Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Fadhel el-Masoudi

Friday, 24 February, 2006


المرحوم "راهب الزراعة" محمد بي درنة

المرحوم محمد بدرالدين المسعودي

رحيل العـالم والخبير الزراعـى الليبي
محمد بدرالدين المسعـودى

فاضل المسعـودى

عصر يوم الاثنين 20 فبراير الجارى ، شيعت مدينة طرابلس ، جثمان الراحل الكبير ، الخبير الزراعى الليبى المعروف ، الأستاذ محمد بدر الدين المسعودى ، شيعته الى مثواه الأخير بمقبرة الهنشيرى ، حيث صلى عليه جمع غفير من أصدقائه ومعارفه من أعيان ومثقفى المدينة ومنطقة سوق الجمعة ، وزملائه السابقين فى وزارة الزراعة وتلاميذه الأوفياء من العاملين فى هذا القطاع أيضا. وأنطوت بذلك صفحة كبيرة من حياة رجل ليبى ، عظيم وبسيط ، حفلت بجليل الأعمال وعظيم الخدمات والجهود المفيدة التى بذلها الرجل " المثقف والعالم والأستاذ " فى مجال تخصصه العلمى الزراعى والتربوى ، فى سبيل ومن أجل ارساء أسس كفاءتها الزراعية وقواعد نهضتها الفلاحية وازدهارها الحقيقى وتوفير مناعتها الصحيحة ، مع صفوة الرجال المخلصين والكوادر الرائدة المؤهلة فى ذلك العهد .. عهد البدايات " الطيبة والعظيمة " لتثبيت الاستقلال الوطنى واقامة الدولة الليبية وانطلاقة أيام البناء والازدهار..
ورحل الرجل عن دنيانا فى صمت ، كما رحل ويرحل "أخيار بلادنا" وكبار رجالها منذ حلول "اللعنة" وتنفيذ الانتقام منهم جميعا، بالاقصاء والتهميش والتعتيم والابادة ، وهم ما زالوا فى أوج العطاء.. بل وهم أحياء وأصحاء ومنتجون!!
وكانت المنيّة قد وافت الخبير الزراعى الليبى المتخصص والمواطن الليبى الصالح والتقىّ ، الأستاذ محمد بدر الدين المسعودى ، ظهر يوم الأحد الماضى ، بعد مرض أقعده فى منزله سنوات ، وغادر هذه الدنيا ، عن عمر يناهز السادسة والسبعين بعد مشوار طويل ومضن ، بدأه فى أواخر العهد الايطالى بالدراسة المنظمة من الابتدائى الى المدرسة الاسلامية العليا .
وبعد انتهاء الحرب العالمية ، وفى عهد ادارة الاحتلال البريطانى المؤقتة ، اشترك محمد بدرالدين المسعودى مع مجموعة من الشباب المتعلمين فى " امتحان قبول " لتعيين مدرسين جدد لمراحل الدراسة الابتدائية ، اجتازه بتفوق وجاء ترتيبه الثانى فى النجاح ، وكان الترتيب الأول قد فاز به أديب ليبيا العصامى الكبير، الأستاذ خليفه التليسى ، ومارس التدريس بمدرسة " العلمين " الابتدائية بضع سنوات كان خلالها يشترك أيضا فى كل دورات تعليم اللغة الانجليزية التى يقيمها ( المعهد الثقافى البريطانى ) فى ذلك العهد ، يساعده على التعلم السريع ويمكنه من النجاح والتقدم ، اجادته للغة الايطالية التى بدأ بها تعليمه ودراسته فى الابتدائية والمدرسة الاسلامية العليا ، والى جانب ذلك ، كان محمد بدرالدين ينكب بجدية ومثابرة على القراءة والاطلاع مما توفّر لديه فى ( المكتبة الضخمة ) التى كونها والده ، الأستاذ المربى ، الصادق المسعودى ، وأيضا مما كان يجده فى مكتبة عمه ، العالم الجليل ، والمجاهد ، والشاعرالصوفى ، فضيلة الشيخ سعيد المسعودى .

*   *   *

عقب اعلان الاستقلال ، التحق المرحوم بنظارة الزراعة لولاية طرابلس واختير منذ البداية ، مع ثلاثة من زملائه ، فى بعثة دراسية بكلية الزراعة بقبرص ، ليتخرج منها بعد سنتين بتفوق ، بل ان ترتيبه كان " الأول " من بين الناجحين وهم من جنسيات مختلفة ، ما دفع " حاكم قبرص الانجليزى " الى منحه ، فى ختام حفل التخرج " شهادة تقدير ووساما شرفيا " ونجح أيضا زملاؤه الثلاثة فى البعثة وهم الراحلون : سليمان حجازى وعلى العالم وجمعه الجدوعى.

وتولى المرحوم وزملاؤه النجباء ، تحت رعاية وخبرة وكفاءة ناظر الزراعة لولاية طرابلس ، المرحوم محمد بى درنه ، بوضع كوادر وأسس الادارة والمرافق الفنية فى النظارة ، التى تحولت بعد الغاء ( النظام الاتحادى للمملكة ، الى " وزارة " عين فى يناير 1964 المرحوم الأستاذ محمد بى درنه أول وزير لها ، وواصل محمد بدرالدين المسعودى دراساته العليا بعد ذلك فى بريطانيا ثم فى الولايات المتحدة الأمريكية وأصبح خبيرا زراعيا مشهودا له بالكفاءة العالية وباحثا متخصصا فى مجال عمله ، وتدرج فى سلم وظائفه حتى أصبح اوائل سنة 1960 مديرا عاما للغابات خلفا للمستر ( مارشال ) الخبير البريطانى الزراعى الذى تولى ادارتها بنزاهة وكفاءة وخبرة عالية عدة سنوات .

محمد بدرالدين المسعودى هو الذى أسس وأصدر ( مجلة الفلاح ) باسم نظارة الزراعة وأسس أيضا ، بالتعاون مع زملاء له " الركن الزراعى " بالاذاعة الليبية وتولى الاشراف على المجلة وعلى الركن الاذاعى وكانت مشاركته فى الكتابة واعداد البرامج والبحوث غزيرة واساسية وبانتظام . وقد شارك كذلك ، فى الكثير من الحلقات الدراسية الزراعية والمؤتمرات الدولية فى العهد الملكى ، وشارك ورأس أكثر اللجان الخاصة بدراسة المشاريع ووضع صيغ التعاقد واستجلاب العمال الزراعيين من الخارج ، وقام برئاسة الوفود وتمثيل " المملكة الليبية " لدى كافة الجهات الدولية التى لها علاقة بالزراعة والتنمية الزراعية فى المنطقة ، وتكونت لديه خبرة واسعة ودراية خاصة وعالية فيما يتعلق بالتربة والمياه والمناخ فى ليبيا وتعود اليه معظم الجهات ذات العلاقة ، كمرجع وخبير .
كتب العشرات من الأبحاث والدراسات والمقالات نشر جزء منها فى مجلات دولية متخصصة ونشر بعضها فى الصحف المحلية والعربية الى جانب ما أذيع وما نشر فى مجلة الفلاح الليبى ، وبقى الكثير منها فى ملفاته الخاصة أو ارشيف منظمة التغذية والزراعة ( الفاو ) أو فى أضابير الأمم المتحدة التى حضر وشارك المسعودى فى معظم مؤتمراتها الدولية وحلقات الدراسة التى نظمتها فى المنطقة ، بصفته الوظيفية وأحيانا بصفته الشخصية .
وكان المرحوم ، صديقا وفيا وعضدا فعالا للمرحوم ناظرالزراعة ووزيرها لسنوات طوال ، الرجل الذى كنا نلقبه ب " راهب الزراعة " لأنه وهب حياته وأنفق أيام عمره وما أكتسبه من علم وخبرة فى دراساته العليا فى ايطاليا ليضع مع زملائه وتلاميذه وعلى رأسهم الأستاذ محمد بدرالدين المسعودى ، أسس ودعائم وأطرق " النهضة الزراعية " المنشودة ومخططات التنمية الصحيحة ، على أساس العلم والدراسة وخبرات وتقدم العصر، وجسّد بتفانيه وجلده واخلاصه وجهوده الجبارة وتفرّغه " طموحات المملكة الليبية " يومها ، فى الخروج المنظم والسريع من التخلف ومواجهة ما يعانيه تراب بلادنا الواسع الكبير من تحديات التصحر وشحة المياه وانعدام الخصوبة . ولكن هذا الرجل ، محمد بى درنه ، سرعان ما طواه النسيان وشمله الاقصاء والتهميش والجحود والجهل ، بعد الفاتح من سبتمبر69 ، ومات منذ سنوات ، فقيرا ووحيدا ومجهولا ، ولم يشعر برحيله الأبدى الفاجع سوى القلة من تلاميذه وعارفيه !!
وهو نفس ما حل بالمرحوم محمد بدر الدين المسعودى بعد انقلاب الفاتح من سبتمبر الذى لزم منزله ، ورفض الهجرة خارج الوطن وتجاهل الدعوات الكثيرة التى تلقاها من مؤسسات دولية للعمل معها فى الخارج لما اشتهر به لديها من كفاءة شخصية وعلمية واستقامة ومعرفة جيدة وتمكن من ثلاث لغات حية وأصر على البقاء داخل وطنه ، حتى احتاجوا اليه وعادوا للبحث عنه .. لا ليبقى فى موقعه الأصلى ! ولكن ليعين من جديد فى " مديرا " لادارة التخطيط والمتابعة بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية ، ثم ليعين مستشارا فنيا .. ثم مسئولا عن مشروع الحزام الأخضر للجامعة العربية بعد انتقال " أمانتها العامة " الى تونس .. وبعد ذلك أحيل للتقاعد .. فلزم بيته !!
الشىء الوحيد الذى يلفت النظر بالنسبة لهذا الرجل أن يوجد " بعض الأخيار والأوفياء " فى ادارة البحوث الزراعية بمدينة البيضاء ويصمموا على تكريمه ورد اعتباره ، فنظموا له حفل تكريم وذلك ، فى السادس عشر من اكتوبر عام 2003 ، وعددوا مناقبه وأشادوا بكفاءاته ، وأهدوا اليه فى نهاية التكريم سيارة خاصة من نوع ( لانشا ) ! وكتبت عنه صحيفة "الجبل" بالبيضاء مقالا مختصرا وجيدا .. الا أن محمد بدرالدين المسعودى لم يتمكن من حضور حفل التكريم بسبب المرض فأوفد عنه تلميذه السيد عبد الرحمن بن مولاهم " شقيق زوجته " لحضور حفل الوفاء والتكريم .

محمد بدرالدين المسعودى ، قبل كل ذلك وبعده ، انسان طيب ، دمث الاخلاق ، كريم وذو مروءة يحمل هموم الغير فى قلبه ولا يتردد أو يتوانى فى نجدة من يحتاج اليه ، صادق وأمين ونزيه ووفىّ ، ومتديّن ومستنير ،عف اللسان واليد ، ولم يعرف عنه الوقوع فى الزلل ولا التورط فى خطيئة ، ولا يذكر أن بدرت من جانبه اساءة لأحد ، وقد رفض بشدة أن يسكن واحد من أولاده الثلاثة فى " بيت مغتصب " أو يستولى على حق لغيره ، عندما كانوا فى حاجة ملحة للعثور على سكن يتمون فيه زواجهم ، وأعطى ظهره بنفور وصرامة لكل من عرض عليه حل مشكلة أولاده عن طريق التعدى على أملاك الناس المغتصبة واستغلال " مقولة " البيت لساكنه ! كما تورط فى وزرها الكثيرمن الناس ، حتى من بين غير المضطرين للتورط فى تلك الجريمة ، بل قام الرجل بمسعى خاص لتجنيب من يعرفهم ارتكاب هذه الجريمة وتحمل أوزارها ، فى الوقت الذى لم يتعفف أو يتردد عن فعلها ، وبوقاحة وقلة دين وخلق ، عدد كبير من التجاروالسماسرة الجدد والموظفين الكبار المياسير .

*   *   *

محمد بدرالدين المسعودى هو " النموذج المثالى" للانسان المؤمن التقىّ والمواطن الصالح ، والرجل الصادق والشجاع والخيّر والطيب ، والموظف النزيه الأمين .. والليبى الخلوق الوفى فى زمن السقوط والجحود والكراهية وانطلاقة نوازع الشر وارتكاب المعاصى الخلقية والانسانية .. والدينية ، ولذلك يترك الرجل " دنيانا " وليس فيها ما يؤسف على فراقه . ولعل الله يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنانه ، مع الأتقياء والأنقياء والصالحين ، ويلهم ذويه وأصدقاءه وعارفى قدره وصلاحه ، الصبر الجميل , ويعوض الله وطننا المأزوم والمسحوق تحت سطوة الأشرار والغرباء والدخلاء ، .. لعل الله يعوض الوطن المنكوب ويعوضنا جميعا فيه خيرا ويمنح المزيد من القدرة للذين بقوا من بعده ، متمسكين بالعروة الوثقى ، وملتزمين بالوفاء للقيم والاستقامة والصلاح ، لكى يصبروا ويصابروا ولا يفقدوا الأمل .. الأمل فى أن للفسّاق والأشرار والمفسدين نهايات محتومة .. وغدا لابد أن يكون يوما آخر.. وكما يقول محمود سامى البارودى

وغدا سينجلى الأمر كله            فما أول الا ويتلوه آخر
    هنالك يعلو الحق والحق واضح          ويسفل كعب الزور والزور عاثر

وله الأمر من قبل ومن بعد ، ولكن جميع "الأشرار" لا يعلمون.

فاضل المسعودى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home