصريح شكري غانم :
http://www.islamonline.net/arabic/economics/2005/11/article15.shtml


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home