Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Wednesday, 25 April, 2006

     

الهزيمة (4)

فرج الفاخري

الجزء الرابع

       لقد خدعتهم آمالهم بأن يُشير رأس النظام لهم ببنانه من فوق منصته الأثيرة، مشيداً بشجاعة

      خطوة رجوعهم إلى البلاد، كمثل سباع جالت فى الغابة ثم عادت إلى مقرها فى قلب العرين. 

نتيجة معلومة لقضية معروفة ..

بهذا الحد، يمكن لنا أن نتنفس الصعداء، لسببين، أولهما أن هذه المقالة قد قاربت على الإنتهاء، وثانيهما أننا قد وصلنا إلى ضالتنا المنشودة من وراء الشرح السابق. وهو أن الإفتراض الذى بنيناه على أساس إقامة حوار مع أذناب النظام قد بدأ يتجلى بنتيجته التى ترى بدون أدنى شك أو ريبة بأن مثل هذا الحوار إذا تم عقده، فإنه محكوم عليه بفشل ذريع وهزيمة نكراء لقوى المعارضة الليبية، ونصر محقق لإستراتيجية النظام الفاسد.

وأجد نفسي هنا، لا أحتاج فى حقيقة الأمر، إلى تعديد الأسباب التى تولدت عنها هذه النتيجة، وذلك لأنها تكمن فى قائمة الشروح التى قدمتها أعلاه ـ من خلال تسلسل هذه المقالة ـ والتى لا يخف أمر ربطها على القارىء (المحايد) بالنتيجة المذكورة، ولكن من باب الحيطة، سأقوم بإشارة عابرة لها من أجل سد أية ثغرة قد يتعلل بوجودها بعض المغرضين. 

إذن، فإن أسباب عدم جدوى إقامة حوار مع أذناب النظام الفاسد، تكمن فى أن هؤلاء الدمى ـ كما رأينا ـ لا يملكوا سلطة القرار الفاعل للبث فى المطالب المشروعة للشعب الليبي التى سيتحدث فى أمرها افراد المعارضة الليبية فى الخارج الممثلين فى الحوار (المنبوذ) المفترض عقده فى عالم الخيال؛ وإن أي حوار من هذا النوع سوف تذهب جهوده هباءاً منثوراً.

ومن ناحية أُخرى، إن إستراتيجية النظام الفاسد القائمة على بسط نفوذ وهيمنة رأسه على مقاليد الأمور فى كافة شوؤن ليبيا الداخلية والخارجية، لا تترك براحاً ـ معها ـ للرأي الآخر، وترفض بتاتاً مشاركتها فى عملية صنع القرار الذى تسير بقوة نفاذه دفة إدارة الحكم فى البلاد.

والمعارضة الليبية فى الخارج ـ فى هذا المنوال ـ لا تملك أية أوراق ضاغطة تستطيع بقوتها بعث القلق فى ذهن رأس النظام حيالها، وتجبره من ثمة على مساومتها بتنازلات تحقق بعض الإنفراجات والمكاسب الوطنية لأفراد شعبها. وهذا (بالضبط) ما دعى رأس النظام الفاسد إلى إطلاق العنان لتطبيق أفكاره الشريرة على أفراد الشعب بطمأنينة قدرته على الإفلات من الردع، ومن ثم العقاب. 

ومن ثمة ..

فى هذا المحيط الذى لا يحوز فيه أذناب النظام الفاسد على سلطة البث فى أي شأن داخلي أو خارجي فى إدارة حكم الدولة التى ينتمون لتروس ماكنتها اللعينة.

وفى هذا الجو الذى يتحكم فيه رأس النظام الفاسد بكافة الأمور فى البلاد ـ صغيرها وكبيرها ـ دون محاسبة أو مراجعة رقيب.

وفى هذا الإطار الذى ينكر فيه رأس النظام الفاسد وجود معارضة لنظامه الكريه؛ (بل) ويعمل بكافة إمكانيات الدولة لإلغاء مفهومها نظرياً، وشل دورها ونشاطها عملياً.

فى هذا المنوال ..

يصبح من المستحيل أن يؤدى ما يسميه أصحاب المنطقة الرمادية بالحوار لنتيجة تذكر.

ويصبح سعى البعض للترويج لمثل هذا الحوار، والعمل على إقامته عبث يصب فى مصلحة أهداف إستراتيجية النظام الفاسد.

ويصبح الحوار فى هذا السياق سياسة من ضمن سياسات إستراتيجية النظام الفاسد التى يرمى من ورائها إستقطاب أكبر عدد من أفراد الطائفة الطفيلية فى معارضة الخارج بشكل عام، وأكبر عدد ممكن من أفراد المنطقة الرمادية بشكل خاص.

ويغدو تشبيه رأس النظام لهؤلاء الذين رفعوا لواء الحوار مع أذنابه من أصحاب المنطقة الرمادية، المحسوبين ـ بشكل ما ـ على المعارضة الليبية، بأوراق الخريف المتهاوية، فى هذا الغمار، محل صدق.

وبمناسبة ذكر أوراق الخريف المتهاوية التى سقطت قبل موسمها بفترة وجيزة، فلعله يكون من المناسب إنتهاز هذه الفرصة المواتية ويتم العطف على موضوعها فيم يلي، وذلك لكونه مثال صارخ على عدم جدوى محاورة القائمين على كيان النظام الفاسد أو السقوط فى شباك مشاريعهم الخادعة التى تخدم أهداف إستراتيجية رأس سلطتهم (كما سبق الشرح)، ولأنه ـ أيضاً ـ بها عبرة لعبد القيوم وصحبه الذين يتحذلقون بالتزيين للحوار المنبوذ، مرتدون ـ فى ذلك ـ لباس الزي الإعلامي والثقافي إستعداداً لحضور حفلة مأدبته الوهمية. 

***** 

هلوسة أوراق خريفية أثر ضربة شمس صيفية ..

من كان يصدق بأن هؤلاء الذين تخمت ـ فيم مضى ـ بمقابلاتهم النارية المناهضة لسياسات النظام الفاسد، موجات الأثير للقنوات الفضائية المتعددة، أن يرضوا بالخنوع لرأس النظام ويحققون له أمنيته الشريرة بتحييدهم.

ومن كان يصدق بأن هؤلاء الذين تخللت كتاباتهم المتحمسة فى مناهضتها لهذا النظام الفاسد، صفحات مواقع الإنترنت الليبية المتباينة، أنهم سوف يطيرون فى عجالة لاهثين فى تنافس للمثول بين يدى رأس النظام وزبانيته من أذنابه الفاسدين.

ومن الذى كان يصدق بأن هؤلاء النفر الذين تشبعت أجواء الندوات والمؤتمرات بخطبهم التى تدين رأس النظام الفاسد ولا ترض بأقل من خلعه عن الحكم، أن تمتثل لسياسته فى تفتيت قوى المعارضة عن طريق مشاريع الحوار والإصلاح الوهمية.

ومن كان يصدق بأن هؤلاء الذين نعتوا رأس النظام ـ فى يوم ـ بأقذع صفات الفساد السياسي، وهددوه من على منابرهم بالقصاص وإقتلاع نظام حكمه من جذوره بأنياب القوة العظمى، يسارعون اليوم لملاقته وكأنه قد تاب لرشده ورفع المظالم عن الشعب الليبي، وأعاد الحق لنصابه، وأقام العدل المنشود. 

ومن المفارقات المضحكة، أن بعض هؤلاء الرماديين قد خيلت لهم أوهامهم، بأنهم عندما يعودون إلى ليبيا تحت مظلة الحوار، أو سقف الإصلاح والتصالح، سوف يجدون الملأ فارشين الورود لإستقبالهم كأبطال فاتحين ..

وخيلت لهم أذهانهم إذا سارعوا فى الذهاب قبل إحتفالات رأس النظام الفاسد بذكرى إنقلابه المشئوم، سوف يكون لهم الحظوة فى مكان أثير على منصته المنصوبة لإحياء (عيد) إنقلابه الأسود المشين ..

وصورت لهم أحلامهم بأن رأس النظام لن يتمالك نفسه من شدة الفرحة والغبطة بوجودهم فوق منصته المفضلة، بين المرتزقة من ضيوفه وزواره وأذنابه الفاسدين ..

وخدعتهم آمالهم بأن يُشير رأس النظام لهم ببنانه من فوق منصته الأثيرة، مشيداً بشجاعة خطوة رجوعهم إلى البلاد، كمثل سباع جالت فى الغابة ثم عادت إلى مقرها فى قلب العرين ..

وخاب أملهم عندما أسقطهم ـ رأس النظام الفاسد ـ من علياء خيالاتهم مع أوراق فصل الخريف، ليرجعوا إلى مهجرهم جارين ذيول الخيبة الخالية من خفى حنين (المسكين) ..

وحتى توضح الرؤية على القارىء، فإن الأمر فى مستهله قد نجم عن ضربة شمس صيف قائظ، أصاب دوارها أوراق الخريف بخيالات مهلوسة، هوت على أثرها إلى قرار مكين ..

وماذا بعد ؟ ..

لعلنا نجد فى نهاية المطاف أن الحوار (المنبوذ) مع أذناب النظام الفاسد لا يصلح أن يكون آلية لأي نوع من النتائج الخيرة التى يُأمل فى أن يصب نفعها فى مصلحة الشعب الليبي، بل هو بالنسبة لأركان النظام الفاسد، مجرد طعم تم نصبه خصيصاً لأجل أن يتلاقفه بعض أفراد الجماعة الطفيلية من معارضة الخارج ـ أعضاء نادي المنطقة الرمادية ـ الذين لن يتورع محاوريهم عن إسقاط أوراقهم ـ حتى ـ فى عز نضارة فصل الربيع. 

لمن يُهلل الليبيون ؟ ..

وفى هذا السياق، سأطرح هنا ـ فى عجالة ـ بعض التساؤلات الموجهة لعبد القيوم وصحبه علها تكشف لهم عن الصورة الكاملة لمسألة إقامتهم لعلاقة مع إعداء شعبهم، ويجدون فيها ما يساعدهم على مشاهدة موقفهم ـ المنوه عنه ـ من زاوية مختلفة توفر لهم رؤية واضحة لأبعاد الخطأ الذى أوقعهم فيه إختيارهم المنبوذ.

والدافع من وراء ذلك ينطلق من إفتراض تمليه حسن النوايا الطيبة، بأنهم لا يعوا أو لا يدركوا أبعاد الإختيار الذى تبنوه، متمنياً ـ فى هذا المنوال ـ أن تجلى المعانى التى ستكشف عنها هذه التساؤلات المبنية على قوة وشرعية مبادىء الحق الراسخة، ما أستعصى إدراكه وإستشفافه من كافة ماسبق ذكره ـ فى هذا الخصوص ـ بهذه المقالة. 

·        هل كان عبد القيوم وغيره من أصحاب المنطقة الرمادية، يتوقعون أن يُهلل لهم الليبيون فرحين بشطارتهم فى تقبيل جلاديهم من شلة مرتزقة النظام الفاسد، تحت مسميات إصلاح لن يتم، أو تحت بدعة التواصل الإعلامي والثقافي ؟.

·        ما هى النتائج التى يتوقع هؤلاء النفر الوصول إليها من وراء هذه العلاقة المنبوذة فى ضوء المعطيات السابق ذكرها حول تركيبة النظام، وفى ظل إستراتيجيته اليتيمة (المشار إليها فيم سبق) ؟.

·        وهل كان برنامج النظام الفاسد للإصلاح (المزعوم) متوقف ـ فى هذا الصدد ـ على تلقى النور الأخضر من أصحاب المنطقة الرمادية ؟. والمعنى هنا: لو كانت هناك نية للنظام ـ من الأساس ـ فى إحلال مشروعٍ للإصلاح، لأقدم عليه مباشرة، دون الحاجة لإشراك بعض أفراد المعارضة فى جنى ثمار العائد الشعبي من ورائها.

·        وهل الثقافة والإعلام التى يتشدق بهما هؤلاء المتحذلقين سيضمحل ثراهما ويتلاشى إلى فناء، إذا لم يتم عضدهما بملاقاة أذناب النظام المسئولين عن نكبة الشعب الليبي ؟. 

لهؤلاء النفر القاطنين فى المنطقة الرمادية ـ التى بهتت عليهم بلونها ـ وللقراء، أترك مهمة التفكير فى هذه التساؤلات، ومن ثم الحكم عليها، وعلى الموضوع برمته. 

*****

بهذا القدر من التعقيب على بعض مغالطات عبد القيوم، أكون قد شارفت على الإنتهاء من هذه المقالة، والوصول بها إلى تحليل سريع لنقطتين هامتين يدور موضوع الأولى ـ منهما ـ حول الأسلوب الذى أتبعه هؤلاء النفر فى غمار محاولتهم الإحتفاظ بعلاقتهم الطبيعية مع أفراد المعارضة، وتوطيد علاقاتهم بأذناب النظام فى ذات الوقت؛ ويدور موضوع الثانية حول مدى توافر حسن النية من عدمه، لدى هؤلاء النفر عندما أقدموا على تبنى موقفهم المطعون فيه. 

***** 

شعرة معاوية الفولاذية ..

إن هؤلاء النفر المطعون فى موقفهم الرامى لإقامة علاقة بأذناب النظام، نجدهم يتبارون فى سباق محموم لتلقف الحجج التى تتفتق عنها ذهنية رأس النظام الفاسد ـ وأذنابه الرعناء ـ من خلال السياسات التى تحقق أهداف إستراتيجيته فى بسط نفوذه وهيمنته على مقاليد السلطة فى البلاد؛ والتى منها ـ كما هو معلوم ـ سياسة مشروعي الإصلاح الوهمي، والتواصل الثقافي والإعلامي، اللذان تم إبتكارهما خصيصاً لتحييد أكبر قدر من أفراد المعارضة.

وفى هذا السياق، لم يكن هؤلاء النفر الذين إنساقوا لتلقف طعم (لعبة) سياسة النظام، من أبناء المنطقة الرمادية، أقل فى القدرة الذهنية عن نظائرهم فى داخل ماكنة النظام الفاسد، فقد أسعفتهم عقولهم على إبتكار وسائلهم التى تمكنهم تعلم مهارة الرقص على الحبال المختلفة.

بمعنى، أن هؤلاء النفر قد إتبعوا نهج دبلوماسية شعرة معاوية التى يحرص أتباعها وأصحابها على عدم قطعها، حتى يتمكنوا بها من حفظ علاقتهم بأعضاء المعارضة من ناحية، وإقامة علاقات بأذناب النظام الفاسد فى ذات الوقت؛ بالدرجة التى جعلت بعضهم يشارك فى ندوات ومؤتمرات المعارضة فى الخارج، ويجتمع فى نفس الوقت مع أذناب النظام الفاسد فى الخارج والداخل !.

حيث تجدهم فى هذا المضمار، يجادلون بحجة حرصهم على تحقيق المصلحة الوطنية، التى يسعون من خلال إقترابهم من أذناب النظام إلى فرضها نصب الحوارات الدائرة معهم، وهذا ـ فى نظرهم ـ يُعد تكتيك يستطيعون من خلاله تحقيق قدر من الإنفراجات لصالح أفراد الشعب الليبي.

فى هذا الغمار، لا يجد المرء ما يقوله لأصحاب هذا المنهج البائس، سوى ما سبق تكراره أعلاه، بإن إختيار مصاحبة أعداء الشعب الليبي الذين تسببوا فى شقائه بما يزيد عن سبع وثلاثين سنة، هو خيانة لإمانة الأمة التى وضعت ثقتها فى أبنائها، وناشدتهم ـ بواقع إنتمائهم لها ـ بعدم التفريط أو التهاون فى حقوقها الوطنية، هذا من جانب.

أما من الجانب الآخر، فإن أذناب النظام الفاسد لايملكوا سلطة البث فى رفع المعاناة عن الشعب الليبي، لأن الأمر (ببساطة) يقع قراره الفاصل فى يد رأس سلطتهم، كما سبق التوضيح. وهذا الآخير لن يحيد عن إتباع سياسات إستراتيجيته العاملة على تكريسه فى السلطة، وتمكينه من الهيمنة على مقاليد قرارتها الشاملة، وهذا مرجعه إلى تركيبة عقليته المستبدة التى لن تقبل  بأقل من إحكام قبضتها على كافة بواطن الأمور وظواهرها فى الدولة الليبية.

ولعل محاسبة المسئولين عن جريمتهم النكراء فى حق أمتهم ـ فى هذا الشأن ـ هو أحد أسس الحرص على حقوق الأمة، والسعى بكل الجهود من أجل إرساء العدل فيها، من خلال شحذ الهمم الوطنية فى نفوس أفراد المعارضة لمناهضة هؤلاء الأذناب ورأسهم الفاسد، وليس كما يفعل هؤلاء النفر بملاقاتهم بالأحضان وتوطيد العلاقة بهم من خلال شعرة معاوية (المخادعة) التى يجب قطعها حتى لو كانت مصنوعة من الفولاذ. 

*****

من الذى إشترى قطار الصعيد ؟ ..

يجدر بالمرء الإذعان لأحكام الإنصاف والأمانة، بأن يضع نسبة من الإحتمال فى أن يكون عبد القيوم وغيره من الذين سبقوه ولحقوه فى إختيار موقفهم الداعى لمصاحبة أذناب النظام الفاسد، أن يكونوا قد إتخذوا موقفهم ـ المنوه عنه ـ بناءاً على حسن نواياهم التى ولدت فى حضن سذاجة وطيبة متناهية، أدت بهم فى نهاية المطاف إلى الإعتقاد بأن أذناب النظام ورأس سلطتهم أناس طيبون، وإن ما أرتكبوه من ظلم فى حق الشعب الليبي خلال سبع وثلاثون سنة مضت، كان بسبب تأثير (إبليس) الذى وسوس لهم، وأوقعهم فى حبائله الشيطانية !.

من الممكن أن يتساهل المرء لهذه الدرجة، مادام إبليس طرفاً فى هذه اللعبة الشائكة، وهل يملك المرء ـ من ثمة ـ حيلة أُخرى فى أمره فى مثل هذا الشأن ؟. خاصة إذا إحتوى علمه بإن إبليس كان للإنسان عدواً مبيناً.

تحت هذا التبرير (المضحك) الذى جادت به قريحتي علي فى لحظة من الهزل، تخيلت الإحتمال السابق الذى رآيته كحجة تصلح لإقناع القراء بحسن نوايا عبد القيوم وصحبه عندما قاموا بتبنى موقفهم المطعون فيه.

ولكن مخيلتي (سامحها الله) تعمل بكيفية منطقية عجيبة فى ترتيب الأمور وتحليلها، مم يوقعني معها ـ فى مرات كثيرة ـ فى خلافات جدلية. ولعل إختياري لهذا التبرير يُفصح عن إحدى هذه المرات التى أُثير فيها الجدال بيني وبينها. حيث وجدتها ترفض بشدة تبريري الذى إقترحته كحجة يمكن الإستناد إليها فى صدد الدفاع عن موقف عبد القيوم وصحبه، ووجدتها تصر بشدة على أن تفكيري حول هذا الموضوع متسم بسذاجة محضة، لأن الأمر ببساطة ـ على حد تعبيرها ـ إن هؤلاء القوم يعون تماماً ما يقومون به، ويدركون على وجه الدقة ما يفعلون، وأن الموضوع برمته لم يدخل فيه حسن النوايا كما أوهمني ظني بذلك.

قد وجدت نفسي فى آخر الأمر أُقر بهزيمتي أمامها بعد أن أفحمتني بإستنادها إلى تلك القاعدة غير المكتوبة، والسائدة بمفهومها بين البشر، والتى يقول مفادها " إن القانون لا يحمى المغفلين ". وعنفتني فى سياق محاولتها لإقناعي بسذاجة وبله إجتهادي فى إبتكار التبرير السابق لصالح موقف جماعة المنطقة الرمادية الرامى لإنشاء علاقة مع أذناب النظام الفاسد، لأنهم فى رأيها يملكون قدرة فائقة على التمييز بين الخطأ والصواب بدرجة لا يجد إبليس (ذاته) معها منفذاً يتسلل إليهم منه، وهذا ما ينفي عنهم بالتالي حسن النية التى حاولت (أنا) وضعهم تحت جناحها لتبرير سوء إختيارهم لموقفهم المثار فى هذا الحديث. 

وهكذا، رغم محاولتي المضنية لتبرأة النفر المعنيين بهذا الأمر، إلاّ أن شبح قاعدة (القانون لا يحمى المغفلين) وقف حائل دون المضى قدما فى هذا السياق، وأضاع فحواها فرصة عبد القيوم ورفاقه لتبرير فعلتهم من هذا المنطلق الذى ظننت بأنه سيكون قشتهم التى يمكن لهم التعلق بها للخروج من مأزق ورطتهم العويصة.

وحتى يتمكن القارىء من فهم كافة أبعاد هذه القاعدة المشار إليها أعلاه، ويدرك علاقتها بالتبرير الذى أستنبطته لأجل (خاطر) الفئة المتورطة فى مصاحبة أذناب النظام الفاسد، لابد لي من الإشارة لذلك الصعيدي الذى اشترى قطار خط الصعيد، فى صفقة تحايل فيها عليه شلة من النصابين. ولتأكيد المعنى المقصود فى هذا الصدد، أجد أنه لا مناص من الإشارة إلى صعيدي آخر نصبت عليه ذات المجموعة التى نصبت على (بلدياته) الصعيدي الأول، لكنها فى هذه المرة باعت للصعيدي الثاني منطقة العتبة الخضراء بالقاهرة.

وكانت الطامة الكبرى، عندما أراد الصعيديان المنصوب عليهما جمع ريع ممتلكاتهما التى دفعا فيها ما إدخراه طوال حياتهما (تحويشة العمر)، فنجد أنه قد ملك الضحك صميم ركاب قطار الصعيد حتى أرتجت مركباته من قهقهاتهم الصاخبة، وذلك عندما طالبهم الصعيدى الأول ـ الذى ظن أن القطار بالفعل قد أصبح ملكأ له ـ بأن يدفعوا له أجرة ركوبهم فى قطاره الذى يقلهم إلى قراهم ومدنهم المتناثرة على جانبي قضبان السكة الحديد الممتدة من المدخل الجنوبي لمدينة القاهرة وحتى مدينة أسوان فى أعالي الصعيد.

ونجد المشهد يتكرر مع الصعيدي الثاني عندما حاول ـ هو الآخر ـ جمع إيجار ممتلكاته التى تمتد فوق كامل مساحة حي العتبة الخضراء الشهير، فتلقى من أصحاب المحلات والصيدليات والمطاعم والمقاهى والمكتبات وغيرها من المحلات التجارية التى يعج بها هذا الحي القديم ضحكات ساخرة، حين طالبهم ـ ذلك الصعيدي الطيب ـ بدفع الإيجار له بصفته مالك الحي الجديد.

وهكذا، توجه الصعيديان إلى مخفر الشرطة لحل نزاعهما مع ركاب القطار وقاطني حي العتبة، فقال لهما ضابط المخفر بعد أن نال وجنوده نصيبهم من الضحك الجزيل: " إن القانون لا يحمى المغفلين ". وهكذا، لم يكن ذلك الضابط وكافة من تصادف وجوده من أشخاص فى ذلك اليوم بالمخفر يستطعون تصور وجود أناس على هذه الدرجة من البساطة، التى أدت بهم للتعرض لعملية نصب هزلية بهذا المستوى. 

وما أردت قوله من وراء هذا اللف والدوارن المشبع حتى الثمالة بالأمثلة والقصص الساخرة، أن عبد القيوم وصحبه، أناس عقلاء، يدركون كافة أبعاد المفاهيم والأفكار السائدة فى معترك ساحة القضية الوطنية وما يحيط بها من معطيات، وهم ـ فوق ذلك ـ لا يشبهوا بأي حال أصدقائنا الصعايدة الذين وقعوا فى شباك عمليات النصب الساذجة التى تم ذكرها أعلاه.

ومن هنا، فإن عبد القيوم ورفاقه الرماديون عندما أقدموا على شراء صفقة مصاحبة أعداء الشعب الليبي تحت جنح مشروع التواصل الإعلامي والثقافي، أو تحت ذريعة الإصلاح الوهمي، كانوا على دراية كاملة بحيثيات صفقتهم، وبإبعادها السياسية، وإنعكاساتها السلبية على تحقيق الإجماع بين صفوف المعارضة. ولم يخدعهم ـ فى هذا المنوال ـ أو يحتال عليهم أذناب النظام الفاسد كما حدث لأصدقائنا الصعايدة فى صفقتي قطار الصعيد وحي العتبة الخضراء.

وهذا ما يجعل المرء من ثمة لا يقبل إفتراض حسن النوايا الذى قد يتذرعون به، كما فعل البعض من قبلهم فى هذا الخصوص، وذلك عندما قام بعض النفر الذين قطعوا شوطاً بعيداً فى مصاحبة أذناب النظام وعلى قمتهم أبن رأس النظام ذاته تحت مظلة مشروع الإصلاح الوهمي، بالإلتفاف على موقفهم الذى أتخذوه عن قناعة راسخة ـ جعلتهم يدافعون عنه فى يوم بإستماتة المؤمن به ـ ثم ينقلبون بين عشية وضحاها على معتقدهم (هذا) الذى أمتطوا صهوته لبضعة سنين، ويعودون بين غمضة عين وإنتباهتها إلى حظيرتهم القديمة فى إنتقاد النظام والمطالبة بتنحى رأسه ومحاسبة أذنابه، متبرأون من رفاقهم الذين لا زالوا على عهد العلاقة بأعداء الشعب حافظون، وكأن الدار لم يدخلها أثم أو شر بذلك.

والأمر الذى يستحق منا جميعاً الإمعان فيه، وتمحصه بصورة وافية، هو أن الحلال بين والحرام (كذلك) بين، وصاحب الفطنة والذكاء يعرف تماماً أين تذهب خطاه، فإن إختار طريق الشر بكامل إرادته، فهذا حقه الذى لن ينازعه أحد عليه. ولكن فى ذات الوقت، عليه إلاّ يتذرع بسبل باهتة وماسخة، كمثل قول بعضهم:

ـ     هذا درب كان لابد لنا من طرقه من أجل القضية الوطنية وأهدافها السامية.

ـ      لا يهم أن نلجأ لإرتياد الدروب المكروهة، من أجل تحقيق إنفراجات للشعب الليبي.

ـ     العبرة فى النهاية بالنتائج !. 

ولا يسعنى هنا إلاّ أن أقول لأصحاب هذه الأساليب الملتوية، والنوايا المتقلبة، من شلة اللاعبين على حبال البهلوانات، تعلموا الخجل ولو قليلاً، لأن الخجل يمنع صاحبه ويردعه عن إرتكاب الأفعال المشينة، ويحفظ له برقع الحياء.

فرج الفاخري

farajelfakhri@hotmail.com


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home