Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj Najem


د. فـرج نجم

Wednesday, 12 April, 2006

   
   

الجامعـة الليبية وجلال الليبيين:
في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم (6)

د. فـرج نـجـم

مواقف وطرائف نبيلة ...

ومن الطرائف وشهامة ذاك الجيل أخبرني الأستاذ عبد المولى دغمان عندما كان رئيساً للجامعة الليبية بأنه ذهب لرؤية الشيخ المجاهد عبد الحميد العبار الذي كان يجلس أمام محل بشير المجريسي الذي امتاز بتجارة الفرش العجمي الثمين في بنغازي، وقد أكد لي المرحوم بشير المجريسي هذه القصة بنفسه، وكان حينها الشيخ عبد الحميد رئيساً لمجلس الشيوخ، وكان مبنى البرلمان قريباً من الجامعة، فدخل الأستاذ عبد المولى على الشيخ عبد الحميد وشكى له صغر مبنى الجامعة (قصر المنار) مع تزايد عدد الطلاب، وأنه وسكرتيره الخاص يتبادلان على المكتب الوحيد في الغرفة المخصصة لهما، فقال له الشيخ: خذ هذا المبنى كله وضمه إلى الجامعة فأنتم أكثر حاجة إليه منا، وخاصة بعد انتقال البرلمان إلى مدينة طرابلس، وذهب الشيخ عبد الحميد العبار يستقبل النواب وأعضاء مجلس الشيوخ ومن له أمر للقضاء في بيته أو مزرعته في منطقة سيدي مهيوس جنوب شرق بنغازي، وبالفعل غدت قاعة البرلمان مقراً لإدارة الجامعة وعُقد فيها مؤتمر "ليبيا في تاريخ" الذي أقامته الجامعة في مارس 1968م.
وأطنب الأستاذ عبد المولى دغمان في تسليط الضوء على بعض من تكتيكات الجامعة مع بعض الطلاب المشاغبين والمناوئين للنظام العام ومن يدعون إلى الاعتصامات والتظاهر في الحرم الجامعي بدل طردهم أو فصلهم من الجامعة كنا (الجامعة) نبعثهم للدراسة في الخارج لعدة أسباب منها عنفوان الشباب وتهور بعضهم وكذلك أن هؤلاء الشباب كانوا من أذكى وألمع الطلاب وتملؤهم الغيرة على بلدهم وأمتهم فبالتالي وجبت علينا رعايتهم وصقلهم لكي تهذب هذه القدرات حتى ترجع وتدر خيراً على البلاد والعباد. وللتأكيد على عملية صقل المواهب وتلاقح الحضارات والثقافات حرصت الجامعة على دعوة أساتذة فطاحل من مختلف جامعات العالم للتدريس وإلقاء المحاضرات على طلاب الجامعة، وإتاحة الفرصة للاحتكاك بنوع جديد من الثقافة والاتصال العلمي، وعملت الجامعة في نفس الآن بتنظيم الرحلات العلمية للمتفوقين من طلابها إلى مختلف بلدان العالم في نهاية كل عام دراسي، والاشتراك في شتى صنوف الحلقات والمؤتمرات الأكاديمية التي تديرها الجامعات الأخرى(1)، إلى جانب الرحلات الترويحية والثقافية داخل الوطن بقصد التعرف إلى المعالم الأثرية والجغرافية الليبية(2).

الدكتور علي الساحلي
ومن الأعمال المأثورة للجامعة هو جمع ذاكرة الوطن من الأفواه والوثائق سواء كان شعراً أو رواية أو أحداثاً ملحمية ضد الاستعمار الإيطالي، فيقول الدكتور علي الساحلي عندما اعتزل السياسة والوظائف العامة سنة 1967م، تفرَّغ مع عمله في حقل المحاماة إلى القراءة والتدريس، ويقول إن الذي جرَّني إلى التدريس هو المرحوم العالم المربي الدكتور عمر التومي الشيباني، الذي تولى رئاسة الجامعة بعد الأستاذ عبد المولى دغمان. الأمر الذي أفسح المجال أمام ممارسة الدكتور الساحلي اهتمامه بتراثنا الشعبي، الذي كاد أن يضيع في مجمله. فقد التحق الدكتور الساحلي بجامعة قاريونس سنة 1970م(3). وتمَّ عقب ذلك تأسيس لجنة جمع التراث مطلع سنة 1972م(4) بقرار من الدكتور منصور الكيخيا عميد كلية الآداب بجامعة "قاريونس"، وهي خطوة سبقتها خطوات للاهتمام بهذا الموضوع من قبل الأستاذ عبد المولى دغمان في خلال سنتي 68/1969م وضمت اللجنة كل من د. عمرو النامي ود. علي الساحلي والأستاذ علي بوزعكوك، والأستاذ سالم الكبتي أميناً لسر اللجنة، ومن ثم التحق بهم الأستاذ السنوسي البيجو في نوفمبر 1973م، ثم انضم إليهم عقب ذلك د. يونس فنوش عام 1974م بعد عودته من الدراسة في فرنسا، لينضم إليهم العشرات من الجنود المجندة من المهتمّين الذين سجَّلوا الكثير من نفائس الشعر الشعبي على أشرطة تسجيل.

ثم أُعيد تنظيم لجنة جمع التراث في 1975م ليترأسها علي الساحلي وعضوية كل من علي بوزعكوك ويونس فنوش وامراجع الغناي وسالم الشيباني ومنصور محمد الكيخيا، ولكنها لم تدم طويلاً لتعود مرة أخرى اللجنة برئاسة الدكتور الساحلي وعضوية سالم الكبتي جادة في لملمت أجزاء لا بأس به من تراث الأجداد والشعر الشعبي، واستجلاب الآلاف من الوثائق من الأرشيف الإيطالي الذي يُعد بمثابة ذاكرة الأمة ونافذتها التاريخية على الأحداث، فقد استغل الدكتور علي الساحلي، وكان في بعض الأحيان يرافقه في ذلك الأستاذ أحمد محمد القلال، وجوده في إيطاليا وجلب ما يقرب الخمسين ألف (50.000) وثيقة إيطالية مع أنها كانت خارج اختصاص واهتمامات لجنة جمع التراث، وأُودعت جميعها في جامعة قاريونس لتنتقل فيما بعد إلى مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية. هذا وقد سعت لجنة التراث إلى التقاط الجزء الضخم والأعظم من هذا التراث المجمع من أفواه الرواة والحفاظ أو من الشعراء أنفسهم، إذا كانوا أحياء وأسعف الحظ بمقابلتهم(5). ويقول الدكتور الساحلي بأن الجزء الأول من ديوان الشعر الشعبي (خرج بإشرافه وسالم الكبتي والسنوسي البيجو وتعاون يونس فنوش) أخذ منهم ما يقرب من أربع سنوات للتجميع، وسنة كاملة لشرح المعاني والتبويب، ليخرج على هيئته التي بين أيدينا. وخرج علينا ديوان الشعر الشعبي في مجلدين من إصدارات كلية الآداب بجامعة قاريونس(6).



الأستاذ السنوسي محمد البيجو خلال إحدى فعاليات (الجمعية التاريخية)
بكلية آداب جامعة بنغازي للموسم الدراسي الجامعي 72/1973م.


رحلة خلوية (زردة) نظمتها الجمعية التاريخية بكلية الآداب جامعة بنغازي للموسم الدراسي 72/1973م. ويرى في الصورة إلى اليمين محمد خليل الدينالي (مسؤول إداري) بقسم الجغرافيا وعطية حسين الكوافي (مسؤول بمكتب التسجيل) بكلية الآداب، والطالب (الفنان) فتحي بدر والطالب السنوسي البيجو.

رحلة خلوية لموظفي وطلبة كلية الآداب خلال الموسم الدراسي 74/1975م. الوقوف إلى يمين الصورة الأستاذ علي بوزعكوك (عضو هيئة التدريس بكلية الآداب)، منصور بن عمران (طالب) ناصر البكوش (طالب) محمد الصيد (من موظفي كلية الآداب) السنوسي البيجو (عضو لجنة جمع التراث). أما الجلوس إلى يمين الصورة محمد عبد المالك (طالب) على الزردومي (طالب ولاعب كرة تنس الطاولة) عصام لنقي (طالب).


التقطت هذه الصورة ضمن نشاطات لجنة جمع التراث بكلية الآداب حيث يبدو إلى يسار الصورة الأستاذ السنوسي البيجو عضو اللجنة التراث مع أحد رفاق الرحلة (؟؟) التي كان ضمنها الأستاذ سالم الكبتي بعد الانتهاء من التسجيل التوثيقي (الصوتي) للمرحومة فاطمة داروها الشيلابي العبار التي كانت أول امرأة كسرت جدار الصمت وقامت برثاء عمر المختار في معتقل سلوق عند إعدام الشهيد الرمز .. وبعدما خرت العزائم ويئست، انتفضت أنوثة داروها للوطن، وشرخت بصوتها الشجي سور الخنوع، وندبت الفجيعة، وشهيد الوطن عمر المختار، فقالت:
حي هابه وحيه إمرار        على الباشا ريس الأدوار


رحلة خلوية لموظفي وطلبة كلية آداب جامعة بنغازي يوم 4/4/1975م. ويبدو إلى يسار الصورة (بعد الأول التي ملامحه غير واضحة) الأستاذ رجب الأثرم، فالدكتور محمد فرج دغيم عميد كلية الآداب، والأستاذ عبد القادر الشعافي (مكتب التسجيل بالكلية)، والأستاذ السنوسي البيجو (لجنة جمع التراث بالكلية)، فحسن الشامخ من موظفي قسم الجغرافيا بالكلية ثم الأستاذ مراجع بوراوي من موظفي شؤون الطلبة.

ختاماً …

أختم وأقول كم تلهفت وتأسفت لشيئين أولهما عدم تقديرنا لجيل البناة الذين بإلهامهم وهمتهم استطاعوا أن يوجدوا لنا هذه الجامعة وغيرها من مؤسسات بنوها بأمانة من عدم، وكان حري بنا على الأقل أن نسمي كليات وأقسام ومدرجات وقاعات بل حتى نستحدث شهادات وجوائز بأسمائهم حتى تحفر في ذاكرة الأجيال عظمة وجلل هؤلاء الرجال والنساء الذين قدموا للوطن ولم يطلبوا منا شيئاً إلا العرفان .. فما الضير إذا ما أخذنا باقتراح الدكتور يونس فنوش بتأسيس "مركز الدكتور علي الساحلي للتوثيق ودراسة التراث"، وأشد على يديه وأقول لماذا لا يدرس أبناؤنا في "قاعة الطاهر الزاوي أو مصطفى ابعيو أو محمد بازامه للتاريخ"، وينال أحدهم "شهادة علي مصطفى المصراتي أو عبد المولى دغمان في الآداب" و"إبراهيم الاسطى عمر أو حسن السوسي أو راشد الزبير في الشعر" وآخرون يستحقون "جائزة خديجة الجهمي أو عمر التومي الشيباني أو حميدة العنيزي في التربية" أو "زمالة محمد الفيتوري أو رؤوف بن عامر للطب" أو "دبلوم خليفة التليسي أو محمد الوافي في فنون الترجمة" وهكذا .. حتى لا ننسى، ونتذكرهم بالفضل في حياتهم والترحم عليهم بعد مماتهم كما أُمرنا .. وأسفي وتلهفي الثاني هو عدم دراستي في هذا الصرح العلمي الكبير، الذي كنت أحلم منذ نعومة الأظافر بالاستظلال بقبته الذهبية والدراسة في أروقته الفسيحة والنهل من علمائه بلكنتنا الليبية .. ولكن عزائي أنني يوماً ما سأرجع وأمزج عرقي بلبنات هذه التركة التي وَرَّثَنَا إياها الأجداد والآباء الأجلاء لتصبح أمانة في أعناقنا، وكما يقول سلفنا الصالح: العهد أمانة … والوفاء دين … والتخلي عن ذلك في غيابهم غدر ..
أملي ان أكون قد وفقت في أن أضع بين أيديكم نبذة عن صرح علمي عريق أسسه ليبيون صنعوا به تاريخاً لهذا البلد المغبون، وأن تكون هذه المساهمة للتمعن في الماضي لنمزق بهذه الصفيحات حواجز الخوف والترهيب من التفكير والإبداع، لأن الأمة - كما قال الكواكبي - إذا جهلت خافت، وإذا خافت استسلمت، وإذا علمت قالت، وإذا قالت فعلت، فدعائي أن نتحرر من هواجس الخشية في القول والفعل كما فعل أسلافنا، ونستذكر الأمس ونصنع الغد لنتخطى محنة اليوم، وأنهي بقول السموأل اليهودي:
لسنا وإن كرمت أوائلنا            يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني       ونفعـل مثلمـا فعـلوا.
________________________________________________

(1) خفاجي - المصدر نفسه.
(2) راجع: زواوه والشنواني - المصدر نفسه.
(3) ذكر لي ذلك الأستاذ السنوسي محمد البيجو على هامش محاضرة له عن "الأدب الشعبي" - ألقاها كجزء من مناشط جمعية العمل الاجتماعي الثقافي بلندن بتاريخ 27 يناير 2002م.
(4) الساحلي، علي سليمان - ديوان الشعر الشعبي (مقدمة المجلد الثاني) صـ 7.
(5) ديوان الشعر الشعبي (مقدمة المجلد الأول 1976م) صـ 1.
(6) راجع:مقالتنا"الدكتور علي الساحلي: السياسي والأديب" ونشرتها جريدةالقدس العربي - لندن - بتاريخ 7/6/2004م، كما لا يفوتني أن اشكر جميع من زودني بمعلومة أو صورة أو تصحيح للحفاظ على ذاكرة الوطن .. وأسف جداً لعدم ذكرهم لأنهم كثر .. فالمكان والزمان لا يسمحان.

ـ كما لا يفوتني أن انوه بأنني بصدد تجميع كل ما كتب عن تاريخ الجامعة الليبية وإعدادها للنشر في كتاب خاص، وعليه أدعو كل من يملك أو يرى أنه معني بالموضوع الإدلاء بما تجود به الذاكرة والخزائن من صور ووثائق وشهادات لله ثم للتاريخ من أجل الحفاظ على هذا الصرح العلمي الذي مثل ليبيا وجلال الليبيين. ويمكن الاتصال بي على : f_najem@yahoo.co.uk


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home