Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj Najem


د. فـرج نجم

Thursday, 16 March, 2006

   
   

الجامعـة الليبية وجلال الليبيين:
في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم (2)

د. فـرج نـجـم

النهضة والتأسيس ...

وعندما انعتقت ليبيا من محنتها جراء الاستعمار الإيطالي منتصرة بفضل ما قامت به سواعد بنيها من صمود وشموخ وبناء بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت البلد في اللملمة وتضميد الجراح والتعالي على الآلام، فشرع أهل الغيرة في وضع هيكل لدولتهم وبناء مؤسساتها مستهلين ذلك باستقلال سياسي في كيان اتحادي لم يخطر لأحد على بال في ديسمبر عام 1951م، ولم يكن يتجاوز عدد الليبيين من خريجي الجامعات العصرية أصابع اليدين على مستوى ليبيا كلها، وفي عام 1943م ذكر تقرير للإدارة العسكرية البريطانية في طرابلس بأنه لا يوجد من بين العرب (ويقصد الليبيين) أطباء أو قضاة أو حتى محامون(1).

السيد مصطفى بن حليم
وينقل الدكتور نقولا زيادة في ترجمته للوثيقة الرسمية بعنوان "ليبيا في سنة 1948م": إن عدد الليبيين في الجامعات الأجنبية لا يتجاوز 65 طالباً حالياً - وأغلبهم في مؤسسات دينية كالأزهر(2). ولكن ما هي إلا أربع سنوات حتى وضعوا اللبنات الأولية لصرح علمي ليكون له ما كان فيما بعد في هيئة الجامعة الليبية وكأن ذلك كان حلماً وقد تحقق. وفي حوارات مطولة مع السيد مصطفى بن حليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق (54-1957م) وفي هذا الصدد تحديداً أكد لي على أن التعليم كان في مقدمة أولياته، ويرى أن التعليم أساس الإصلاح، لأنه على حسب رؤيته يحق الحقوق لأفراد المجتمع ويستوجب عليهم الواجبات بصورة جلية، ولقد أخبرني الحاج مصطفى بن حليم بكل اعتزاز وفخر، مع شيء من الضيق يخالج صدره من حين إلى آخر عندما تنسب الأعمال لغير أهلها كما فعل البعض سهواً بنسب تأسيس البنك الوطني الليبي (البنك المركزي) إلى حكومة محمد عثمان الصيد بينما حكومته (بن حليم) هي التي أشرفت على تأسيس البنك وأنيط أمر إدارته للدكتور علي نور الدين العنيزي الذي أصبح أول محافظ للبنك الوطني الوليد، فيستطرد الحاج مصطفى سارداً قصة تأسيس الجامعة وعيناه اكتحلت بعز وترورقت بفخر عن حقبة كان ديدنها وهمها البناء ابتداء من لا شيء، ومن ثم يحيلني إلى ما كتبه في هذا الصدد حتى أنقل بدقة وأوثق ما لم يحضره توه فكتب:

"كنت أحلم بإنشاء الجامعة الليبية الأولى، وكنت أشعر بوجل وهواجس وريبة عند كل يقظة من ذلك الحلم، ذلك لأننا لم نكن نمتلك في أوائل عهد الاستقلال أي شيء يذكر من مستلزمات تلك المنارة العلمية، فلم يكن لدينا إلا ثقتنا بالله وبالوطن وعناد وتصميم على امتطاء أشد العقبات والتغلب على كل الصعاب وصولاً لغايتنا النبيلة. وأسعدنا حسن الطالع أن كان الأستاذ فريد أبو حديد (مصري) موجوداً بالقرب منا، وكان عالماً في التعليم والتربية صادقاً في عروبته ومتفانياً في عمله بإخلاص، فكان أول من استشرت


في مدرج رفيق : من اليمين د. ابراهيم نصحي، أ. محمد بالروين، د. ابراهيم صبري،
أ. عبدالمولى دغمان، ؟؟ ، د. عبدالرحمن بدوي، د. فوزي فهيم جادالله

وكان أكثر من حثني وعاونني بحماس وإخلاص فاتفقت معه على مخطط متكامل لكل ما يتعلق بإنشاء الجامعة، ثم ناقشناه مع الزميل وزير التربية (المعارف) عبد السلام بسيكري الذي بدا متردداً متسائلاً، سرعان ما انجذب إلى تيار حماسنا الجارف واشترك بحماس في تحقيق ذلك الحلم الجميل، ثم كونا لجنة برئاسة وزير التربية وعضوية أبو حديد وعدد من الخبراء الذين انكبوا على التخطيط والإعداد لبرامج الدراسة واللوائح الجامعية ولوائح الكليات وقانون إنشاء الجامعة .. إلخ. وتوجهت إلى الملك إدريس وما إن سمع بمشروع إنشاء الجامعة إلا وأبدى ترحيباً وتشجيعاً وبادرني، قبل أن ألتمس منه، بالتنازل عن قصر المنار ليكون مقر الجامعة الليبية الأولى، كما أهداهم قصر الغدير الذي كان يُعرف بالجخ ليصبح مقراً للكلية العسكرية الملكية الأولى في ليبيا التي افُتتحت عام 1957م(3).

من قصرٍ للفاشست إلى المنار الجامعة

قصر المنار قد بناه الطليان ليصبح مقراً لوالي برقة الإيطالي في سنة 1928م تقريباً، فسكنه تروتسي، ومن بعده غراتسياني الذي قابل فيه الشهيد الرمز عمر المختار قبيل إعدامه، وكان آخر والي إيطالي أقام فيه بالبو الذي قتلته نيران الطليان قرب طبرق ليؤتى بجثمانه ويسجى فيه قبل دفنه في طرابلس، وبعدما تمكن الإنجليز من احتلال بنغازي عام 1943م ودحر الطليان سلموه للأمير إدريس وسمي بقصر المنار، الذي أعلن منه استقلال إمارة برقة سنة 1949م ومن ثم استقلال ليبيا كمملكة عام 1951م وألقى من شرفته الشهيرة الملك إدريس خطاب الاستقلال، وقد سبق وبات موسليني بنفس القصر ليلة، وخطب من نفس الشرفة عندما زار بنغازي عام 1937م(4)، ومن ثم أصبح مقراً لكلية الهندسة والآن المعهد العالي للعلوم الإدارية.
صدر مرسوم ملكي بإنشائها ونص في مادته الأولى بأن "تنشأ في ليبيا جامعة تسمى (الجامعة الليبية) وتبدأ بإنشاء كلية الآداب والتربية ومقرها بنغازي". ونصت المادة الثانية على أنها تختص "بكل ما يتعلق بالتعليم العالي الذي تقوم به الكليات والمعاهد التابعة لها، كما تختص بتشجيع البحوث العلمية، والعمل على رقي الآداب والعلوم والفنون في البلاد(5)".
ثم يعود ويستطرد الحاج مصطفى ويكتب .. ذهبت لزيارة جمال عبد الناصر وأنا أنقل له هنا ما سبق أن كتبته عن تلك الزيارة .. وأذكر للرئيس مأثرة طيبة فقد جئته أوائل سنة 1955م وكنت أحاول تأسيس أول جامعة ليبية وقدمت له كشفاً يحتوي على أسماء ستة من خيرة أساتذة كلية الآداب في جامعة القاهرة (وكان مستشاري للشؤون التعليمية فريد أبو حديد هو الذي اختار الأسماء).
ومن هؤلاء الأساتذة كل من الدكاترة محمد عبد الهادي أبو ريدة (أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة) ومحمد عبد الهادي شعيرة (أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس) ومحمد طه الحاجري (أستاذ النقد الأدبي بجامعة الإسكندرية) وعبد العزيز طريح شرف (أستاذ الجغرافيا بجامعة الإسكندرية).(6)
ويستطرد الحاج: قلت للرئيس جمال أود أن ينتدب هؤلاء الأساتذة الستة للعمل في أول كلية آداب وتربية في ليبيا، فوعد أن يتحدث مع رئيس الجامعة المصرية ويبلغني في الغد، وعندما قابلته في الغد، قال لي ضاحكاً، هل تريد انهيار الجامعة المصرية ؟
إن هؤلاء الأساتذة الستة هم الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليهم كلية الآداب المصرية ! أستطيع أن أعطيك واحداً أو اثنين منهما ولكن .. فقاطعته قائلاً: إنني لا أريد انهيار الجامعة المصرية التي تخرجت منها منذ عشر سنوات، ولكني أريد أن أبني الجامعة الليبية ولديك في مصر عدد كبير ممن يحل محل هؤلاء الستة، وليس لدي أحد يقوم بعملهم. فأطرق ملياً وقال: وليكن ما يكون، سأنتدبهم للعمل لمدة سنتين في الجامعة الليبية وكان أولئك الستة خير أساتذة أسسوا كلية الآداب الليبية على أحسن أسس وكانت مرتباتهم على نفقة الحكومة المصرية(7). ورشحت الحكومة الأمريكية الأستاذ الدكتور مجيد خدوري (عراقي الأصل أمريكي الجنسية) (8) عميد مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة جونز هوبكنز للدراسات العليا، ليكون عميداً لكلية الآداب والتربية(وصل بنغازي في يناير1957م)، وكان انتداب ذلك العالم الجليل على نفقة الحكومة الأمريكية، وقد سبقه إلى ذات الوظيفة الأمريكي ويليام كليلاند.

وتم بعون الله في يوم 15 ديسمبر 1955م تأسيس الجامعة الليبية الأولى بصدور المرسوم الملكي بإنشائها، وافتتحت أولى كلياتها - كلية الآداب والتربية - باحتفال أكاديمي مهيب رسمياً يوم 23 يناير 1956م (9) حضره رئيس الوزراء مصطفى بن حليم في لفيف من الوزراء والساسة وأهل العلم والمثقفين، وضمت الجامعة واحد وثلاثين طالباً في ذلك الوقت وعدد ستة من الملاك التدريسي وتسعة من الكادر الوظيفي.

ويستكمل الحاج مصطفى كاتباً: وما إن فرغنا من افتتاح الكلية الأولى حتى نشطنا بالتحضير لتأسيس الكلية الثانية - كلية العلوم - ولجأت مرة أخرى للرئيس عبد الناصر واستعرت منه الأستاذ أحمد خليل الريس، أستاذ العلوم في الكلية الحربية المصرية (وكان أستاذاً للرئيس عبد الناصر عندما كان طالباً في الكلية العسكرية) ولم يوافق الرئيس جمال عبد الناصر على استرجاع الأستاذ الريس إلا بعد أن أقنعته بالتدليل والبرهان أن أستاذه أحمد الريس ليبي الأصل والمولد (كان أبوه من كبار تجار مصراتة الذين استقروا في الإسكندرية) وليس مصرياً كما كان يظن !. وحصلنا على مجموعة ممتازة من أساتذة العلوم والكيمياء والفيزياء على نفقة حكومة لندن، كما حصلنا على المعامل الحديثة تبرعاً من الحكومة الأمريكية وجرى افتتاح كلية العلوم في طرابلس في أوائل عام 1956م.
وفي أحد لقاءاتي مع الدكتور علي الساحلي أكد لي أن أهم المحطات في حياته هي ارتباطه بالجامعة الليبية في بنغازي تأسيساً وتدريساً فيها، ويرجع ذلك عندما استوزره السيد مصطفى بن حليم في 26 إبريل 1955م ليصبح وزيراً للمالية. فعندما شرع جيل الاستقلال في تأليف لجنة تسهر على تأسيس أول جامعة ليبية حديثة، اختير الدكتور علي الساحلي ليكون رئيساً لهذه اللجنة، لكونه وزيراً وبحوزته "محفظة" الوطن، ولديه الحماس الكافي لتدشين هذا الصرح الوطني المهم. وبالفعل انطلق مع بقية إخوانه في هذا العمل بهمة وحماس وسرعان ما أصبحت الأمور كما خُطط لها(10). وقد أخبرني الأستاذ عبد المولى دغمان بأن فائض ميزانية الجامعة كان هو الفائض الوحيد الذي لا يرجع إلى الميزانية العامة للدولة، بل كان يرجع ثانية إلى الجامعة، للاستثمار في الكتب والتدريس وجلب الكفاءات لتعليم طلابنا، أو إيفادهم إلى الخارج للاستزادة العلمية. ويستدرك الحاج مصطفى الحديث ويقول تحدثت مع انتوني ايدن رئيس وزراء بريطانيا بشأن تأسيس كلية في طرابلس لتدريس الإعدادية والثانوية على شاكلة كلية فكتوريا في الإسكندرية حيث يدرس الطالب المتفوق بالعربية والإنجليزية مما يسهل عليه الدراسة في الخارج واختصار الوقت للتحصيل العلمي في أفضل الجامعات البريطانية والأمريكية، وبالفعل كان لي ذلك فقد تعاقدنا مع المجلس البريطاني الثقافي British Council وأسسنا كلية طرابلس المستقلة عن الجامعة الليبية فرع طرابلس.
________________________________________________

(1) Hasan, p 349.
(2) راجع:ليبيا سنة1948م (وثيقة رسمية) - د. نقولا زيادة - منشورات الجامعةالأمريكية في بيروت - لبنان - 1966م.
(3) يقع قصر الغدير في منطقة بوعطني في شمال شرق بنغازي، وعرف بالجخ لوجود بحيرة أو نهر صغير يجري تحت الأرض تسميه العامة بالجخ وكان يرتاده الطليان بقوارب صغيرة للتنزه. واصبح فيما بعد الكلية العسكرية الأولى في البلاد بإمرة العقيد إدريس العيساوي وطاقم تدريب عراقي وليبي.
(4) راجع: بنغازي في العقد الثاني من القرن العشرين - اليريكو تيجاني - ترجمة د. رؤوف بن عامر صـ 244.
(5) انظر: صور من تطور المجتمع الليبي - عبد العزيز زواوه وحمدي الشنواني (دار ليبيا - 1967م) صـ 103-106.
(6) يوسف، محمد - ليبيا بين الماضي والحاضر (الهامش في المجلد الثاني) صـ 341.
(7) بن حليم، مصطفى أحمد - صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي صـ 176 .
(8) مجيد خدوري من أصل عراقي مسيحي ولد وترعرع في الموصل هاجر إلى أمريكا وأصبح من كبار أساتذة جامعة هارفارد الأمريكية وكان يدرّس القانون الدولي، وأسس جمعية أسماها "الشيباني" .. والشيباني عاش في القرن الثالث الهجري صاحب كتاب "السير" الذي وضع فيه أصول التعامل مع الدول الأخرى في الحرب والسلم قبل كروشيوس الهولندي الذى كتب أول كتاب عن الحرب في القرن الثاني عشر الميلادي أي أن الشيباني قد سبقه بأكثر من ثمانية قرون، وكذلك للدكتور خدوري كتاب باللغة الإنجليزية The Concept of Justice in Islam - مفهوم العدالة في الإسلام - يشرح فيه عدالة الإسلام للغرب، ومن ثم كرس اهتماماته للقضايا السياسية فكتب في الاتجاهات السياسية في العالم العربي وآخر لليبيا الذي غدا مرجعاً لكل دارس لتاريخ ليبيا الحديث باللغة الإنجليزية بعنوان Modern Libya الذي ترجمه الدكتور نقولا زيادة بعنوان "ليبيا الحديثة".
(9) يوسف، محمد - ليبيا بين الماضي والحاضر (المجلد الثاني) صـ 341.
(10) راجع: مقالتنا "الدكتور علي الساحلي: السياسي والأديب" ونشرتها جريدةالقدس العربي- لندن - بتاريخ 7/6/2004م.


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home