Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الإثنين 31 يناير 2011

المسيرة السلمية للتغيير .. مرة أُخرى !

فرج الفاخري

أتوجه لجميع أفراد المعارضة الليبية بالخارج بهذا النداء، بدافع من الضرورة القصوى التى يمليها علينا (جميعاً) واجب مسئوليتنا الوطنية نحو بلادنا. فوطننا المنكوب بحكم النظام الفاسد، يناشد ضمائرنا لإغتنام معطيات المرحلة الراهنة فى العمل على تثوير أفراد شعبنا فى الداخل، من خلال تقديم النموذج والمثال الذى يقتدى به للإنتفاض على سلطة النظام المتعفن. 

والمعنى المطلوب إدراكه فى هذا السياق، أن شعوب الأرض ـ بمختلف أجناسها ـ لا تثور على جلاديها إلا بوجود قيادات وطنية من بين أبنائها تحثها وتحفزها للتمرد والإنتفاض على جبروت وظلم الحكام الفاسدين. 

إن المناخ السياسي فى ليبيا مهيأ (الآن) لإحداث التغيير السياسي المطلوب ـ الذى تأخر أجله لزمن طويل ـ بعد أن هيأته فى المنطقة العربية بأسرها إنتفاضة الشعب التونسي المباركة، التى لم تسقط، فى هذا الغمار، نظام حكم بن علي (الفاسد) فحسب، بل إنها عملت على إحياء وإرساء حقيقة كانت غائبة عن عقول الناس فى عالمنا العربي، وهى أن الأنظمة الفاسدة ليست هى صاحبة القوة المسيطرة على إرادة حق تقرير مصير الشعوب المنكوبة بحكمها، بل إن الشعوب (ذاتها) هى صاحبة القوة والسيادة واليد العليا لتقرير مصير حاضرها ومستقبلها. 

بعبارة أُخرى، عندما رحل الحاكم التونسي الفاسد عن أرض القيروان، تحت وطأة غضب الشعب الثائر، رحل معه مفهوم حصانة أنظمة الحكم الديكتاتورية فى الأوطان العربية. فقد صححت إنتفاضة الشعب التونسي المفهوم الخاطيء الذى رسخته وسائل وأدوات القوة القمعية الشرسة عبر عقود زمنية طويلة فى عقول الناس، بأن هذه الأنظمة غير قابلة للتغيير إلاّ بوسيلة الإنقلابات العسكرية. وجاءت الإنتفاضة التونسية لتفتح عيون الناس فى المجتمعات العربية على واقع حيازتهم للقوة الحقيقية القادرة على إقصاء الحكام الفاسدين المنتهية صلاحية ـ شرعية ـ حكمهم. 

ولكن رغم أن الإنتفاضة الشعبية التونسية، قد قامت بتصحيح المفهوم المشوه فى أذهان الناس بكافة مجتمعات الأقطار العربية المتفرقة، وعملت على إعادته لنصابه القويم، إلاّ أن إنتفاض هذه الشعوب على سلطة حكامها غير المرغوب فيهم، لا يتم بظاهرة تقليد القط لنظيره. وأنما بفعل التحريض والتحفيز من قبل الكوادر القيادية والتنظيمية الوطنية. 

إن الشعوب العربية ـ وشعب ليبيا من بينها ـ قد نمى إلى وعيها بأنها مصدر القوة ومنبعها الأصيل فى إطار كيان الدولة. ومع ذلك فقد خلد معظمها للسكون، وشعب ليبيا على رأس قائمتها، هذا رغم تهيأوها جميعاً للإنتفاض فى أية لحظة بتحفيز وحث من نشطاء حركة النضال الوطني فى داخل مجتمعاتها. 

ومجمل المعنى فى هذا الإطار، أن وعي الشعوب بقدرتها على الإنتفاض، لا يكفى وحده لإحداث الإنتفاضة المنشودة. فلابد من وجود الكوادر والقيادات التى تضطلع بأمر تحفيزها ـ فى هذا السياق ـ لكي تتمرد وتنتفض على حكم الأنظمة المنبوذة. والبديل الوحيد فى هذا السياق، هو وجود الرمز الرائد الذى يوقد فتيل النعرة الوطنية عند الناس للإنتفاض والثورة. 

وعلى سبيل المثال، كان الرمز والدافع المحفز لإنتفاضة شعب تونس، هو البوعزيزي الذى حرق نفسه حياً، للتعبير عن غضبه من مصادرة السلطات الظالمة لعربة خضاره التى يرتزق منها. وكان لمشهده المؤثر الدور الأكبر فى تفاعل الغضب الكامن فى نفوس مواطنيه إزاء الأوضاع المتردية التى فرضها عليهم نظام الحكم التونسي الفاسد. 

ولا يعنى هذا، أن يقوم أحد الأفراد فى ليبيا أو السودان أو الجزائر أوغيرها من الدول الأخرى بحرق نفسه، لكي يعيد التاريخ نفسه بتطابق تام، ويثور شعبه لمأساة حرقه. فالرمز الذى أشعل فتيل الإنتفاضة فى تونس، خلقته لحظة زمنية معينة نتأت عن موقف محدد، توافق مع حالة الغضب الكامنة فى نفوس الناس. 

وإذا لجأنا للمثال الحي ـ الجاري حدوثه ـ فى المظاهرات الشعبية بمصر، فنجد أن سبب إندلاعها قد جاء نتيجة لرسائل بعض نشطاء النضال المصري على الفيس بوك وتويتر وبلاك بيري ماسنجر، الذين أستغلوا الإستعداد النفسي عند أفراد الجماهير المصرية للإنتفاض ـ بفعل تأثير إنتفاضة تونس المباركة ـ فقاموا بتحريضهم على الخروج للشارع فى يوم محدد بميقات ساعة معينة، لإعلان رفضهم لإستمرار نظام الحكم الفاسد المسيطر على مقاليد السلطة فى بلادهم. 

إذن، لم تخرج مظاهرات الجماهير فى مصر من تلقاء نفسها، بل حثها ودفعها نشطاء النضال الوطني عبر وسائل الإتصال (الإجتماعي) الحديثة.[1] ولذلك، لا يجب علينا البتة أن نغفل أمر ضرورة وجود المحفز الذى يحث الشعوب ويدفعها للتمرد والثورة. لأن وعي الشعوب بقدرتها على التغيير، لا يكفى بمفرده لإخراجهم إلى الشارع لفرض التغيير المطلوب. حيث يظل عامل التحريض ـ فى هذا المنوال ـ يلعب الدور (السحري) الرئيسي فى إطار حث الجماهير على الثورة.[2] 

والسبب من وراء ذلك، يكمن فى أننا نتعامل مع شعوب استكانت للجمود والسلبية والخوف المريع لعقود زمنية طويلة، ساعد على ترسيخ عواملها القبيحة فى هذا الخصوص، تفشي عوامل التخلف وإنعدام الوعي بين النسبة الغالبة من مواطنيها. وجاءت الإنتفاضة التونسية لتكشف عن موطن الخلل فى هذا الشأن، الذى تربع بمعتقداته الخاطئة فى عقول الناس على مدى دهور طويلة، وشل قدرتهم الكامنة عن تأدية وظيفتهم الأساسية ـ المتمثلة فى حرية حق الإختيار ـ التى أوجدها الله فى الإنسان، منذ بدء الخليقة، لهذا الغرض بالذات. 

***** 

والآن قد حان الوقت لنشطاء المعارضة الليبية، أن يتبنوا الوسيلة الناجحة التى تمكنهم من تحفيز أفراد شعبهم فى الداخل للإنتفاض على حكم النظام الأسن. فيجب عليهم إغتنام هذه الفرصة الذهبية التى ـ ربما ـ لن تتكرر مرة أُخرى، بطرق الحديد الملتهب قبل أن يبرد ويتصلب، لأجل تحقيق حلم شعبهم وغايته المأمولة فى الحرية ورغد العيش. 

إن المطلب الذى أرفعه لكم فى طيات هذا النداء، يتبلور فى مناشدتكم لإحياء الفكرة القديمة التى طرحتها عليكم منذ سنوات خلت. وهى القيام بحشد أعداد من بين شخصيات المعارضة فى الخارج، لتكوين مسيرة سلمية تتجه لداخل الوطن، بطائرة تحملهم على متنها بمرافقة مجموعة من ممثلي الصحافة والإعلام، مع بعض عناصر نشطاء جمعيات حقوق الإنسان، وغيرهم من ـ أصحاب الضمائر الحية ـ المتعاطفين مع قضايا الشعوب المقهورة. 

إن الشرح التام لكيفية تنظيم هذه المسيرة، موجود فى مقالات سابقة نشرتها على موقع ليبيا وطننا. وسوف أعيد شرحها بتوسع للمهتمين بالمشاركة فيها. ولكن المهم فى هذا السياق، أن هدف هذه المسيرة هو خلق الرمز المفقود فى علاقة المعارضة بقاعدتها الشعبية، الذى يعمل على تحفيز أفراد شعبنا للتعبير عن غضبه الكامن من خلال الخروج للشارع للمطالبة بإسقاط حكم النظام الفاسد. 

والفكرة بإيجاز، ترمى إلى إحداث هزة كبيرة فى أوساط الناس، عند الإعلان عن عزم شخصيات من المعارضة الليبية فى الخارج الذهاب إلى أرض الوطن فى مسيرة لأجل التعبير عن رفضهم لإستمرار حكم النظام الفاسد، ومطالبة رأسه وأركانه بالتنحي، غير آبهين بالعواقب التى قد تنجم عن شجاعة إقدامهم على مواجهة النظام وتحديه فى عقر داره. 

وإذا كُتب للمسيرة دخول البلاد وإعتصام افرادها فى ميدان الشهداء بطرابلس، أو على إطلال ضريح عمر المختار ـ ببنغازي ـ الذى تم هدمه فى وقت سابق. فإنها كفيلة بتحفيز النعرة الوطنية لدى الناس فى ليبيا، وخروجهم لتأدية وظيفتهم فى الإختيار، والنطق بالحق فى وجه السلطان الجائر. 

وإذا لم يكتب للمسيرة الذهاب لوجهتها فى أرض الوطن، بسبب إمتناع النظام الفاسد عن السماح لأفرادها بالدخول للبلاد، فإن ذلك ـ أيضاً ـ كفيل بإثارة الناس، وخروجهم للشارع لإعلان رفضهم لحكم النظام الفاسد. 

وهكذا، فإن الضالة المنشودة ـ فى هذا السياق ـ تتحقق فى كلتا الحالتين. لأن المسيرة المذكورة، سوف تعكس لأفراد الشعب الليبي صورة الرمز المطلوب لخروجهم من بيوتهم وإعلان رفضهم الشامل والصريح لحكم النظام الأسن. فبعد إنتفاضة شعب تونس وشعب مصر على السلطات الفاسدة فى بلديهما، لا يحتاج شعب ليبيا ـ فى هذا القياس ـ سوى بروز المثال والقدوة من بينهم، ليحثهم على القيام بالثورة الشعبية الشاملة. 

ولن يجد شعب ليبيا ـ الذى عاني ويلات الظلم والقهر والجبروت والإستبداد لأربعة عقود زمنية ويزيد ـ وسيلة لتحريضه على الثورة، أفضل من أبنائه فى الخارج (الذين يطاردهم النظام الفاسد ويتمنى البطش بهم) للقدوم لأرض الوطن بنية الإعلان عن رفضهم لهذا الحكم الفاجر من فوق ترابه الطاهر، غير أبهين بمخاطر الإعتقال والتعذيب والموت. 

إن الشعب الليبي، الذى سيرى عن كثب ـ عبر الإعلام العالمي ـ مراحل الإعداد لهذه المسيرة، ربما سيخرج للشارع قبل وصولها. لكنه حتما سيخرج عند وصولها، أو عند رفض النظام الفاسد دخولها أرض الوطن. 

أناشد هنا جميع أفراد المعارضة وتنظيماتها والمؤتمر الوطني، أن يتلقفوا هذه الفرصة ويتبنوها، ويعملوا على إنجاحها، لعلها تكون تلك الشرارة التى ظللنا لعقود مريرة نبحث عن أعواد ثقاب لإشعالها. 

أرجو أن لا يتم تسويف هذه المبادرة ـ كما حدث فى السابق ـ وإخضاعها لحسابات المخاطرة والمجازفة وغيره من مرادفات لغة الخوف، وإيثار النفس. 

كما أرجو أن تغلب ـ فى هذا الغمار ـ مصلحة الوطن، ووضعه فوق أية إعتبارات أُخرى، حتى لو كان بينها الخشية من طائلة الموت، الذى يهون فى سبيل الوطن. ويا ليتنا نموت من أجل أن يحيا الوطن.[3] 

لمن يرغب فى تسجيل اسمه ضمن أفراد هذه المسيرة، الرجاء مراسلتي على بريدي الإلكتروني المدون أدناه. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يشبه حالة إثارة الناس للتجمع والتظاهر فى هذا النطاق، ما أتبعه المعارض السعودي سعد الفقي منذ سنوات ماضية، حيث كان يحرض ـ عبر محطة إذاعية صغيرة ببيته بلندن ـ جماهير الشعب السعودي على القيام بالتجمع فى أوقات معينة وأماكن محدد، كتعبير عن الرفض الصامت. 

[2] فرحت بشدة لإستجابة قادة المؤتمر الوطني لروح العقل والمنطق، من خلال إعلانهم الأخير، بتبنى أسلوب تحفيز الجماهير فى ليبيا على الثورة، بعد أن أضاعوا قرابة ست سنوات فى إرتياد جادة الأساليب التقليدية، غير المجدية. وأتمنى ـ فى هذا الإطار ـ أن يكون لديهم برامج فعالة تعينهم على التواصل مع القاعدة الشعبية فى الداخل، من أجل خلق الكوادر القيادية القادرة على تحريض الناس وتحفيزهم على القيام بالثورة على حكم النظام الفاسد وإحداث التغيير المأمول. 

[3] يحضرني فى هذا السياق، موقف شيخ الشهداء عمر المختار، عندما أتاه محمد أسد، يحمل له رسالة شفهية من السيد أحمد الشريف من منفاه فى مكة، يسأله عن الكيفية التى يستطيع مساعدته وأخوانه فى الجهاد بها، وذلك بعد محاصرتهم من قبل العدو الغاشم، وإنقطاع سبل الإمدادات عليهم. فقال عمر المختار لمبعوث السيد أحمد الشريف، ليس ثمة ما يمكن للسيد أحمد الشريف أن يساعده به ومن معه من بقية المجاهدين، فقد تمت محاصرتهم، وسدت أمامهم جميع سبل المنافذ التى كانت تأتي منها المعونات. ومع ذلك فإنه سوف يواصل القتال ضد العدو الباغي ـ مع رفاقه من المجاهدين البواسل ـ حتى الموت. فنصحه محمد أسد فى حينه بأن يذهب إلى مصر كما فعل الكثير من المجاهدين واسرهم، على أن يعود عندما تكون الفرصة مواتية لمواصلة الجهاد. فكان رد عمر المختار، بأنه لن يغادر أرض وطنه ويتركه للعدو، حتى لو كان الثمن هو الموت. فقد أراد عمر المختار بموقفه ذلك ترسيخ مبدأ الذود عن حياض الوطن وتقديم كل نفيس من أجله، حتى لو كان الثمن المدفوع هو حياة الإنسان ذاته.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home