Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Tuesday, 24 April, 2006

     

الهزيمة (3)

فرج الفاخري

الجزء الثالث 

والعلة فى ذلك، تعود ـ كما سبق الشرح تكراراً ومراراً ـ إلى أن الأشخاص المراد محاورتهم فى هذا الصدد، هم الجناة ذاتهم الذين أوقعوا البلاد فى الكارثة التى تعانى من ويلاتها منذ سبع وثلاثون سنة، والذين لا زالوا على منوالهم فى ممارسة وتنفيذ مهمتهم القذرة.

أبرياء فى حضرة الرسل والأنبياء ..

وما ينطبق على سؤالي عبد القيوم السابقين فإنه ينطبق مرة أُخرى على سؤاله الثالث من حيث كونه لا يمت بعلاقة للموضوع المعنى، ودعونا نلقى نظرة على نص السؤال كما طرحه صاحبه: هل صنف الأنبياء والمرسلين مخالفيهم تحت طائلة الصفات الثلاث السابقة ؟.

ويقصد عبد القيوم بسؤاله المذكور، إن الأنبياء والرسل لم يصنفوا مخالفيهم بصفات العمالة والإرتشاء والجهل ! ورغم أن هذا الإستشهاد يُعد منافى لمعايير التفكير المنطقي الذى يُعلن بوضوح فاضح، إن قضية مواقف أشخاص إقترنوا بعلاقة مع أعداء أمتهم تحت مبررات التواصل الإعلامي أو الثقافي ـ فى مطلع القرن الواحد والعشرين ـ لم يتم فى يومٍ عرضها على الأنبياء والرسل، حتى يصدروا حكمهم فيها، أو يختاروا من الصفات المناسبة لإطلاقها على الأنفار المعنيين.

وذلك لأن الوقائع التى يتحدث عنها عبد القيوم قد جرت فى عصر يفصله عن عصور الأنبياء والرسل الآف السنين، وقد يكون هذا الأمر غير ذات أهمية لو جرت المقاربة والتشبيه ـ فى هذا الشأن ـ حول قيم ومبادىء راسخة لا علاقة لقوة الزمن بتغييرها، كقيم الخير التى أقرها الله فى رسالاته لخلقه. ولكن التشبيه الذى لجأ إليه عبد القيوم لم يكن فى يوم ضمن وقائع وأحداث تلك الفترات الموغلة فى بعدها الزمني عن عصرنا الحالي بالآف السنين. 

وكما رأينا أن الحظ لم يحالف عبد القيوم عند تمحكه بالأحكام التى يعمل تحت نيرها السياسي، أو فى إستعانته بقضايا العالم المختلفة، فإنه ـ من جهة أُخرى ـ لم يكن حظه بأفضل عند إستعانته بالأنبياء والرسل، كحجة تُعينه على تبرير موقفه من القضية الوطنية المنوه عنه.

ودعونا، فى هذا السياق، نتمحص فى الأحكام والظروف التى أحاطت بالأنبياء والرسل، وذلك فى محاولة لإكتشاف مدى نجاح عبد القيوم من عدمه، فى إتخاذهم حكماً له فى أمر مصاحبته لأعداء الشعب الليبي، ولنرى ـ من قرب ـ مدى فلاحه فى إعتبارهم برهانه الساطع الذى يبطل إتهام الآخرين له بالصفات التى أوردها فى مقالته السالفة الذكر.

وكبداية، سنجد أن مهمة الأنبياء والرسل ـ أثناء حياتهم ـ كانت تدور حول تبليغ رسالة خالقهم لعباده. وكان جل عملهم يتلخص فى محاولة هداية أقوامهم لإتباع أديان الله التى كلفهم بنشرها بينهم، والتى تحمل فى مضامينها كافة القيم والمبادىء الخيرة التى تكفل تنظيم علاقات البشر ببعضهم البعض الآخر، وتنسق سلوكهم ومعاملاتهم اليومية فى الحياة الدنيا.

ومن هنا، لا يستطع المرء تحت ظل هذه الوقائع الثابتة أن يرى معنى أو ضرورة تدفع بالأنبياء والرسل لنعت أفراد أقوامهم بالعمالة والإرتشاء أو غيره من الصفات التى خلقتها بوتقة الحياة السياسية الحديثة فى تشابكاتها المتطورة.

لكنه، من جانب آخر، هناك صفات أُخرى فرضتها طبيعة الظروف التى واكبت عمل هؤلاء الأنبياء والرسل وجعلتهم يصفون بها مخالفيهم، وهى صفات الكفر والإشراك والضلال والنفاق وغيرها من النعوت الآخرى المتناسبة مع شكل وحجم الأحداث التى كانوا يعيشونها.

ومن هنا يمكن الوصول إلى خلاصتين، الأولى منهما، إن عبد القيوم أراد من وراء طرحه للسؤال السابق إعطاء الإنطباع ـ للقارىء ـ بأن موقفه الحالي مشابهاً فى معطياته وظروفه لمواقف أرتادها الأنبياء والرسل فى عصورهم الموغلة فى القدم، لكنهم بعلو سموهم النفسي لم يستخدموا هذه النعوت المخالفة ـ من منظوره ـ لمفهوم حرية التعبير؛ فى حين قام مخالفيه فى الرأي من أصحاب المبادىء الأصيلة بإستخدامها ضده فى مطلع القرن الواحد والعشرين.

ولكن الخلاصة الثانية ترى بإنه لم يكن للأنبياء والرسل أن يستخدموا سوى الألفاظ المناسبة والمتواكبة وطبيعة الأحداث التى كانوا يتعاملون معها، والتى لم يكن من بينها ـ تلك ـ النعوت التى صورها عبد القيوم كألفاظ تحاشى الأنبياء والرسل إستعمالها فى تصنيف مخالفيهم بها، تاركاً من وراء مغالطته، فى هذا الخصوص، إنطباعاً بأنها كانت موجودة، وراسخة فى لغة مجتمعات تلك العصور، وشائعة الإستعمال بين أفرادها، ودارج الوصف بها عند اللزوم فى المواقف المحايكة لموقفه المقصود.

ومن أجل فهم هذه النقطة بالمعنى الذى قصدته، فيجب علينا مراعاة أنه ليس هناك فصل بين هذه الألفاظ والموقف الخاص بعبد القيوم فى تعقيبي المدون أعلاه. أي أنه لم يتم تجريد الألفاظ المعنية من الموقف الذى أتخذه عبد القيوم بمصاحبة أعداء الشعب الليبي، وهذا ما يعنى فى مضمونه بأن بعض الألفاظ التى ربطها عبد القيوم ـ فى الأساس ـ بموقفه فى مقالته المذكورة، موجودة فى اللغة العربية منذ زمن أزلي، لكنها كانت تستخدم فى سياقها المختلف، المتناسب مع الأحداث التى شكلتها فى تلك الأزمنة القديمة، والتى لم تعرف أحداثاً ومواقف تحاكى موقف عبد القيوم الذى وقع وزره فى عصرنا الحالي. 

ولو حاولنا النظر من الجانب الآخر فى هذا السياق، بحيث أنه لو قدر (إفتراضاً) للأنبياء والرسل الظهور فى وقتنا الحاضر، وطُلب منهم الحكم فى أمر الأفراد الذين يتخلون عن مبادىء الحق الفاضلة فى مؤازرة قضايا أوطانهم الشرعية، ويرتمون ـ عوضاً عن ذلك ـ فى أحضان أعداء شعوبهم من المجرمين الأراذل، تحت حجج وأعذار التواصل الثقافي والإعلامي، أو اللهث وراء سراب الإصلاح الوهمي.

لو حدث ذلك، لكنا رأينا الأنبياء والرسل ينتقون الألفاظ (المناسبة) والمتواكبة مع طبيعة السلوك المتناول، ومع روح العصر الذى وقعت فيه الأحداث المعنية. وهذا يعنى، إنهم كانوا سينعتون أنفار هذه الفئة المتملقة، بالعمالة والخيانة والإرتشاء والجهل ـ وربما ـ الضلال أيضاً، أو غيره من الصفات الآخرى المتعامل بها فى عصرنا الحالي، أو تلك المستعارة من عصرهم المندثر فى غياهب التاريخ القديم ـ وتصلح فى ذات الوقت لوصف الحالة الماثلة بين أيديهم ـ وذلك لكونها تعكس قيمة الحدث وحجمه، وتعبر عنه بصدق واضح. (مع مراعاة ما سبق ذكره، بإجتناب إطلاق التصنيفات التى تدخل فى إطار الإتهام، دون أن يكون هناك دليل على أثباتها).

ولأن الحكم ـ السابق ـ الصادر عن الأنبياء والرسل إزاء مواقف هؤلاء النفر، قد تم إفتراضه من خلال الإستنباط والقياس بهدى المبادىء السامية التى تزهر بها الرسالات الإلهية التى قاموا بمهمة ـ شرف ـ نشرها بين أبناء البشرية، فعليه يجب مراعاة أن الأمر برمته لا يعدو عن كونه إستنتاج تم حدسه ـ لما يمكن حدوثه ـ فى ظل معايير وأسس القياس المنطقي، عند إخضاع هذه القضية لموازينها العادلة. 

*****

طبول ونواقيص وزمامير ..

دعونى فى هذا السياق، أشد أنتباهكم لمغالطة أُخرى من الفقرة المنتقاة لمقالة عبد القيوم، وهى المتمثلة فى صياحه المكتوب الذى طالب فيه أصحاب المبادىء الأصيلة بالإفاقة من ممارساتهم التى لن تؤدى ـ فى نظره ـ إلاّ لعزل مناهجهم وبرامجهم ورموزهم، وتفتح الباب لتوغل الفكر القمعي بينهم إزاء العلاقة مع أصحاب المواقف المخالفة لهم.

برب العباد، هل هناك ذرة من المنطق أو أثر للعقل فى مثل هذه السفسطئة البائسة ؟. فمن أولى (بالإفاقة) فى هذا الصدد، هل هم أؤلئك الأشخاص الذين حملوا فى صدورهم مبادىء الحق مدافعين عنها بحزم وعزيمة لا تلين ؟ رافضون التخلى عن مبادئهم فى مقارعة النظام الجائر ولو بقيد شعرة، ومعلنين عن مثابرتهم لبلوغ أهداف أمتهم المنشودة فى القضاء على النظام الفاسد ومحاسبة الروؤس المسئولة عن الجرائم الفادحة التى أرتكبوها فى حق الشعب الليبي تحت طائلة حكمه المستبد، ومتصديين فى ذلك لكافة السبل الشريرة التى لم يتوان النظام الفاسد عن إستخدامها ـ ضدهم ـ لتحييدهم من خلال محاولة رشوتهم، أو التهديد بتصفيتهم جسدياً، أو القيام بمعاقبة أسرهم وذويهم.

أم ـ أنه ـ أولى بهذه (الإفاقة) أؤلئك النفر الذين أرتضوا لأنفسهم بإقامة علاقات مع أعداء أمتهم من زمرة المجرمين المسئولين عن تثبيت رأس النظام الفاسد فى السلطة لسبع وثلاثين سنة، أرتكبوا خلالها أبشع جرائم العصر فى حق الشعب الليبي، وسرقوا ثروته التى وهبها الله له لينعم بمتاعها، ويحقق بقيمتها الفائقة مستوى إنساني لائق ومشرف لأفراده.

ولو تم ـ فى الخيال ـ عرض هذا الأمر على قضاة عادلين، لقرروا إستجلاب الآف الطبول، ومئات الآلآف من النواقيص والزمامير، وملايين من الساعات المنبهة، ليطلقوا العنان لصراخ نفيرها ـ معاً ـ فى آذان هؤلاء الأشخاص من سكان المنطقة الرمادية، لإفاقتهم على هذه الحقائق الساطعة، بعد أن عجزت كلمات اللغة بشتى تعابيرها أن توصلها إلى عقولهم. 

***** 

حسبة بالأصابع ..

ودعوني مرة أُخرى أستحوذ على أنتباهكم الموقر، إلى ما أعتبره عبد القيوم نقيصة تمس أصحاب المبادىء الأصيلة لرفضهم الحازم والقاطع إقامة أية جسور مع زمرة المجرمين الذين يساعدون نظام الحكم الفاسد على الإستمرار فى غيه، والتى ستؤدى ـ فى نظر عبد القيوم ـ لعزلة تصيب مناهجهم وبرامجهم وأيضاً رموزهم !.

وفى هذا أقول لهؤلاء النفر ـ أصحاب المنطقة الرمادية ـ من خلال نموذجهم المتمثل فى عبد القيوم، إن العزلة التى يتحدث عنها صاحبهم فى هذا الإطار، لا تعدو عن كونها مسألة إسقاط نفسي لمشاعرهم التى دبت فى خوالجها أحاسيس الإنعزال الذى أحاط بهم بعد إنزلاقهم فى درب توثيق العلاقات برموز النظام الفاسد. بمعنى، أن العزلة ـ قيد الحديث ـ يبدأ دبيب حياتها بالنبض فى داخل مشاعر الشخص المعني، فور إرتكابه للأفعال المستهجنة من الآخرين، ثم يضرب الآخرين ـ بعد ذلك ـ العزلة حوله.

بمعنى آخر، أن الشخص الذى يرتكب فعل مخالف لما هو متعارف عليه بين بني قومه، أو يقدم على سلوك منافى للقيم السامية التى يلتزم بها الآخرون، سوف يشعر فى قرارته بوطأة خطأه الذى يسطو عليه بأحاسيس وهواجس تخيل له كره ومقت الآخرين من أبناء جماعته له بسبب إختياره الخاطىء. ثم تأخذ هواجس العزلة الوجدانية ـ المتربعة ـ فى قرارة نفسه مكاناً لها على أرض الواقع، بعد أن يسرى تطبيقها (بالفعل) من قبل الآخرين إزائه، حيث نجدها تبدأ فى مستهل الأمر بإنتقاد البعض له على سلوكه غير المحمود، ثم ينتهى فى آخر مطافه بتحجيم الكثيرين منهم لتعاملاتهم معه.

وما أريد أن أقوله هنا دون أن أتسبب فى جرح مشاعر أحد، بإن تحليل عبد القيوم لوطأة العزلة التى حاول تصويرها كحتمية لن يقع مصابها على ـ أصحاب المبادىء السامية ـ الرافضون لموقفه فحسب، بل أنها (من منظوره) سوف تصيب بسلطانها برامجهم ومناهجهم؛ ما هو إلاّ هراء مبين، يرفضه التفكير المنطقي السليم، وتدحضه الحقيقة بكافة أوجهها وأبعادها المختلفة.

وذلك لأن العزلة ـ على خلاف ما أورده عبد القيوم ـ تلقى بشباكها الوخيمة على الأشخاص الذين يشذون بتصرفاتهم عن ما ألفه الناس، من خلال تبنيهم لنهج مخالف لثوابت القيم السائدة فى المجتمع المعنى. والمقصودون به فى هذا الغمار ـ بالطبع ـ أصحاب المنطقة الرمادية الذين أختاروا إقامة علاقة مع أعداء شعبهم من رموز النظام الفاسد. 

ودعوني هنا أستعين بكم فى عقد حسبة بسيطة، تتطلب منكم ـ فى بدايتها ـ الرؤية من خلال عين العقل لمعرفة عدد الأنفار الذين لهثوا وراء إقامة علاقة بأذناب النظام الفاسد ؟. وفى المقابل، مطلوب ـ منكم ـ معرفة أعداد أصحاب المبادىء الأصيلة والمواقف الثابتة الذين رفضوا إقامة أي نوع من العلاقة مع جلادي الشعب الليبي ؟.

وببساطة متناهية فى يسرها، لن تحتاج الحسبة الرامية لمعرفة عدد أنفار الفئة الأولى ـ منا ـ سوى إستعمال أصابع اليدين ويزيد قليلاً، لنعرف على أثرها العدد المطلوب. وبحسبة مشابهة للسابقة، لكنها معززة فى هذه المرة بحاسب آلي، يجد المرء لا مناص له من الإستعانة به فى هذا الخصوص، سنصل لمعرفة أعداد الفئة الثانية، التى تُعد بالآلآف، وتتكون من كتلة المعارضة الليبية فى الخارج بمعظم أفرادها وتنظيماتها وفصائلها المختلفة.

وبعد هذه الحسبة السريعة، دعونا نمعن النظر فى الكيفية التى تختار بها العزلة، فى هذا المضمار، فريستها المؤهلة لإطباق الخناق عليها. وبدون إجهاد للنظر سنعرف على الفور أن العزلة لا تستطع أن تحيد عن إختيار أصحاب المنطقة الرمادية كفريسة لها، وذلك وفقاً للأحكام التى تفرض عليها إنتقاء ـ كما سبق الإشارة ـ الأفراد الذين يشذون بسلوكهم عن ما هو مألوف، أو تنحرف تصرفاتهم ومواقفهم عن القيم السائدة بين أفراد جماعتهم. 

ولعله من المناسب هنا، أن يتم تقديم تلخيصاً للحقائق السابقة فى النقاط التالية:

·        إن العزلة تبدأ مهمتها ببسط نفسها كشعور باطن يسكن (أولاً) فى قرارة صاحبه المنحرف عن جادة الأغلبية فى المجتمع المعنى.

·        وهى (ثانياً) تُعد موقفاً تتخذه الأغلبية فى داخل الجماعة ـ المعنية ـ إزاء الشخص المعزول من بينها لسلوكه المنبوذ.

·        وكخلاصة منطقية، فإن العزلة تختار ضحاياها من بين أفراد الفئة القليلة الشاذة فى سلوكها عن سلوك الأغلبية.

والمعنى العام هنا، إن المعارضة بأجمعها ككتلة تتمسك بموقفها الثابت بعدم إقامة علاقات مع أذناب النظام الفاسد، هى التى تملك إمكانيات فرض العزلة على الفئة القليلة الخارجة عن نسقها، والعكس فى هذه الحالة بالذات ليس صحيحاً. 

***** 

قرفصاء، ورجاحة عقل، وتفكير منطقي ..

إسمحوا لي بأن ألفت إنتباهكم لمرة أخيرة، إلى أن عبد القيوم قد أعتبر تمسك أفراد معارضة الخارج بموقفهم الرافض لإقامة حوار مع أذناب النظام نقيصة ستتسبب فى سيادة الفكر القمعي بينهم حيال العلاقة مع الآخر (أذناب النظام ورأس حكمه)، وتجهض فكرة الحوار فى مهده، بسبب خلط هؤلاء بين الحوار كآلية  تعمل على إقامة التواصل، وبين النتائج التى تنجم عن الحوار ذاته.

وهذا يعنى فى مضمونه، بإن تمسك أصحاب المبادىء الأصيلة بثوابت النضال الوطني المتمثلة فى عدم تمكين النظام الفاسد من فتح قنوات المساومات الرخيصة، والسعى إلى تغييره، ومحاسبة أذنابه الذين أجرموا فى حق الشعب الليبي هى نقيصة فى نظر عبد القيوم.

وإلى هذا الحد، أجد نفسي قد ضقت ذرعاً بهذه السفسطئة السمجة، مم يدفعني للجوء إلى تبسيط أسلوب الشرح فى تعقيبي الجاري على هذه المغالطات الفجة، حتى يعى صاحبها المعانى الحقيقة، إن كان لا علم له بها قبلاً !. وإذا كان يعلم ولكنه إختار تجاهلها ! فلعله بعد هذا التنبيه، يكف فى المستقبل عن محاولة الإستهانة بقدرة الآخرين على التمييز والفهم، وذلك بعد أن تخجله سذاجة تماديه ـ السابق ـ فى محاولة تمرير مثل هذه الحجج المضحكة والمتوغلة فى بساطتها بالقدر الذى لا يمكن لإمرء التجرؤ لطليها على طفلٍ فى مستهل عمره.

والمعنى هنا، إن الحوار الذى يرآه عبد القيوم آلية للتواصل، هو فاقد ـ فى الأساس ـ لشرعية عقده، وذلك بسبب الدوافع المنطقية التى تمنع أصحاب المبادىء السامية من التفكير فى إقامته. والعلة فى ذلك، تعود ـ كما سبق الشرح تكراراً ومراراً ـ إلى أن الأشخاص المراد محاورتهم فى هذا الصدد، هم الجناة ذاتهم الذين أوقعوا البلاد فى الكارثة التى تعانى من ويلاتها منذ سبع وثلاثون سنة، والذين لا زالوا على منوالهم فى ممارسة وتنفيذ مهمتهم القذرة.

ورغم إنتفاء شرعية عقد مثل هذا الحوار، كما تم التوضيح أعلاه، إلاّ أنني سأطلق العنان للخيال ليصل بنفسه إلى أبعد شطحاته، وأفترض ـ جدلاً ـ قيام مثل هذا الحوار (المنبوذ) بين كتلة المعارضة ممثلة ببعض أقطابها، وبين أذناب النظام الفاسد. والسؤال الذى سيباغتنا هنا، هو: هل سيثمر مثل هذا الحوار عن نتائج إيجابية تصب فى مصلحة القضية الوطنية ؟

ولنجلس معاً القرفصاء، ونعتمر ببعض الرجاحة العقلية، ونتسلح بوجاهة التفكير المنطقي، لكى نتمكن من الحصول على إجابة موضوعية للسؤال السابق السابح فى سموات الخيال الواسع. ماذا سنرى ؟ وماذا ستقول لنا عقولنا بعد أن تستذكر كافة المعطيات والوقائع والأحداث السالفة والجارية، وبعد أن تقرأ خطاب رأس النظام الفاسد على مدى عقود حكمه الكريه، وتنقب فى كافة ثنايا إستراتيجيته اليتيمة ؟.

فى هذه اللحظة بالذات، أريدكم أن تقرضوني أنتباهكم الموقر، حتى نرى سوياً نقطتين هامتين، لا مناص لنا من فهمهما وإدراكهما قبل التوصل لنتائج مثمرة للإفتراض الذى تم تخيله حول إمكانية إقامة حوار مع أذناب النظام الفاسد، وقبل أن تسعفنا عقولنا العامرة بإجابة مفيدة للسؤال ـ السابق ـ الذى تولد عن الإفتراض المعقود.

النقطة الأولى: يُشير الوضع فى ليبيا بوضوح لا تخطأه عين المراقب، إلى أنه لم يعترى رأس النظام الفاسد، منذ إستيلائه على السلطة فى أول سبتمبر 1969م، وحتى مطلع الشهر الجاري، أي تغير يذكر فى خطابه الموجه للمعارضة وحولها، حيث نرآه ينعت أفرادها على مدى حكمه الفاسد بالخونة والعملاء وغيره من الأوصاف العدائية المختلقة، التى لا تمت للحقيقة بصلة. ونجده من ناحية أُخرى، يرفض الإعتراف بوضعهم ـ الواقعي ـ كمعارضين لنظامه !.

النقطة الثانية: هناك ثلاثة عوامل يدور فى فلكها أذناب النظام الفاسد، وتُعد ـ فى هذا الصدد ـ مسئولة عن الولاء والطاعة العمياء التى يدين بها هؤلاء الأذناب لرأس السلطة، كما تُعد مسئولة عن تكالبهم وتنافسهم فى كسب حظوة رضائه، وهى:

1.     إن مصالحهم فى تحقيق الثراء والإستحواذ على مناصب مرموقة فى السلطة ترتبط مباشرة بإستمرارية النظام الفاسد فى الحكم، وليس هذا فحسب، بل تدفع بضرورة وجود وإستمرارية رأس النظام ذاته على قمة الحكم. لأن فى غيابه ينهار النظام برمته، لأسباب تعود إلى التركيبة التى تم تكوينه على أساسها (وهذا ما سيشرحه العامل الثاني).

2.     إن رأس السلطة الذى بنى ماكنة نظامه الفاسد على ولاء هؤلاء الإنتهازيين، وأصبح من ثمة يعتمد عليهم كلية فى إستمراريته فى الحكم ـ بمثل القدر الذى يحتاجون فيه هم إليه فى الحفاظ على المكاسب التى تم لهم تحقيقها تحت حكمه ـ لم يكن له أن يضمن ولائهم المستمر فى الدفاع عنه والحفاظ على نظامه بدون الربط بينه مباشرة، دون سواه، وبين المكاسب المادية التى يحصلوا عليها كل يوم وصبيحته على أرض الواقع (وهذا ما سيوضحه العامل الثالث).

3.     إن رأس النظام الفاسد قد إستغل منذ البداية هؤلاء الأفاقين، بعد أن لاحت له إنتهازيتهم البخسة، وتبين له تملقهم الرخيص، وأطلع على ما تحتويه أنفسهم من إنتفاعية وطمع للمال، وجشع للسلطة. فأطلق العنان لأطماعهم الرخيصة لتحقيق الثراء، وقلدهم المناصب الرفيعة التى تمكنهم من إكتساب بعض أوجه السلطة. وفى ذات الوقت، قام بخلق شبكة يتم فيها تفريقهم وتجزأتهم فى مجموعات متعارضة فى مصالحها الفردية ومتفقة حول الهدف الأساسي الذى يربطهم به، وهو الحفاظ على وجوده وإستمرارية نظامه الذى هو بوجهه الآخر حماية لمصالحهم جميعاً. (وهذا ما سيتم شرحه فيم يلي). 

ودعوني أحدثكم عن ذلك بتؤدة وتأنى تفرضهما طبيعة هذا الموضوع الهام:

إنه فى هذا الجو الملبد بالأطماع والمزايدات والتشاحنات بين هذه الجماعات الإنتفاعية التى شكل قوامها من ناحية رأس النظام الفاسد، وإنصاعت ـ من ناحية أُخرى ـ نفوس أفرادها المهيأة بإستعدادها الفطري (الشرير) إليها طواعية، يمكن للمرء بسهولة ويسر أن يرى مقدار التنافس الشرس بين بعضها البعض الآخر، على الغنائم من جانب، وعلى كسب رضاء رأس النظام من جانب آخر.

حيث يدور رحى هذا التنافس والتشاحن بين هذه الجماعات من خلال الأجهزة الأمنية ومراكز الأبحاث المسيسة والمليشيات العقائدية ومؤسسات النفوذ الإداري والجمعيات السياسية، وعلاوة على ذلك، من خلال العصبيات القبلية والعشائرية.

بمعنى آخر، أنه من السهل على المرء أن يرى تنافس مجموعات أذناب النظام الفاسد الذى تستخدم فيه سلطة ونفوذ مواقعها التى تنتمى وتعمل من خلالها فى ماكنة النظام الفاسد. حيث نجد بعضها تحتمى خلف قوة مناصبها فى أجهزة المخابرات المتعددة؛ بينما تحتمى بعضها بسلطة مراكز أفرادها فى داخل مليشية اللجان الثورية؛ فى حين تحتمى بعضها بمواقعها فى داخل مؤسسات النفوذ الإداري والسياسي المتمثل فى اللجان الشعبية ومؤتمر الشعب العام؛ وتجد أُخرى حماها فى الهيئة المؤدلجة لمركز دراسات الكتاب الأخضر؛ ويتسلح أفراد مجموعة أُخرى بقوة إنتمائهم القبلي والعشائري، وذلك من حيث قربهم أو بعدهم من رأس النظام ذاته، ومدى حجم حظوتهم لديه؛ وفى المنتهى تتحصن مجموعة الصفوة الجديدة بنفوذ الجمعيات السياسية المستترة وراء الأعمال الخيرية التى يديرها بعض أبناء رأس النظام الفاسد.

لكنه، وفى وسط كل هذه التركيبة الأخطبوطية، ظل شيء واحداً ثابتاً لا يتغير، وهو عودة كل فرد بمعزله، وكل جماعة قائمة، من أذناب النظام الفاسد فى داخل أجهزة وتنظيمات هذه الدولة ـ الأقرب فى شكلها لمؤسسات عصابات الجريمة المنظمة ـ إلى رأس النظام ذاته، الذى يتحكم فى كل الخيوط فى شبكته الفاسدة (وهذا أمر مشاع معرفته للجميع).

حيث لا يملك هؤلاء الدمى من أذناب النظام الفاسد، فى هذا الصدد، أية قوة تعلو بشأنها على قوة رأس النظام نفسه، فمراكزهم الوظيفية، ومواقعهم فى السلطة تستمد قوتها منه شخصياً وليس ـ كما تفرضه طبيعة الأمور فى مثل هذه الحالة ـ من المؤسسات الشرعية التى تشرف على إدارة الحكم فى الدول التى تتبنى النهج الديمقراطي.

ومن هنا، فإن رأس النظام الفاسد يتحكم فى كل هؤلاء الدمى من شلة أذنابه، فيغدق عليهم بسخاء فى أوقات رضاه عن تصرفاتهم، ويعاقبهم حين يغضبه سلوكهم فى أمر ما؛ ولا فرق فى ذلك بين أحدهم والآخر فى هذا الغمار. حيث نرآه ـ وقد ـ عاقب على مدار سنوات حكمه كافة الأشخاص الذين ساعدوه على تثبيت نظامه الفاسد بدون إستثناء، وقتل فى هذا الصدد كل من لم يستطع تطويعه ليكون رهن بنانه. وقد شملت تأديباته جلود والخروبي والحميدي وأبوبكر يونس، وأحمد قذاف الدم وشقيقه سيد، وغيرهم من أمثال كوسا وعبد الله السنوسي وأبو زيد دورده.

وكانت عقوباته لهم فى هذا الصدد، تتراوح بين السجن، والإقامة الجبرية فى منازلهم، أو تعيينهم فى مناصب وضيعة قياساً بالآتى كانوا يتقلدونها، أو نقلهم للعمل فى الدواخل أو المناطق النائية والبعيدة عن دوائر النفوذ فى المدن الكبرى. كما كان يبالغ فى إهانتهم إذا أرتكبوا أفعالاً يرآها ـ من منظوره ـ أخطاء، فيقرع أصحابها بشتائم بذيئة يخجل أكثر السوقيين وضاعة من لفظها، ويتمادى فى تحقيرهم بأساليب عدة، لعل أهونها وأقلها حدة، البصاق على وجوههم، أو حلق شعر روؤسهم (بالكامل)، والإعتداء عليهم بالضرب (بنفسه) أو بتسليط بعض عتاة حرسه الخاص لفعل ذلك، وحرمانهم من مقابلته لشهور، أو سنوات (فى بعض الحالات).

ويرمى رأس النظام من وراء هذا كله إلى إيصال هؤلاء الدمى لحالة من الخنوع المستكينة فى داخل أنفسهم تجاهه، ليدفع بهم ـ ذلك ـ من ثمة إلى إنزوائهم تحت طائلته على مدار اليوم والشهر والسنة والعقود الزمنية، لا عمل لهم سوى التفانى فى إحراز رضائه عنهم، وتجنب مذلة غضبه منهم.

بهذه السياسة الماكرة، التى يمكن لنا تقريبها فى الوصف بسياسة العصا والجزرة، أو الترغيب والترهيب، دس رأس النظام أنوف أذنابه فى التراب حتى أستنشقوه، وأحنى روؤسهم مطأطأة له بالسمع والطاعة، وجعلهم يسارعون بلهاث ولهفة لتلبية طلباته قبل أن تومى أنامله بذلك.

يتبع ..

فرج الفاخري

farajelfakhri@hotmail.com


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home