Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Hisham Ben Ghalboun
الكاتب الليبي هشام بن غلبون


هشام بن غلبون

الثلاثاء 20 يوليو 2010

الشاطر سيف... و"خرطوش فَردُو"

هـشام بن غـلبون

ليس من عادتي التعليق على ما يقوله أو يفعله أبناء القذافي، وأكتفي فقط بمراقبة سلوكهم وتصرفاتهم وتصريحاتهم لتكوين فكرة عنهم وعن عقلياتهم. ولكن تصريحات سيف القذافي الأخيرة لصحيفة الشرق الأوسط [1] فيما يتعلق بقضية سفينة الإغاثة التي أرسلها لكسر الحصار الاسرائيلي الجائر على غزّة، والتي زعم فيها أن رسوّها في ميناء العريش بمصر -بدلا من ميناء غزة- يعتبر "إنجازاً تاريخياً" فشل العرب جميعاً في تحقيقه، وانتصاراً لم يكن يحلم به! وأن نتيجته ستكون " انطلاق شرارة إعادة إعمار غزة" وتدفـّق أسياخ الحديد وأكياس الأسمنت وبقية مواد البناء عليها، والتي اختارت لها الصحيفة عنواناً لافتاً اقتبسته من تصريحات القذافي الابن هو "حصلنا على العنب. فلماذا نقتل الناطور؟". لفتت –هذه التصريحات- نظري إلى أمر صغير له دلالات خطيرة أردت أن ألقي عليها بعض الضوء، دون الخوض فيما إن كانت السفينة قد حققت بالفعل غرضها الأصلي أم أكثر، ولا فيمن هو المستفيد الأكبر من تلك "الصفقة" وما إلى ذلك، لأن التحليل في هذا الموضوع يطول وليس هنا مجاله في هذه العجالة. إلا أنه يكفي مجرد التنويه بأن استفادة الفلسطينيين منها يظل مرهوناً بمدى التزام مصر واسرائيل بتنفيذ وعدهما بالسماح للمعونات للوصول الى أهلها، ثم بوفاء اسرائيل بالتزامها بالسماح لمعونات سيف و"أسياخه" بالمرور –عبر الأونروا- لإعادة إعمار غزة، وتاريخ اسرائيل في الوفاء بالوعود والالتزامات يُغني عن كثرة التفكر والتكهن والتحليل. ويكفي كذلك مجرد التذكير بأن المهم هنا هو أن اسرائيل –بالرغم من هذا "الانجاز التاريخي"- تظل تمسك بجميع الأوراق والأسياخ وأكياس الاسمنت التي بشر بها القذافي الابن.

وسأختار في هذا المقام –ولو مؤقتاً- تصديق رواية السيد سيف، وقراءة الحدث من هذا المنطلق؛ فهو يتباهى بأنه "... بسفينة متهرئة (الأمل) إذا بيعت في السوق قد لا تحصل على أكثر من 150 ألف دولار مقابلا لها، وفيها عشرة من الفتية الصغار وشباب متطوعون ..."، قد حقق نصراً على اسرائيل عجز العرب منفردين ومجتمعين على تحقيقه طوال سنوات مواجهة الأمة مع عدوّها! وذلك لأنه أحسن استغلال الموقف أو عرف "يشتغل كوّيس" بحسب تعبيره. فإسرائيل لا تريد تكرار جريمة قتل المدنيين العزّل التي ارتكبتها على متن السفينة التركية "مرمرا" على مرأى ومسمع من العالم أجمع التي قد تقود إلى فقدانها لاحترام وتأييد رجل الشارع في العالم الحر وتعرضها لضغوط من حلفائها وأصدقائها، الأمر الذي يجعلها في موقف ضعف يمكن استغلاله بـ "شويّة شغل كويّس"، وذلك بالتلويح بكسر الحصار لجبرها على أحد أمرين:
إما قصف السفينة "المتهرئة" وقتل من عليها من مدنيين، أو الرضوخ لشروط الشاطر سيف !

ولا يخفى –بطبيعة الحال- أنه لتحقيق ثمرة هذا الضغط أو الابتزاز السياسي أو "الشغل الكويّس" لابد أن يتوفر لصاحبه أداة الضغط اللازمة لانجاح هذا المخطط أو "البلُفّ"، ولابد أن يكون المدنيون الذين على متن السفينة رجال شجعان مستعدون لمواجهة الموت في حال "ركبت اسرائيل رأسها" وقررت قصف السفينة. فهذا تحديداً هو عنصر الضغط الوحيد الذي يضمن نجاح هذا "البلُفّ"، وإلا فما على اسرائيل الا أن تنذر طاقم السفينة بعزمها على السيطرة على سفينتهم واقتيادها إلى ميناء أشدود كما فعلت مع بقية السفن المرافقة للسفينة "مرمرة"ومن بعدها السفينة "راتشل كوري"، وهو ما سيعرض اسرائيل إلى "عتاب" من هنا و "ملام خفيف" من هناك وتنتهي القصة بدون خسائر لأحد، و "يا دار ما دخلك شرّ":.

ولكن السيد سيف بدلا من ذكر الدور الحاسم لهؤلاء "الفتية" وتقاسم شرف "الانجاز التاريخي" معهم، بخل عليهم حتى بوصفهم بالفدائيين، أو الاستشهاديين أو أي صفة تقديرية تعترف ولو ضمنياً بدورهم وتشيد بهم وهم من كانوا –في هذه التمثيلية- بمثابة "خَرطوش فَـرْدُو"[2] كما يقول اخواننا قبضايات الشام، (بما أن السيد سيف اختار الأمثلة الشامية للتعبير عن نشوته بالإنجاز المزعوم)، بدلا من ذلك كله فقد أرجع "الإنجاز" والانتصار بالكامل إلى قدرته الخارقة في "اللعب صحّ" و "الشغل الكويّس" الذي لايجيده غيره! ولولا مصادر الأنباء غير الليبية لما عرفنا حتى جنسياتهم ولا أية معلومات عنهم. فالرجل كان منتشياً بذاته ولم يرَ أي سبب لذكر دورهم أو حتى مجرد التطرق لهم واكتفى بمجرد وصفهم بـ "الفتية الصغار" فقد صاروا –شأنهم شأن السفينة المتهرئة أدوات لم تعد لها قيمة. وهي سمة من السمات الكريهة لشخصية أبيه أرجو ألاّ تكون قد فاتت على أخواننا "دعاة الاصلاح" المراهنين على بطل "ليبيا الغد" الذي يسير كل يوم على نهج والده خطوة بخطوة وتظهر عليه –مع مرور الوقت واكتسابه للثقة بنفسه- نفس العلامات التي تفضح شخصيته المماثلة تماماً لشخصية أبيه الذي ألحق بالبلاد والعباد الدمار والخراب الذي لا يخفى عليهم.

كذلك فإن القذافي الأبن لم يُخفِ -في غمرة زهوه بهذا الانتصار المزعوم- إزدراءه لبقية الحكام العرب بما فيهم الفلسطينيين أنفسهم والسخرية منهم، فاتـّهم الفلسطينيين باستغلال معاناة شعبهم لتحقيق مكاسب سياسية في الصراع الدائر بينهم، بينما بخـّس مجهودات بقية العرب ووصف الجميع بأنهم لا يسعون إلا إلى "الشو" و "الاستعراض"، وأن منتهى همهم دائما لا يتجاوز "قتل الناطور". وهذه الأخرى خصلة من خصال أبيه الذميمة التي دأب عليها على مدى الأربعين سنة الفائتة. أي الإعلان عن انتصار مزعوم، يتخذه أرضية ينطلق منها لإهانة غيره.

هشام بن غلبون
hisham@lcu-libya.co.uk
18 يوليو 2010

________________________________________________

(1) الشرق الأوسط 15 يوليو 2010:
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=578217&issueno=11552 ـ

(2) " فردو" بالعامية الشامية تعني "سلاحه"، وخرطوش فرد الرجل هم ذخيرة سلاحه الذي بدونه لا يسوى السلاح شيئاً .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home