Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj Najem


د. فـرج نجم

Sunday, 12 March, 2006

   
   

الجامعـة الليبية وجلال الليبيين:(*)
في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم (1)

د. فـرج نـجـم

ليبيا وعلى الرغم من توغلها في التاريخ لم تُعرف كمركز سياسي مؤثر أو علمي كان له إشعاع على المنطقة حتى مع بروز بعض من أبنائها الذين تركوا آثاراً عظيمة في الحضارة الإنسانية سواء قبل الإسلام أو بعده. فلقد كان لليبيين لغتهم الخاصة بهم والمتداولة رسمياً وشعبياً، فهى مكتوبة ومعروفه بالأبجدية الليبية. استعملت هذه اللغة من فزان جنوباً حتى جزر الكناري غرباً، ولايزال بعض منها يستخدم بين قبائل الطوارق وتعرف بـ تيفناغ. والحروف الليبية تكتب من اليمين إلى الشمال كالعربية، وتحاول بعض المؤسسات الأمازيغية جاهدة في المغرب الكبير إنعاشها وإعادة استعمالها.

عظماء من ليبيا ...

ومن هذه الشخصيات التي أفرزتها التربة الليبية فتركت بصماتها على الحضارة الإنسانية وخاصة في علم اللاهوت المسيحي كان القديس مرقس، كاتب أحد الأناجيل الأربعة، وأحد أقداس الكنيسة الأرثوذكسية على وجه الخصوص. ولد في القرن الأول الميلادي بالجبل الأخضر بوادي يسمى مرقس، وينسب إليه تأسيس كنيسة الإسكندرية، ويعتقد أنه مات فيها ودفن هناك، لازم القديس بطرس في سفره وتبشيره، وكتب إنجيله حوالي سنة 64م، كما يعتبر راعي مدينة فينسيا الإيطالية.

والآخر الذي ترك أثراً في تاريخ الفقه الإسلامى ويعتبر أول من جلب ونشر المذهب المالكي في الفضاء المغاربي هو علي بن زياد العبسي(1)، الطرابلسي المولد والنشأة. تلقى المذهب عن صاحبه الإمام مالك في المدينة المنورة، إمام دار الهجرة(2)، ثم عاد إلى طرابلس مصحوباً بالموطأ الذي تشرف بكونه أول من أدخله إلى إفريقية(3)، وعمل على نشر أصول وفلسفة المذهب الجديد في ربوع ليبيا. وانتقل ابن زياد إلى القيروان للتدريس في جامعها الكبير، فتتلمذ عليه العالم والقاضي سحنون بن سعيد التنوخي، والبهلول بن راشد، وأسد بن فرات(4)، وأخذ عنه المذهب ونشره في القرن الثالث الهجري (التاسع والعاشر الميلادي) في الشمال الأفريقي(5).
أما على الصعيد الأدبي وخاصة في علم اللغة وفنونها فإن من أشهر الليبيين - والعجب أنه لا يُعرف بليبيته وخاصة بين الليبيين - هو محمد بن مكرّم المشهور بابن منظور صاحب لسان العرب، سليل الصحابي رويفع الأنصاري صاحب ذاك المرقد الشهير في مدينة البيضاء المعروف عند العامة بسيدي رافع. روى عنه - أي ابن منظور - السبكي والذهبي وقال: تفرد في العوالي، وكان ابن منظور مغرماً باختصار كتب الأدب المطولة كالأغاني والعقد الفريد والذخيرة ونشوار المحاضرة وغيرها. ولكن المجهود الذي شهره كان ذاك المعجم العربي الذي توزع على عشرات المجلدات ليدون للعرب لسانهم ويصون مفرداتهم، وبه وصفه الشيخ المؤرخ الطاهر الزاوي بالعلامة الجهبذ والأديب الشاعر الناثر، قدوة المحققين، وفخر العلماء الراسخين. وقد أكد الشيخ الزاوي جازماً طرابلسية ابن منظور وفند وأنكر على من كناه بالإفريقي تارة وبالمصري أخرى، وأصر على ليبيته بطريقته المعهودة ولم أجد من يعارضه في ذلك(6).
ولا أنسى في وقتنا هذا الأستاذ محمد أبوبكر بن يونس (1931-2001م) أول عضو في هيئة التدريس لأول كلية حقوق في ليبيا بالجامعة الليبية، وصاحب موسوعة التشريعات العربية التي تتضمن جميع النظم والتشريعات النافذة المفعول بها في جميع الدول العربية وعلى جميع مستويات التشريع الصادرة باللغة العربية، وأكبر موسوعة دولية في مجال التشريع في العالم، الذي استطاع أن يدخل بها كتاب موسوعة جينيس للأرقام القياسية ومقرها بريطانيا التي سجلت وشهدت بأن "أكبر موسوعة في العالم هي موسوعة التشريعات العربية لصاحبها محمد أبوبكر بن يونس" في 14 أكتوبر 1999م، حيث ربا عدد مجلداتها على مائتي مجلد يضاف إليها الفهارس والملاحق تقع في مائة وعشرين ألف صفحة ووزنها أربعة قناطير ومعها أول فهرس عام للتشريعات العربية(7) ..

فهذه نتف من تاريخ بعض من عظماء ليبيا الأجلاء الذين كان لهم أثر في الساحات العالمية والإقليمية، فيا ترى صدقاً ما قاله المشككون من أن أولئك العظام كانوا فلتات لا غير، وأنا أترك الحكم للقارئ.

العلم والتعلم في ليبيا ...

هذا على صعيد الرجال أما المؤسسات فلم تنل ليبيا نصيبها من دور العلم التي تليق باجتهاد أبنائها، ومازالت المشكلة قائمة، فلقد تميزت ليبيا عن دول الجوار بقلة حواضرها إذا ما قورنت بمصر أو تونس، فالبداوة الصارمة كانت السمة الغالبة على معظم سكانها حتى قال أحد أبناء بادية برقة: "لا نا من قرطاسة الكواغط ولا من مصاصة أقلام الكوبيا" أي لسنا تجاراً نبيع الجرامات في قراطيس ورقية صغيرة كما كان الحال إبان سنوات الجرامات، ولسنا ممن يبري أقلامه وذلك عن طريق مصها بالفم، وهذه كناية على أن جل الليبيين لم يعرفوا "الحضارة" سواء بالتبادل التجاري بأنماطه المدنية أو مراكز علم كالأزهر والزيتونة، بل عرف عن بدو ليبيا الشدة والجلد والقتال حتى قال أحدهم للباحث ايفانز بريتشارد، عالم الأنثروبولوجيات البريطاني، مؤكداً جهل البدو بتعاليم دينهم الذي هم مستعدون أن يفنوا من أجله، فقال قائلهم نحن "نجاهد ونصوم"(8) فقط، وكأن الإسلام حُصر في القتال والصيام .. والجهاد والصيام من علامات الجلد ومنازلة المشاق.
وبالطبع لا يخلو الأمر من بعض الاستثناءات، فعلى سبيل المثال المنطقة الغربية وخاصة طرابلس وأحوازها عُرفت بحضور علمي مكثف ولكنه في مجال ضيق متمثلاً في تحفيظ القرآن الكريم وتدريس أصول الفقه واللغة بفروعها المختلفة من نحو وبلاغة وشعر وغيرها في حين كانت برقة تغط في سبات القبلية وجاهلية الثارات، بينما انفردت فزان بحفظ القرآن أكثر من غيره حتى عُرف الفزازنة بـ "الفقهاء" و"المرابطين" لكثرة الصلحاء وأهل الاستقامة بينهم. ففي طرابلس كان لكل من جامعي أحمد باشا (وكان يطلق عليه كلية أحمد باشا القرمانلي) وسيدي درغوت حضوراً علمياً اصطبغ بصبغة ثقافية ذات ملامح أدبية ولكن ظلت الدراسة تسير فيهما على النظام الوقفي القديم، بينما بقيت زاوية الابشات في مدينة الزاوية وزاوية كل من الشيخ عبد السلام في زليطن وزاويتا الزروق والمحجوب في مصراتة، تدرس النمط المتبع في الأزهر الشريف، حيث يختار الطالب شيخه، ويدرس العلم الذي يهواه، كذلك نظام العزابة وحلقات ذكر الإباضية في جبل نفوسة قاصرة على القرآن وعلومه فيما يلائم استعداد المتلقي الفطري ويوائم قدرته على التحصيل من هذه المعارف والمناهج التي هي عبارة عن كتب معينة تمثل مستويات الطلبة كموطأ مالك، وألفية ابن مالك، وشروح وحواشي الأجرومية، والرسالة، وشروح الخريدة، وحفظ الأوراد والوظائف.. إلخ، ولم تمنح هذه المؤسسات الأهلية العلمية درجات أو شهادات علمية بل كان يجيز الشيخ تلميذه ولكل طريقة خاصة به في الإجازة.

يرجع فضل هذا النوع من العلم والتعلم إلى الطرق الصوفية التي تغلغلت في المجتمع الليبي لسد الفراغ الروحي والعلمي والحياتي الذي خلفه الإسلام الرسمي المتمثل في المؤسسات الدينية والإهمال الحكومي(9)، ولكن هذه الطرق تأثرت بدورها بالمجتمعات التي أثرت هي فيها. فكانت هناك طرق تكيفت مع المجتمع الحضري في المدن وبعض القرى، ومنها العروسية والعيساوية والمدنية، ولكن بقى الريف أو كما يسميه الليبيون بـ "بـر البوادي" خالياً من الطرقية التي لم تتلاءم مع عادات البدو وتقاليدهم، ولم ينسجم البدو مع طقوس وتعاليم هذه الطرق، وبذلك بقيت البادية بعيدة عن التعاليم الإسلامية، مع أنها أصرت على إسلامها كما ذكرنا سالفاً، ولم تتبن أو تعترف بفصل الدين عن الدنيا ولم تُشرع لنفسها عن قصد أو براءة من الإسلام(10). وتُركت البادية ضعيفة التدين لعدم توفر الدعاة والمصلحين من أبناء البادية أو الوافدين، حتى أتت السنوسية التي استطاع مؤسسها السيد الإمام محمد بن علي السنوسي (ما بين 1837 إلى 1859م)(11)، بأسلوبه المتميز اختراق عقلية وثقافة البدو. وكان مصلحاً ومجدداً كما أخبرني كل من الدكتور أحمد صدقي الدجاني والدكتور نقولا زيادة اللذين درسا حركته دراسة جيدة، حيث أصلح الرجل حال البدو اجتماعياً وجدد لهم أمر دينهم(12).
وسرعان ما ارتقت الطرق الصوفية وخاصة السنوسية من طريقة صوفية تردد الأوراد والأذكار إلى حركة إحيائية انتقلت بالمجتمع القبلي إلى مستوى أكثر حنكة مما كان عليه، ولكن ما لبث التيار الصوفي أن وقع في براثن البدو وأصيب بشيء من سلبياتهم لا سيما التحجر الأمر الذي شد الحركات الصوفية وعلى رأسها السنوسية إلى الوراء وألبسها ثوب "العلمنة" البدوية، وذلك بتمييع الإسلام الحقيقي بإسلام الطلاسم والدروشة الذي أدى إلى عقم السنوسية بأن تنجب مصلحين كرجالاتها من الجيل الأول، ولهذا فشلت في تخريج زعماء دينيين مجددين مثل الإمام السنوسي الكبير ونجليه السيد محمد المهدي والسيد محمد الشريف وغيرهما.
والجدير بالذكر أن السيد الإمام محمد بن علي السنوسي بعدما ترك كل شيء في بلده الأصلي في الواسطة بمستغانم الجزائرية أسس أول زاوية له في تاريخ الطريقة في جبل أبي قبيس بمكة المكرمة سنة 1837م(13)، ثم جاء ليستقر بالجبل الأخضر ويبني زاويته البيضاء التي عرفت بأم الزوايا سنة 1842م لتصبح النواة الحقيقية لحركة إصلاحية عريقة ودولة مستقلة يقودها أحد أحفاده بعد وفاته بقرن من الزمان. ومن ثم انتقل السيد الإمام إلى واحة الجغبوب وتوفي بها ليترك فيها آثاره ومجهوداته الفكرية والإدارية وليجعل لها شأناً عظيماً، وهي الواحة التي كانت قبل مجيئه إليها سيئة الصيت، نائية، تفتقر إلى كل مقومات الحياة، حتى أن ماءها شديد المرارة ممزوج بملح(14)، أصبحت عاصمة للسنوسية في بادئ الأمر، ومن ثم معهداً إسلامياً على غرار الأزهر بمصر والقرويين بفاس والزيتونة بتونس، وكادت الجغبوب أن تضاهي الصروح العلمية فيما بعد إذا ما كتب لها ذلك(15).

وكان لقلة المنتسبين للجغبوب، التي أصبحت مركزاً للإشعاع العلمي والتبشيري ومكتبة مرجعية كبرى تأتي إليها الكتب الإسلامية من كل حدب وصوب، سبب في بقاء جل البدو على أميتهم وجهلهم بدينهم لأنه قَلَّ من بينهم من بعث بأبنائه للتعلم فيها مع افتخارهم واعتزازهم بالانتماء إلى الإسلام الذي فشل المبشرون والمستعمرون في اختراقه عبرهم. فلقد كانت ليبيا أرضاً خصبة للمرابطين وللطرق الصوفية التي لقيت رواجاً وإقبالاً بين بعض القبائل والعائلات لتعليمهم وتثقيفهم إسلامياً من خلال المساجد والكتاتيب والزوايا والمدارس. وكان التعليم محصوراً في القرآن وعلومه، وكتابة اللغة العربية وقراءة الشريعة الإسلامية إلى جانب النزر اليسير من التاريخ والفكر الإسلامي. فالقبائل والعائلات الثرية كانت تبعث بأبنائها إلى الأزهر بمصر، أو الزيتونة بتونس أو بلاد الشام وتركيا. وإلى جانب هذه المعاهد المالكية، كان أتباع المذهب الإباضي من الأمازيغ يبعثون بأبنائهم إلى جزيرة جربة التونسية، أو وادي ميزاب بالجزائر أو معهد الحياة بالقرارة الجزائرية أو حتى عُمان لطلب العلم(16). أما القبائل الفقيرة فكانت تكتفي بزواياها المحلية التي يقوم عليها بعض المشايخ من قبائل المرابطين لتلبية حاجات القبيلة مقابل السكن والأكل والشرب فقط، وهو بدوره يقوم(17):
· بتحفيظ أولادهم القرآن وتعليمهم السنة والشريعة الإسلامية
· تعليم اللغة العربية قراءةً وكتابةً ونشرها مع تعاليم الإسلام (18)
· جمع الزكاة والصدقات والنذور والكفارات وصرفها على أهلها من الفقراء والمساكين وإيواء السابلة
· حل المشاكل الحياتية والفصل في القضايا الدينية بين الناس (19)
· التوجيه الروحي والتعبئة السياسية والجهادية
· خلق نوع من الاستقرار والتوازن بين القبائل المتنافسة. (20)
________________________________________________

الهوامش :
(*) سبق لي نشر هذا البحث في مجلة "عراجين" في عددها الرابع (2006م) الخاص بإحياء الذكرى الخمسينية لتأسيس الجامعة الليبية.
(1) قال عنه الشيخ الطاهر الزاوي في أعلام ليبيا - (سمع من سفيان الثوري، والليث بن سعد، والإمام مالك، وأخذ منه البهلول بن راشد، والإمام سحنون، وشجرة بن عيسى، وأسد بن الفرات ولم يكن بأفريقية أحد مثله. أول من أدخل موطأ مالك لأفريقية وفسره. كان أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا إليه ليخبرهم من هو على صواب). وقال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام " كان إماماً ثقة متعبداً، بارعاً في العلم".
(2) الزاوي، الطاهر أحمد - تاريخ الفتح العربي في ليبيا صـ 193-194.
(3) الشريف، ناصر الدين محمد - الجواهر الإكليلية في أعيان وعلماء ليبيا من المالكية صـ 34-36.
(4) أبو فارس، حمزة - أضواء على جانب من حياة ليبيا العلمية صـ 29.
(5) الزاوي، الطاهر أحمد - المصدر نفسه صـ 194-195.
(6) الزاوي، الطاهر أحمد - أعلام ليبيا صـ 373-376.
(7) راجع: مجلة الثقافة العربية العدد 253 أكتوبر 2003م، كذلك إصدار خاص عن جامعة الدول العربية في نفس الصدد على موقعهم www.alenc.com .
(8) Evans-Pritchard, E.E, the Sanūsī of Cyrenaica, p 63.
(9) الدجاني، أحمد صدقي - الحركة السنوسية نشأتها و نموها في القرن 19 صـ 20-23.
(10) Evans-Pritchard, p 82.
Bosworth, Clifford, the Islamic Dynasties, op. cit., pp 41-42
(11) راجع: كتابنا الموسوم "حوارات تاريخية" القاهرة - 2005م.
(12) الدجاني، أحمد صدقي - الحركة السنوسية نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر صـ 261،282-285.
(13) بن علي، عبد القادر بن عبد المالك - الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية صـ 8-9.
(14) الأشهب، محمد الطيب - السنوسي الكبير صـ 45.
(15) راجع: كتابنا الموسوم "القبيلة والإسلام والدولة" القاهرة - 2005م.
(16) خليفات، عوض محمد - النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال أفريقية في مرحلة الكتمان صـ31-34.
معمر، علي يحى - الإباضية بين الفرق الإسلامية صـ 106-107.
الطبطبائي، وليد - الإباضية تاريخاً وعقيدة صـ 60-64.
(17) Hasan, Salaheddin, the genesis of the political leadership of Libya 1952-1969:
historical origins and development of its component elements (unpub PhD thesis), pp 11-15.
الطاهر، عبد الجليل - المجتمع الليبي صـ 314.
(18) الدجاني، أحمد صدقي - مصدر سبق ذكره صـ 238-239.
(19) Evans-Pritchard, op. cit., p 66.
(20) بن موسى، تيسير - المجتمع العربي الليبي في العهد العثماني صـ 78-80.


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home