Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Hisham Ben Ghalboun
الكاتب الليبي هشام بن غلبون


هشام بن غلبون

السبت 16 اكتوبر 2010

ما أشبه الليلة بالبارحة ... القذافي والقرمانلي

هـشام بن غـلبون

لا شك في أن عقد مقارنة بين العقيد معمر القذافي وأي حاكم آخر ظلم بيّن لذلك الحاكم مهما كانت مثالبه ودرجة طغيانه وبغض النظر عن مكانه وزمانه، فخلطة الشذوذ التي تتتميّز بها شخصية القذافي نادرة جداً وتجمع ضمن مكوناتها متناقضات لها أول وليس لها آخر، ولا يوجد بينها عامل مشترك سوى أنها جميعها شرّيرة

ولكنني لم أملك نفسي من ملاحظة ما ورد في سياق الوثيقة التي ألحقها الشيخ محمد بن غلبون بمقالته التي نشرها على هذا الموقع في 9 أكتوبر 2010 [1]، وهي الرسالة التي صدرت من حاكم سبق القذافي في حكم ليبيا بما يقرب من القرنين من الزمان هو يوسف باشا القرمانلي يصف فيها وقائع حملاته ضد بعض قبائل البلاد التي تمردت على ظلمه وطغيانه. فقد أدهشني التشابه –إلى حد التطابق أحيانا- في درجة القسوة التي يتعامل بها مع الخصوم، وفي نظرته إلى الآخرين واستخفافه بهم في ثلاثة مواضع من هذه الرسالة على قصرها : 

الأولى عند وصف القرمانلي لما قام به عساكره بعد انتصارهم على أعدائهم في احدى المواقع حيث يصف ذلك بالقول "....وشرعوا العساكر في تقطيع الأشجار وتعديم الأبار من الفنادن إلى دفع الوادي لا قعدت زيتونة ولا حوش قائم البناء ثم رحلت المحلة ...." وهي سياسة همجية انتقامية جائرة نراها رأي العين في تشفـّي القذافي من خصومه فلم يكفه هدم بيوتهم -بعد قتلهم- ولا تشريد أسرهم، ولا الضغط على أهاليهم للبراءة –العلنية المهينة- منهم، بل ذهب إلى حدّ نبش قبورهم ورمي جثثهم في عرض البحر، وحرق غابات الجبل الأخضر، وحصار بنغازي ودرنة وترهونة، وما الاضطهاد والتشفّي الذي تعرضت له أسر ضحايا مجزرة سجن بوسليم عنا ببعيد. 

والثانية في وصفه للقتلى -من جنوده- الذين ماتوا مقاتلين تحت لوائه ضمن الحملة التي جردها لقتال أعداءه بقوله " وأما المحلة لم يمت منها إلا مائة وخمسين رقبة من كل نسبة اثنين ثلاثة مالهم بال ولا فيهم متسميين إلا فلان وفلان وفلان..." وسمى ثلاثة أشخاص فقط من بين المائة وخمسون قتيلاً الذين همّه أمرهم واعتبرهم ذوي قيمة تذكر..!!

وهو الأمر الذي ذكّرني بتجاهل القذافي جنوده وكبير قواده في تشاد، كما تجاهل القذافي الإبن دور "جنوده" في تمثيلية السفينة "إيّاها" في شهر يوليو الماضي، عندما حصد رصيد ذلك "الانتصار" المزعوم بمفرده ونسبه إلى قدرته –الفريدة- على "اللعب صحّ" و "الشغل الكويّس" بحسب تعبيره، فاكتفى بالإشارة إلى عناصر النجاح (المزعوم) بمجرد الإشارة إليهم بأنهم "فتية صغار" [2]، وهو توصيف لا يبعد كثيراً عن وصف القرمانلي لـ 147 قتيل من عساكره بأنهم "مالهم بال ولا فيهم متسميين".  

أما الثالثة فعند زعم القرمانلي " ... حتى أن أنجالنا باشروا القتال بأنفسهم وجرح حصان سيدي علي وانجرح سيدي ابراهيم جرح خفيف..."، وهي اسطوانة تحصد رصيد قيادة الحملة كاملا لنجليه علي وابراهيم، فيعود منها "القائدين الصنديدين" بنياشين النصر وأوسمة المشاركة في القتال، أحدهما في شكل "جرح خفيف"، والثاني نال حصانه وسام القتال نيابة عنه ..!!  فتذكرت على الفور الاسطوانة التي صمت بها أبواق النظام آذان المواطنين عقب الغارة الأمريكية الجائرة على بلادنا في سنة 1984 والتي دمرت أحياءً في شرق ليبيا وغربها وذهب ضحيتها عشرات المواطنين الأبرياء، بينما كان القذافي وأسرته مختبئين في مخابئ آمنة تحت الأرض حتى أدت تلك الغارة الوحشية أغراضها المشبوهة وعادت طائراتها أدراجها من حيث أتت. فزعم العقيد – من أجل استثمار تلك الجريمة لحسابه - أن ابنة له بالتبني –لم يسمع عنها أحد قبل ذلك- قد "استشهدت" من جراء تلك الغارة الهمجية (تقابل حصان سيدي علي أعلاه)، بينما نجَى هو وجميع أنجاله السبعة وأمهم، أما باقي القتلى والجرحى على كثرتهم فاعتبرهم كما اعتبر القرمانلي رجاله في رسالته " مالهم بال ولافيهم متسميين"، والشاهد على ذلك أنه في كل مرة يأتي ذكر تلك الغارة فإنها تذكر مقترنة باسم تلك الطفلة ولا يذكر أي من المواطنين الذين استشهدوا ظلماً وغدراً في تلك الليلة المشؤومة، فحصان ابن الباشا القرمانلي وابنة القذافي –المزعومة- يذكران ولا تذكر أسماء المواطنين الذين استشهدوا. 

أعود فأكرر إن تشبيه القرمانلي بالقذافي ظلم للقرمانلي، الذي يشهد له التاريخ بأنه لقـّن بحرية الولايات المتحدة الأمريكية درساً قاسياً في حادثة السفينة "فيلادلفيا" الشهيرة، بينما شهد القاصي والداني على هروب القذافي –وكامل أفراد أسرته- إلى أعماق الأرض تماماً كالجرذ المذعور بحثا عن الأمان بمجرد التقاط أجهزة راداراته لأزيز أول طائرة أمريكية تاركاً شعبه تحت قصف تلك الطائرات الغادرة بلا قيادة، ويبدو أنهم -من فرط هلعهم- نسوا الطفلة المسكينة فأصابتها نيران السلاح الجوي الأمريكي، أو ربما لأنهم لم يكونوا قد تبنوها بعد !! 

ولكنها مقارنة فرضت نفسها ولم أملك بـُدّاً من الالتفات إليها على ما فيها من مرارة وأسى، وربما تشير إلى وجوب إعادة النظر في تقييمنا التاريخي لشخصية القرمانلي الذي شق عصا الطاعة وخرج عن الجماعة عندما سلخ البلاد عن الخلافة الإسلامية القائمة في ذلك الوقت.

هشام بن غلبون
16 أكتوبر 2010
مانشستر ـ بريطانيا
hisham@lcu-libya.co.uk

______________________________

 

[1] راجع مقال تابع... "خطاب موجه لمعمر القذافي فقط...."

 http://www.libya-watanona.com/news/lcu/lc091010a.htm


[2] راجع مقال الشاطر سيف ... و "خرطوش فَردُو"

 http://www.libya-watanona.com/adab/ghalboun/hg200710a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home