Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Sunday, 22 April, 2006

     

الهزيمة (2)

فرج الفاخري

الجزء الثاني 

ويالها من خيبة أمل عظمى ـ تلك ـ التى ستردنا على أعقابنا

مدحورين بسبب فجاجة مغالطته التى أتسعت رقعتها على الراتق.

 عينة من رحم بينة ..

ولعله من المناسب هنا، أن أُقدم عينة مختارة من مغالطات عبد القيوم فى مقالته المنوه عنها، حتى أتمكن من ختم هذه المقالة التى طال حديثها الساعى للوصول إلى المرمى ـ المنشود ـ الذى فرض أمر كتابتها.

سوف أقدم فيم يلي نموذجاً صغيراً تم إقتطاعه من مقالة عبد القيوم المليئة بالمغالطات العديدة الفادحة تجاه فكر أصحاب المبادىء الأصيلة، والتى سيتم التعقيب عليها أدناه. وقد إخترت فقرة واحدة من المقالة المنوه عنها، للتدليل على نوعية الإسلوب غير الأمين الذى إنتهجه عبد القيوم فى هذا الصدد. ولم أرغب فى مواصلة تحليل ما جاء فى بقية مقالته المعيبة، رأفة بالقارىء من الإطالة، وشفقة بعبد القيوم الذى نال كفايته فى هذا الخصوص. 

بطريقة خادعة، وغير أمينة، صور عبد القيوم نفسه، فى سياق تبرير مصاحبته لبعض أذناب النظام الفاسد، بأنه ـ أنما هو ـ ذلك (الآخر المختلف !) المعرض للحكم عليه بإحدى ثلاث صفات: العمالة، أو الجهل، أو الإرتشاء. ثم دعى القارىء لإكتشاف عدم موضوعية هذه الأحكام من خلال عرضها على (المنطق السياسي السوي !).

وبدون أن يوضح لنا عبد القيوم كنه (منطقه السياسي السوي !)، وأن يُعرفنا بالديناميكية والمعايير والمقاييس التى يعمل من خلالها، نجده ـ عوضاً عن ذلك ـ يوجه السؤال التالي: هل يوجد سياسي فى العالم لا يتعاطى مع الآخر بشكل ما ؟. ثم يلحقه بسؤال آخر: هل توجد قضية من قضايا العالم حلت عبر التصنيفات الثلاثة سالفة الذكر ؟. ويذهب عبد القيوم أبعد من ذلك ـ حسب تعبيره الحرفي ـ بتوجيه سؤال ثالث يقول فيه: هل صنف الأنبياء والمرسلين مخالفيهم تحت طائلة الصفات الثلاث السابقة ؟.

وفى نهاية الفقرة التى تم إختيارها كعينة لرصد المغالطات التى عجت بها مقالة عبد القيوم، نجده يصيح بكلماته المكتوبة: " أفيقوا أيها الناس فإنكم بهذا الكلام إنما تمارسون عملية عزل لمناهجكم وبرامجكم، بل ولرموزكم، وتسوقون فكرة بوليسية عن العلاقة بالآخر، وتصيبون مبدأ الحوار فى مقتل عندما تخلطون بينه ـ كآلية تواصل ـ وبين نتائجه ! ". (أنتهت الفقرة) 

***** 

التعـقيب

لو أمعنا النظر فى الصفات أو الأحكام الثلاث، التى حددها عبد القيوم فى الفقرة المدونة أعلاه كتهم يتم رشقه وتصنيفه بها، أو بإحداها من قبل مخالفيه، ورآها ـ فى هذا المنوال ـ غير منطقية، بسبب إعتدائها الصارخ على حرية الإختلاف. فإننا من وجهة نظر مبادىء الحق الأصيلة نجدها دقيقة فى تقديمها كنموذج معبرٍ عن موقفه الذى زج نفسه به؛ مع المراعاة ـ فى هذا الصدد ـ أن يستثنى منها ما يدخل فى نطاق دائرة الإتهام، ولا يملك الراشق بها أدلة قاطعة على إثباتها ( سيتم شرح هذه النقطة بالتفصيل أدناه).

ولعله من المنطقي ـ فى هذا الصدد ـ أن يتم لنا التسليم بأنه من حق أفراد المعارضة إستخدام ـ بعض ـ مثل هذه الأحكام فى حواراتهم وكتاباتهم إزاء كل من يتعامل مع أذناب النظام الفاسد، ولهم العذر فى ذلك بموجب وجهة النظر التى ترى بإن كل إمرء يعمل على بناء جسور المودة مع من ساعد رأس النظام المستبد (الظالم) فى الإستئثار بالسلطة، أو شبك أيديه بأيدى أعوانه الملطخة أيديهم بدماء الشرفاء من أبناء شعب ليبيا، أو كون علاقات حميمة مع الذين مكنوا رأس نظام الحكم الفاسد من الهيمنة على مقدرات الشعب الليبي، أو تسامر فى ود مع من تسببوا ـ متعمدين ـ فى إهدار ثروة الليبيين وإضاعة فرصتهم التاريخية فى تحقيق مجتمع الكفاية والرفاه، هو خائن لشعبه ولأمانة مبادىء الحق التى أراد الله من خلقه السير على هداها وصراطها المستقيم.

فهل لا يُعذر البعض إذا أعتبروا كل متحذلق ـ من بينهم ـ يهرع لتبادل الأحضان والود والمسامرة مع جلاديهم من أعوان النظام الكريه بأنه قد خان شعبه ؟ وهل لا يُعذر البعض إذا خونوا كل متفذلك ـ من بينهم ـ يسارع لمصاحبة هؤلاء المرتزقة الذين تسببوا فى شقاء الشعب الليبي على مدى سبع وثلاثون سنة كريهة ؟ وهل لا يُعذر البعض إذا صنفوا كل متشطر ـ من بينهم ـ يتبرع لسماسرة النظام من الإنتهازيين برصيف يفترشونه لبيع بضاعتهم الخاسرة بين المعارضين، بالخيانة ؟. 

*****

تهم تحتاج لأدلة ..

ولعل القارىء قد لا حظ ـ فيم سبق ـ إقراري بحق أفراد المعارضة فى إطلاق ـ بعض ـ الصفات اللغوية التى لم يذكر عبد القيوم فى مقالته إلاّ بعضها، والتى جعلها محوراً يدور حوله إحتجاجه على مطلقيها لأنها ـ من وجهة نظره ـ تنافى مبادىء حرية الإختيار الذى شرعه الله لكل إنسان فى هذه الحياة.

وإقراري هذا لا يأت نتاج فكر مستبد لا يبيح للآخرين الحق فى إختيار مواقفهم، وينعتهم أن فعلوا بصفات قاسية وجائرة قد لا يكن لها أساس من الصحة. لكنه نابع عن قناعة منطقية تقر بمشروعية تصنيف كل من صاحب أذناب النظام الذين إعتدوا على حقوق الأمة الليبية، وسلبوا شعبها فرصته التاريخية فى بناء مجتمع الكفاية والرفاه بالخيانة.

ولفهم المعنى المقصود، على القارىء الإمعان فى الصفة التى أخترتها لوصف أصحاب المواقف المحايكة لموقف عبد القيوم، فسيجد أنني قد ركزت على صفة الخيانة، وهى صفة ليست فى الأصل موجودة بين الصفات الثلاث (العمالة والجهل والإرتشاء) التى ذكرها عبد القيوم فى مقالته، والسبب من وراء ذلك أن العمالة والإرتشاء ـ فى نظري ـ صفتان يقع مدار حكمهما فى نطاق الإتهام، الذى لا يحق لإمرء إطلاقه على آخر دون أن يكون لديه الدليل المادي القاطع على صحته.

بمعنى، أنه يجب على الشخص الذى يتهم آخر بالعمالة أن يقدم الدليل القاطع على عمالته التى إتهمه بها، وهذا يتطلب فى جوهره أدلة مادية لا يرقى الشك إليها. والعمالة تتم عادة عندما يقوم شخص بنقل معلومات أو أسرار تؤدى إلى إلحاق الضرر بالطرف المتآمر عليه مقابل عوائد عينية أو مادية مغرية. والعمالة تُعد نشاط وضيع لا يقم به إلاّ أصحاب النفوس الخسيسة، وإذا قام إمرء ما بالعمالة لجهة أجنبية فهذا يدخله فى دائرة أحكام خيانة الوطن (سيتم شرح خيانة الوطن أدناه).

والإرتشاء (هو أيضاً) يحتاج من الشخص الذى يتهم غيره بتقاضى الرشوة أن يقدم الأدلة الساطعة على إتهامه بها. والمرتشي ـ فى هذا الخصوص ـ يقوم بتقديم خدمات غير شرعية، وغير قانونية، وغير أخلاقية لمن رشاه، وهو عمل خسيس لا يقم به إلاّ الشخص الوضيع.

بينما صفة الجهل، من جهة أُخرى، تُعد مدلول قياسي يختلف حكمه من فرد لآخر بحسب إختلاف المستوى الثقافي والعلمي والعملي للمتناظرين حول موضوع ما. ومن جانب آخر، يختلف قياسها على الشخص المعنى بحسب الموقف الذى يواجهه، حيث نجد سلوك شخص ما تجاه موقف معين يتسم بحسن التصرف والقدرة الفائقة على التفكير السليم، وذلك لأنه يملك فى هذا الصدد المعلومات الكافية التى تُعينه على حسن سلوكه وتصرفه إزاء الموقف المعنى. بينما نجد ذات الشخص فى موقف مختلف لا يملك له ـ ما يعينيه على تجاوزه ـ من المعلومات أو المعرفة، سوف يتصرف فى صدده بحماقة الجاهل، وهكذا.

فعلى سبيل المثال، نجد الطبيب ـ فى هذا المنوال ـ لا يستطع حياكة بدلة، والميكانيكي لا يستطع المرافعة فى قاعة المحكمة، فى نفس الوقت الذى لايستطع فيه الميكانيكي مداوة المريض، أو حياكة بدلة، ولا يستطع المحامي من ناحية أُخرى إصلاح سيارة، أوحياكة بنطلون، ودواليك. فالجهل هنا نسبي، فلا يوجد جهل مطلق، كما أنه لا يوجد شخص يملك معرفة كافة العلوم المختلفة، وخبرة مختلف الحقول الحرفية والمهنية المتعددة، فكل إمرء يصيبه نصيبه من الجهل فى موقع معين. 

*****

متحذلقون فى بلاط الخيانة ..

ونصل بهذا إلى ضالتنا المنشودة التى يدور حولها التصنيف الذى أعتقد بأنه أكثر الصفات ملائمة لإطلاقه على الفئة التى وطدت علاقاتها بأعداء الشعب الليبي وهو الخيانة، التى هى ـ من ناحية ـ متشعبة إلى عدة أوجه، ومن ناحية أُخرى متدرجة إلى عدة مستويات.

ولتوضيح صورة أوجه تشعب الخيانة ومستوياتها المختلفة، فلنأخذ على سبيل المثال الخيانة الزوجية، التى يختلف مفهومها ويتدرج من مجتمع لآخر، فالرجل فى بعض المجتمعات يفاخر بخيانته الزوجية، ولا يمسه أدنى سوء من جرائها، بينما يتم قتل المرأة لمحو العار ومدارة الفضيحة عندما تفعل المثل ! وفى مجتمعات أُخرى يتساوى الزوج والزوجة فى نظرة المجتمع لهما فى إطار خيانتهما لرباطهما المقدس (الزواج)، وفى هذا الصدد، لا يلحق بهما ضر أو عقاب جراء ممارستهما لفاحشة الزنا فى اثناء فترة زواجهما.

وهناك خيانات أُخرى عديدة فى هذا الصدد، مثل خيانة الأمانة وخيانة العهد .. إلخ. ولكن الذى يهمنا هنا هو الخيانة السياسية، والتى تتدرج من حيث عارها أو عقابها بحسب نوع العمل الذى يقوم به الفرد المطعون فى أمانته، فخيانة الوطن تختلف عن خيانة حقوق الوطن، وخيانة الحزب أو الجماعة السياسية تختلف عن خيانة العضو النيابي لمرشحيه من أبناء دائرته، وهكذا.

غير أن مجال حديثنا سوف ينصب تركيزه حول خيانة الوطن، وخيانة حقوق الوطن، فالأولى عارها لا يُطال صاحبها بمفرده، بل ينسحب ـ فى غالب الأحيان ـ على أسرته وسلالته، وتكون عقوبة جانيها الموت المحقق. والثانية ـ فى معظم الأوقات ـ يفلت أصحابها من وصمة عارها ومن جزاء عقابها، هذا على الرغم من أن أضرارها لا تقل بحال عن الأضرار التى قد تنجم عن خيانة الوطن، بل فى معظم الحالات تتعداها بمراحل شاسعة (ليبيا تحت حكم النظام الفاسد خير مقياس يمكن أن يستشهد به).

وخيانة الوطن لها عدة أوجه، منها على سبيل المثال، إضرار أحد المواطنين بمصالح بلاده عن طريق إفشاء أسرارها، أو أن يقوم بأعمال مفسدة لصالح عدو أجنبي، أو العمالة والتجسس على وطنه لصالح جهات أجنبية.

إما خيانة حقوق الوطن، فهى تطرأ عندما يفرط الفرد أو الجماعة فى مكتسابات بلادهم ومقدراتها ويتسببوا عمداً فى تبديد ثرواتها، أو يعملوا على وقف عجلة تقدمها، أو يدحرونها إلى تخلف وفقر مدقع عن قصد ونية مبيتة. 

ولعل المعايير السابقة التى تشكل كنه خيانة حقوق الوطن ينطبق أوصافها بحذافيرها على رأس النظام الفاسد وأبنائه وأذنابه. ومن هنا، يمكن القول بأني قد أستمديت من منوال خيانة أذناب النظام ورأسهم الفاسدة لحقوق وطنهم، الحق فى تخوين الفئة التى تتعامل معهم وتقيم علاقة بهم على حساب تحقيق إجماع المعارضة الليبية، وعلى حساب نصرة الشعب الليبي وإنتشاله من هزيمته التى أنزلها به هؤلاء الرذلاء.

ولهذا، فقد ركزت على صفة الخيانة (بمعنى خيانة حقوق الوطن) التى لم يذكرها عبد القيوم فى تصنيفاته الثلاثة، والتى رآيتها الصفة الوحيدة التى يمكن لمنتقديه من أفراد المعارضة إطلاقها دون ذرة من غضاضة فى النفس أو حرج. والسبب يرجع إلى أن صفة الخيانة فى هذا الصدد تتوافق مع موقف عبد القيوم وغيره من الذين إختاروا مصاحبة أذناب النظام، فهم بتصرفهم هذا قد خانوا أمانة الأمة المتمثلة فى عدم التهاون فى حقوقها ومكتساباتها، والتى منها محاسبة أذناب النظام على جريمتهم التى تسببت فى إهدار أكبر فرصة، وربما هى الفرصة الوحيدة للشعب الليبي فى تاريخه الحديث لإقامة دولة يسودها العدل والمساواة والرفاه.

***** 

سياسي برتبة معارض، أم معارض فى زي سياسي ..

لكل ما سبق، لم يكن لعبد القيوم الإستشاطة غضباً لنقد أصابه من جراء سلوكه المطعون فيه، ولم يكن له أن يهدر وقته فى رصد  ـ كم من ـ المغالطات الفاضحة التى بناها على أساس من التهم المنتقاة من سلته الكلامية المغرضة، من أجل تبرير موقفه الذى يستحق عليه اللوم والتقريع بجدارة تامة.

وكان الأحرى بعبد القيوم ـ فى هذا المضمار ـ أن يتوقع الملامة والنقد والتنديد من كل ليبي غيور على مبادىء الحق التى كلف الله بها عباده الطاهرين، وكان على عبد القيوم أن يتوقع إستهجان موقفه المريب من قبل كل ليبي إستظل بأصالة إيمانه بعدالة قضيته الوطنية. 

ومن جانب آخر، لا أعلم على وجه الدقة سبب زج عبد القيوم بأسئلته الثلاث المذكورة أعلاه، فى سياق تبريره لأمر إقترابه من أذناب النظام الفاسد، فالأسئلة المعنية لا تمت إستفساراتها لموقفه بصلة تذكر.

فمثلاً، فى سؤاله الأول يقول: هل يوجد سياسي فى العالم لا يتعاطى مع الآخر بشكل ما ؟. ولو حاولنا هنا، التدقيق فى هذا السؤال، ومحاولة ربطه بالتعليل الذى لجأ إليه عبد القيوم فى هذا الصدد، فإننا سنجد أنه لا شأن للسياسي بالموقف قيد الحديث قط، أي أن عبدالقيوم ليس سياسياً أو محترفاً للسياسة!.

وفى هذه اللحظة بالذات، أطلب من الله أن يُسامح الدكتور إبراهيم اغنيوة، على عبارته (الكاتب الليبي) التى يُصر على وضعها فى أعلى المقالات المنشورة بصفحة آراء وأخبار، فى موقعه ليبيا وطننا، والتى تسبق أسماء أصحاب المقالات المنشورة، فقد غررت ـ هذه العبارة ـ بالكثير من أصحاب الكتابات المتواضعة، الذين ركب بعضهم صهوة الإعتقاد الخاطىء بأنهم كتاب حقيقيون، فأنهالوا علينا بإسهال لغوي يحمل لنا فى مضامينه تحليلات وتنظيرات عجيبة، مستخدمون ـ فى أقلها سوءاً ـ بعض المصطلحات اللغوية فى غير محلها المناسب، وذلك بتحريض ماكر من عقولهم التى تأمرت عليهم بعد أن ضاقت ذرعاً بحنق نفسها من عدم درايتها بالمعانى الحقيقية المقصودة بتلك المصطلحات. وهذا مع الأسف أحد عيوب الإنترنت القليلة، التى أعادت ـ لنا ـ رواد الصحف الحائطية لنشر كل ما تتفتق عنه أذهانهم البسيطة، بسهولة لا يتعدى مداها لمسات من الأصابع على لوحة مفاتيح الأحرف فى أجهزة كومبيوتراتهم.

بمعنى آخر، أن عبد القيوم ـ مثل بعض الكتبة الآخرين الذين يستخدمون مصطلحات لغوية فى غير محلها ـ قد خلط بين السياسة كحرفة ومهنة يرتزق صاحبها منها عند إشتغاله بأحدى وظائف الحقل السياسي المتعددة، وبين السياسة كشأن يظل بسقفه القضايا السياسية المختلفة.

وفى واقع الأمر، إن كلمة (سياسي) تُعطى فى مدلولها اللغوي معنى المهنة التى يرتزق منها صاحبها عند إحترافه للعمل السياسي، وهى فى هذا المضمار الوظيفة السياسية، مثل وظيفة الوزير، ورئيس الحكومة، ورئيس الدولة وغيرها من الوظائف التى يدور عملها فى صلب السياسة وحولها.

وهناك مهن أُخرى لها علاقة وإرتباط بالسياسة مباشرة، لكنها لا تخلع على أصحابها صفة السياسي، مثل المحلل السياسي، والكاتب السياسي، والباحث السياسي وغيرها من بقية المهن التى ينطبق عليها المعنى المقصود فى هذا السياق.

وليس بالضرورة ـ فى هذا الخصوص ـ أن يكون السياسي متفقه فى السياسة وشئونها، أو صاحب خبرة فى مجاله الذى يعمل به ! فهناك رؤساء دول وحكومات، ووزراء، وبرلمانيين، تم إنتخابهم أو تعيينهم فى وظائفهم السياسية، دون أن يكون لهم دراية أو خبرة بالعمل السياسي، بل أن الأدهى من ذلك، هناك سياسيون لا يفقهوا فى السياسة شيئاً على البتة، وتولوا مراتب سياسية رفيعة فى دولهم (على سبيل المثال: جورج بوش وعبد الرحمن شلقم).

وكما تُشير كلمة سياسي فى مدلولها اللغوي على الجانب المهنى لمحترف العمل السياسي، فإنه ـ من جانب آخر ـ تُشير كلمة (معارض) إلى الشخص المناهض لأسلوب حكم أحد الأنظمة السياسية، أو لنهجها المستبد، أو لسياساتها المنحرفة.

وهناك أحكام سائدة تنظم عمل وأداء المعارض والسياسي، كل على حدة؛ فالأحكام التى يُنجز على ضوئها السياسي عمله، تختلف عن تلك التى يعمل المعارض بمضامينها. حيث نجد أنه فى الوقت الذى يقوم فيه السياسي ـ بما تقتضيه مصالح دولته ـ بالتلون فى آرائه، والتغير فى توجهاته، وعدم الثبات فى صداقاته أو عدواته على السواء، كأن يصبح عدوه بالأمس صديقه فى اليوم التالي، أو ينقلب صديق البارحة إلى عدو الغد. فإننا نجد من الجهة الأُخرى، المعارض لا يُحيد عن أحكام مبادئه التى دفعته إلى مناهضة النظام المعنى.

ومن الصحيح أن السياسي لابد له من التعامل مع أنداده الرابضين على الطرف الآخر من وجهة النظر المختلف حولها، فهو فى هذا الإطار، لا يملك ـ أحياناً ـ إختياراً آخر حيال ضرورة محاورتهم، بكل الإختلافات البائنة التى تفصله عنهم فى وجهات النظر المطروحة بينهم.

بعبارة أُخرى، إن السياسي مرغمُ ـ بحكم مقتضيات مهنته ـ على الجلوس مع ألد أعدائه للتفاوض حول القضايا المشتركة بينهم، بغض النظر هنا عن أوجه الإختلاف التى تصبغ مواقفهما المختلفة من القضايا المعنية. وهو فى هذا الإطار، إنما يؤدى مهام وظيفته الملكف بها، والتى يستخدم فيها كافة الأساليب والطرق التى تحقق مصالح بلاده فى هذا الشأن.

وهذا هو الفارق الفاصل بين أداء السياسي وأداء المعارض، حيث يؤدى الأول وظيفته التى تدور مهامها حول تحقيق أكبر قدر من مصالح وأهداف دولته، ويستخدم فى ذلك كافة الوسائل الممكنة للوصول إلى غايته. بينما على الجانب الآخر، يناهض المعارض نظام الحكم الظالم الذى يسيطر على مقاليد السلطة فى بلاده، من خلال مبادىء الحق الأصيلة، ويستخدم فى ذلك كافة الوسائل المشروعة فى نطاق المبادىء السامية التى شرعها الله له.

والسؤال الذى يلح بصورة مزعجة، لطرح نفسه فى هذا الخصوص، ويصر ـ من ناحية أُخرى ـ بصورة مقلقة، للحصول على إجابة شافية له من لدن عبد القيوم وشاكلته من أصحاب المنطقة الرمادية، هو: أين السياسي الذى أشار إليه عبد القيوم فى سؤاله السابق ؟. بمعنى، ما شأن السياسي بالمعارض الذى أدار ظهره لمبادىء الحق فى قضية وطنية واضحة الأبعاد ؟.

وحسب علم الجميع، فإن عيسى عبد القيوم لم يكن فى يومٍ سياسياً، حتى يستنجد بالأحكام التى تبيح له التلون فى موقفه الذى أتخذه إزاء القضية الوطنية المحددة المعالم؛ حيث يفترض فيه أن يكون معارضاً لحكم النظام الفاسد !.

ومن هنا، فإن ذلك لا يترك من ثمة للمرء المجال لقبول حجة عبد القيوم المتمحكة فى سلوك وتصرفات السياسي التى تم توضيحها أعلاه. ولا يجعل ـ فى هذا الصدد ـ من رفض إستشهاده السابق بمواقف السياسي وسلوكه إزاء قضايا الخلاف مع الآخر أمر مفروغ منه فحسب، بل الذهاب إلى إعتبار إستشهاده المذكور غير ذات معنى فى هذا الغمار، ولا صلة له بالموضوع الدائر الحديث عنه.

ومم سبق يمكن للمرء أن يرى بوضوح أن فى إستعانة عبد القيوم بمثل هذه الحجة لم يكن هو الإختيار الصائب، أو الموفق الذى عقد أمله عليه فى إسعافه ونجدته ـ ولو بقيد أنملة ـ من ورطته العويصة التى أوقع نفسه فيها.

***** 

لا حلول لقضايا، تجتمع لها سوء النوايا ..

وما ينطبق على سؤال عبد القيوم الأول، ينطبق بحذافيره على سؤاله الثاني الذي يقول نصه: هل توجد قضية من قضايا العالم حلت عبر التصنيفات الثلاثة سالفة الذكر ؟.

إن مثل هذا الهراء، يجعلني ـ فى بعض اللحظات ـ أتساءل عن جدوى الرد على صاحبه، لكن طغيان أحكام الضرورة تُرغم المرء وتجبره على وجوب الرد والتفنيذ، وذلك حتى لا يتم تشويه أطر قضيتنا الوطنية القائمة على مبادىء الحق السامية، بمغالطات يؤدى تجاهلها إلى ترسيخها كمسلمات فى أذهان البعض، ويتم ـ من بعد ذلك ـ البناء عليها. 

لقد صبغ عبد القيوم سؤاله السابق ببراءة الإستفهام الوادعة، وجعل الإجابة عليه فى لب الإستفسار ذاته، وجعل هذه الإجابة ـ من ناحية أُخرى ـ تبدو وكأنها مسلمة بديهية، لا يحتاج القارىء معها للبحث والتنقيب فى حقيقة صحتها من عدمه.

بمعنى، إن السؤال السابق لا يطلب من المرء البحث عن إجابة له، لأنه يحمل فى طيات ذاته إجابته التى صممها صاحبه ـ فى الأصل ـ خصيصاً للقارىء حتى يستشفها، ويُكون بها رأياً معاضداً له. وهو ـ هنا ـ يكرر نفس الأسلوب الذى إتبعه فى السؤال الأول وأيضاً السؤال الثالث، التى ضمنها جميعها الأجابة المطلوبة، والمرغوب فى الإقتصار على فهمها من قبل القارىء.

وأشد ما يؤلم فى الموضوع برمته، أن صاحب هذا السؤال قد حاول تضليل القارىء بنية مبيتة، من خلال تركيبة سؤاله الذى طرحه عليه حتى يقوده عن طريقه إلى نبذ التصنيفات الثلاث المذكورة، لأنها ـ حسب وجهة نظره ـ لم تتمكن حتى الآن من التوصل إلى حل قضية واحدة من بين كافة قضايا العالم المختلفة.

وهنا، أطلب من القارىء الإمعان قليلاً فى السؤال المذكور، حتى يرى بعينيه المحاولة غير البريئة التى جرت حياله من قبل صاحب السؤال لتمرير مغالطته عليه، والتى فرضها كمسلمة لا تقبل المراجعة أو الرأي حولها.

حيث سيرى القارىء أن عبد القيوم قد سخر قضايا العالم ـ بأسرها ـ من أجل إدانة أفراد المعارضة الذين إنتقدوا موقفه المنوه عنه، وذلك من خلال جعل التصنيفات الثلاث ـ التى أشار إليها فى مقالته ـ عاجزة عن حل أية قضية منها !. وأجد نفسي هنا مضطراً (رغم سذاجة السؤال وتركيبته المضحكة) أن أجارى صاحبه فى الإستعانة بالحقيقة البحتة، التى تقول بأنه لم يتم، من الأساس، إخضاع قضايا عبد القيوم العالمية لتلك التصنيفات بإعتبارها أدوات أو أحكام فاصلة فى حلها، وعجزت هى ـ من ثمة ـ عن أداء دورها المفترض فى إيجاد حل لها. 

ودعوني ـ هنا ـ أُقرب لكم المعنى المقصود من خلال الأسئلة التالية:

ـ  متى أُتيح لعبد القيوم تمحيص قضايا العالم (كلها) التى يتحدث عنها فى سؤاله ؟

ـ  ومتى كانت تصنيفاته الثلاث أحكام فاصلة فى حل القضايا العالمية المختلفة، بحيث يتم اللجوء إليها فى إيجاد الحلول المناسبة لها ؟

ـ  ومتى تم ـ فى الأساس ـ إخضاع ولو قضية واحدة على أحكام التصنيفات الثلاث التى أوردهافى مقاله؟.

*****

الغرض مرض ..

سؤال عبد القيوم ـ إذن ـ مغرض، ولا يمت للبراءة إلاّ بمقدار براءة النجاشي من دم بن أبي طالب، حيث نجد إن النتيجة التى أراد صاحب السؤال من القارىء الوصول إليها، تتلخص فى أن هذه التصنيفات التى يرى بأن أحكامها جائرة إزاء موقفه المتمثل فى مصاحبته لأذناب النظام الفاسد، هى من ناحية أُخرى خارجة عن حدود القدرة على حل (ولو) قضية واحدة من بين قضايا العالم، التى لاعد لها ولا حصر.

وأستطيع ـ هنا ـ ببساطة تفوق فى سهولتها معرفة حاصل جمع صفر وصفر، أن أرد هذا السؤال لصاحبه على أعقابه بسؤال مجابه له، يقول فى مضمونه: هل هناك قضية وطنية واحدة تم حلها، بما يرضى العدالة الآلهية، عن طريق أذناب النظام الفاسد؟. ولكنني أخترت الرد بمنطق الحق وحججه الدامغة، هذا على الرغم من أن سؤالي به واقعية كافية لأخذه من قبل الآخرين بمحمل الجد، وتقديم إجابة له. 

إنني أزمع ـ هنا ـ أن أقول بأن عبد القيوم أراد أن يوقع القارىء فى فخ التلاعب بالأدوات اللغوية، ليلقنه من خلاله بمعلومات محددة، ترسخ فى ذهنه وينتج عنها موقفاً متعاطفاً معه، لعله يعضده ضد أقلام البعض المنتقدة لموقفه من مصاحبة أعداء الشعب الليبي. لكنه، فى نهاية اليوم، وجد نفسه فى ورطة وضعته وجهاً لوجه ـ فى مجابهة مباشرة ـ مع الحجة الدامغة والبرهان المنطقي. 

ولنحاول ـ من باب التغيير ـ أن نتبنى موقفاً متعاطفاً مع عبد القيوم، ولنسعى من أجل أن نبحث له على تفسير منطقي يخرجه من فخ ورطة سؤاله غير الأمين، وذلك من خلال الإستعانة بأقصى حدود التفكير العقلي الذى تمكننا منه قدراتنا الذاتية، والتى ستُكلفنا ـ من هذا المنطلق ـ بمهمة إرجاع السؤال المعنى إلى عوامله الأولية، علنا نعثر فى خباياه على تفسير مقبول يمكن حسبانه لصالح صاحب هذا السؤال (المغرض).

وهذا معناه، إن التصنيفات التى يتحدث عنها صاحب السؤال، والتى لا تعدو فى هذا السياق عن كونها أوصاف لغوية تنعكس معانيها على حالة أو موقف كل شخص يختار مصاحبة أذناب النظام الفاسد الذين سلبوه حريته وكرامته وثروته لسبع وثلاثين سنة، هى من وجهة نظره، تُعد منافية لحق الفرد أو الجماعة فى حرية الإختيار، وتقف حجر عثرة أمام حرية إبداء الرأي.

بينما يرآها أفراد المعارضة الذين يطلقونها صوب بعض أفراد المنطقة الرمادية ـ من ـ الذين وطدوا صلاتهم بأعداء الشعب الليبي، كأمر مباح يستمدون شرعيتهم فيه من قداسة حقوق الأمة جمعاء، التى بموجبها لا يحق لأحد ـ فى هذا الغرار ـ المساس بها أو التفريط فى مكتسابتها (البشرية والمادية).

ومن هنا، فإن  أذناب النظام الذين فرطوا فى حقوق الأمة وإعتدوا عليها مع سبق الإصرار والتعمد، لأجل تحقيق مكاسب ومنافع شخصية على حساب مصلحة الأمة بأسرها، لا يمكن التهاون معهم فى هذا الصدد، ولا يملك أي فرد أو جماعة بمعزلها تقرير إعفائهم ومصالحتهم على حساب الحق العام.

ومن هنا أيضاً، قد نجد من بين أفراد المعارضة المدافعين عن حقهم فى وصف أفراد الجماعة المتحذلقة بالأوصاف التى أوردها عبد القيوم فى مقالته، بأنهم ـ أنما ـ يصفون سلوك صاحب الموقف وإنعكاساته التى يخلقها المعنى أو المدلول اللغوي فى هذا الصدد، وإنهم لم يعتدوا بذلك على حقه فى الإختيار أو إبداء الرأي.

بمعنى، إن عبد القيوم وغيره من أبناء المنطقة الرمادية، يملكون كامل الحق فى إختيار مواقفهم من القضية الوطنية أوغيرها، فهذا حقهم الذى كفله الله لهم وكرسه للبشرية جمعاء عند بدء الخليقة. فليختار هؤلاء ما يشاءون من مواقف، أو يتبعون ما تقوده إليهم أهوائهم من مذاهب. لكنه فى ذات الوقت، لا يجب أن تصيبهم غضاضة ـ فى هذا الخصوص ـ عندما ينبرى البعض بتصنيفهم بصفات تعكس المعنى اللغوي لمواقفهم التى أختاروها بأنفسهم، ولا يجب أن يلوموا فى هذا الصدد إلاّ إختياراتهم التى جلبت لهم النقد والتصنيف، فهم الذين إختاروا مخالفة رأي الأغلبية المتمسكة بمواصلة الكفاح لإسترجاع حقوق أمتها المهدورة، مستندة فى ذلك على قيم ومبادىء الحق السامية. 

*****

لص وقاتل وزاني ..

ولتقديم توضيح أشمل حول حق الإختيار من ناحية، وحق أفراد المجتمع فى تصنيف صاحب الإختيار المخالف لرأي الأغلبية فى القضية المطروحة أمامنا ـ طبقاً لماهية السلوك والموقف الذى يقوم به أو يتخذه الشخص المعنى ـ سأقوم بتقديم مدلولات شائعة لمواقف يقوم بها بعض أفراد البشر فى سلوكهم اليومي، وأُقيس بها على الموقف قيد الحديث.

وفى هذا الصدد، لابد لنا من إحكام تمسكنا بقواعد التفكير المنطقي، والإحتكام لروح الفكر اللغوي الذى تعارفت على إقتفاء أثره سلالات البشرية المتعاقبة، مهتدية فى ذلك بنواميس المبادىء الأصيلة الداعية لإتباع جادة الحق فى سلوكيات البشر وتعاملاتهم اليومية، وهذا يدفعنا ـ بصحته ـ إلى إطلاق صفة لص على مرتكب جريمة السرقة، وإطلاق صفة قاتل على مرتكب جريمة القتل بغير حق، وإطلاق صفة زاني على مرتكب أثم الزنا، وهكذا إلى آخر الأوصاف الآخرى ـ فى سياق ـ الصفات المتعارف عليها بين أبناء البشرية منذ الأزل وحتى لحظتنا الآنية.

ومن هذا المنطلق، فإن اللص عندما أقدم على إرتكاب جريمة السرقة يكون قد مارس حقه فى الإختيار الذى كفله الله له بموجب تدبير عقله، وهو فى هذا المضمار يكون قد جازف بالقبض عليه (وهذا أهون الأمور)، لكنه جازف ـ فوق ذلك ـ بما هو أعظم من سجنه فى حالة القبض عليه متلبساً بجريمته، وهو خروجه عن طاعة الله، ومخالفة معايير السلوك البشري السوي، المتمثلة فى التمسك بقيم الحق ومكارم الأخلاق الحميدة، وهذا ما ينطبق بحذافيره على القاتل والزاني وغيرهم من أصحاب الإختيارات ـ الآخرى ـ الخاطئة.

والمعنى هنا، أن اللص وكذا القاتل والزاني، لا يحق لهم الإعتراض على وصفهم بتلك المدلولات اللغوية التى تصنف نوع سلوكهم المختار؛ وهذا هو قانون المعادلة التى تحكم القضايا المندرجة تحت هذا السياق.

وهكذا، فلا يمكن لوم أصحاب المواقف الثابتة الذين يكافحون لأجل تحقيق العدالة لقضيتهم الوطنية، أن يصنفوا بعض الأفراد من أصحاب المنطقة الرمادية اللأهثين فى لهفة وتوق لتبادل الأحضان مع أذناب النظام الفاسد، ضمن نطاق (بعض) التصنيفات التى ينطبق وصفها على مواقفهم المنوه عنها، طالما حرص هؤلاء على الإبتعاد بتصنيفاتهم عن الصفات التى تدخل فى نطاق دائرة الإتهام، ويفتقرون ـ فيها ـ إلى الأدلة والبراهين التى تثبت صحتها (كما سبق الإشارة من قبل).

*****

عقاب وصفح ..

ودعونا هنا ننظر للأمر من زاوية أُخرى. زاوية تُرجعنا إلى بداية ظهور هذه التصنيفات فى نسيج الخطاب المحيط بالقضية الوطنية، والذى كانت بداياته مع إستيلاء رأس النظام الفاسد على السلطة فى ليبيا عام 1969م، حيث نتأت ـ هذه التصنيفات ـ كمدلولات لغوية، أطلقها رأس النظام وجوقته الفاسدة على كل معارض أو مناوىء لسياسات النظام الفاسد فى داخل البلاد، وأستمرت متصاعدة فى وتيرتها إزاء أعضاء المعارضة الليبية فى الخارج، ولم تتوقف البتة حتى وقتنا الحاضر.

ومع ذلك فإنها لم تتحول فى يومٍ إلى معايير يتوقف على أحكامها حل القضية الوطنية الليبية؛ لأن رأس النظام الفاسد قد أراد منذ مستهل حكمه أن يجعل من هذه التصنيفات أدوات عاملة فى سياسته الرامية إلى إلغاء دور المعارضة من معادلة الموازنة السياسية التى تشكل بنيان الدولة العصرية.

بحيث لا يخرج مضمون هذه التصنيفات عن نطاق المدلول اللغوي لمعانيها، التى تؤدى إلى شطب كلمة معارضة من قاموس القضية الوطنية، ويُلغى طبقاً لذلك، أحد شقي معادلة التوازن السياسي فى إطار الدولة التى يتربع على قمة سلطتها رأس النظام الفاسد.

بعبارة أُخرى، أن يصبح شكل الدولة الليبية التى تكونت بمقتضى ـ هذه ـ السياسة التى صاغها رأس النظام وأذنابه الفاسدين، وطبقوها على أرض الواقع، دولة شمولية تضم سلطة حاكمة فى القمة، وشعب محكوم فى القاعدة، وعناصر عميلة وخائنة تسعى للإستيلاء على السلطة فى البلاد (المعارضة).

ولكى نفهم المعنى الدقيق لما سبق، يجب علينا أن نفهم السياق الذى تتكون على أساسه الدولة العصرية، التى تنقسم فى داخلها إلى شقين هامين لبناء تركيبتها السياسية، يكمل إحداهما الآخر، ولا يستغنى أحدهما عن الثاني، ولا يمكن لها بدون رسوخهما فى بنيانها أن تحقق حفظ بقائها كدولة متمدينة تحرص على قيمة الإنسان فيها.

إذن، الدولة العصرية لها شقان، يقع فى داخل كيان أولهما رئيس السلطة، تتبعه الأجهزة التنظيمية والتنفيذية بمؤسساتها الإدارية والسياسية؛ ويقع فى الشق الثاني قوى المعارضة الشعبية التى يتم تمثيلها من خلال المجلس النيابي، والأحزاب الناشطة والنقابات والمؤسسات السياسية المدنية والهيئات الرقابية والتنظيمات الدينية المختلفة والمؤسسات الإعلامية المستقلة. ويقع فى القمة التى تبسط بمظلتها على الشقين المذكورين، مؤسسات التشريع والقضاء المتمثلة فى السلطة التشريعية والسلطة القضائية.

هكذا هى الدولة العصرية التى تقر بحقوق المواطن فى دولتها وتحترم كيانه وتراعي كرامته وحريته، إما دولة النظام الفاسد فى ليبيا، فقد عملت منذ لحظة وصول رأسها إلى السلطة فى أول سبتمبر 1969م، على إلغاء الشق الثاني من الدولة القائمة، المتمثل فى المعارضة، حيث قامت بتصفية وجود التمثيل النيابي للشعب، وجرمت تكوين الأحزاب والنقابات والتنظيمات والمؤسسات الشعبية والدينية، وألغت المؤسسة التشريعية، ووضعت المؤسسة القضائية تحت إمرة القرار السياسي لصاحب السلطة.

هذه كانت الخطوة الأولى، التى أتبعها رأس النظام، لتتوالى بعد ذلك مذبحة الإعلام الحر، الذى تم من خلاله مصادرة الصحف المستقلة، والسيطرة على الإتحادات الطلابية للمدارس والمعاهد والجامعات، وقد سبق ذلك، وتخلله، ثم أعقبه حملات الإعدامات والإعتقالات التى طالت معظم فئات الشعب الليبي؛ ثم جاءت التأميمات ـ التى لم تكن ليبيا فى حاجة لها البتة ـ لتكمل السيناريو المرسوم فى إحكام الطوق الخانق حول رقبة المواطن الليبي، بعد ربط قوت يومه بسلطة النظام الفاسد، وأخضاعه من ثمة لجبروت سلطانها الإقتصادي، فى إطار من الذل والمهانة.

وبرجوعنا لنقطة البداية، فإننا ـ سوف ـ نجد أن رأس النظام أراد أن يجعل من التصنيفات السابقة أداته فى إلغاء مفهوم المعارضة، لكنه لم يجعل منها معايير ثابتة يتم الحكم بها على أبعاد الصراع السياسي حول القضية الوطنية، والدليل على ذلك يمكن إيجاده فى إستخدامه لهذه التصنيفات كأداة للعقاب والثواب، بحيث يرفع طائلتها عن التائبين ـ حسب تعبيره ـ الذين يقبلون بالعودة لظل حكمه، ويُعاقب بها المتمسكين بمناهضته.

أي أن المعارض الذى يقبل بإقامة علاقة مع أذناب نظامه الفاسد، بإنضوائه تحت جناح مشاريع الإصلاح والتواصل الإعلامي والثقافي ـ أو غيرها من المشاريع الوهمية الآخرى ـ أو يرجع للبلاد تحت أي ظرف آخر يختاره، سوف يتم ضمه لبقية أفراد الشعب (المحكوم) فى الداخل، ويُشطب بذلك أسمه من قوائم العملاء والخونة، وتظل أسماء بقية المعارضين الآخرين فى تلك القوائم السوداء حتى يعلنوا عن توبتهم، ليتم الصفح عنهم كسابقيهم، ودواليك.

ولو كان الأمر فى حقيقته يدور حول خيانة حقيقية أرتكب جرمها هؤلاء الأفراد من خلال عمالتهم لدول وجهات أجنبية كما يدعى رأس النظام، لسقطت مساومته التى تهتدى بخطاها سياسته فى هذا السياق، ولكان من الأفضل له الخلاص منهم تحت طائلة فاحشة جرائمهم التى لا تغتفر، والتى لن تكن فى أقلها إنزال عقوبة السجن بهم مدى الحياة، بمجرد أن تتاح له فرصة القبض عليهم، أو إبقائهم تحت طائلة عار جرمهم فى منافيهم بالخارج، ولكن الأمر كله يدخل فى إطار الضغط والمساومة.

هذا على الرغم من أن رأس النظام الفاسد يعلم قبل غيره بأن هذه التصنيفات التى ينعت بها أفراد المعارضة الليبية فى الخارج (جزافاً) ما هى إلاّ أداة لسياسته الرامية لإلغاء وجود المعارضة من على خارطة الموازنة السياسية فى الدولة الليبية، عن طريق تحويلهم لعملاء وخونة، فى الوقت الذى يشهد به واقع الحال على أنهم أبرياء من هذا الأثم إلى يوم الدين. 

والخلاصة فى كل ما تم سرده فى هذا الخصوص، أن رأس النظام لا يرغب فى محاسبة أو محاكمة المعارضين تحت نطاق تصنيفاته السابقة، وإنما سخر هذه التصنيفات كأداة طعن ومساومة تؤدى فى منتهاها إلى إلغاء مفهوم المعارضة فى داخل الدولة من خلال الطعن فى أمانتها السياسية بتخوين أفرادها وتجريمهم بالعمالة لجهات أجنبية، هذا على النطاق النظري البحت.

إما على النطاق العملي، فإن رأس النظام الفاسد يقوم ـ من خلال أذنابه ـ بإتباع نهج سياسة المساومة، التى تعمل على إستقطاب أفراد المعارضة من أهل المنطقة الرمادية ـ المهيئون بطبيعة ذواتهم ـ إلى مشاريع الحوار الإعلامي والثقافي، والإصلاح والمصالحة؛ وبطريقة تلقائية ترفع عن هؤلاء التصنيفات السابقة، التى لم يُعد هناك مبرر لوجودها بعد أن تم تحييدهم طبقاً للخطة المرسومة.

والمعنى الإجمالي الذى أزمع طرحه لعبد القيوم فى هذا السياق، أنه لم يكن لتصنيفاته المذكورة ـ فى يومٍ ـ قوة المعايير التى يرتكن إليها كحكم فاصل فى حل مشاكل القضية الليبية، فما بالك بالقضايا العالمية التى أستشهد بها فى مغالطته المنوه عنها. والدليل فى ذلك يقع فى الإستشهاد السابق، الذى رأينا من خلاله كيف أن النظام (ذاته) لم يعتمدها بالمعنى المطروح بين يدينا.

وهذا ما ينطبق من جهة أُخرى على المعارضة الليبية فى الخارج، التى لم تتخذ من هذه التصنيفات معايير تحتكم إليها فى حل معضلة القضية الليبية، إضافة إلى أنها لم تستخدمها ـ فى أي وقت ـ كورقة تساوم بها كما فعل رأس النظام الفاسد.

وهذا ما يقودني إلى تقديم النصح ـ لأصحاب الشأن فى هذا السياق ـ بوجوب (مراعاة) عدم إطلاق الكلمات على أعنتها الهلامية، لأن ذلك لا يخدم قضية يرغب صاحبها فى شرحها لجمهوره من المتلقيين، فالحجة الدامغة ـ عند إشتداد وطيس النقاش ـ هى سيدة الموقف فى نصر قضايا الحق الواضحة الأبعاد والمعالم. 

يتبع ..

 فرج الفاخري

farajelfakhri@hotmail.com


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home