Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Friday, 24 December, 2005

ملاحظات حول السابحين فى فلك الإصلاح الوهمي

فرج الفاخري

(أ) حمى التنافس عـلى الإلتقاء بإبن صاحب السلطة

تقول إحدى النصائح الإسكوتلندية: إن الطريقة المثلى للحصول على أعلى نسبة
خصم على سلعة ما، قد تصل إلى مئة فى المئة، هي الإستغناء عن تلك السلعة!.

يذكرني تكالب بعض أعضاء المعارضة الليبية فى الخارج للإلتقاء بإبن صاحب النظام سيف الإسلام ـ فى خضم لعبة سياسة الإصلاح المزعوم ـ بتلك النكتة القديمة التى ضحك فيها أحد بائعي الخضار على زبون كان قد سأله عن ثمار الباذنجان(1) ، والذى لم يكن ذلك الزبون قد عرفه من قبل، أو سمع به، فهو لم ير مثله طوال حياته ـ قط ـ فى أنواع الخضار المختلفة.

قال ذلك الخُضرجي مجيباً على سؤال ذلك الزبون الغارق فى سذاجته:
ـ " هذا بيض فِيَلةُ ! ".

فسأل الزبون صاحب المحل:
ـ " وماذا يفعل المرء بمثل هذا النوع من البيض ؟ هل يُقلى أو يُطبخ مثل بيض الدجاج ؟ ".
فقال صاحب المحل بمكر بالغ:
ـ " لا أنصحك بأكله، لأن مذاقه مر، وطعمه غير مستساغ ".

فرد الزبون متسائلاً:
ـ " إذن، فى ماذا يُستعمل هذا البيض ؟ ".

فأجاب صاحب المحل بسخرية واضحة، لم ينتبه ذلك الزبون الساذج لمعالمها المرسومة على وجهه:
ـ " إن هذا النوع من البيض يحقق لمن يشتريه ثروة هائلة ! ".

فقال الزبون متسائلاً وقد تملكه الفضول والأهتمام:
ـ " كيف ؟! ".

فرد صاحب المحل مبتسماً:
ـ " الأمر فى غاية البساطة، يتم النوم فوق هذا البيض لمدة إحدى وعشرون يوماً، وفى نهاية المدة يفقس البيض، ويخرج من داخله أفيال صغيرة، تنمو بسرعة، لتتحول فى ظرف أسابيع قليلة إلى أفيال ضخمة كالتي نشاهدها فى برامج الحيوانات المصورة. إنه إستثمار جيد، يمكن لصاحبه أن يحقق من وراء بيعه لهذه الأفيال أرباح خيالية ".

فقال الزبون متسائلاً بدهشة بلهاء:
ـ " لمن يبيعها ؟ ".

فأجاب صاحب المحل بسخريته التى لا تخف ملامحها على أحد، إلاّ على ذلك الزبون الغارق ـ عقله ـ فى بحر من البله لا قاع له:
ـ " بالطبع، يتم بيعها لحدائق الحيوانات أو لأصحاب عروض السيرك، أو لهواة تربية الأفيال والحيوانات المفترسة، ثم لا تنس أن عاج أنياب هذه الأفيال يباع بأثمان باهظة لتجاره الأذكياء، الذين يعيدون بيعهم للمصانع العالمية محققين أرباحاً جمة ".

فرح ذلك الزبون بما سمع من صاحب المحل عن ذلك البيض الثمين، فأشترى منه كمية حملها إلى بيته والسعادة لا تكد تسعه، فها هو قاب قوسين أو أدنى من تحقيق ثروة مالية ضخمة، هو فى أمس الحاجة لها.
وبالفعل نام ذلك الرجل فوق ثمرات الباذنجان التى باعها له ذلك الخُضرجي اللئيم. ومضت الأيام طاوية ساعاتها الطوال بصبر ذلك الرجل الساذج دون إناءة منه أو كلل، حتى أصبح يفصله عن إنتهاء الأسابيع الثلاث المقررة لفقس ذلك البيض الوهمي يوم واحد.
وفى غضون ذلك، بدأت بعض التساؤلات تطرح نفسها من قبل جيران صاحبنا على زوجته حول سبب غياب زوجها الملحوظ، وعدم خروجه من منزله طوال الأسابيع الماضية، فكانت زوجة الرجل الساذج ـ والتى لم تكن تقل عنه سذاجة ـ تروى لجيرانها القصة كاملة، وتتباهى بأنهما سيحققان ربحاً جماً من وراء مشروعهما الإستثماري الذكي.

وللنكتة بقية لا يهم روايتها ـ هنا ـ بقدر ما يهم السرد لهذ الجزء منها، والذى ذكرني بواقع حال بعض أعضاء المعارضة الذين يتنافسون فى التسابق للقاء إبن صاحب النظام ليسوق لهم بيض سياسة أبيه فى الإصلاح الوهمي.
ويكمن التشابه بين هذه النكتة وهذا الوضع المهين والساخر فى آن، فى تزايد عدد المتكالبين على الإلتقاء بإبن صاحب النظام ولهفتهم الجامحة للإجتماع به، مم دعى أحد الظرفاء من المعارضين الليبيين لإطلاق نكتة أخرى ـ على نهج النكتة السابقة ـ تصور هذا الوضع المزري، من خلال إحتجاب أحد أعضاء المعارضة ـ من هذا الفريق اللاهث على مقابلة إبن صاحب النظام ـ فى بيته، وعزل نفسه بجانب جهاز التليفون، الذى حرم على عائلته وعلى نفسه إستعماله، وذلك خشية إشغاله، مم قد يؤدى إلى فوات فرصته فى تلقى تلك المكالمة المنتظرة التى تُبشره برغبة إبن صاحب النظام فى لقائه.
ولم ينس صاحبنا قبل إعتكافه فى البيت فى إنتظار تلك المكالمة المأمولة أن يقوم بخطوة هامة وأساسية لتحقيق ضآلته المنشودة، وهى إقدامه على إنتقاد نظام الحكم والتنديد بسياساته الخرقاء من خلال بعض برامج قنوات الفضائيات العربية. وهذه ـ تُعد ـ خطوة مضمونة النجاح فى لفت نظر أصحاب النظام، ومن ثم صعود أسهم صاحبها للتأهل لذلك اللقاء المأمول.

وليس القصد ـ هنا ـ من ذكر النكتتين السابقتين هو إضحاك القرآء على المفارقات الساخرة فيهما، ولكن ذكرهما جاء للإشارة إلى الصورة المقلوبة لحال بعض أفراد المعارضة الليبية فى الخارج، الذين كان يأمل منهم تسخير فكرهم، وشحذ همتهم فى التعاضد والتعاون مع رفاقهم على مكافحة هذا النظام الذى لن يُصلح ولن ينصلح، لكونه قد ربط وجوده بإستراتيجية واحدة، يتيمة لا توأم لها، وهى السيطرة الكلية على مقاليد الحكم، والتى تبنى لها ـ من أجل تحقيقها ـ أسلوب وحيد لا قرين له، وهو القمع ومصادرة الرأي الآخر.
وإلى أن يتنازل النظام عن هذه الإستراتيجية التى دأب على إنتهاجها منذ إغتصابه للسلطة فى سبتمبر 1969م، فأنه لن يكن هناك إصلاح لحال البلاد، ولن يكن هناك إنصلاح لحال النظام، ولن تحل فى البلاد حرية، ولن يرس فيها عدلُ، ولن تسد المساواة بين أفراد شعبها.
وإن كل ما سيناله اللاهثين على لقاء إبن صاحب السلطة أو بعض عناصر القمة فى تركيبة النظام الفاسد، هو حفنة من ثمار الباذنجان التى لن تفقس لهم عن أية خطوة إصلاحية، حتى لو أمضوا الدهر بأكمله نيام فوقها.

*   *   *

سيكولوجيّة الجماهير

(ب) أحداث بنغازي وإطلاق سجناء الأخوان
فى ضوء إستراتيجية النظام الثابتة

يرى علماء الإجتماع بأن قوة الجماهير لا تُعد قوة عاقلة عند تأجج حمم غضبها، حيث تُشكل عاطفتها فى أوج لحظات الثورة، أداة تدمير هائل لمحيطها الذى تنهمر عبره تموجاتها الهائجة، وقد صور الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون ـ فى كتابه سيكولوجيّة الجماهير ـ هذه القوة غير العاقلة بالمشاعر الخرقاء التى تنقاد فى تموجاتها لمن يتولى من بين أفرادها أمر قيادتها، ومن ثمة توجيهها نحو الأهداف التى يرغبها.

لعل البعض قد يرى فى إطلاق سجناء الأخوان مع بضعة قليلة من السجناء السياسيين فى الثاني من شهر مارس الجاري، بأنه جاء ثمرة لضغوط الأخوان وأصحاب منتدى ليبيا للتنمية السياسية والبشرية على إبن صاحب النظام فى حواراتهم المتواترة معه.
وهذا ليس بصحيح، فلا يعنى إطلاق هؤلاء السجناء ـ البتة ـ بأن النظام قد إنصاع لمطالب وضغوط مفاوضيه من الأخوان أو غيرهم، بقدر ما جاءت هذه الخطوة نتيجة للمظاهرات الدامية التى أندلعت فى مدينة بنغازي فى يوم السابع عشر من فبراير وأستمرت لعدة أيام تالية، والتى لم يسبق للنظام إختبار مثلها طوال عقود حكمه الطويلة سوى تلك المظاهرات التى أخذت لها مكان بتلك المدينة فى منتصف سبعينات القرن الماضي، والتى أشتهرت بحرق المتظاهرين فيها لمبنى الإتحاد الإشتراكي. فقد كانت هذه الخطوة ـ المتمثلة فى إطلاق هذا العدد القليل من السجناء ـ إحدى خطوات كثيرة يسعى النظام من ورائها إلى تهدئة الغضب الذى أعتمل فى نفوس المتظاهرين من بعض سكان مدينة بنغازي.
حيث قام بعزل أحد رموزه البارزين (نصر المبروك) من منصبه الأمني الرفيع مع إحالته إلى التحقيق، وقام بإرسال مندوبيه لأسر الضحايا بمبلغ مالي وبعض الأضاحي وغرائر (أشولة) من الأرز مصحوبة بعبارات تعازي تتصنع مؤاساتهم لفقدان أؤلئك الأبرار، الذين ـ فى حقيقة الأمر ـ قد تم قتلهم على إيدى عناصره الآثمة، كما تم إنزال رواتب شهر مارس على غير العادة الجارية منذ أمد طويل من حكم هذا النظام الفاسد فى تأخير دفع المرتبات لمدة تصل فى كثير من الأحيان إلى ستة أشهر أو يزيد.
ولا أستبعد أن يتم فى الفترة القادمة إقبال النظام على القيام ببعض الترميمات وليس إصلاحات ـ بالمفهوم اللغوي الكامل لهاتين الكلمتين ـ لبعض أوجه الفساد والخراب الذى جرته سياساته الرعناء عبر سنين حكمه التى تقترب من سبع وثلاثون سنة.
وسيتم التركيز فى أمر هذه الترميمات على المنطقة الشرقية بالذات، وذلك لإزالة بؤر الإحتقان المتراكمة، والناتئة عن سياسات القهر والقمع التى أتبعها هذا النظام عبر عقود حكمه الطويل، ونالت هذه المنطقة نصيبها الوافر منه. والمهم فى هذا المنوال، والذى يجب على المعارضة فى الداخل والخارج ـ على السواء ـ إستيعابه وإدراكه، هو أن هذه الترميمات، إذا أقدم النظام على القيام بها فى يومٍ، حتى وأن أطلق عليها تجاوز إصلاحات، فأنها لم تأت نتيجة لصحوة ضمير الحاكم وجوقته الفاسدة، أو نتيجة لوخز تأنيب الضمير فى وجدانهم السقيم، بقدر ما هى نتيجة لتلك المظاهرات التى أندلعت فى مدينة بنغازي.
بمعنى، إن هذه المظاهرات كانت بمثابة جرس الإنذار لطغاةِ الحكم فى ليبيا، بعد أن أثارت الهلع فى نفوسهم خشية إستشرائها فى أرجاء البلاد، وإشعالها لشرارة الثورة الشعبية، ومن ثمة تطورها إلى رفض شعبي عارم ـ وعام ـ لنظام حكمهم الفاسد، والذى لن يكن فى مقدور أصحاب هذا النظام بكل ما يملكون من أجهزة قمعية وقهرية مزودة بأسلحة قتالية رادعة أن تتصدى لقوى الجماهير الغاضبة.
ولعلهم كانوا يرون ـ فى تلك اللحظات العصيبة ـ ما حدث فى بلاد أخرى كأصدق الأدلة والأمثلة الواضحة والحية لمفعول قوى الجماهير إذا غضبت، فسقوط أنظمة كانت تضاهى فى قوتها نظامهم الفاسد ـ وربما ـ تتفوق عليه بمراحل شاسعة، والتى منها على سبيل المثال: نظام بينوشيه فى تشيلي، ونظام شاوسيسكو فى رومانيا، ونظام الشاه فى إيران، هو الدافع لإنطلاق جرس الإنذار عندما أندلعت تلك المظاهرات الدامية فى مدينة بنغازي.
ولهذا لن يجد أصحاب النظام بد من إجراء بعض الترميمات فى قطاعات مختلفة فى البلاد، بغية تحسين بعض الأوضاع، من أجل تبديد تلك النقمة الكامنة فى النفوس، وإجهاض تحولها إلى ثورة غاضبة على نهج العينة التى رأوها فى مدينة بنغازي فى السابع عشر من فبراير الماضي.
ومن ناحية أُخرى، فأن التغيير الآخير الذى تشكل به طاقم وزارة النظام الفاسد، يدل بوضوح قاطع على أن النظام لايزال على عهده فى تبنى إستراتيجيته السابقة فى إحكام القبضة على مقدرات البلاد، حيث سادت تشكيل وزارته الجديدة عناصر اللجان الثورية من بين الوجوه القديمة التى دعمت نظامه ومكنته من تحقيق السيطرة التامة على مقاليد الأمور فى البلاد عن طريق وسائل القمع الشرسة التى كان للقتل وسفك أرواح الليبيين الدور الأكبر فيها، وكان التعذيب وسجن الأبرياء من أبناء الوطن النهج الأساسي لها.
ومع ذلك، فأن النظام سوف يضطر فى هذه المرة إلى تبني سياسة ترميمية ـ كما سبق الإشارة ـ لن تطال مواطن العلة والقضاء على بؤر الفساد الحقيقة، لكنها ستحقق بعض الإنفراجات السطحية التى تمس بعض أوجه عصب الحياة. والفضل فى ذلك ـ كله ـ يرجع إلى شعور النظام بعد مظاهرات بنغازي المشار إليها، بأنه ليس بمنأى عن إسقاطه شعبياً، وذلك عكس ما كان يعتقده طوال فترة حكمه الغابر، بأنه محصن ضد ثورة الشعب عليه.
والجدير بالذكر هنا، والذى يعكس مصداقية على التحليلات التى تم طرحها فى السابق فى هذا الخصوص، هو أن النظام لم يكترث فى السابق بهموم الشعب الليبي، ولو بمقدار حجم ظفر رضيع فى مهده، ومن ثم لم يولي المعارضة الليبية أي أهتمام يُذكر ولو بمقدار عقلة صباع، وذلك لأنها لم تُشكل ـ فى يوم ـ مصدر تهديد لنظامه، لعدم إمتلاكها إمكانية إجباره على إجراء الإصلاح الأصيل البناء.
وهذا، بكل أسف، مالم يدركه أؤلئك اللاهثون ـ فى هذا الخصوص ـ من بعض أفراد المعارضة الليبية فى الخارج على الإلتقاء بعناصر النظام ومحاورتهم حول سياسة الإصلاح المزعومة، وذلك على الرغم من الشواهد البينة على بطلان توجههم المذكور. ومن هنا، وفى رأيي الشخصي، أن مظاهرات بنغازي تُعد نقطة تحول جديدة فى إطار الرؤية التى ينظر بها النظام إلى المعارضة الشعبية، والتى لم يكن قبل هذا الحدث يوليها أية درجة من الأهمية، ولا يتحسب لردود فعلها إزاء إنعكاسات مخرجات سياساته الداخلية، لكنه سيجد نفسه ـ من الآن فصاعد ـ مضطر إلى إعادة حساباته فى هذا الصدد، بحيث يعطيها قدراً من الإهتمام المحفوف بالحيطة، والتحسب الحذر عند إقدامه على إقرار سياساته المستقبلية.
بمعنى، إن مظاهرات بنغازي قد تكون ـ هى ـ المنعطف الذى يتخلى عنده النظام عن إستهتاره بقدرة الشعب الليبي ـ الكامنة ـ فى الثورة على نظامه، ولعلها تكون له ذلك المنبه الذى يفيقه من ربيعه المخملي الذى إستمر لعقود طويلة، والذى أطلق خلاله العنان ـ على أعنته ـ لجبروته وسطوته دون خشية أو خوف من رادع، لتأت تلك المظاهرات الدامية وتوقظه على الحقيقة الدامغة ـ التى لم يكن يعرها فى السابق أي أدنى إهتمام ـ بأن الشعوب مهما سكنت، وخلدت، وأذعنت لعصا الحاكم القاسية لدهور طويلة، فإنها فى لحظة غير محسوبة ينفجر بركان غضبها الكامن ليطيح بأعتى وأشرس الأنظمة قوة وعتاد، ولا فرق فى هذا المضمار بين شعب وآخر.
ولهذا يجب على المعارضة الليبية فى الخارج، وعلى القوى الواعية فى داخل الوطن ـ التعاون ـ بالعمل الدؤوب والدائم لخلق حالة التمرد المدني فى وجدان القاعدة الجماهيرية، التى من المعروف ـ بداهة ـ أنها لا تتحرك فى معظم الأوقات إلا بدفع وتحفيز وتنظيم من الكوادر القيادية المنظمة.
حيث يتركز دور الكوادر القيادية على القيام بعملية التحفيز والتوعية للجماهير من أجل التعبير عن رفضها العلني لسياسات النظام الظالمة ولإستمراريته فى الحكم، فوجود الكوادر القيادية والبرنامج الذكي القادر على تحفيز الجماهير نحو الرفض، هو السلاح الوحيد الناجح لتقويض الأنظمة الفاسدة، وذلك من خلال خلق وصنع لحظة التأجج الشعبي العظمى التى تولد نتيجة لوجود الوعي لدى أفراد الشعب بضرورة رفض الظلم المحاق بهم من قبل النظام الحاكم.
وفى إطار هذا الفهم يكمن السبب وراء عدم إستمرار مظاهرات بنغازي، وعدم إستشرائها فى بقية مناطق ليبيا الأخرى(2) ، فغياب أو إنعدام ـ وجود ـ الكوادر القيادية المنظمة، التى تتبلور مهمتها الأساسية، فى تلك الآونة الحاسمة، فى توجيه الجماهير الغاضبة، وتنظيمها نحو الإقدام على الأعمال التى من شأنها شل قدرة النظام فى السيطرة على المدينة، وتجميد وتشتيت قدرته على قمع المتظاهرين أو إخماد المظاهرات المعنية، كان هو العامل الرئيسي الفارق فى تلك المعادلة المحسوبة.
بمعنى آخر، قد كمن فى غياب الكوادر القيادية المنظمة فى تلك الآونة الحاسمة، السبب الرئيسي فى عجز قدرة تلك المظاهرات على الصمود لأكثر من أيام معدودة، بل وإنحرافها عن سلوك جادة الرفض المعلن الذكي والفعال الذى يشل قدرة النظام على المواجهة، وهذا ما أدى بها إلى الخمود والإنتهاء دون أن تحقق الغاية المنشودة فى الدفع بإسقاط النظام الفاسد. علاوة على ذلك، فقد أدى إفتقاد تلك المظاهرات لبرنامج ميداني يقودها إلى أهدافها المأمولة ـ والذى من المفترض أن تضطلع الكوادر القيادية بأمر وضعه ـ إلى إستغلال بعض أصحاب المأرب لهذا النقص الحيوي فى محاولة الإنحراف بها عن أغراضها الوطنية التى أندلعت من أجلها، وتحويلها إلى تموجات غوغائية مندفعة نحو القيام ببعض الأعمال التخريبية والسرقات والنهب للممتلكات العامة، وهذا ما كاد يشوه الصورة المنيرة لتلك المظاهرات، أو كاد يؤدى للإساءة إلى أهدافها الوطنية النبيلة، ولا يستبعد ـ فى هذا المضمار ـ أن يكون لعناصر النظام دور فى إختراق هذه المظاهرات للقيام ببعض تلك الأعمال التخريبية التى سادت فى أثناء تصاعد حمى الغضب الشعبي الرافض لإستمرار حكم النظام الفاسد. وفى هذا الصدد، يرى علماء الإجتماع بأن قوة الجماهير لا تُعد قوة عاقلة عند تأجج حمم غضبها، حيث تُشكل عاطفتها ـ فى أوج لحظات الثورة ـ أداة تدمير هائل لمحيطها الذى تنهمر عبره تموجاتها الهائجة.
وقد صور الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون Gustave LeBon ـ فى كتابه سيكولوجيّة الجماهير ـ هذه القوة غير العاقلة بالمشاعر الخرقاء التى تنقاد فى تموجاتها لمن يتولى من بين أفرادها أمر قيادتها، ومن ثمة توجيهها نحو الأهداف التى يرغبها. ويسترسل لوبون فى وصفه لقوة الجماهير أثناء الثورات بأنها مثل الشخص المخدر أو المنّوم مغنطيسياً، والذى ينقاد لأية شعارات يرفعها من بينها فرد أو بضعة أفراد. وهذا المشهد ـ فى نظر لوبون ـ عبارة عن إمتزاج للعاطفة الجماعية الشاملة فى قالب الفرد المحرك لها.
وهذا ما يؤكد على أهمية وجود الكوادر القيادية المنظمة التى لا يتركز دورها ـ فقط ـ فى حدود تحفيز، وحث الجماهير الغاضبة على إبراز رفضها العلني لإستمرار حكم النظام الفاسد، بل يتعداه إلى دور العمل الواعي على ترتيب وتنظيم الأوجه التى يسير فى خطاها الجمهور المتظاهر، حتى يتم تكليل تظاهراته الرافضة بالنجاح المنشود، ويمنع فى نفس الوقت إستغلال عناصر النظام أو أصحاب النفوس الوضيعة والمشبوهة من الإنحراف بها عن الأهداف المرسومة.

وعودة لمظاهرات بنغازي، التى كانت رغم خمودها المبكر وعجزها عن الوصول إلى هدفها الأكبر فى إسقاط النظام الفاسد، من خلال إستمرارها وإستشرائها فى بقية مناطق ليبيا الأخرى، إلا أنها ـ من الجانب الآخر ـ إستطاعت أن تحقق خطوة عظيمة من خلال تغييرها لإطار الكيفية التى يتعامل بها ـ هذا ـ النظام مع أفراد الشعب الليبي، وذلك من خلال إجباره على تغيير نظرته المتعالية وغير المكترثة بمقدار قوة الشعب الليبي الكامنة، وأشعرته لأول مرة فى تاريخ حكمه الطويل بقدرة هذا الشعب، المستكين لجبروته وإستبداده لعقود طويلة، على الثورة على نظامه الأفك.
بمعنى، إن هذه المظاهرات قد إستطاعت، رغم أوجه القصور فى وصولها للهدف المأمول، أن تزرع الوعي فى عقلية هذا النظام الفاسد إزاء الحقيقة البائنة بأن الشعوب ـ والشعب الليبي ليس بإستثناء لها ـ مهما طال أمد القمع الشرس الواقع عليها، ومهما ثقلت وطأة رحاة القمع الطاحنة على أفرادها، فأنها تظل تملك ـ تلك ـ القوة والقدرة الكامنة فيها على الثورة وإسقاط الأنظمة الظالمة مهما بلغت قوة عتيانها.
هذه القوة التى تبرز فى لحظة معينة لا تعد تقوى معها هذه الشعوب على كبت إحتمالها وصبرها على الظلم المحاق بها، فتنفجر ثائرة بعاصفة غضب عارم لن تستطع أي قوة مهما بلغ مقدارها على إيقافها أو صدها أو السيطرة عليها.
ومن هنا، فإن تلك المظاهرات السالفة الذكر، برغم إفتقارها لوجود الكوادر القيادية المنظمة، وبرغم إستغلالها من قبل بعض الإنتهازيين ـ ربما يكون بعضهم من عناصر النظام ذاته ـ ورغم عدم تحقيقها للأمل المعقود، إلاّ أنها ـ حسب تقديري الخاص ـ إستطاعت أن ترغم النظام على إعادة حساباته عند التخطيط لأية سياسات تعسفية وظالمة لمستقبل البلاد، وسترغمه أيضاً، على إجراء بعض الترميمات ـ حتى أن كانت سطحية وغير أصيلة ـ لبعض القطاعات المختلفة فى البلاد.
والخلاصة، أن غياب الكوادر القيادية المنظمة فى داخل البلاد كان له الأثر الأكبر فى عدم توسع دائرة الرفض العلني على نطاق المدينة كلها من خلال تلك المظاهرات، والأهم ـ من ذلك ـ عدم إستشرائها على نطاق مدن وجهات ومناطق ليبيا الأخرى، التى حتماً كانت ستنتقل إليها عدوى الرفض العلني الكامنة بذورها فى نفوس أفرادها، لو كان وجد بينها كوادر قيادية تنتهز ـ وتتلقف ـ تلك الفرصة المواتية فى تحريك أفراد مناطقها.

فرج الفاخري
faraj25@hotmail.co.uk ________________________________________________

(1) يسميه الليبيون بيض أنجان.
(2) لقد نشرت بعض مواقع الإنترنت الليبية أخباراً تُفيد بإندلاع مظاهرات مواكبة فى شرق البلاد وجنوبها (فى سبها ودرنة وطبرق)، ولكن ـ بحسب بعض المصادر المطلعة ـ كانت محدودة النطاق، وتم إخمادها من قبل النظام بوجه سريع، وهذا يؤكد مرة أُخرى على الإفتقار ـ الحيوي ـ لوجود كوادر قيادية منظمة تضطلع بمهمة تنظيم وقيادة المتظاهرين نحو الأهداف المنشودة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home