Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ghaida al-Tewati
الكاتبة الليبية غيداء التواتي


غيداء التواتي

الإربعاء 12 يناير 2011

السودان والإنقسام وأشياء أخرى

غيداء التواتي

مدخل : "كان السودان"

السودان القطر الذي يلقب بسلة الغذاء العربي ، والذي لو تحصل على الدعم الكامل من الدول العربية لأصبح صمام أمان غذائي في زمن يشهد فيه العالم تناقص موارد الغذاء ،ولتحصلت هذه الدول على الإكتفاء الذاتي من الغذاء والثروة الحيوانية ،ولكننا شعوب لا يعرف حكامها إلا الإستثمار في دول الغرب وتهريب ثروات بلدانهم لبنوك سويسرا وأمريكا والدول الغربية ، السودان الذي لم يستقر سياسيا منذ أن قاد محمد أحمد المهدي ثورة ضد الحكم التركي وطرده من السودان، واعلن قيام الدولة المهدية في العام 1885 وهذه الدولة تعتبر أو ل دولة وطنية في السودان في تاريخها المعاصر.

حيث عمل الإنجليز على اسقاطها بعد إذن وبمساعدة المصريين في عام 1898، لتظهر بعدها ثورة ضد الإنجليز مؤيدة لحكم المصريين في السودان، مالبتث أن اتهمت مصر بتدبيرها مما الزم مصر بسحب قواتها من السودان، حينها كان السودان سودان واحد،وطن واحد ، وفي عام 1930 عمدت بريطانيا لفصل جنوب السودان عن شماله،وكانت هذه لأهداف منها اضعاف اي حركة وطنية ضد الإستعمار الإنجليزي .

ولكن بالرغم هذه الإجراءت التي عمدت إليها انجلترا ظلت الحركات الوطنية مستعرة في الشمال، يحيها حماس أخوتنا في مصر ،بينما عز ل الجنوب عزلا تاما ، كان نتاج هذه الحركات الوطنية اذعان انجلترا لبعض مطالبها ومنها تقديم تنازلات للشمال ومشاركة في الحكم ولو جزئيا بقيام مجلس استشاري يقدم استشارات للحاكم العام الذي كان انجليزيا صرفا.

مابين عامي 1940 وعام 1945 ظهر العديد من المثقفين والتنويرين الذي دعوا لفتح التواصل مع الشمال حتى يلحق أهل الجنوب بركب التنمية والتعليم الذي كان يستمده الشماليون من مصر .

في العام 1948 ظهرت هيئة تشريعية تنادي بالإستقلال وحق تقرير المصير وإنهاء الحكم المشترك لمصر والإنجليز للسودان،و بعد نضال وتفاوض لسنوات تحصل السودان على حق تقرير المصير في عام 1954،وأجريت أول انتخابات عامة في ذلك الوقت وفاز" اسمعيل الأزهري " كرئيس وزراء للسودان ، واصبح للسودان برلمان منتخب الذي كان يضم حزب التحالف الديمقراطي مع تحالف آخر كانت تدعمه مصر وبعد ذلك بعام صوت البرلمان المنتخب بالإجماع لصالح استقلال السودان ، وفي غرة يناير عام 1956 نال السودان استقلاله وأنزل العلم المصري والإنجليزي ورفع العلم السوداني ،وحينها كان السودان القطر الذي يحمل لقب أكبر قطر عربي من حيث المساحة.

تسارع الأحداث

تشكل السودان من قبائل عربية ونوبية في شماله ،وقبائل أخرى في جنوبه، وتمت تغذية الطائفية ،والجهوية ،والقبلية من قبل الإنفصاليين الجدد الذي كان همهم الوحيد السلطة التي يتصارع من أجلها العديد ممن نزعت من قلوبهم الوطنية والتسامي بالذات عن مغريات الدنيا، دعمها مطامع أحنبية وغربية في السودان كأرض بكر تحوي العديد من الثروات المختزنة،من معادن ونفط ،ودخلت السودان في حرب أهلية أولى استمرت سبعة عشر عاما وحرب اهلية ثانية استمرت حتى العام 1983،ثم قام" عمر البشير" بإنقلاب عسكري في عام 1989اطاح بحكومة الأحزاب التي كانت برئاسة" الصادق المهدي" ، وحتى يضمن بقاء حكمه الإستبدادي في السودان قام البشير الذي سوف يذكره تاريخ السودان في صفحاته السوداء بتوقيع الدستور الانتقالي الجديد في عام 2005 إثر توقيع اتفاقية السلام الشامل بين حكومة عمر البشير ورئيس حركة تحرير السودان جون قرنق تم بموجبه إنهاء الحرب الأهلية ،ومنح إقليم جنوب السودان حكم ذاتي ويعقبه استفتاء حول الوحدة أو الاستقلال في العام 2011،وبهذا ضمن عدم تأليب الدول الغربية على حكمه ،وهو الذي منذ عام تقريبا كان ملاحقا من قبل المحكمة الدولية ، التي فجأة صمتت نداءتها بخصوص اعتقاله والثمن كان غاليا هو تقسيم السودان .

الإستبداد والظلم والدكتاتورية

تعاقب على السودان حكام وحكومات منتخبة وانقلابية ،مستبدة وظالمة أحيانا و نصف عادلة وديمقراطية أحيانا أخرى ولكن جميعها اشتركت في نفس الخطأ الذي جل من السودان لقمة سائغة للغرب ، بظلم حكامها واستبدادهم مما جهل الشعور بالغبن لدى الأقلية يتنامى، ووجده الغرب فرصة سانحة فصبوا الزيت على النار، واشعلوا نيران المطالبة بالإنفصال، ولكنني القي باللوم واحمل هذه الجريمة كل الحكام المستبدين الذين تتالوا على السودان وساعدوا بطريقة أو بأخرى الغرب على تحقيق مآربه، بطمعهم وجشعهم وعدم مساواتهم بين الرعية من الشماليين والجنوبيين ،مما جعل الإحتقان يتزايد لدى هذه القلة ووجدوا إن الحل الوحيد لهم في الإنفصال ولكنني ابشرهم لن يكون هناك عدل ولا توزيع ثروات عادل ، لأن من عمل على الإنفصال هو ايضا يبحث عن السلطة والحكم ولا يبحث عن مصالح ولا عن مساواة ولا عن عدل للشعب الجنوبي، كان على الجنوبيين أن يتحدوا مع الشماليين ويبحثوا عن حكم ديمقراطي للسودان ، حينها فقط يتحصل الجميع على حقوقه.

الجنوب صناعة اسرائيلية وأمريكية

المتتبع لخطى انفصال الجنوب عن الشمال يرى واضحا إن السياسية الأمريكية هنا لعبت دورا بارزا وواضحا لا بل محورا داعما للأنفصال ولكن ليس ذلك محض صدفة، فالجنوب حين ينفصل سيصبح دولة تدين لأمريكا واسرائيل بالإستقلال خصوصا إن الترسانة الحربية الإسرائيلية وصلت مبكرا لدعم الجنوب عند الإنفصال ،عدا عن الدعم الخفي الذي اجزم إنه كان ممتدا لمدة سنوات عدا عن مشاريع اقاموها هناك،وهذا بإعترافهم الغير رسمي عبر تصريحات مسؤولين صهاينة ، فإنشغال السودان بالتقسيم ،وبإنشغال مصر بهذا التقسيم وإنشغال الحكام العرب بكيفية المحافظة على انظمتهم ، و الإستراتيجيات الجديدة في المنطقة ، سيكون نظام الفصل العنصري في مأمن على الأقل عربيا ، لسنوات ولربما لقرون قادمة .

محاصرة مصر وصداع لنظام مبارك

إن من يغذي الطائفية في مصر الآن ،ويعمل على محاصرة النظام المصري من الداخل هو نفسه من يقوم بمحاصرة مصر خارجيا فحين تستقل دولة الجنوب سيكون على مصر التعامل مع دولتين تتحكمان في منابع النيل، وليس دولة واحدة، والجميع يعرف إن الحرب القادمة هي حرب المياه وليست حرب النفط ، وسيكون النظام المصري غارقا في مشاكل داخلية ومشاكل دول الجوار مما سيكون بالطبع في صالح امن دولة الفصل العنصري اسرائيل التي اتضح مؤخرا إنه حتى بعد معاهدات الركوع والإستسلام ،لم تأمن جانب مصر حين كشف الامن المصري شبكة جوسسة صهيونية في مصر ، مصر لن تجد الوقت في التفكير في هز امن دولة بني صهيون ،ولكن وعي شباب مصر وخصوصا حركة 6 ابريل بهذه المخططات واضحة وجلية ،هولاء هم أبناء مصر من تعول عليهم الأمة ، حتى تعود مصر لسابق عهدها وقوتها ، الأخت الكبرى التي نفتقد مكانها في المشهد السياسي .

قاعدة امريكية في الجنوب

ابشركم وهذا أمر متوقع جدا "بقاعدة أمريكية "في الجنوب هذا يعني تواجد حربي أمريكي وأينما تواجدت الفرائس تواجدت الأسود ، سيكون لزاما على القاعدة ان تتواجد في العمق الأفريقي ، لأنها تبحث عن المصالح الأمريكية ، وسيشكل هذا خطرا كبيرا على ليبيا، هذا يعني خلخلة في الأمن القومي وظهور أعمال إرهابية ، فحين فكرت الولايات المتحدة في غزو العراق استخدمت قواعد أمريكية ، ولاشك إنها إن فكرت في غزو ليبيا لابد من إيجاد قاعدة استراتيجية قريبة من ليبيا ،وسيكون الشمال السوداني بدون الجنوب وبدون آيبه الإقليم الغني بالنفط (وهذا من منظوري مؤكد جدا فلن يحلم السودانيين ببقاء الإقليم تحت حكم الشمال )، فالهدف واضح هو إفقار السودان وإضعافه، وهذا يعني تدفق المزيد من السودانين نحو ليبيا بإعتبار إن ليبيا ليس لديها ضوابط لدخول الغير ليبين للعمل ، وهذا من الممكن أن يغير التركيبة الديموغرافية في ليبيا ، فنحن الآن نعاني من تزايد الهجرة الأفريقية والتي ستلقي بظلالها على تركيبة السكان خصوصا مع ظهور قوانين الجنسية الجديدة التي ستفعل ،وحينها سيكون عدد ال 5 مليون ليبي في وسط 20 مليون غير ليبي غير متوازن وبالطبع سيؤثر الكثرة على القلة في العادات والتقاليد وغيرها من الأمور الأخرى،وهذا له ابعاد كبيرة على البلاد والعباد، للأسف هناك دول عربية في وقت من الإوقات دعمت الحركة الإنفصالية في الجنوب وهذا كان خطأ فادح جدا.

فوبيا الإسلام

اجد إن وقف المد الإسلامي في عمق القارة أحد الأسباب أيضا ، فحين تولد دولة الجنوب ،والتي بها مايقارب من 17.5% من السكان من المسيحين ،ستكون حاجزا ضد انتشار الإسلام في دول أفريقية مجاورة للجنوب ،وبالتأكيد سيعملون على محاصرة الإسلام في الغرب حيث سيعملون على إقامة دولة دارفورية تمنع تمدده في اتجاه غرب افريقيا ، فدولة دارفورية ستولد قريبا حتما ،حيث إن دول الجوار لكل من دولة الجنوب الجديدة ودول الجوار لدارفور هي مناطق استراتيجية هامة تتحكم في منابع النيل ،وحين تكون هذه الدول تدين بالدين الإسلامي تعتقد الولايات المتحدة والغرب إنها ستكون خطرة على امنها وامن اسرائيل، وكأن الإسلام هو عدو الغرب الوحيد ،والذي يجب القضاء عليه، وأين نحن من كل هذا في سبات عميق .

رسالة للحكام العرب

إن اي تقسيم يحدث في دولكم أنتم مسؤولون عنه، سيناريو العراق تكرر في السودان ،وابشركم بأن سوف يتكرر في العديد من الدول ، إذا لم تستفيقوا وتعالجوا الأسباب أو مسببات الدعوات للأنفصال ، وهي انعدام العدالة والظلم والفقر والفساد ، وانعدام الديمقراطية ، وقمع الحريات ، سوف تجد الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة ودولة اسرائيل مناخا مناسبا لزرع أفكار الإنفصال في بلدانكم ،وللأسف ستجد آذانا صاغية من البعض الذين ربما كانت لهم أهداف منها الوصول للحكم ،أو لغياب الوعي لديهم بهذه المخططات ،أولشعورهم بالظلم وإنعدام المساواة بينهم وبين الآخرين ،أو لإنعدام فرص توليهم مناصب قيادية في دولكم ، ولنا في السودان والعراق أسوة ومثال ،فإن تعاقب على السودان حكام من الشمال والجنوب وبطريقة ديمقراطية ،ماكان الذي يحدث ليحدث أبدا .

السؤال الذي يطرح نفسه بالرغم من إختلاف القوميات، والعرقيات، والديانات،والثقافات في دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، لم نسمع عن دعوة للأنفصال ؟ بالرغم من إن الحرب في عام 1860 كادت أن تؤدي للأنقسام الفعلي، بين الشمال والجنوب الأمريكي، لقد قدم الأمريكيون 62 الف جندي ضحية الوحدة ، بينما نعجز نحن التضحية بفوبيا الحكم والسلطة، يالها من مهزلة.

إني هنا انه مقالي بتوجيه هذه الرسالة وشعوري بالأسى لايوصف لإنعدام الوعي بما يحدث حولنا من قبل شعوبنا ،ومن قبل حكامنا ، وابشرهم من يحتمي بالدول الغربية وامريكا لن تزيده إلا رهقا ، وماتونس إلا دليل فعلاقات تونس مع العدو الصهيوني، والغرب جيدة جدا ،ولكن من يحمي الحكام وانظمتهم ليس الغرب ولا القوى العظمى، من يحميهم هو التواصل مع رعيتهم ،وعدم التضييق عليهم ، والمساواة بينهم ،والسهر على راحتهم ، ومنحهم الحريات ، والعمل على رفع مستوى معيشتهم ،وتوفير المساكن لهم ، إنها شعوبكم ياسادة احسنوا لهم يحسنوا إليكم ، هل سمعتم عبر تاريخ عن شعب طالب بتنحية حاكم عادل؟

فحين ثار الشعب التونسي فلم يستطع أن يقف أمام هذا الطوفان اي شئ، وماصمت الولايات المتحدة وفرنسا إلا لغاية في نفس يعقوب، ولربما تطبخ الآن صفقة للرئيس التونسي تتمحور حول قاعدة أمريكية في تونس مقابل خمد هذه الثورة في بلاده ،وإني احذر الشعب التونسي وأحرار وحرائر تونس من هذا السيناريو المحتمل ،وعليهم أن لايقبلوا بوجود اجنبي على اراضيهم، وان لايثقوا بأي انقلاب علهم أن يسعوا لتواجد حكم ديمقراطي في بلادهم، ولي مقال مطول بهذا الخصوص إن شاء الله.

اللهم إني بلغت اللهم فأشهد .

غيداء التواتي
طرابلس ـ ليبيا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home