Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Thursday,23 March, 2006

     
     
     

الفرص الضائعة (12)

فرج الفاخري

 

 

« قد يولد حب الوطن الشجاعة للموت فى سبيله، لكنه

من النادر أن يولد شجاعة الكتابة عنه بموضوعية ».

                                                                                         ـ بول فاين ـ

 

لقد ذكرت فى الجزء العاشر من هذه المقالة بأن كلمتي التى نوهت فيها لمؤسسي منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية أمام جمع الحاضرين لندوة الإعلان عن تأسيس ـ هذا ـ المنتدى فى الثالث عشر من يوليو 2003م، كان يتلخص فحواها فى أن الندوة قد أنحرفت عن الأسباب التى دعت لإنعقادها، بحديثها عن مواضيع مكررة ومعروفة للجميع.

بينما كان من الأولى لهذه الندوة الإقتصار على الحديث عن شكل برامج العمل الخاصة بالمنتدى، وعن وسائله وأهدافه، وذلك من خلال توضيح كنه النقاط التى تضمنها بيان إعلان تأسيس المنتدى، والحديث عن الكيفية التى سيتبناها أصحاب المنتدى لإحياء هذه النقاط وتحويلها إلى برامج عمل فعالة.

فقد كان هناك إدراك ـ وإعتقاد ـ ذاتي بأنَّ تلك النقاط التى أحتواها بيان تأسيس المنتدى، ربما تفلح فى تحقيق نتائج إيجابية لصالح حركة نضال القوى الوطنية ضد نظام الحكم الفاسد فى ليبيا، هذا إذا تم تفعيلها بالوسائل المناسبة، ومن ثمة بلورتها فى برامج عمل نافذة.

حيث أن مواجهة هذا النظام الجائر، من خلال التجارب السابقة للمعارضة الليبية، المعتمدة فى خططها على وسيلة المجابهة المسلحة أو الأسلوب الخطابي غير المدروس ـ عبر العقود المنصرمة ـ قد أثبت فشله، ولم تحقق خططها النتائج الإيجابية المرجوة منها.

فى نفس الوقت الذى أثبتت فيه العلوم النظرية المتخصصة، والتجارب العملية لشعوب الأمم التى نُكبت بأنظمة مشابهة لنظام الحكم الفاسد فى ليبيا، بأن مواجهة مثل هذه الأنظمة، ومن ثمة تقويضها، لا يتأت إلا بمشاركة القاعدة الجماهيرية العريضة، التى تملك القدرة الحقيقية لإسقاط مثل هذه الأنظمة الفاسدة.

ومن هنا فقد كانت النقاط التى تم وضعها من قبل أصحاب المنتدى كأساس لقيام كيان منتداهم، ذكية فى مفهومها، وترتقى فى معناها لإمكانية تحولها إلى وسائل فعالة، قادرة على خلق التواصل مع القاعدة الجماهيرية فى داخل ليبيا. وهو ما قد يتطور بطبيعته إلى أداة قادرة على إبصار هذه الجماهير بحقوقها، وبضرورة تحركها لإسترجاع هذه الحقوق عن طريق ثورة شعبية عارمة تضطلع بأمر إسقاط نظام الحكم الفاسد وتقويض أركانه.

ومن ثُم، فقد كان الأمر يقتضي من أصحاب المنتدى فى ندوة الإعلان عن تأسيسه أن يقوموا بتحديد معالم برنامجهم، من خلال شرح متكامل لجوهر هذه النقاط وأهدافها المرجوة.

ولكن، وكما سبق القول، فقد اختار أصحاب المنتدى فى ندوة إعلان تأسيسه، الإبتعاد عن شرح النقاط المذكورة ـ التى يقوم كيان منتداهم فى أساسه عليها ـ ومن ثم بلورتها فى برنامج عمل واضح.

وحولوا تلك الندوة ـ فى مخالفة صريحة للعرف والتقليد المفروض فى مثل هذا الصدد ـ إلى زبد كلامي ممل ومكرر حوته خمس كلمات ألقاها مؤسسي المنتدى وأستغرقت معظم وقت ذلك اليوم، فى حديث مألوف ومعاد عن سياسات النظام الرعناء.

وليس من المكروه هنا ـ كما سبق الإشارة ـ أن يتم تناول سياسات النظام وتحليلها، ورشق كافة عيوبها وسلبياتها، ولكن ـ كان ـ يجب أن يتم ذلك فى ندوة مخصصة لمثل هذا الشأن، وليس على حساب الحديث عن برنامج المنتدى يوم الإعلان عن تأسيسه.

ومن هنا كان لابد للمرء من أن يسأل نفسه سؤالاً ستقود إجابته ـ حتماً ـ إلى فهم سبب تجنب أصحاب المنتدى الحديث عن برنامج منتداهم وأهدافه فى الندوة المذكورة، وهذا السؤال المعني فى هذا الشأن ما أنفك عن فرض نفسه، منذ إنبراء نية تأسيس هذا المنتدى، وأصبح أكثر إلحاحاً فى البحث عن جواب شافى له بعد عقد ندوة الإعلان عن تأسيس المنتدى المشار لها أعلاه، والسؤال هو: ما الغرض الحقيقي من وراء تأسيس هذا المنتدى ؟.

 

ورغم إجابتي ـ قبل ذلك ـ عن هذا السؤال فى أجزاء سابقة من هذه المقالة (الجزء التاسع والعاشر)، وذلك من خلال تعرضي بالشرح للظروف التى مهدت لإنبثاق فكرة تأسيس المنتدى من قبل صاحبه عاشور الشامس ومن اقتفى أثره. وذلك من خلال إلقائي الضوء على هذه الظروف فى المدخل الذى تضمنه الجزء التاسع من هذه المقالة بشرح مفصل للخلفية التى أفرزت توجه النظام نحو سياسة إستقطاب المعارضة عن طريق التلويح لها بسياسة الإصلاح من ناحية. ثم تعرضت، من ناحية أخرى، فى التمهيد الذى تضمنه الجزء العاشر من هذه المقالة إلى شرح ظروف دوافع الشامس للإلتقاء بعناصر النظام، والمضي معهم فى ركب وهم سياسة الإصلاح المزعومة.

ومن هنا فإنه يفترض أن تكون الإجابة على السؤال المطروح أعلاه واضحة وجلية بالنسبة لقراء هذه المقالة، وذلك بعد سبرها لغور هذا السؤال عبر حيثياتها المسرودة، كما أنه يفترض أن تكون الإجابة واضحة وجلية لبعض أفراد المعارضة الليبية فى الخارج منذ البداية، أي قبل أن تأخذ هذه المقالة لها مكاناً مقروءاً فى هذا الموقع الموقر.

بمعنى، إن البعض ـ من بين أفراد المعارضة الليبية فى الخارج ـ الذين كانوا يتسقطون أخبار لقاءات صاحب فكرة المنتدى عاشور الشامس بإبن رأس النظام سيف الإسلام والتى سبقتها وتخللتها لقاءات أخرى مع سفير ليبيا فى لندن محمد الزوي (عراب العلاقة بين الشامس والنظام)؛ قد عرفوا جواب هذا السؤال فى حينه، وإن هذه المقالة لم تضف لمعرفتهم بهذا الأمر شيئاً، وأنما الفضل يرجع فى ذلك إلى أجواء ـ ذلك الحين ـ المشبعة حتى الثمالة بأخبار تلك اللقاءات المريبة بين صاحب فكرة المنتدى عاشور الشامس وإبن صاحب النظام سيف الإسلام.

ومن هنا، فإنه عندما أفصح الشامس وبعض من المعارضين الذين أتبعوه عن نيتهم لتأسيس المنتدى، ومن ثم تحديد موعد لعقد ندوة إعلان قيامه، ذهب أؤلئك الذين كانوا يتسقطون أخبار لقاءات الشامس بعناصر النظام إلى إعتبار الغرض من تأسيس هذا المنتدى لا يتعد حدود إصباغ مسحة جماعية على الحوار الفردي السابق الذى دشنه الشامس مع النظام، والذى سيستمر من خلال المنتدى، بأمل من ـ صاحبه ـ أن يُضفى عليه القوة الإعتبارية القادرة على إصباغ شكل من القبول بهذه العلاقة مع النظام فى أوساط قوى المعارضة الوطنية فى الخارج والقاعدة الشعبية فى الداخل، وذلك من خلال إظهار هذه العلاقة بأنها إحدى أوجه المحاولات النضالية الساعية إلى تحقيق قدر من الإنفراج فى داخل المجتمع الليبي.

بمعنى، أن تحويل نمط العلاقة الواقعة بين الشامس والنظام من إطارها الفردي إلى إطار العلاقة التى تقوم بين كيان تنظيمي يستظل تحت تركيبته بعض أعضاء المعارضة المرموقين (المنتدى)، وبين النظام، تُعد نقلة ذكية تكسب صاحبها، ومن فى ركبه، رخصة الجدال إزاء التشكيك فى صحة هذا التوجه من عدمه.

وفى نفس الوقت تُيسر لهم الفرصة لإخراج هذه العلاقة ـ فى وقت تال ـ من إطارها السري إلى إطار العلن، دون ريبة أو خشية من سهام الإنتقادات المشككة فى صدق نوايا توجهات صاحب المنتدى الوطنية، هذا التوجه الذى لا يتقبله أفراد المعارضة الليبية فى الخارج، ولا يقبل به أفراد القاعدة الشعبية (الواعية) فى الداخل على السواء.

ومن هنا فقد كان تحويل هذه العلاقة من إطارها الفردي إلى الإطار الجماعي، مناورة ماهرة هدفت إلى تحقيق مكسب القبول بها ـ ولو على مضض ـ من قبل الرأي الليبي المعارض، كإحدى سبل النضال الوطني الساعية لرفع المعاناة عن الشعب الليبي من ضير حكم النظام الفاسد.

وقد نجحت ـ هذه المناورة ـ لفترة مؤقتة وعابرة فى فرض قبول البعض لها، خاصة عندما توازرت مع التوجه المماثل لحركة الأخوان المسلمين الليبية، ولو أن توجه الأخوان فى هذا المنوال كان قائماً على أجندة مختلفة وأبعاد ذات أهداف طويلة المدى، تصبو إلى ترسيخ وتوسيع قاعدتهم الشعبية بين صفوف الجماهير.

إلاَّ أن هذا لا يمنع من وجود تطابق فى الوسيلة المتبعة من قبل الأثنين (المنتدى والأخوان) والتى تتمثل فى قبولهما بمفاوضة النظام فى إطار خطة الإصلاح المزعومة، حيث أستطاع الطرفان ـ فى إطار تقبل الآخر لتوجههما ـ أن يحققا نجاحاً نوعياً عابراً، وذلك من خلال إكتسابهما لرخصة الجدال بصحة هذا التوجه الذى تبنياه كوسيلة لأهدافهما، والذى كان عماده يتركز على شعارات مصممة لدغدغة المشاعر بأن هذا التوجه ـ المنبوذ من البعض ـ يحمل فى طياته وسيلة نضالية تعتمد على النهج البراجمتي (المذهب العملي أو الواقعي)، الذى لا يمانع بقبول إستمرارية الطاقم الفاسد فى قمة النظام من حكم البلاد، شريطة تحقيق جملة من الإصلاحات التى تقود إلى إنفراج فى الحالة الليبية على المستوى الشعبي.

وقد تبنى أعضاء هذين الفريقين الشعار البراق الذى يشق لهما عباب الجدل الدائر مع منتقديهما، وهو ما تمثل فى مقولتهما المعروفة: " إن العبرة بالنتائج الحميدة وليس بالوسيلة المتبعة " !.

ومن ثمة، تمكن الفريقان ـ المتحالفان ـ من نيل رخصتهما الجدالية فى الدفاع عن توجههما غير المحبذ لدى معظم الأطراف الأخرى، وأستطاع، كما نوهت أعلاه، من إكتساب بعض المؤيدين لتوجههما من بين صفوف المعارضة بصورة مؤقتة.

ولكن سرعان ما تحطمت آمال الفريقين عند صخرة إستراتيجية النظام الصلدة، التى كان لها أهدافها الخاصة من وراء مناورة لعبة الحوار مع أعضاء الفريقين والتى سبق شرحها فى مكان آخر من هذه المقالة. حيث قام النظام متعمداً ـ فى ظل خطة إستراتيجيته الصماء ـ بخذلان هذين الطرفين، اللذان راهنا برصيديهما الوطني على نجاح مفاوضتهما مع عناصره من أجل تحقيق بعض المطالب التى من شأنها أن تدعم صحة توجههما أمام منتقديهما.

وهكذا، لم تنل مطالبهما على المستوى الوطني نجاحها المأمول، ناهيك عن تلك المطالب الحزبية المتمثلة فى إطلاق سجناء الأخوان !. وهذا ما كان له دوراً فى إحراج موقفهما أمام مناصريهما ومنتقديهما على السواء، ومن ثمة سقوط شعاراتهما حول تحقيق إنفراجات وطنية تمس نبض الشارع الليبي، خاصة شعارهم الأكبر الذى كان يصد عنهم رذاذ حمى نقد معارضيهما المتوقد، والمتمثل فى مقولتهما بأن العبرة بالنتائج وليس بالوسائل !.

وجدير بالذكر فى هذا الإطار التنويه إلى أن إطلاق سجناء الأخوان مع بضعة قليلة من السجناء السياسيين فى الثاني من شهر مارس الجاري، لا يعنى البتة بأن النظام قد إنصاع لمطالب مفاوضيه من الأخوان أو غيرهم، بقدر ما كانت هذه الخطوة نتيجة لمظاهرات بنغازي الدامية فى يوم السابع عشر من فبراير والأيام التالية له، والتى لم يكن لها مثيل فى تاريخ حكم هذا النظام الفاسد منذ مظاهرات منتصف السبعينات المشابهة التى أنتهت بحرق مبنى الإتحاد الإشتراكي فى ذات المدينة. (سأتعرض بتوسع لهذه النقطة فى مقال منفرد سيتم نشره بالتواكب مع هذا الجزء من مقالة الفرص الضائعة تحت عنوان: ملاحظات حول السابحين فى فلك الإصلاح الوهمي).

 

وعودة لرأس الموضوع وتلخيص لفكرته الأساسية، فإن الشامس كان يأمل من وراء تأسيس المنتدى أن يحقق هدفين:

أحدهما، تحويل علاقته الفردية بالنظام إلى علاقة جماعية، تنفى عنه شبح العلاقة المشبوهة التى شاعت قصصها بين صفوف المعارضة فيم سبق، فكان لابد له ـ فى هذا الصدد ـ من إخراج أمر هذه العلاقة إلى العلن، وإكسابها ثوباً نضالياً. وهذا لم يكن سيتأت له بدون إشراك آخرين معه فى حمل عاتق هذه العلاقة غير المقبولة على مستوى المعارضة الليبية فى الخارج والقوى الجماهيرية ـ الواعية بأبعاد القضية الوطنية ـ فى الداخل.

وثاني الهدفين، فى طموح الشامس، هو أن يُضفى كيان المنتدى بصفته الجماعية الوزن الإعتباري المفتقد فى إطار علاقته الفردية بالنظام، أي أن يكتسب الشامس من خلال إستقطاب تلك الكتلة الجماعية التى ألف بها كيان المنتدى قوة تفاوضية لها بعض الشأن فى سياق لعبة الحوار مع النظام حول سياسة الإصلاح المزعومة.

 

هذا على الرغم من أن الواقع المرير ينطق بوضوح لا تخطأه عين العاقل بأن هذا التوجه أو النهج الذى تبناه أصحاب المنتدى وأتخذوه نبراساً لهم من أجل إحراز منصة تفاوضية ترغم النظام على الرضوخ لبعض مطالبهم على مستوى القضية الوطنية، لن يتحقق مبتغاه. وإن مكاسبهم الوحيدة التى قد ينالونها فى هذا الصدد لن تتعد ـ فى يومٍ ـ حدود المطالب والمزايا الفردية الخاصة.

ولعل القارىء المتابع للأجزاء السابقة من هذه المقالة، والملم بشؤون قضيتنا الوطنية، يكون قد أستنبط بإدراكه الواعي لما أشرت له ـ فى هذا الصدد ـ من توضيح حول إستراتيجية النظام الواضحة فى سيطرته الكلية على البلاد من خلال الوسائل القمعية وأساليب القهر المكثف، والتى لا تترك له هامش للتفكير فى إحلال تغيير جذري على سياساته وأسلوب حكمه، ولا تترك له مجال للقيام بإصلاح أصيل لما أفسدته سياسات نظامه الرعناء على مر سنين حكمه الماضية.

لأن رأس النظام والذين يشاركونه الحكم من شلة الإنتفاعيين، لديهم الظن والإعتقاد بأن الإصلاح الحقيقي والجذري، سوف يسحب من بين قبضتهم عوامل السيطرة التامة، والتسلط السافر، والإنفراد بصنع القرار فى داخل الدولة الليبية، والذى تمكنوا منه وظلوا يرتعون فى غيه على مدى ـ ما يقرب من ـ سبعة وثلاثون عاماً.

ومن هنا، فإن القائمين على النظام لن يقدموا على إقرار الإصلاح الأصيل الذى يعيد لليبيين كرامتهم، ويُرجع لهم حق التصرف فى ثروتهم المنهوبة، ويمتعهم بحريتهم فى إبداء الرأي حول قضايا وطنهم وشئونهم المعيشية، ويمنحهم حقهم فى تقرير مستقبلهم، تحت مظلة قوانين ولوائح يضمها دستور يحميهم ويحمى حقوقهم، ويردع كل منحرف عن جادته، ويجرم كل من يعبث بالمقدرات والمكاسب الوطنية.

بمعنى، أن مفاهيم العدل والحرية والرخاء والمساواة وقيمها المعروفة، لا تقع فى دائرة نواميس الفكر الإستبدادي المسيطر على عقل رأس النظام، ولا فى عقل تلك الفئة الضالة التى تساعده على تحقيق مآربه الخبيثة والفاسدة إزاء أفراد الشعب الليبي، فهؤلاء جميعهم قد رجحت لديهم نزعات الإنتفاعية والإنتهازية، وإثرة المصالح الشخصية على حساب مصالح الوطن والمواطنين.

ولذلك فأن النظام لن يغير جلده لأحد، وبالأخص للمعارضة الليبية فى الخارج، التى لا تملك من القوة ولو بمقدار عقلة صباع لإرغامه على مثل هذا الأمر.

ومن هنا، فإن النظام الحاكم فى ليبيا، بطبيعته التى جُبل عليها، لن يهب المعارضة مكاسب وطنية تحقق من خلالها مواقع أثيرة فى نفوس أفراد المجتمع الليبي.

ومن ثمة، فإن النظام إذا ما أضطر فى يوم لإجراء أي شكلٍ من الإصلاحات تحت وطأة الضغوط الدولية أو الشعبية (مثل مظاهرات 17 فبراير فى بنغازي)، فإنه ـ بدون أدنى شك أو ريبة ـ سينسب فكرتها ودوافعها إلى كيانه، وذلك حتى تعود فوائد إنعكاساتها الشعبية على نظامه، بغض النظر ـ هنا ـ عن ضآلة هذه الإصلاحات أو عدم تجذرها فى عمق المشاكل الأساسية، التى تكونت نتيجة لسياساته الرعناء على مدار سنين حكمه الطويلة.

والخلاصة فى هذا الصدد، إن النظام بتركيبته التى خبرها الجميع عبر ما يقرب إلى سبعة وثلاثين سنة من حكمه الفاسد، لن يقدم فى يومٍ على إحلال خطة إصلاحية تعود بالخير على الليبيين بقدر ما ستكون لتعزيز حكمه والتوسيع من دائرة نهبه لثروة البلاد والإتجار فى مقدراتها الإقتصادية والسياسية والتهاون لحد التفريط فى مصالحها الوطنية.

ولن ينسب فى يومٍ أي نوع من الإصلاح أو أي خطوات يقدم عليها ويكون لها نصيب من تحقيق بعض الإنفراج السياسي أو الإقتصادي، إلى المعارضة فى الخارج، التى لا تملك ـ فى حقيقة الأمر ـ ما تضغط به فى هذا الخصوص على النظام للإنصياع إلى مطالبها الوطنية المشروعة.

 

*  *  *

 

هذه كانت مقدمة ضرورية لإنعاش الذاكرة وإعادة ربط القاريء بالموضوع قيد الحديث، وذلك بعد فترة من الإنقطاع عن مواصلة كتابة بقية أجزاء هذه المقالة لظروف ـ خاصة ـ عارضة، وأيضاً بسبب فترة الإنفصال التى فرضتها ضرورة الرد فى الحلقة السابقة على ذلك الألمعي، الذى أنتقد مقالتي بجملة من الإفتراءات والأكاذيب، لم يترك لي معها مجال سوى الرد عليها بحقائق تُقزمه فى حيز ضآلته، وتردع من ناحية أخرى كل من يفكر ـ مستقبلاً ـ أن يركب صهوة الأكاذيب والإفترءات ويتخذ من الأباطيل سلاحاً له فى حوار لا يصمد على أرضه سوى قول الحق والحجة السليمة الثابتة.

 

*  *  *

 

ويأتي ـ الآن ـ دور الحديث عن الوقائع التى تسند وتؤكد حقيقة ما تم ذكره بخصوص تأسيس المنتدى، وذلك من خلال الأحداث التى جرت فى هذا الشأن والمبنية على المشاهدة الشخصية المباشرة، التى تعكس مصداقية على كل ما تم سرده فى هذا الشأن من تحليل، وتثبت صحته وتنقله إلى أرض الواقع كحقيقة دامغة لا يمكن للمعنيين به التملص منه أو إنكاره، وذلك بعد إثبات أصالته من خلال وقائع ثابتة شهدت عليها بنفسي وشاركني فى ذلك العديد من أفراد المعارضة الليبية، إضافة إلى أنه قد تم تصويرها بكاميرا فيديو فرضها أصحاب المنتدى لتصوير حوار المشاركين فى تلك الوقائع التى سيتم فيم سيلي السرد لأهم أحداثها.

وما هذه الوقائع التى جرت أحداثها فى تلك الفترة التى أعقبت إنعقاد ندوة الإعلان عن تأسيس المنتدى، سوى تلك اللقاءات السرية التى دعى لها ـ فى نطاق محدود ـ أصحاب المنتدى لمناقشة السبل التى سيتبنونها لبلورة النقاط التى أرتكز عليها كيان تأسيس منتداهم.

 

*  *  *

 

الدعوة للإجتماع السري الأول ..

لقد كُنت موزعاً قبل تلك اللقاءات السرية بين فكرتين تتنازع كل منهما مع الأخرى فى فرض إحتمالاتها على فكري، وعلى تكويني لرأي قاطع صوب الغرض من تأسيس المنتدى.

فقد كُنت قبل توجيه الدعوة لي لحضور ندوة الإعلان عن تأسيس المنتدى، مثل البعض، متشبعاً بأخبار تلك اللقاءات بين صاحب فكرة المنتدى وبين عناصر النظام.

وكُنت أرى فى هذه اللقاءات ـ التى ولج صاحب المنتدى أبواب غيها ـ إنسياباً لمناضل وطني فذ نحو دائرة مشبهوهة لا تخدم الأغراض الوطنية، والتى لم يكن، لمن كان، مثله أن ينزلق إليها. ومع ذلك كُنت لا أميل، كمثل البعض، إلى تخوينه وتجريده من وطنيته وتاريخه النضالي المشهود، ولكني فى نفس الوقت لم أكن أجد له ـ فى نفسي ـ مبرر واحد يمكن الدفاع به عنه أمام غلاة المشككين فى نوايا توجهه، سوى أنه لم يحسن الإختيار عند تبنيه لهذا السبيل الذى لن يجن من ورائه طائلاً.

ومن هنا، فإنه بعد الإعلان عن نية تأسيس المنتدى، غمرتني، من ناحية، الفكرة ـ التى أشرت لها أعلاه ـ بأن الغرض من وراء تأسيس المنتدى يكمن فى محاولة صاحب فكرته تحصين توجهاته بدرع من العمل الجماعي الذى ينفى عنه شبهة الإتصال الفردي بعناصر النظام، ويمنحه فى نفس الوقت صفة إعتبارية ومنصة تفاوضية أكثر قوة.

ومن ناحية أخرى كان لبيان الإعلان عن تأسيس المنتدى وما حملته صحيفة دعواه من أفكارٍ ذكية ـ قد ـ تصلح إطاراً لعمل جاد يحقق منافع وطنية خالصة، دور فى إعادة تقييمي للغرض من وراء إنشاء هذا المنتدى، وعلى توجهه وأهدافه.

وهكذا، عندما وجهت لي الدعوة لحضور ندوة الإعلان عن تأسيس المنتدى، أنبهرت بالنقاط التى حملتها صحيفة دعواها التى يقوم عليها تأسيس كيان هذا المنتدى، ومن ثم قبلت حضور تلك الندوة مشدوداً بجاذبية تلك النقاط القيمة.

ولكن سرعان ـ كما سبق القول ـ ما تبددت آمالي، وأُصبت بخيبة أمل عندما أنحرفت تلك الندوة عن غرض إنعقادها بالحديث فى مواضيع بعيدة الصلة، وهذا ما دفعني فى حينه إلى التعبير عن رأيي فى هذا الصدد من خلال مداخلتي المشار إليها، وذلك بعد أن تصورت ـ بكل حسن نية ـ أن ما حدث من إغفال لشرح البرنامج وخطوات العمل التى سيتبعها المنتدى فى ندوة الإعلان عنه، هو سوء تدبير وتخطيط من أصحابه.

وأفترضت أن توجيههم لمسار الندوة نحو الحديث عن النظام وفساده، فى تكرار ممل لسمات يعرفها كافة الحاضرين، ولا تخف أمورها عن أحد من المعارضين، لا يُعد سوى إرتباك فى القدرة على التنظيم،؛ ولذلك رأيت من الواجب تنبيه القائمين على هذا المنتدى فى حينه.

وكانت النتيجة إنهزام حسن النوايا أمام الحقيقة المرّة، التى كشفت عن نية التعمد لصالح الغرض المبيت، فأدى ذلك إلى إنسياق الرأي فى عقل المتتبع نحو إتخاذ موقف واضح من ذلك المسار البين لأصحاب المنتدى.

فقد أجلى التعليق الذى أدلى به جمعة القماطي من على منصة إدارة الندوة فى سياق دفاعه عن مسار فعاليات تلك الندوة عن حقيقة خط المنتدى المرسوم، وتركت تلك الكيفية التى أتبعها أصحاب المنتدى فى توجيه مسار برنامج الندوة فى ذلك اليوم بصمتها الواضحة فى إثارة الشك حول مدى الرغبة الحقيقة والجادة لدى أصحاب هذا المنتدى لتفعيل تلك النقاط التى قام عليها كيان منتداهم فى صحيفة الإعلان عنه.

فقد أفصح ذلك الرد ـ بما لا يدعو مجالاً للشك ـ بأنه لم يكن هناك خطأً تنظيمي فى إدارة سير تلك الندوة، وهذا بدوره فسح المجال أمام الشك فى النوايا والأهداف المرسومة لهذا المنتدى والمتطلبات التى يسعى لها أصحابه من وراء إنشائه ! ومن ثم أعاد الظنون السابقة إلى عهدها المكين.

ولم يكن هناك سبباً آخراً يمكن للمرء التذرع به، سوى أن يكون رد القماطي على إنتقادي المذكور، إنفعالي، ووليد لتلك اللحظة التى فرضت عليه الدفاع عن مسار المنتدى بغض النظر عن صحة إنتقادي ـ فى ذلك المضمار ـ من عدمه !.

وفى هذه الحالة، لم أجد أمامي ـ حينئذ ـ سوى تأويل الأمر إلى أنه لم يكن هناك خطأً وإرتباكاً فى التنظيم، وإن الرد الذى ساقه القماطي كان حاسماً وقاطعاً فى هذا الصدد، مما أوحي لي بأن إنتقادي المذكور ـ على هذا الصعيد ـ لم يصب فى إناء هوى أصحاب المنتدى، وهذا ما يعنى بأنه لن تكن هناك رغبة مستقبلية فى نفوسهم لإشراكي فى برنامجهم المرسوم، وذلك للإختلاف البائن ـ بما لا يدع مجال للشك ـ بين مسارهم، وقناعاتهم، ووسيلة نضالهم التى إختاروها لتحقيق الأهداف الوطنية المأمولة، وبين قناعاتي الخاصة فى هذا الإطار.

وعلى الصعيد الآخر، فقد أزال إنحراف الندوة المذكور، وما تخلله من إصرار هيئتها على صحة مسارها، ذلك الأمل الذى دغدغ مشاعري عند قراءتي لصحيفة دعوتها، وما حملت من نقاط قيمة تستحق كل الدعم والتأييد. وجعلني ذلك ـ فى حينه ـ أرى بأن ذلك الموقف الواضح فى مسار توجه أصحاب المنتدى لا يترك لي مجال آخر سوى إعتبار علاقتي بالمنتدى قد آلت إلى فراق  يفرضه حكم القناعات المختلفة بيننا فى هذا المجال.

وهكذا، على الصعيدين السابقين، توقعت أن تنتهى صلتي بذلك المنتدى الذى حدد أصحابه منذ البداية بأنه ليس حزب أو تنظيم، وإنما هو مجرد قاعدة تتبنى كافة أطياف المعارضة الليبية بمختلف إنتماءاتها ومعتقداتها فى سبيل تحقيق حلم شعبنا لمستقبل زاهر.

وقد أخطأ حدسي على مستوى الصعيد الأول، حيث كانت المفآجأة غير متوقعة، عندما وجه لي أصحاب المنتدى، بعد مرور أسابيع قليلة على إنعقاد تلك الندوة، دعوة لحضور إجتماع سري مقصور على عدد قليل من الأشخاص، وذلك لمناقشة السبل التى سيتبناها المنتدى فى خطة عمله !.

وعولت هذه الدعوة إلى أن أصحاب المنتدى ـ لسبب أجهله ـ يرغبون فى تفعيل برنامج عمل مبني على ـ تلك ـ النقاط التى إرتكز عليها إنشاء منتداهم، وهذا ما شجعني ـ مجدداً ـ لقبول حضور ذلك الإجتماع وما تلاه من إجتماعات مماثلة، وذلك حتى أُساهم فى هذا العمل المرجو منه خدمة قضية وطننا، مسقطاً بذلك حساباتي التى أكتنفها رأيي على مستوى الصعيد الثاني.

 

*  *  *

 

إجتماعات سرية فى غاية العلن ..

توجهت فى اليوم المحدد لذلك الإجتماع إلى لندن، وكان فى إستقبالي فى محطة قطارات كنجز كروس Kings Cross الأخ جمعة القماطي، ليصطحبني فى سيارته إلى مقر الإجتماع الذى أخذ له مكاناً فى غرفة صغيرة فى الطابق الثاني لأحد المراكز الإسلامية التى تعج بها مدينة لندن.

ولم يمض ساعة على وصولنا لمقر الإجتماع حتى أكتمل نصاب المدعوين الذين تقاطروا الواحد تلو الآخر بعدد لم يتجاوز الخمس عشرة نفراً، كان من ضمنهم أربعة من الأعضاء المؤسسين للمنتدى، هم عاشور الشامس وتميم عصمان وجمعة القماطي والنعمان بن عثمان، وكان من بينهم ثلاثة من أقطاب جماعة الأخوان المسلمين وهم الدكتور الأمين بلحاج (المتحدث الرسمي لجماعة الأخوان) وناصر المانع والسنوسي بسيكري، أما بقية الحاضرين الذين كان عددهم يتناقص أو يتغير من إجتماع لآخر، فقد حضر منهم كل ـ أو على الأقل إحدى ـ الجلسات التى شاركت فيها، حسن الأمين وعيسى عبد القيوم وسمير بن علي وسليمان دوغة وآخرين.

 

أستهل عاشور الشامس الإجتماع الأول بكلمة شرح فيها طبيعة ذلك الإجتماع وما سيليه من إجتماعات مماثلة، بأنها تهدف إلى بلورة الأفكار والآراء المختلفة للحاضرين فى نقاشات تدور حول تحديد الوسائل والسبل المناسبة للعمل على نهضة قضية بلادنا.

ثم أكد ـ الشامس ـ للحاضرين على الإلتزام بالحفاظ على سرية هذه اللقاءات، وطيها فى أرض الكتمان ! ومن المفارقات العجيبة، فى هذا الصدد، أنه لم يكد يحط بي الرحال فى مدينتي، ومضي أيام قليلة على عودتي من ذلك الإجتماع، حتى تلقيت مكالمة من صديق يحدثني بأمر إجتماعات سرية يجرى إنعقادها ـ بين فترة وأخرى ـ تحت رعاية منتدى ليبيا للتنمية السياسية والبشرية فى لندن، والتى يشارك فيها عناصر مختلفة الإنتماءات من المعارضة الليبية فى بريطانيا ! ثم تكرر ـ هذا المشهد ـ على مدار الأسابيع والشهور اللاحقة من قبل أخوة آخرين، أكدوا وجود إجتماعات سرية يعقدها أصحاب المنتدى بمشاركة بعض من أفراد المعارضة الليبية فى بريطانيا، ويالها من سرية !.

 

سارت جلسة الإجتماع الأول وجلسات الإجتماعات التى تلتها فى إطار نقاشات يدور محور حديثها حول نهج الإصلاح ومدى جدواه فى ظل النظام القائم، بإستثناء جلسة واحدة، خصصت بكاملها للدكتور عبد المجيد بيوك (أحد مؤسسي المنتدى)، الذى حضر من أمريكا للمشاركة بحديث عن نشاطات المنتدى فى الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد حاولت فى كثير من النقاشات الدائرة لتلك الجلسات أن أؤكد للمجتمعين بأن العمل الوحيد المجدى فى إتجاه نصرة قضيتنا الوطنية والنهوض بها هو مد الجسور وتوثيق الصلة بالقاعدة الشعبية فى الداخل، وذلك من خلال برنامج عمل يسنح لبلورة وخلق حالة من التمرد المدني، وأشرت للحاضرين إلى واقع تجربة المعارضة الليبية السابق الذى فشلت عبره فى تحقيق الهدف الوطني المنشود المتمثل فى تغيير نظام الحكم القائم.

وأفضت فى القول للحاضرين بأن السبيل الوحيد أمام المعارضة الليبية ـ الآن ـ لإحراز موقع قادرٍ على فرض الإرادة الوطنية على النظام الحاكم وإجباره على الرضوخ للمطالب الشعبية سواء بالتنحى أو الإصلاح هو تعضيد شبكة إتصالها بالقاعدة الشعبية فى الداخل والقيام بتحريضها على التمرد والعصيان المدني من أجل إعادة حقوقها المسلوبة.

ودار نقاش حامي حول هذه النقطة خاصة فى الإجتماع الآخير ـ بالنسبة لي ـ والذى أنفعل فيه ناصر المانع دفاعاً عن وجهة النظر التى ترى بجدوى الإنصياع لسبيل الحوار مع النظام من أجل الإصلاح.

وقد شرحت فى ذلك الإجتماع لناصر المانع، ومن ثمة للحاضرين بأن لقاء إبن القذافي أو أي عنصر فى قمة نظام الحكم من أجل حثهم على الإصلاح، لن يؤد إلى أية فائدة ترجى، فالنظام لن يتنازل فى يوم عن إستراتيجيته فى التحكم بمقاليد السلطة أو إجراء أية إصلاحات وتغييرات أصيلة من شأنها رفع المعاناة عن الشعب الليبي.

وحاولت جاهداً توضيح مقدار الخطأ الجسيم الذى يحيط بأمر لقاءات البعض مع أبن القذافي وغيره من عناصر النظام، والتى لن تحقق، أية منفعة وطنية ـ كما يأمل أصحابها ـ بل أنها لن تقود إلاّ لتحقيق مصلحة النظام الذى يتخذ من هذه اللقاءات سياسة يهدف من ورائها إلى تفريق جهود المعارضة وتشتيت وحدتها، وذلك بتحييد بعض فرقها بقوة تخدير سياسة الإصلاح المزعومة.

وإن النظام لن ينصاع لأية مطالب يرفعها هؤلاء المعارضين الذين قبلوا الجلوس معه على مائدة الحوار، وإنجروا إلى لعبة التفاوض معه حول المطالب الوطنية، فالنظام يعلم قبل الجميع بأن هؤلاء لا يملكوا فى أيديهم أية قوة ترغمه على تحقيق مطالبهم أو أي جزء منها، علاوة على أن النظام لن يتنازل فى يوم عن أية مساحة من سلطاته أو سياساته التى تخدم إستراتيجيته فى التحكم والسيطرة على مقاليد الحكم لأحد، إلا إذا أُرغم على ذلك بقوة تجابهه وتهدد بقائه فى الحكم.

وأقترحت على الحاضرين أن يتجنبوا التفكير أو التعلق بأحلام جدوى فاعلية الحوار والتفاوض مع عناصر النظام لتحقيق الإصلاح، مُذكرهم بأنه لو كانت هناك نية لدى النظام فى الإصلاح لأقدم عليه ـ بذاته ـ وحقق لنفسه شعبية بين الجماهير المتطلعة لمثل هذه الإصلاحات، التى ما أنفك عن إطلاق شائعاتها منذ نهاية الثمانينات، دون إعطاء أية أهمية وإعتبار للمعارضة الليبية بالخارج ـ المهمشة ـ وغير القادرة على إحداث أدنى ضرر بحكمه.

فلماذا ـ إذن ـ يقوم هذا النظام بالتفاوض مع المعارضة فى الخارج ويمنحها قوة الحوار وحق التفاوض على إجراء إصلاحات كفيلة برفع شعبيتها ـ أي المعارضة ـ أمام الجماهير دون أن يكون هناك عوامل تدفعه أو ترغمه على مثل هذا الأمر ؟!.

كما قُمت بإفادة الحاضرين بأن هناك وسائل كثيرة يمكن لها خلق جسور الإتصال بالقاعدة الشعبية فى الداخل بغية تحريضها على العصيان المدني؛ والتى يمكن للمنتدى تبنيها من أجل تحقيق الغاية الوطنية المنشودة.

وعندما أحتد النقاش مع ناصر المانع حول جدوى الحوار مع النظام من عدمه، تدخل عاشور الشامس ـ بذكاء تفوق فيه على نفسه ـ مقترحاً أن أقوم بإعداد ورقة حول ـ هذه ـ الوسائل الممكن إتباعها لتكوين الصلة بالقاعدة الشعبية فى الداخل، وإبراز الخطوات التى من شأنها حث هذه القاعدة على التحرك نحو العصيان المدني. كما أقترح ـ الشامس ـ أن يشاركني فى إعداد هذه الورقة كل من ناصر المانع والسنوسي بسيكري، وأجبت على إقتراحه الأول بالموافقة، ورفضت إقتراحه الثاني.

بمعنى، أنني بكل ترحاب ـ كانت ـ تمليه علي رغبتي فى  المساهمة بعمل يسعى إلى خلاص وطني من غبن وجور النظام الفاسد، وافقته على كتابة تلك الورقة المطلوبة، التى ستحتوى على تفاصيل نوعية الوسائل والخطوات المقترحة ـ من جانبي ـ لتحقيق الأهداف المأمولة. لكني فى نفس الوقت لم أوافقه على إشراك ناصر المانع والسنوسي بسيكري معي فى إعداد الورقة التى من المفترض أن تكون أفكارها المفصلة نابعة من ذات فكري ومعلوماتي الخاصة.

ومن ثم فليس هناك أدنى معنى لإشتراكهما معي فى إعداد الورقة المعنية، خاصة أن الأخوين المذكورين على طرف النقيض فى قناعاتهما ـ سواء الخاصة أو الحزبية ـ من الفحوى التى ستتضمنها طيات هذه الورقة، لأنهما من الفريق المؤمن بحوار النظام لأجل الإصلاح، والورقة ستقدم نواة برنامج كفاح لتقويض هذا النظام.

وعندما لم يجد الشامس وسيلة قادرة على إقناعي بالمثول لرغبته فى هذا الصدد، أقترح بأن يقوم بسيكري والمانع بإعداد ورقة ـ مواكبة ـ تحمل رؤيتهما فى هذا الصدد !!.

وكُنت أتمنى أن يكون إقتراح الشامس برىء من الأغراض المبيتة، وأنه بالفعل كان يسعى إلى بلورة الأفكار المقترحة التى تحمل فى ثناياها خطوات لبرنامج عمل يتيح الفرصة لأصحاب المنتدى من مد جسور الوصال بالقاعدة الشعبية فى الداخل، ومن ثمة يمهد لفرصة خلق حالة التمرد والعصيان المدني كهدف منشود يحقق أهداف البلاد فى تغيير النظام القائم.

لكن واقع الحال ـ كان ـ يشير بما لا يدع مجالاً للشك بأن إقتراح الشامس كان مبيت النية، وغير صادق التوجه، فقد أظهر وأعلن عكس ما كان يبطن به !.

بمعنى، أن الشامس قد أتى بفكرة إنشاء المنتدى ـ منذ البدء ـ لغرض واحد لا غير، وهو خلق قناة جماعية تُسنده فى إطار حواره مع النظام الذى أبتدأه منذ سنوات خلت، وأنه كان يريد ـ بعد تأمين ثلة من المعارضين المرموقين يشاركونه فى تأسيس المنتدى ـ أن يوسع دائرة أعضاء المنتدى من بين الوجوه المعروفة أو تلك الجديدة على ساحة المعارضة، على أن يتم وضع هؤلاء ـ الآخيرين ـ تحت مسطرة الإختبار لإتجاهاتهم ورؤاهم، ومدى إختلافها مع توجهاته فى التقارب مع النظام الحاكم فى ليبيا من خلال خطة الإصلاح المزعومة.

ولهذا دعى الشامس بعض الذين يأمل فى أن يكونوا أعضاء فى منتداه ـ كُنت من بينهم ـ للمثول لخط المنتدى وتوجهاته فى السعى نحو تقوية أواصر العلاقة التفاوضية مع رموز النظام حول سياسة الإصلاح المزعومة.

وكان عدد هؤلاء المدعوين ـ كما أشرت أعلاه ـ فى تناقص وتغير فى كل إجتماع يمضى، وقد لاحظت، ثم عرفت، فيم بعد بأن غياب هؤلاء لم يكن بسبب ظروفهم الشخصية التى لم تمكنهم من حضور جلسات اللقاءات السرية اللاحقة ـ كما تم تعليله فى حينه ـ وأنما بسبب إقصاء مسطرة الشامس التى لم تر فيهم إقتناء للمعايير المناسبة والمطلوبة للمضي فى خط المنتدى وهدفه المرسوم.

بمعنى، أن الشامس كان يقطع الصلة والإتصال بمن يرغب فى إقصائه عن دائرة حضور تلك الجلسات التى من المفترض أنها أُقيمت لأجل إلتقاء الأفكار المختلفة التى تُساعد فى بلورة خطة سديدة لبرنامج عمل المنتدى، ولابد ـ فى هذا المنوال ـ من أن يكون الشامس قد حصل على موافقة أقرانه من مؤسسي المنتدى لممارسة مثل هذا الأسلوب غير السوي !.

وقد كُنت موقناً بأن الدور فى سياسة الإقصاء التى كان يتبعها الشامس ـ حتماً ـ سوف تشملني، لدرجة أنه ساورتني ـ فى بعض اللحظات ـ مشاعر من الحيرة، وأستحوذ على نفسي تساؤل لم ينفك عن إلحاحه علي فى البحث عن جواب مقنع له، وهو: كيف تسنى لي الإستمرار لحضور تلك الجلسات دون أن تطالني مسطرةالشامس الإقصائية مبكراً؟!.(*)

بعبارة أخرى، أن توجهي الواضح والذى عبرت عنه منذ بداية تلك الإجتماعات، والذى هو على خلاف بآئن من قناعات وتوجهات الشامس ورفاقه فى المنتدى، كان كفيلاً بإقصائي منذ البداية، مثلما حدث مع بعض الآخرين !. ولكن ذلك لم يحدث إلا حين وصلت الأمور بالنسبة لأصحاب المنتدى مفترق لابد من الإنفصال عنده، لأنه يتطلب الحسم بين أحد أمرين، إما أن أتبع توجههم المطروح، أو أن يتبعوا توجهي المقترح.

وهكذا كان، فقد نُلت صدق حدسي الذى بلوره ذلك الإجتماع الآخير ـ بالنسبة لي ـ والذى تم إقصائي بعده من حضور أو المشاركة فى نشاطات المنتدى. حيث قطع الشامس إتصاله بي بخصوص المنتدى أو بغيره، هذا على الرغم من أن ذلك الإجتماع الآخير قد إنتهى بطلب الشامس مني أمام الحاضرين وأمام كاميرا الفيديو التى كانت تصورنا، تقديم ورقة تتضمن إقتراحاتي حول السبل والوسائل التى تُمكن المنتدى من تكوين وإقامة الوصال مع القاعدة الشعبية بالداخل.

ورغم أن خطوة الشامس الإقصائية التى لابد وأن يكون أعضاء فريقه من مؤسسي المنتدى قد وافقوه عليها، كانت متوقعة منذ وقت مبكر بالنسبة لي ـ كما سبق الذكر ـ إلا أنني لم أكن أتخيل بأن تتم بصورة تدفع الشامس ومن معه إلى السير شوطاً بعيداً فى سلوكهم الذى فى أقل وصف له يمكن نعته بأنه أسلوب غير نزيه.

بمعنى، أنه فى الحالات العادية لابد لنا أن نرى الشامس ومن أتبعه من أشخاص موقرين يقدمون المثل الأعلى فى سلوكهم وتعاملهم مع الغير، خاصة فى نطاق حركة النضال الشريف الذي يمثلون فيها إحدى شرائح الصفوة المختارة، حيث تملي عليهم مكارم الأخلاق والنزاهة والشرف أمام أنفسهم وأمام الغير أن ينأوا بأنفسهم عن تبني الأساليب الملتوية وغير الشريفة فى التعامل مع الآخرين، خاصة مع رفاق درب النضال.

ولكن الشامس ومن معه، والذين تصدحك أبواق حناجرهم فى شجب أساليب النظام غير النزيهة وغير الأخلاقية فى ممارسته اليومية مع المعارضة الليبية بشكل خاص، ومع الشعب الليبي بشكل عام. ليسوا بمنأى عن تلك الممارسات التى لجأوا إليها فى تعاملهم مع بعض المعارضين الذين أبدوا لهم آراء لا تتجانس ورؤاهم.

بمعنى آخر، أن ذلك الأسلوب الذى أتبعه الشامس ووافقه عليه رفاقه لا يدل على وجود أية نزعة أخلاقية فى طياته، ولا فى نهجه السلوكي إزاء الآخرين.

وكم كُنت أتمنى من الشامس أن يلجأ إلى قوة الشجاعة الشريفة فى تسيير دفة منتداه، ويتبنى الصدق والوضوح والشفافية التى كثيراً ما يطالب الغير بالإنصياع لها. لو فعل ذلك لكُنت ـ فى حينه، وبعدئذ ـ سأحترمه ومن معه.

وكم كُنت أتمنى من الشامس أن يجنح لمقارعتي برأيه أمام الحاضرين لتلك الإجتماعات، ويوضح أمامهم بكل صراحة أن رأيه مخالفاً لرأيي، وإن توجهه ـ الذى أراده لذلك المنتدى ـ يختلف عن رؤيتي التى طرحتها فى تلك الإجتماعات. لو فعل ذلك لأحترمت شجاعته، ورأيه حتى وأن كُنت أختلف معه فيه.

وياليته أعلمني ببسالة المناضل النزيه بأن وجهة نظري لا تلائم وجهات نظر أصحاب المنتدى وخطهم المرسوم، وإن وجودي غير مرحب به، وغير مرغوب فى إستمراره ضمن كيان ذلك المنتدى.

لو كان الشامس فعل ذلك، لنال مني خالص الإحترام والتقدير، فهو بذلك يكون قد عبر عن أنه صاحب توجه واضح، يرى فيه وسيلة ناجحة لتحقيق أهداف القضية الوطنية، ولا يحبذ ـ فى المقابل ـ من الغير أن يفرضوا وجهات نظرهم عليه أو يغييروا من سياق أتجاه تطلعاته وأهدافه.

ولو فعل ـ الشامس ـ ذلك، لظل فى نظري ذلك المعارض الذى يجاهد من أجل نصرة قضية عادلة يتبنى لها الوسائل التى تعكس أبعاد تفكيره ورؤاه بغض النظر عن مدى صوابها من عدمه.

لكنه أبى إلاّ أن يسقط فى مغبة المحاذير التى كان يرفعها شعاراً له أمام الآخرين، ليتبع أسلوب الإقصاء وقمع الرأي الآخر.

والخلاصة فى هذا الصدد، أنه ليس هناك إرغام ـ من قبلي ـ لتبني وجهة نظري فى تحقيق الوصال مع القاعدة الشعبية، وليس هناك إرغام للشامس أوغيره على عدم الإلتقاء بأقطاب النظام ومحاورتهم فى أي شأن يرونه ـ من وجهة نظرهم ـ يخدم قضية الوطن، فالقرار فى نهاية اليوم يرجع أمره للشامس ورفاقه فى المنتدى، ولن يستطع أي أمرءٍ مهما بلغت قوة حجته أن يرغمهم على تغييرآرائهم أو توجهاتهم السياسية، ولكن هناك أمراً واحداً لا يقبله المرء ويقف أمامه رافضاً ومستهجناً أصحابه الذين يتبعونه، وهو إستعمال الوسائل الملتوية وغير النزيهة فى قضايا يحكمها الحوار الفكري وتبادل الآراء بالوسائل السلمية.

 

وهكذا ـ وللأسباب المذكورة أعلاه ـ إنتهت صلتي بالمنتدى بعد ذلك اللقاء الذى أنعقد فى نهاية خريف سنة 2003م، وكان تقييمي له بأن الشامس عندما لمس بأن وجهة سير المنتدى ـ المخطط لها مسبقاً ـ فى تلك اللقاءات السرية قد بدأت تأخذ لها منحى مختلف عن الأهداف الأساسية التى أُنشى من أجله ذلك المنتدى، فأنه أتخذ قراره بإقصائي من حضور تلك الجلسات، ومن ثم مشاركتي فى نشاطات المنتدى المأمولة.

وذلك لأني لم أقوم بإبراز الأدلة والشواهد على خطأ توجه أصحاب المنتدى فى ألإقتراب من النظام ومحاورته من أجل الإصلاح، بل الأدهى من ذلك لأني أقترحتُ برنامجاً مناقضاً لأهدافهم الأساسية المرسومة، وذلك من خلال محاولتى إقناع الحاضرين بتحويل تلك الأهداف لخطة عمل ترمى إلى نقل الصراع مع النظام فى الداخل عبر القاعدة الشعبية القادرة على حسم نتائج هذا الصراع، وليس عبر كواليس الحوار مع أقطابه فى لندن وباريس والمغرب وسويسرا وكندا وغيرها من مدن وبلاد العالم المتفرقة.

وقد كان الشامس فى تلك اللحظة التى طلب مني فيها إعداد ورقة بإقتراحاتي ـ المنوه عنها ـ فى ذلك الإجتماع الآخير، كان قد أتخذ قراره القاضي بإقصائي، بعد أن توصل إلى قناعة تامة بأنه ليس هناك مكان لي فى ذلك المنتدى، لكنه تجلد ببرود ـ يُحسد عليه ـ ودعى الأمر يجرى فى سياقه الطبيعي؛ وحاول، فى نفس الوقت، إقحام المانع وبسيكري لمشاركتي فى إعداد الورقة المشار إليها، وذلك ليس بغرض مساعدتي فى إعدادها، لأنه يعلم ـ قبل غيره ـ بأن الإقتراحات التى ستتناولها الورقة المعنية ـ كما أسلفت ـ هى من صلب أفكاري ولا يعلم الأخوين الآخرين عنها شيئاً.

ولكن غرضه من وراء ذلك كان يكمن فى معرفة كنه تلك المقترحات التى ـ كان يعلم وبتدبير منه ـ أنها لن تر النور فى الجلسة القادمة التى لن أكون أحد حاضريها، وذلك بعد إقصائي من حضورها.

ومن هنا فقد كان الشامس يأمل أن يعود إليه المانع ورفيقه بتفاصيلها بعد تبادل الآراء ـ حولها ـ معي فى فترة الإعداد المقترحة، وقد سقط فى يد الشامس عندما رفضت إشراك الأخوين المذكورين فى إعداد تلك الورقة.

وهكذا، أنتهت صلتي بالمنتدى الذى قطع صاحبه ومن فى معيته الإتصال بي ـ بشأنه ـ منذ ذلك الإجتماع الآخير الذى طالبني صاحبه بإعداد ورقة عمل ستكون محور النقاش فى الإجتماع المقبل !!.

ويُعد ما حدث فى تلك الإجتماعات، وما ترتب عنه من ممارسة لتلك السياسة الإقصائية أكبر الأدلة ـ قاطبة ـ على تضييع فرصة أخرى لعمل وطني من قبل ثلة من المعارضين الليبيين الأشاوس، بإدارة ظهورهم كسابقيهم لفرص مماثلة ـ ربما ـ كان فيها صالح الوطن، وركبوا صهوة إصرارهم على تبنى طريق لن يفض إلاّ لمزيد من خيبات الأمل التى ما أنفكت تنهال على حركة النضال الوطني.

 

يتبع...

 

فرج الفاخري

faraj25@hotmail.co.uk

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) لعل التفسير الوحيد ـ والذى أستبعده حتى وإن جالت خاطرته فى بالي ـ لإستمراري فى حضور تلك الجلسات دون إقصائي منذ البداية، ربما يرجع لرغبة الشامس فى الحصول على نموذج ـ موثق ـ لأصحاب أقصى حدود الرأي المخالف لتوجهه، عن طريق رصده بالتسجيل المصور الذى تلتقطه له كاميرة الفيديو التى زرعها فى داخل تلك الإجتماعات المذكورة، وذلك لإبرازها ـ عند الحاجة ـ إلى إبن صاحب النظام وغيره من أقطاب القمة فى ذلك النظام الفاسد، لعلهم يراعون ويقدرون موقفه الموانس والمهادن، مقارنة بالمواقف الأخرى المتشددة والمتطرفة، والتى لن ترض فى مطالبها بأقل من إسقاط النظام والقضاء عليه، وأنه ـ أي  الشامس ـ يكابد الأمرين من أؤلئك المعارضين لتوجهه، والذين تُبين الإجتماعات المسجلة بكل وضوح ـ من خلال عينة من آراء بعضهم ـ كيفية تماديهم فى معارضة النظام، للدرجة التى يسعون معها إلى التخطيط لخلق حالة التمرد المدني فى الداخل لتقويض أركانه !.

ولذلك فعلى النظام أن يراعى موقفه ـ أي موقف الشامس ـ الحرج، وإيلائه الإعتبار المناسب فى حواره مع عناصر النظام، وتقدير موقفه المرن، بمرونة مشابهة يبدونها فى هذا الصدد، ويتم من خلالها تحقيق بعض المطالب المرفوعة منه، والتى قوبلت حتى تلك اللحظات بالتسويف والمماطلة والمناورات المحسوبة !.

وهذا التصور ـ السابق ـ لا يعدو كونه تحليل مبني على معلومات من مصادر موثوقة أشارت إلى أن الشامس فى لقاءاته بأبن صاحب النظام كان سخياً فى الإدلاء بالمعلومات حول أقطاب المعارضة عندما كان يسأله أبن صاحب النظام عنهم !.

وإن الشامس، علاوة على لقاءاته السابقة بأبن صاحب النظام وبالسفير الليبي فى لندن، قد ألتقى بأكبر مسؤول أمني فى قمة ـ هرم ـ النظام الفاسد، وهو موسى كوسا ! وهذا الأمر إذا صح حدوثه، فأنه لا يمكن، بأي حال، إعتباره أو تصنيفه ـ فى دائرة العقل السوي ـ على أنه خطوة سديدة فى إطار سياسة الحوار من أجل الإصلاح التى يتبناها الشامس ومن معه. وذلك لأن هذا الشخص ـ كوسا ـ مخضبة يداه بدماء الليبيين الأبرار، ومسؤول عن إعتقال وسجن مئات من الليبيين الشرفاء، وهو ـ لمن لا يعرفه ـ المسؤول الأمني الأول فى تركيبة هذا النظام الفاسد.

ومن هنا، فإن أي لقاء يجريه أحد عناصر المعارضة الليبية بموسى كوسا، لن تكن نتائجة ـ القيمية ـ سوى تحقيق فوائد أمنية لصالح النظام الفاسد، الذى يسهر هذا الآثم على حمايته، وذلك لأنه ـ بطبيعة عمله الذى يحكمه ويتحكم فيه ـ لا يلتق بعناصر المعارضة الليبية إلا من أجل الحصول على معلومات تفيده فى إنجاز وظيفته المكرسة لخدمة النظام الفاسد وترسيخ إستمراريته.

وجدير بالذكر فى هذا المنوال، أن الشخص المطلع على تلك اللقاءات بين الشامس وسيف ثم بين الشامس وكوسا، قد صرح لي بأن الشامس لم يكن الشخص الوحيد الذى التقى ذلك الكوسا، فقد سبقه إلى ذلك النعمان بن عثمان الذى كانت تربطه بكوسا وبعبدالله عثمان ـ رئيس مركز دراسات الكتاب الأخضر ـ علاقة وثيقة، أستطاع النظام تسخيرها لفائدته التى تجلت بوضوح فى تصريحات النعمان المناهضة للمعارضة الليبية عقب إنعقاد المؤتمر الوطني فى صيف سنة 2005م، وذلك من خلال وسائل الإعلام العربية المقروءة والمرئية، والتى وصلت حدتها إلى إتهامهم بالخيانة والعمالة، فى إمتثالِ صارخ لأوامر أصحاب النظام الذى ربطته بهم علاقة مريبة !.


     
     
     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home