Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj Najem


د. فـرج نجم

Monday, 20 March, 2006

   
   

الجامعـة الليبية وجلال الليبيين:
في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم (3)

د. فـرج نـجـم

الجامعة.. الأساس والأروقة...

ثم توالى تأسيس الكليات، ففي عام 1957م أنشئت كلية أخرى هي التجارة (الاقتصاد) في بنغازي وضمت 29 طالباً، بالإضافة إلى كلية العلوم في طرابلس التي ضمت 11 طالباً، واستمر اهتمام الوزارات الليبية المتعاقبة لإكمال تأسيس الكليات المختلفة واستقدام خيرة الأساتذة، فأنشئت كلية الحقوق عام 1962م في بنغازي وضمت 71 طالباً(1) وطالبة واحدة فقط، وكلية الزراعة في طرابلس عام 1966م وضمت 43 طالباً، ثم كلية الهندسة بطرابلس عام 1967م، ثم أعيد تنسيق الكليات وتوزيعها على جامعتي بنغازي وطرابلس بعد فصلهما في جامعتين مستقلتين سنة 1973م(2).

وفي عام 1973م تغير اسم الجامعة حيث أصبحت تعرف بـ جامعة بنغازي بدلاً من الجامعة الليبية ومن ثم في عام 1973- 1974م انتقلت الجامعة من مقرها القديم داخل مدينة بنغازي (قصر المنار) إلى مقرها الحالي في المدينة الجامعية في منطقة قاريونس عند مدخل المدينة للقادمين من غرب البلاد, وفي إبريل 1976م تغير اسمها من جامعة بنغازي إلى اسمها الرسمي الحالي جامعة قاريونس بينما تغيرت جامعة طرابلس إلى جامعة الفاتح. وتقع جامعة قاريونس - المدينة الجامعية - في مدينة بنغازي، ثاني أكبر المدن وعاصمة الثقافة الليبية، حيث تطل على ساحل البحر المتوسط في الشمال الأفريقي, عند تقاطع خط العرض 32° شمال خط الاستواء, مع خط الطول 20° شرق خط جرينتش(3).
تعتبر جامعة قاريونس أعرق وأفضل صرح علمي عرفته البلاد منذ ولادة ليبيا ككيان سياسي وسيادي من رحم الدولة العثمانية، وتطرح الجامعة نفسها كهيئة علمية تختص بكل ما يتعلق بالتعليم العالي وتزويد البلاد بالكفاءات العلمية المتخصصة والملتزمة بواجبها الوطني والقومي وتهيئتها للمساهمة في النهوض بالحضارة العربية والإسلامية, والاهتمام باللغة العربية وآدابها والتأكيد على استعمالها في كافة فنون العلم والمعرفة, والرقي بالآداب والأخلاق وتطوير العلوم والفنون, وإجراء البحوث العلمية النظرية والتطبيقية والقيام بالاختبارات والتجارب العلمية المبكرة التي تسهم في رقي المجتمع وتقدمه، وتقديم الاستشارات العلمية للهيئات والمؤسسات والشركات والمصالح والأجهزة, وتوثيق الصلات والروابط الثقافية والعلمية مع الهيئات والمؤسسات العلمية الأخرى محليا قومياً وعالمياً.
وقد علمت مؤخراً بأن شركة هندسية بريطانية قامت بتصميم عمارة الجامعة بقبتها المقدسية المذهبة ما زادها رونقاً وبهاءً وشهرةً، وقد تطورت جامعة قاريونس حيث أصبحت الآن مدينة جامعية تضم العديد من الكليات والمرافق, وأصبح لها عدة مواقع ومجمعات علمية داخل مدينة بنغازي, حيث بلغت مساحتها الإجمالية حوالي (530 هكتاراً) تقريباً, ويدرس فيها الآن ما يربو على (35.000) طالب وطالبة منهم حوالي (1300) طالب وطالبة من غير الليبيين, موزعين على تسع كليات (75 قسماً أكاديمياً), ويقوم بالتدريس في جامعة قاريونس حوالي (1300) من الملاك التدريسي, وحوالي (270) معيداً بالإضافة إلى حوالي (2000) من الملاك الوظيفي …
وبلغ عدد خريجي جامعة قاريونس من جميع الكليات منذ أول دفعة تخرجت للعام الجامعي 58-1969م وحتى الآن حوالي (62.600) خريج, تم حصولهم على درجة الليسانس أو البكالوريوس في تخصصاتهم العلمية المختلفة. بالإضافة إلى منحها درجة الليسانس أو البكالوريوس شرعت قاريونس في برنامج الدراسات العليا عام 1978م لمنح درجات الماجستير (درجة التخصص العالي) والدكتوراه (درجة التخصص الدقيق), ويبلغ عدد طلاب الدراسات العليا حوالي (1700) طالب وطالبة، حيث تم منح حوالي (820) شهادة ماجستير بالإضافة إلى بعض شهادات الدكتوراه في مختلف التخصصات العلمية. كما تمنح الجامعة الشهادات الفخرية في مجالات العلم والمعرفة والأدب والثقافة والسياسة والقانون والاقتصاد..الخ.

ومن الأقسام العلمية التي تديرها قاريونس قسم اللغة العربية وآدابها، والإنجليزية وآدابها، والإيطالية وآدابها، وقسم التاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع، وعلم التفسير، وقسم الآثار، واللغة الفرنسية وآدابها، وقسم الإعلام، وقسم التربية وعلم النفس، وقسم التخطيط التربوي، وقسم المكتبات والمعلومات والإدارة التعليمية، وقسم علوم التربية البدنية.

مكتبة الجامعة...

ومن معالم قاريونس المكتبة المركزية وبها وحدات تصوير وقراءة واستنساخ بالإضافة إلى ورشة للتجليد وآلات للطباعة وقد احتلت المكتبة في أول مراحلها قاعة مساحتها حوالي خمسين متراً مربعاً وتشغل الآن أضخم مبنىً في المدينة الجامعية مساحته أكثر من ستة وعشرين آلف متر مربع مقسمة على أربعة أدوار. والمكتبة المركزية أنشئت على قطعة أرض مساحتها ستة آلاف متر مربع أما مساحتها فتبلغ 26 آلف متر مربع وقد روعي في الموقع أن يكون متوسطاً بين كليات المرحلة الأولى والكليات المكملة الأخرى كما روعي أن يكون قريباً من بيوت الطلبة . وتتركز حركة دخول وخروج القراء في الدور الأول فيتم الدخول من بين حواجز معدنية دوارة ركبت فيها عدادات للإحصاء وكذلك الخروج حيث يمر بنفس الدور مع وجود ملاحظ يقوم بالكشف والمراقبة، ووصل عدد كتبها في نهاية الستينيات من القرن المنصرم أكثر من أربعين ألف كتاب، بينما تستوعب المكتبة في أدوارها الثلاثة الآن ما يقرب من مليون ونيف مجلد وتتسع لثلاثة آلاف طالب في وقت واحد. وتتكون المكتبة المركزية من أربعة أقسام رئيسة وهي: الخدمات المكتبية الفنية، والخدمات المكتبية العامة، والأمانة الإدارية، والمكتبات الفرعية. ويتكون كل قسم من عدة مكاتب يؤدي كل منها دوره على أكمل وجه من أجل تقديم أفضل الخدمات للمترددين على المكتبة(4). وقد أنشئ قسم خاص يجمع كل الكتب العربية والأجنبية المؤلفة عن ليبيا في أية ناحية من نواحيه، وحتى 1966م كان للمكتبة 16 اشتراكاً بالمجلات العربية والثقافية و95 اشتراكاً بالمجلات الأجنبية وذلك لتوسيع مدارك الطلاب وتزويدهم بالآراء والنظريات الجديدة في مختلف مجالات العلم والمعرفة(5).

وفي السابق سعت الجامعة الليبية إلى تنفيذ مشروع مكتبة طالب العلم الخاصة، فاستجلبت الكتب وباعتها بأثمانها وعلى أقساط حيث تحملت إدارة الجامعة نفقات شحنها ونقلها، كما قامت بنشر عدة مؤلفات لعدد كبير من أعضاء هيئة التدريس بها، وخصصت قسماً داخلياً للذين يرغبون في الإقامة بالقسم الداخلي خاصة أولئك الذين أتوا من نجوع البادية ومن المدن والقرى البعيدة(6). وقد وضعت الجامعة نظاماً للمكافآت المالية للطلبة والطالبات تشجيعاً لهم على مواصلة دراستهم واقتناء الكتب اللازمة.

الجامعة وتصادم طلابها مع النظام...

ومن قصر المنار نفسه انطلقت الشرارة الأولى لمظاهرات طلاب الجامعة الليبية المناهضة للحكومات التي أتت تباعاً. ففي 13 يناير من عام 1964م خرج طلبة وطالبات الجامعة احتجاجاً على سياسات الحكومة في طريقة تناولها القضايا العربية وردتهم الشرطة، وتجمعوا في الميدان المقابل للجامعة الذي كان يعرف بميدان 9 أغسطس(7)، وتكرر الأمر غداة اليوم الثاني (14 يناير 1964م) وأرادوا التوسع فتصدت لهم الشرطة بالذخيرة الحية وفلتت مدرسة بنغازي الثانوية التي التحمت مع طلبة الجامعة لتخرج عن سيطرة الشرطة الأمر الذي أدى إلى وقوع قتيلين من طلبة بنغازي الثانوية، وهما صالح مسعود النقاز وعلي لامين البيجو وبعد أيام قليلة معدودة لحق بهم الطالب مفتاح بن حريز وعدد كبير من الجرحى وعرفوا فيما بعد بشهداء يناير.

وتحدثت التقارير السرية لمكتب السفارة البريطانية في بنغازي بإسهاب عن يومي 13 و14 يناير إذ ذكرت أن المظاهرات كانت ترفع شعارات مؤيدة للجامعة العربية والوحدة ومطالبة في الوقت نفسه بإرجاع فلسطين لأهلها، وقيل بأنها رفعت صوراً للرئيس جمال عبد الناصر أيضاً، وتزامن ذلك مع انعقاد القمة العربية في القاهرة التي غاب عنها الملك ومثله فيها ولي عهده السيد الحسن الرضا في مقدمة وفد رفيع المستوى يتكون من شخصيات عديدة منها رئيس الوزراء الدكتور محي الدين فكيني ورئيس مجلس الشيوخ الشيخ عبد الحميد العبار ومفتاح عريقيب رئيس مجلس النواب وسيف النصر عبد الجليل وزير الدفاع ونوري الصديق رئيس أركان الجيش. ومن ثم تفاقم الأمر وتراشق الطلاب السباب والضرب مع الشرطة، واستطاعت الشرطة أن تقتحم الحرم الجامعي داخل قصر المنار، وحمَِيَ وطيس المعركة وتحصن الطلبة بسطوح بنايات الجامعة فرجموا رجال الشرطة بالحجارة، وردت عليهم الشرطة حجارتهم فسقط عدد لا بأس به من الفريقين جرحى. وانفلت الأمر في يوم 14 يناير عندما خرجت مدرسة بنغازي الثانوية لتلتحم مع طلبة الجامعة فاستعمل رجال الشرطة عن سبق وإصرار الذخيرة الحية فكانت الحصيلة فاجعة ثلاثة شهداء من بين الطلاب ما استمطر غضب الشارع والدولة على رجال الأمن، فأوقف عدد من الضباط من وظائفهم يوم 19 يناير إلى حين ظهور نتائج التحقيق، ومنهم كان العقيد السنوسي الفزاني (قائد القوة المتحركة) وعبد الونيس العبار (حكمدار بوليس بنغازي) والنقيب سليمان بوشعالة (من شرطة مرور بنغازي) والنقيب حمد حسين والنقيب سالم هدية (وهما من ضباط مركز شرطة حي البركة).
واهتزت البلاد فخرج طلاب في طرابلس وكانت نُذر الشؤم تلوح في البلاد وتؤكد التقارير البريطانية بأن المعارضة الحقيقية قد خرجت للنظام الملكي من أروقة الجامعة وأن ساعة انهيار النظام قد أزفت وبدأت حين سالت دماء شهداء يناير. وقد حاول رجال الدولة الترقيع ولكن الخرق كان قد اتسع على الرغم من تشييع الشهداء في جنازة رسمية بحضور مندوب الملك والحكومة، وزيارة لجنة كلفتها الحكومة بعضوية كل من الدكتور علي نور الدين العنيزي (وزير النفط) وحامد العبيدي (وزير التخطيط) ومحمد الكريكشي (وزير الصناعة) وتطوع أعيان البلاد كحسين مازق .. وغيرهم، وقدمت تعازيها الشخصية والحكومية بزيارة أهالي الطلاب الشهداء في بيوتهم وزيارة الجرحى ومواساتهم، بل إن الملك قابل وفداً من الأهالي حملوا إليه جملة من المطالب، وأعرب لهم عن أسفه للدماء التي سالت وأكد تضامنه معهم(8). ________________________________________________

الهوامش :
(1) راجع: زواوه والشنواني - صور من تطور المجتمع الليبي صـ 105.
(2) بن حليم، مصطفى أحمد - ليبيا انبعاث أمة وسقوط دولة صـ 380-382.
(3) راجع: موقع الجامعة على الشبكة http://www.garyounis.edu.
(4) المصدر: http://www.garyounis.edu
(5) راجع: زواوه والشنواني - المصدر نفسه.
(6) خفاجي، محمد عبد المنعم - قصة الأدب في ليبيا العربية صـ 89.
(7) نسبة إلى يوم تأسيس الجيش الليبي في 9 أغسطس 1940م عندما اجتمع الزعماء الليبيون في المهجر بمدينة القاهرة واتفقوا على إنشاء جيش ليبي يسمى "القوة العربية الليبية" الذي اشترك في القتال إلى جانب القوات البريطانية ضد الطليان والألمان لتحرير ليبيا، ويسمى الآن بميدان السلفيوم.
(8) راجع: ملف الوثائق البريطانية المودعة في الأرشيف الوطني للوثائق البريطانية بـ كيو قاردنز (لندن) رقم: FO371-178855 - كذلك بحث الأستاذ محمد بن غلبون بعنوان "قراءة في حوادث 1964م الليبية من خلال الوثائق البريطانية" المنشور في جريدة الحياة بتاريخ 23-24 مايو 1996م.


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home