Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الأحد 20 يونيو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

لأي نوع من المجتمعات ينتمي الليبيون؟ (4)

فرج الفاخري

الجزء الرابع

أشبعتهم شتما وفازوا بالإبل !

إن رد سليم الرقعي على ما كتبته عنه فى الجزء الثالث من مقالتي (لأي نوع من المجتمعات ينتمى الليبيون؟)، يشبه فى محتواه رد ذلك الإعرابي الذى عاد لقومه بعدما سلبه بعضهم البعير التى بحوزته، فقال لهم عندما سألوه عنها: " لقد أشبعتهم شتما وفازوا بالإبل !"

لقد كذب الرقعي فى رده، وشتم، وإفترى باطلاً، وإدعى بهتاناً، وهذا ليس بجديد عليه؛ لكنه تركني أفوز بناصية الحق. ولسوء حظه، أن كذبه الفج ـ فى هذا السياق ـ قد كشف عورة جديدة فى شخصيته، لم أكن أظنها من خصائصه، وهى تدنى مستوى تفكيره العقلي !. 

إن الإنسان الذكي الذى يبتلى (مثله) بداء الكذب، لا يقدم على إختلاق الكذب المفضوح، المستند على حيثيات وقائع وهمية، لا وجود لها فى أرض الواقع المعاش، فإرتكاب ذلك، سيؤدى ـ حتماً ـ إلى إنفضاح أمره لدى الآخرين، بعد أن يتبين لهم زيف إدعاءاته التى أقامها على أسس باطلة. 

ولكن، هل له حيلة فى ذلك، وعقله غاية فى البساطة ؟. إذن لا لوم عليه أن يفوته إدراك مثل هذا الأمر، الذى يؤدى إلى فضح أكاذيبه أمام الناس، وسيؤدى فى نهاية المطاف إلى فقدان مصداقيته لديهم، هذا إذا إعتبرنا (تجاوزاً) أن له مصداقية بينهم من الأساس. ولا عجب فى هذا الإطار، أن يفشل الذكاء (المحدود) فى إنقاذ صاحبه من الوقوع فى مغبة الكذب المفضوح، بعد عجز قدرته على التفكير السليم، والتمييز بين الأمور فى هذا الخطب؛ أوليس فاقد القدرة على فعل أمر، تعجز نفسه عن أدائه عند المقتضى ؟. 

لم يكن رد الرقعي مُفاجأةً لي البتة، فقد كُنت أنتظره، بل أنني راهنت عليه، ليقيني بأنه لن يتردد لحظة عن محاولة صب جم حقده الدفين على شخصي، للإنتقام لنفسه مم كتبته عنه فى المقالة المشار إليها. ولابد له فى هذه الحالة من الوقوع تحت طائلة الكذب والإفتراء، لأنه لا يستطع مواجهة الحقائق المذكورة عنه إلاَّ بإستخدام الكذب والإدعاءات الباطلة. لكن المفاجأة التى لم أكن أتوقعها فى هذا الصدد، أن رده قد جاء تحت أسمه الحقيقي، وهذه منة حباني بها الله، ليحقق لي رغبتي فى هذا الغمار، فكم كُنت أتمنى أن يستخدم اسمه الحقيقي عند رده، والحمد لله أنه فعل ذلك. 

فقد كُنت أخشى رده مستترا بالأسماء المستعارة، التى تتيح له فرصة التنصل ـ بوسيلتها الوضيعة ـ من كذبه الذى نفث سمومه فى نص رده المذكور. وحيث أن الأمر قد نحى للوجهة التى تمنيتها، والتى بموجبها تمَّ حصره فى داخل الركن الذى عينته له، لم يبق أمامي الآن سوى فضح أكاذيبه التى تضمنها رده المشار إليه، بقوة الحقائق الدامغة، التى لا تقبل الشك والريبة حولها، وسيرى القاريء عن طريقها كذبه المشين، الذى تحمر لها خدود الشياطين خجلاً من فرط حدة خسته وإنحطاطه، بينما نجده ـ هو ذاته ـ لا يستحى أو يتورع عن التبلي به لأجل شفاء غل رغبة الإنتقام فى نفسه، إزاء من أفصح للناس عن معالم حقيقة شخصيته المتلونة. 

لقد فرغت من كتابة ردي على أكاذيب الرقعي منذ يومين، على عزم أن أنشره اليوم (بعد مراجعته)[1]، ثم أنشر فى الغد الباكر الجزء الرابع والأخير من مقالة (لأي نوع من المجتمعات ينتمى الليبيون ؟). ولكن أحساسي أنبأني بأن الرقعي لن يطق صبراً، ولن تمكنه مداركه العقلية المتواضعة (للغاية)، بإلتزام الصمت، والخلود إلى روح الحكمة المستنيرة، من خلال الإكتفاء بما أصابه من تعرية لشخصيته المنافقة المتلونة، وعدم التصدى للحقائق الثابتة غير القابلة للتشكيك فى صحتها، لأن مواجهتها بمزيد من الأكاذيب، يعرضه لمزيد من التعرية لخصائص شخصيته غير السوية. 

وحدثني حدسي، فى هذا المضمار، بأنه سوف يحاول ـ تحت تأثير تفكير عقليته البسيطة ـ الكذب والإفتراء والتشويه (مرة أُخرى)، حالما يتم نشر الجزء الرابع من المقالة المذكورة، الذى سيجد بين نصوصه المزيد من الحقائق الساطعة حول تركيبة شخصيته المتلونة. 

ومن هنا، فقد فضلت نشر بقية المقالة المعنية، والإنتظار حتى يرد الرقعي مرة أُخرى بمزيد من الأكاذيب والإدعاءات الباطلة، حتى الحق ردي إزائها بما تم كتابته حول أكاذيبه فى رده الأول، وذلك عوضاً عن نشر ردي على كذبه السابق ثم أعود للرد على ما أتوقع أن يكتبه من كذب جديد. 

وكما حقق الله لي أمنيتي ورغبتي، من خلال كتابة الرقعي لرده السابق باسمه الحقيقي. فإني ـ هنا ـ أطمع فى المزيد من كرم الله، بأن لا يتراجع الرقعي، تحت وطأة هلع جبنه، ويرد فى هذه المرة تحت اسم مستعار !. 

ومع ذلك، فالأمر بالنسبة لي مقبول ـ ولو على مضض ـ إذا كان هو السبيل الوحيد الذى به أتمكن من الحصول على رد منه فى هذا الخصوص. فليكتب (إذن) بأي اسم يشاء، حتى لو كان (برويطة) كما فعل شبيه له فى الماضي. المهم لدى، أنه يرد، فكم أنا تواق لردوده المفعمة لآخر أنفاسها بالكذب الفاجر المقيت. وإلى حين يفعل ذلك، دعونا نواصل موضوع المقالة فى جزئها الرابع والأخير. 

***** 

مصالحة أم مداهنة ؟ 

إذا كان الأمر إلى هذا الحد، لم يُثير إنتباهنا، ويلفت نظرنا لإنتماء الرقعي للشريحة المتلونة فى داخل كيان المجتمع الليبي. وإذا ظل أحد من بيننا غير مقتنع كلية بأمر تقلباته ـ الواضحة المعالم ـ بين المعتقدات والمباديء والقيم المختلفة، من حين لآخر. فلنعد جميعاً إلى بعض نصوص أحاديثه التى خطها بأصابع يده، ونشرها ضمن كتاباته التى أصابت (كثرتها) شبكة الإنترنت بتلبك تقني؛ فسوف نجد فى طياتها ما يعزز هذا الأمر بما لا يترك مجالاً للشك. 

حيث قام الرقعي فى فترة معينة من السنوات الماضية، بتغيير نهجه وأسلوبه الناري فى إنتقاد النظام الفاسد، من خلال إنهماكه (كلية) فى محاولة تسويق ـ مشروع ـ بضاعة المصالحة مع الرأس الفاسد وأركان نظامه الأسن ! فى جو سبقه فيه، وإشترك معه، حفنة من المعارضين الآخرين من أشباهه. 

ومع إعتلائه لصهوة (موجة) مشروع المصالحة، وما تتطلبه من مستلزمات خطابية مختلفة، أرتدى ثوب الود واللطف والكياسة، وإضفاء صفة (الأخوة) عند مخاطبة الرأس الفاسد ـ كما كان يفعل فى فترة المبيت مع صورته فى غرفة نومه الخاصة ـ وقد حملت كتاباته العديدة فى هذا الخصوص، دعاية الترويج الصريح للمصالحة مع النظام، التى يرآها الحل الوطني الوحيد للقضية الليبية، الذى لا يمكن إجتنابه، ولو تطلب تنفيذه الإقدام على تقديم بعض التنازلات، التى وصفها بأنها ضرورية. وفيم يلي عينة من كتاباته التى نشرها فى هذا الشأن: 

أنا مع المصالحة الوطنية!؟- عندما تكون مصالحة جادة ومستوفية للشروط فأنا سأكون أول المرحبين بل والموقعين !-

نعم إنني أكدت من قبل وأزيد اليوم – بمناسبة العيد السعيد – على هذا التأكيد وعلى ضرورة تغليب مبدأ الصلح والمصالحة الوطنية على كل شئ آخر وكذلك على التأكيد أن الصلح خير وأن الحلول السلمية الإصلاحية التوفيقية الحضارية في حل المشكلات الإجتماعية والنزاعات السياسية – بشكل عام – هي أفضل وأسلم بكثير من الحلول العنيفة والجذرية والثورية! .. نعم أنا أوافق على هذا الموقف من حيث المبدأ وبشكل عام في الحياة إذ أن الحلول الجذرية والثورية تأتي في آخر قائمة الحلول الضرورية والإضطرارية نظرا ً ما تتضمنه من مخاطر إنفجارية وإنتحارية كثيره ونتائج عكسية خطيره!! .. فآخر العلاج الكي لا أوله ! .. ولهذا فإنني – وعلى أساس هذا المبدأ – أجدني أوافق على إجراء مصالحة وطنية بين أبناء الشعب الليبي الواحد بكل توجهاته السياسية بل وبين النظام ومعارضيه بشكل شجاع وتاريخي يقدم فيه الجميع - من أجل نجاة سفينة الوطن - شيئا ً من ‘التنازلات الضرورية’ - وربما المرة - لصالح الوطن ولصالح غد أفضل لكل الليبيين!.

وما يدعو للسخرية فى هذا السياق، أنه قد ساوى فى حملته الترويجية للمصالحة بين كينونة أصحاب النظام الفاسد وكيان أفراد الشعب الليبي، فجعلهما ندين متكافئين فى الحقوق والواجبات، وصور تنازلات النظام، المتمثلة فى إرجاع الحقوق لأهلها، خطوة إيجابية، تعادل فى طبيعتها التنازلات التى يجب على أفراد الشعب الليبي تقديمها، وأهمها القبول بإستمرار حكم الرأس الأسن وطغمته الفاسدة. 

والصحيح هنا، إن التنازلات التى يفترض أن النظام الفاسد سوف يقوم بتقديمها للشعب الليبي فى هذا الإطار، تُعد من صلب الحقوق الشرعية لأفراده، ولا منة وفضل لأركانه فى إرجاعها لنصابها الطبيعي فى هذا الخصوص، فهى حقوق أساسية للشعب الليبي، سلبت منه بفعل قوة القهر الغاشم. 

 ورأس النظام الفاسد فى هذا المضمار، لا يملك من الوجهة القانونية البحتة حجب حقوق الناس أو مصادرتها من الأساس، وإمعانه فى حجبها يُعد فى نظر القانون والعرف وشريعة الإنسان المتحضر، مخالفة صريحة وجريمة تُعاقب عليها كافة القوانين الوضعية والسماوية. ولا يملك رأس النظام الفاسد ـ من هذا المنطلق ـ الحق فى المساومة عليها، سواء عن طريق مصالحة أو مواجهة

ولكن كل ما سلف ذكره يدخل تحت خانة الإفتراض؛ أما من الناحية الواقعية، فإن نظام الردة، الذى يسيطر على مقاليد الحكم فى ليبيا، لا يبحث عن صلح أو مصالحة، ولا يرغب فى تقديم أية تنازلات مهما صغرت قيمتها، وما مشاريع الرقعي وأشباهه التى يمطرون مواقع الإنترنت الليبية بمسوداتها، إلاّ أضغاث أحلام، تدور أحداثها فى مخيلاتهم ولا تتعداها، وأن فعلت، فلا تذهب لمسافة تزيد فى طولها عن هدب طفل رضيع. 

والمعنى المقصود هنا، أن رأس النظام الفاسد، سيظل يحكم ليبيا حتى مماته، وسوف يورث الحكم لأحد أبنائه، ولن يتنازل عن أي جزء من نفوذه وصلاحياته، ولو بمقدار عقلة صباع، طالما الشعب الليبي يخضع لسياساته ويمتثل لأوامره وقراراته، ويقدم فروض الطاعة العمياء التى لا يضاهيه فى إستكانته وإنصياعه وطاعته سوى خادم المصباح السحري المذعن لهيمنة سيده (علاء الدين) فى قصص الأساطير القديمة. والطريف فى الأمر هنا، أن الشعب الليبي وجن المصباح السحري (على السواء) يملكان القوة والقدرة الهائلة على التمرد والتحرر من ربقة مستعبديهما، ولكنهما لا يفعلا !. 

ومع ذلك، دعونا نسبح فى سماوات عالم الأوهام، ونتخيل حدوث المستحيل، من خلال الإفتراض بأن رأس النظام الفاسد سوف يقبل بمصالحة الشعب الليبي، وسيقوم بإرجاع بعض حقوق المواطنين، على أن يحتفظ بصلاحياته إزاء القضايا والمسائل الحيوية المندرجة تحت طائلة إختصاصات سلطة الدولة. وما أن ننتهى من إتمام نسيجنا الخيالي فى داخل ركائز أذهاننا المتفائلة، حتى نجد أنفسنا محاطين بسؤالين وجيهين يستجديان بشدة للإجابة عليهما: 

·    بأي حق يصالح أفراد الشعب الليبي رأس النظام الفاسد وعصابة لصوصه الذين سرقوا ثروتهم، وسلبوا ريعان زهرة إنماء بلادهم، وسجنوا وقتلوا العديد من أبنائها (أطفال ونساء ورجال وشيوخ) دون إستثناء، وشردوا الكثير منهم، ودمروا بنيان كيان دولتهم على بكرة أبيها ؟.

 

·   كيف يتأت للشعب الليبي مصالحة الشيطان الذى زرع الشر فى كل شبر من أرض وطنهم، وأقتلع براعم الخير الواعدة من نفوسهم ؟. 

والإجابة على هذين السؤالين لا تتعد فى فحواها المضمون التالي: " لا يجب على الشعب الليبي أن يقدم على إبرام مثل هذه المصالحة، وعليه ـ وهذا هو الأقرب إلى روح العدل والمنطق فى هذا السياق ـ أن يسعى إلى محاسبة المسئولين عن الكوارث التى حلت به وببلاده، لينالوا جزاءهم على ما أقترفته أيديهم من آثام جسيمة فى حقه وحقها ". 

والأسباب التى يستند المرء عليها فى طرحه للإفتراض السابق، تعود إلى الحقيقة الثابتة بأن حقوق أفراد الشعب الليبي قد تمت سرقتها من قبل عصابة الحكم ورأسها الفاسد، بعد أن أستولوا على مقاليد السلطة، وأحالوا معها بلادهم إلى حق مشاع بينهم، ينهبون خيراتها ويسخرون إمكانياتها لتحقيق مصالحهم. فلا يعقل ـ والحال كذلك ـ أن يتم مكافأة هؤلاء الأرذال بالصفح عنهم، دون أن ينالوا جزاءهم على ما أرتكبوه من جرائم فى حق الشعب الليبي؛ والصحيح فى هذا الأمر، أن لا يفلت صاحب الجرم من القصاص، الذى أباحه الله لنا، وأقرته كافة القوانين البشرية الوضعية، شريطة أن يتم ذلك بموجب ما يفرضه نصاب الحق والعدل والإنصاف. 

إذن، المصالحة التى تحول الرقعي لأحد تجارها ـ فى سوق النخاسة السياسية المهيمنة على مسرح الحياة فى ليبيا ـ ضمن تلونه وتقلباته بين السبل المختلفة والمبادىء المتفرقة، هى تجارة خاسرة بكل المقاييس، وهى إنتكاسة للحق الذى لا يصح له مقام إلاّ بالعلو على الباطل وإزاهقه، لأن الباطل مهما طال وجوده زهوقاً. 

 والمصالحة من جانب آخر، عبارة عن فكرة خبيثة أطلقها ـ فى الأساس ـ رأس النظام الأسن وعناصره الفاسدة (بذوات أنفسهم)، كطعم يتم به إصطياد أصحاب النفوس المهزوزة والأطماع الرخيصة من بين أفراد المعارضة، وإستقطاب بعض التنظيمات والأ حزاب المناهضة، التى تتبنى الوسائل الإنتهازية لتحقيق مكاسب حزبية محدودة

وقد حققت الطغمة الحاكمة، من ناحية، غرضها فى تسييل لعاب الطامعين والإنتهازيين من أفراد المعارضة وتنظيماتها الحزبية (أعضاء جماعة الأخوان المسلمين)، بعد أن صنعت منهم مثالاً ونموذجاً، يصلح لإجتذاب آخرين ـ من الذين يشاورون عقولهم فى هذا الخطب ـ ليقتدوا به ويحذون حذوه. ومن ناحية أخرى، حققت غرضها فى بث روح الإحباط بين أفراد الشعب الليبي، من مدى جدوى فاعلية المعارضة التى يعلق كثيرهم الآمال على نجاحها فى إحداث التغيير المنشود، بينما يرون بعض عناصرها، وبعض تنظيماتها العريقة، وهم يتقاطبون لمصالحة جلادهم اللعين. 

وخلاصة القول، أن المصالحة فى مفهومها المطلق، تعنى إستمرار الرأس الفاسد فى السيطرة على مقاليد السلطة فى ليبيا. وتعنى (تباعاً) التغاضي ونسيان كافة الجرائم الفادحة التى أرتكبها فى حق الشعب الليبي طيلة فترة حكمه التى أمتدت لأربعة عقود زمنية. وهذا أمر لا يقبل به سوى أصحاب الأطماع الرخيصة، من بعض أفراد الفئات المستفيدة من تسلط وسيطرة النظام الفاسد على الحكم فى ليبيا، أو أؤلئك الذين يتطلعون لتحقيق بعض أوجه الإستفادة من المصالحة المنشودة. 

وإذا أحتكمنا للتاريخ البشري الطويل فى هذا الشأن، فسوف يؤكد لنا بأنه لم يحدث أن شهد عبر تداوله لأحداث ومجريات الأزمنة المتعاقبة، شعباً يبرم مصالحة ودية مع الشيطان الذى سرق فرصة أفراده للتنعم بالعيش فى رفاه ورغد، وحرمهم من التمتع بحياة آمنة يسودها الإطمئنان والسلام والإستقرار. وهذا على وجه التحديد، ما حدث للشعب الليبي، الذى حرم ـ تحت سلطة الحكم الفاسد ـ من الإستمتاع بثروته وخيرات بلاده لمدة تتجاوز الأربعين سنة بعام يوشك بعد ثلاثة أشهر على الإكتمال.

***** 

معارض من الدرجة الأولى 

إذن، بدأ الرقعي، مثل كثيرين بمعارضة النظام الفاسد تحت أسم مستعار (سليمان الشامخ)، وربما بعض الأسماء الأخرى التى لم يفصح عنها، ولكن بعض كتاب المواقع الليبية الذين دخل معهم فى خصومات، كشفوا عن إستخدامه لاسم آخر ـ منتحل ـ هاجم تحت ساتره أفراد الشعب الليبي (سوف يتم الحديث عن ذلك بالتفصيل فيم يلي). 

عندما تغيرت إستراتيجية رأس النظام الفاسد إزاء مناوئيه فى الخارج، بالكف عن ملاحقتهم، رضوخاً لقواعد اللعبة السياسية، التى أملت عليه التوقف عن ممارسة الأساليب القمعية وعلى رأسها أسلوب التصفية الجسدية، وإنتهاج أساليب المهادنة، التى من بينها إستخدام سياسة المغريات المادية واللعب على وتر المصالحة والإصلاح. خلع الرقعي فى هذا الجو الجديد ـ مثل كثيرين غيره من أفراد المعارضة المختبئين تحت ساتر الأسماء المستعارة ـ قناع الأسم المنتحل، وبدأ يكتب باسمه الحقيقي، ولكن هذا لم يمنعه من الإنسلاخ من اسمه الحقيقي، واللجوء لحيلة إستخدام الأسماء المستعارة، عند إقتضاء الحاجة لمهاجمة بعض أنداده الذين يناصبهم العداء، وذلك حتى يحمي نفسه من تبعات المسئولية الأخلاقية تجاه ما ينشره من كتابات مسيئة لهم. 

إذا قمنا بتوجيه سؤال لأحدهم عما سيحدث للوح زجاجي، رفيع السماكة، عند سقوطه من إرتفاع شاهق فى أتجاه بقعة صلبة من الأرض ؟. الجواب ـ الذى تؤكده التجربة العملية ـ أنه سينكسر فور أرتطامه بسطح الأرض، وتتبعثر الشظايا الصغيرة فى محيط البقعة التى هوى فى بؤرة مركزها. 

إن الجواب المنطقي الذى حصلنا عليه من مجيبنا، لم يأت من واقع الحدس والتخمين، بل ولد من رحم التجارب السابقة التى خاضها بني البشر فى هذا المضمار، وانطبعت صورتها فى مخيلتهم، لتصبح أحد أوجه علم اليقين الذى تؤكد حقيقته على تحطم الزجاج الهاوي من مكان باسق فور اصطدامه بأرض صلبة. 

وهذا على وجه التحديد، ما تؤكده التجربة العملية، فى خصوص لجوء الرقعي لحيلة إنتحال أسماء مستعارة، كلما أعترته الرغبة فى تمرير بعض آرائه المخالفة لما يعلنه للناس تحت اسمه الحقيقي. فقد مارس الرقعي أسلوب التخفي تحت أسم مستعار (سحنون)، عندما أشار عليه عقله بمهاجمة ـ بل الإستهزاء ـ بأفراد الشعب الليبي. وقد فضح أمره فى هذا الخصوص، بعض رفاق الأمس الذين أصبحوا اليوم من ألد أعدائه. 

والمعنى المراد توضيحه فى هذا الصدد، أن الناس يحكمون على الأمور من خلال ما يتاح لهم من قرائن وشواهد بينة، وعبر إستعانتهم بالدلائل والبراهين الدامغة، التى تمكنهم من تكوين الأحكام الصائبة، المبنية على أسس الإنصاف والعدل والموضوعية. وفى إطار موضوعنا المثار، فإن الناس تستطيع أن تحدد خصائص شخصية الرقعي، من واقع سلوكه وتصرفاته المشهود عليها. وهذا ما رأيناه فى الجزء السابق ـ من هذه المقالة ـ من خلال محاولة التحليل الوارد فيه تكوين حكم حول خصائص شخصية الرقعي المتلونة، عن طريق الإستشهاد بمواقفه المتناقضة التى غير فيها مبادئه المتعلقة بقضية الوطن، مثلما يغير الثعبان لجلده فى مرحلة البيات الشتوي. وهذا ما يصدق بحذافيره على تكوين حكم حول إستخدام الرقعي للأسماء المستعارة ـ فى مضمار النيل من الآخرين ومهاجمتهم ـ من خلال الإستناد على شواهد سابقته السالفة الذكر، التى هاجم فيها أفراد الشعب الليبي تحت أسم سحنون. 

ومختصر القول، أن إستخدام أداة القياس فى تحليل أنماط السلوك الفردي، تُتيح لنا، بما لا يدع مجالاً للشك، تحديد خصائص الشخصية المتناولة، وتُسهل أمر الحكم على تصرفاتها من واقع نسق سلوكها المتبع فى إطار تعاملاتها وعلاقاتها وتصرفاتها السابقة إزاء الآخرين. ومحور هذه النقطة (المثارة)، أن الناس قد نمى لعلمها إستخدام الرقعي لاسم مستعار، بغية تمرير رأيه الحقيقي ـ فى صورة جلية للإسقاط النفسي الصرف ـ تجاه قضية الوطن، وهو بذلك أنما أعلن حقيقة ما يبطنه، وما يخالف فى هذا الصدد زيف ما يظهره فى العلن. وهذا ما يمنح الناس رخصة القياس على تصرفاته الواقعية، وتكوين أحكامهم المستندة على شواهدها البينة، الشاملة للحجج المقنعة بصواب منطقيتها وإصالة حقيقتها، غير القابلة للريب فيها البتَّة. 

***** 

غرام وإنتقام 

إذا أنتقلنا لأحدث المواقف التى أنخرط الرقعي فى عراكها، وحاولنا أن نستخلص من واقع تصرفاته ـ حيالها ـ بعض خصائص شخصيته، التى تساعد فى إستكمال رسم النموذج الذى يعكس معالم أفراد الشريحة المتلونة فى المجتمع الليبي، فسوف نجد أنفسنا (جميعاً) نجلس على كراسي الدرجة الأولى لمشاهدة أحداث معركته المفتعلة مع رفيقته فى النشاطات المناوئة للنظام الفاسد (ليلى الهوني). 

ومثل كافة قصص وروايات أهل بلاد الشرق، وبلاد العرب على وجه الخصوص، ينجلي المشهد الأول عن الشاطر حسن وهو ينشر مقالة ينبه فيها القراء الليبيين (الغافلين)، إلى أن مخابرات النظام الفاسد قد تمكنت من إختراق بعض البُرُدُ الإلكترونية، وحصلت على معلومات تخص مراسلات ـ خاصة ـ بينه وبين بعض الإناث اللآتي ينشدن نصائحه العبقرية فى مشاكلهن الجنسية ومعضلاتهن الزوجية، وأن أجهزة المخابرات ستعمل على نشر هذه المعلومات على مواقع الإنترنت الليبية من أجل تشويه صورته !. 

ولا أريد هنا، أن أبخس ـ أو أُقلل ـ من فطنة وذكاء القاريء، فى الإشارة إلى أن الشاطر حسن فى القصة الجاري روايتها هو بذاته سليم الرقعي، فأنا على يقين من أن القاريء المخاطب فى هذا الشأن، قد أنتبه لتناسخ الشخصيتين، بنفس الدرجة التى أنتبه فيها إلى محاولات شاطر قصتنا لإقناعه بتفاصيل أُحدُوثته المنسوجة. 

أريدكم هنا، أن تعيرونني أنتباهكم، الذى بدونه لن نستطع أن نخطوا، ولو خطوة واحدة، بأذهاننا نحو الحقيقة المنشودة، التى تتطلب منا ـ فى هذا الغمار ـ إستخدام منهج التفكير المنطقي، لنتمكن بأدواته العقلانية من التمييز بين المعلومات التى نسجها الشاطر حسن لخدمة أغراض ذاتية معينة، وبين الوقائع الثابتة المستمدة من الحقيقة التى لا تقبل تغطيتها بالغربال فى إقتداء وتقليد أعمى منها لما تفعله نظيرتها (عين الشمس) فى هذا السياق. 

تسارعت أحداث القصة، وظهرت مراسلات وتسجيلات صوتية لرفيقة الشاطر حسن فى النضال، وكثر اللغط، والشماتة، والطعن فى شرفها ووطنيتها؛ وكثرت الكتابات التى يدعى أصحابها ـ تحت أسماء مستعارة ـ بأنها مدسوسة على المعارضة، للتجسس على نشاطاتها وخططها فى صدد تغيير النظام ! وتعالت بعض الأصوات مطالبة بطردها من عضوية المؤتمر الوطني. 

وتم بالفعل فصل ليلى الهوني من المؤتمر الوطني، أو أُرغمت على الإستقالة (الأمر سيان)، وأستمر حمى وطيس المعركة بينها وبين الشاطر حسن على صفحات مواقع الإنترنت لفترة قصيرة، هدأت بعدها الأمور، وكادت الناس تطوي أمرهما فى عالم النسيان، وتهتم بمشاغل حياتها، وما يستجد فيها من شئون متفرقة فى كل يوم وغده. 

إلاّ أن الشاطر حسن ـ لغاية فى نفس يعقوب ـ أبى أن يدع الخلق للخالق، ويدع الناس تهنأ بسكينتها، فلم يرضيه أن يترك رفيقته (السابقة) فى النضال وشأنها، فلم يكفه ما نالته من تشنيع بسبب معرفتها له، فنجده يُعيد الكرة، بعد فترة من السكينة الطويلة، بمقالة جدد فى صحيفة فحواها الإتهام (المستهلك) بأنها عميلة للنظام الفاسد من أخمس قدميها إلى أعلى قمة فى رأسها، وزعم بأن شدة إخلاصه لقضية وطنه هو الدافع من وراء كتابته فى هذا الشأن، وذلك من أجل تحذير الناس من خطرها الداهم. 

لقد أذهلني الأمر بشدة، ولا أخال أني الوحيد الذى ألمت به الدهشة والحيرة فى هذا الشأن، فربما يكون هناك من يشاركني نفس المشاعر، فلم يكن متوقعاً أن يخرج الرقعي على الناس بمثل هذا الإتهام فى حق رفيقته (السابقة) فى النضال بعد أن آل الأمر لطي النسيان. 

ولم يكن ذهولي وحيرتي، بسبب الإتهام الذى أطلقه بدون أدلة دامغة تبرهن على صدقه فى هذا الخصوص، وليس أيضاً لأن إتهامه مبني على الحدس والتخمين وثقافة القيل والقال، ولكن ذهولي ينصب جله فى أمر إثارته لهذا الموضوع بدون مبرر أو دافع منطقي يقبله العقل فى وقت أنتهت فيه فصول الخلاف بينه وبين غريمته، وذهب كل منهما لحال سبيله. 

بمعنى آخر، لم يكن هناك خلاف جديد نشب بينه وبين ليلى الهوني، دفع به لصب جم كيده عليها. فلم يكن ثمة ما يبرر إثارة هذا الإتهام الذى أخذ نصيبه من التنكيل فى فترة سابقة أدى فى نهايته إلى فصلها من المؤتمر الوطني، وعزلها عن المشاركة مع الآخرين فى نشاطاتهم المعارضة للنظام الفاسد. 

الأمر غريب، ويدعو للإستعجاب، فإتهام ليلى الهوني بالعمالة للنظام الفاسد، بغض النظر عن مدى صحته من عدمه، قد وصلت رسالته لكافة الليبيين، الذين تمكنوا من مح أميتهم بدرجة كافية لقراءة ماكتب فى هذا الشأن على صفحات المواقع الليبية فى وقت مضى. فهل حدث الجديد الذى يدعو الرقعي للخروج بهذا الإتهام بعد أن آل هذا الأمر لذاكرة الناس ؟ وهل صحيح أن دافعه فى ذلك قد أنبثق من صلب وطنيته البحتة، التى تلحف بعبائتها، وأملت عليه بسطوة نعرتها، أن يسارع لتنبيه الناس من خطر (الرفيقة السابقة) الذى سيحل عليهم، من خلال سعيها الحثيث للإيقاع برجال المعارضة الليبية فى الخارج بإستخدام نول غزل حبائل أنوثتها ؟. 

أنا لا أعرف ليلى الهوني شخصياً، ولا تتعدى معرفتي بها حدود اطلاعي على كتاباتها التى تنشرها من حين لآخر على صفحات المواقع الليبية ـ أسوة بإطلاعي على كتابات آخرين مثلها من نشطاء المعارضة الليبية فى الخارج ـ أو الإطلاع على أخبار مشاركتها فى النشاطات المعارضة المعلنة كالإعتصامات وغيرها، ومساهمتها فى نشاطات المؤتمر الوطني، وإسهاماتها فى أنشطة الإذاعة المختلفة. 

عندما إندلعت معركة الإتهامات والتلاسن بين رفيقي درب النضال، التى حرص شاطر قصتنا (المروية) الرقعي، على رمي أول سهامها، فوجيء جمهور المتابعين عند إنقشاع غبار حمى وطيسها عن بروز أسماء حفنة من المعارضين الذين كشفت بعض التسجيلات المنقولة، والإتهامات المنشورة تحت أسماء منتحلة، عن تورطهم بطريق أو بآخر فى دردشات خصوصية مع ليلى الهوني

أنا (شخصياً) لم أسمع هذه التسجيلات، ولم أذهب للموقع الذى تم بثها من خلاله، هذا على الرغم من الحاح بعض الأشخاص الذين تربطني بهم معرفة لحثي على الإطلاع عليها، لكني رفضت ذلك، فكم أربأ بنفسي عن مثل هذا الأمر غير الكريم، فمثل هذا الشأن ـ بالنسبة لي ـ يدخل فى إطار الهبوط الأخلاقي. منذ متى كان التلصص على فضائح الآخرين وخصوصياتهم عملاً شريفاً، يتسابق البعض على دس أنوفهم فى شأنه ؟. 

لم يكن لي أن أقدم على فعل كمثل هذا الأمر، الذى يبعثني على الغثيان؛ فما يفعله زيد مع عمرو، لا يدخل فى نطاق إهتماماتي، وكل أمرء حر فيم يفعل، فذلك شأنه الخاص، ولا أظن أن الله (ذاته) الذى نفخ فينا من روحه، وكرمنا بمعجزة العقل، يريد لنا أن نكون رقباء على ما يفعله الآخرين فى إطار شئون حياتهم الخاصة، وأنما أرادانا أن نسمو بأنفسنا وعقولنا لمقام محمود، ومكانة نبيلة. (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ). 

والصحيح ـ فى هذا الإطار ـ أن نتجمل (جميعنا) بروح الستر، وعدم ترويج أحاديث الخصوصيات، بل يجب على العاقل منا، صاحب الضمير النزيه، التقدم بالنصح والإرشاد للأطراف المتورطة فى الأمور التى تخرج عن حدود عرف الناس وعاداتهم وأصول دينهم، وليس العمل على إثارتها والشماتة فى أطرافها، فهذا لا يفعله سوى أصحاب النفوس الخسيسة المطعمة بأهواء النذالة والسفاهة. 

***** 

بين العفوية وسوء النية 

إن المشهد من الخارج يوحى بأن تصرف الرقعي بالشكل المذكور، لا يخرج عن كونه إسداء خدمة لنظام الحكم الفاسد ـ سواء كان ذلك عن عمد أو بعفوية قلب غافل ـ لأن المستفيد الوحيد من محاولة محاصرة وعزل ليلى الهوني عن محيطها الإجتماعي، والكيد لها حتى تكف عن ممارسة نشاطاتها النضالية، لا يستفيد منه أحد سوى أركان حكم النظام الفاسد. 

ألم أقل لكم أعيروني إهتمامكم. ألم أطلب منكم ـ فوق ذلك ـ أن تستخدموا أدوات التفكير المنطقي، التى تجلى لكم بعقلانيتها الحقيقة التى ما فككتم عن البحث عنها. ألم أقل لكم بأن الحقيقة المنشودة ـ فى هذا الغمار ـ لا يمكن حجبها بغربال الرقعي !. 

دعونا إذن نستعين بالمنطق، ثم نخضع من بعد ذلك لأحكامه العادلة. لقد أعتدنا من رأس النظام الفاسد، طيلة سنوات حكمه الأسن، التى تعدت أربعين سنة، أنه لا يبيع عملائه، ولا يفرط فيهم، ويدافع عنهم بكل إمكانيات الدولة الليبية وثروتها الطائلة. والأمثلة على ذلك كثيرة، لعلنا نذكر منها ضغوطه على ألمانيا من خلال إستخدام وسائل الإبتزاز، وأيضاً الرشوة التى تم ترجمتها إلى عقود تجارية سخية وصفقات مالية يسيل لها لعاب مريض السكر، لأجل إخلاء سبيل عميله مصطفى الزائدي الذى أرتكب جرائم تعذيب فى حق مواطنين ليبيين على الأرض الألمانية؛ ولعلنا لم ننس بعد تعويضات لوكربي الهائلة وماتبعها ـ وما سبقها ـ من هدر مليارات الدولارات من خزانة الشعب الليبي لأجل تحرير إثنين من عملائه (أفحيمة والمقرحي). 

تُعد هذه الأمثلة نماذج قليلة لكم هائل غيرها، تم فيها لرأس النظام الفاسد تخليص عملائه ومن يوالونه من نيل عقابهم على ما أرتكبوه من جرائم تحرمها كافة القوانين البشرية. والنظام الفاسد أنما يشبه فى هذا الأمر كيان العدو الصهيوني، فالأثنان يرتكزان على إستراتيجية مفادها حماية جميع من يعملون تحت جناحيهما، من خلال إستخدام كافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية لتجنيبهم تلقى القصاص جزاء لما أرتكبته أيديهم من آثام فى حق الآخرين. 

لنبحث جميعنا عن حالة واحدة، تم فيها محاسبة يهودي يتبع كيان الإحتلال الإسرائيلي فى أية دولة فى العالم، على ما أرتكبه من أعمال خارجة عن أحكام القوانين تنفيذاً لأوامر سلطات دولته الغاشمة. ألم تمارس إسرائيل كافة وسائل الضغوط المختلفة على الحكومة المصرية لإطلاق سراح جاسوسها الذى تبول على الناس فى قاعة المحكمة المصرية ـ إمعاناً فى إهانتهم ـ أثناء محاكمته على تجسسه المشهود، وتم بالفعل إخلاء سبيله ! ألم يفلت قتلة المناضل الفلسطيني محمود المبحوح فى دبي، ولم يتحرك ساكن لمحاسبتهم على جريمتهم النكراء التى أستخدموا فيها جوازات سفر بريطانية سهلت لهم عملية الإغتيال. 

الأمثلة كثيرة على نموذجي كيان الإحتلال الإسرائيلي ونظام الحكم الفاسد فى ليبيا فى هذا الصدد، وتعديدها ليس موضوعنا، ولكن الذى يهمنا من ذكر بعضها، أن حكم النظام الفاسد، لا يفضح عملائه، بل يتستر عليهم ويقدم لهم العون والسند المطلوب، خاصة إذا كانوا ينفذون المهام المكلفون بها. والمنطق يقول فى هذا المضمار، كيف يتأت للرقعي تفسير إدعائه بأن أجهزة المخابرات الليبية هى التى قامت بنشر التسجيلات والمراسلات التى أدت إلى حملة التشنيع بعميلتها ـ المفترضة ـ ليلى الهوني وتعريضها للفصل من المؤتمر الوطني، وتشويه سيرتها، والدفع بعزلها عن محيطها الإجتماعي ؟. 

إن أغبى الأجهزة المخابراتية فى العالم لن تقدم على فعل ذلك إزاء إحدى عميلاتها ! ما بالك بأجهزة النظام الفاسد التى برعت حتى الآن ـ من خلال الأساليب الماكرة ـ فى إطالة أمد الحكم الفاسد لأكثر من أربعة عقود. لا يمكن لمخلوق فى الكون بأسره، أن يقنع أي أمرء يلتزم فى تفكيره بأصول وقواعد المنطق بهذا الهراء السقيم، حتى لو كان هذا الشخص يلبس جلباب الشاطر حسن ويتقمص شخصيته، ويستخدم براعته فى إتقان إستخدام أسلوب المناورة والتلون. 

إن الذى يخطىء فى ضرب المسمار بالمطرقة بفارق قليل، ثمة إحتمال كبير أن يضرب أحد أصابعه أو يصيبها جميعاً بدون تفريق. والرقعي قد حاول فى معركته المفتعلة مع ليلى الهوني أن يلفت نظر القراء إلى أن مخابرات النظام الفاسد قد نشرت المراسلات المعنية، لأجل فضح بعض أفراد المعارضة، الذين تم إرسال ليلى الهوني للتجسس عليهم ! هذا كلام لا يتماشى مع روح المنطق ولا يقبله العقل السليم. 

لأن مخابرات النظام الفاسد، يهمها جداً أن تظل هوية ليلى الهوني التجسسية طي الكتمان حتى يتم الإستفادة من تغلغلها فى داخل أروقة المعارضة على أكبر نطاق ممكن. وليس بالقيام بفضحها، وتعريضها للتشنيع ومهانة الطعن فى شرفها، وخلق مشاكل سودواية فى داخل بيتها ! ما هذا الهراء ؟. 

دعونا نضع السؤال فى نصاب مغاير، لعل ذلك يجلى الفهم بصورة أوضح لمن لم يستوعب الأمر بعد. هل مخابرات النظام الأسن التى ترتكز على إستراتيجية صاغها لها رأس الحكم الفاسد منذ البداية، والتى تتمحور حول الحفاظ على العملاء والموالين لنظامه المتعفن بكل الوسائل الممكنة، تُقدم على كشف هوية عميلتها التجسسية، وتفعل ذلك (فقط) لأجل فضح أمر بعض أفراد المعارضة الليبية فى الخارج من ماركة الرجال ؟. 

ما وجه الإستفادة من محاولة فضح الرقعي وغيره، من خلال كشف أحاديثهم الخارجة مع إمرأة يفترض أنها تعمل لحسابهم ؟ مع جل إحترامي للرقعي، فهو لا يُشكل أهمية تذكر فى صفوف المعارضة، ولا يعد من قياداتها، أو المؤثرين فى مسار سياقاتها، فهو لا يعدو عن كونه نفر من ضمن الأنفار فى دالة لا تقدم ولا تؤخر

وحسب ما يمليه علينا منهج التفكير المنطقي فى هذا السياق، فإن ليلى الهوني، إذا سلمنا بأنها عميلة لأجهزة مخابرات النظام الفاسد، هى أفيد ـ لهذه الأجهزة ـ بتغلغلها داخل منظومة العمل النضالي للمعارضة الليبية، مثلما كان وضعها قبل إثارة قضية المراسلات والأحاديث المسجلة المعنية. والسؤال الوجيه الذى يقحم نفسه علينا بشدة، هو: لماذا تُقدم مثل هذه الأجهزة على التفريط فى عميلتها (المفترضة) بتسريب تلك التسجيلات والمراسلات المذكورة ؟. 

إذن فإن مسألة عمالة ليلى الهوني للنظام الفاسد تحتاج لأكثر من مكيدة مغرضة لإستيعابها. ولكن من الناحية الأخرى، إذا كان لمخابرات النظام الفاسد يد فى هذا الأمر، يكونون قد نجحوا فى إخراج ليلى الهوني من دائرة المناوئين لنظام سيدهم الأسن. 

عندما تفاعلت معركة الرقعي مع رفيقة النضال السابقة، وكثر اللغط حولها، الذى أدى فى المنتهى لفصلها من المؤتمر الوطني. فى وقتها قمت بسؤال بعض الأصدقاء من مسئولي المؤتمر الوطني عن مدى صحة تهمة العمالة التى تم وصم ليلى الهوني بها، فأجمع الكل على أنهم لا يعتقدوا بأنها عميلة للنظام الفاسد لعدة أسباب، يقع على قمتها ما سلف شرحه حول إستحالة أن يسعى النظام لكشف هويتها المخابراتية لتحقيق مكاسب تافهة، والأصح فى رأيهم أن عملها فى داخل أروقة المؤتمر الوطني وغيره من مناحي النشاطات المعارضة أفيد لأجهزة النظام الفاسد الأمنية من أمر توريط معارضين فى دردشات حميمة معها. 

كما أجمع الكل على تفانيها وإخلاصها الشديد فى تنفيذ أعمال النشاطات النضالية، حتى أن أحدهم وصفها بأنها تعادل عشرة رجال فى هذا الخصوص. والطريف فى الأمر أنه لم يخرج منهم من يدافع عنها، وهم على يقين ـ فى قرارة أنفسهم ـ من براءتها من تهمة العمالة. بالإضافة إلى أنه لم يقم أحدهم بالتمسك بها كعضوة ناشطة تؤدى رسالتها الوطنية التى تؤمن بها، وهم أكثر الناس معرفة بهذا الأمر، ورغم كل ذلك، لم ينبس فيهم ساكن بشفة كلمة فى حقها أمام الملأ، عندما أنهالت عليها أنصال سكاكين الرقعي وأشباهه. 

دعوني أستغل إنتباهكم الذى قُمت بإستعارته منكم منذ وقت قليل، وأسمحوا لي أن أستخدم المنطق الذى أتفقنا على الإعتماد عليه فى الحكم على الأمر الجاري تحليله، وذلك لأجل إماطة اللثام عن الحقيقة، التى كما يقال بأنها قبلة الإنسان المؤمن السوي. ولنبدأ بمخابرات النظام الفاسد التى ـ أعتقدت ـ بأنها نجحت فى تحييد ليلى الهوني، أو قل فى عزلها، وتجميد فعاليتها فى إطار العمل النضالي. فماذا تفعل مثل هذه المخابرات إذا وجدت بأن ضحيتها قد أستعادت أنفاسها، ولم يزدها أمر التشنيع فى شرفها ووطنيتها إلا إصراراً وقوة وثبات على المبدأ، حيث تجدها ـ كما يعلم الجميع ـ مستمرة فى كتاباتها ضد فساد النظام دون مبالية ولا مهتمة بما حدث لها ؟. 

إذا نفذت الحيل من جراب الحاوي، فمن السهل عليه اللجوء لإستخدام إحدى حيله القديمة، وهذا ما حدث لمخابرات النظام الفاسد، التى عادت لإحياء مسألة عمالة ليلى الهوني للوجود، بعد عودتها لممارسة الكتابة ضد حكم النظام الفاسد. وهذا ما رأيناه من خلال مقالة الرقعي التى خرج بها بعد مضي وقت طويل، ليحدثنا فيها مجدداً عن عمالتها ومحاولاتها لإيقاع (رجال) المعارضة؛ وبحسب هذا السيناريو فإن شبهة العمالة ستطول الرقعي ذاته !. 

ولكن حمداً لله، فإنه لا يوجد بيننا من يُشكك فى وطنية الرقعي ! حتى لو حاول أحدهم تذكيرنا بأنه فى يوم كان موالي للنظام الفاسد، وكان ينام مع صورة الرأس الفاسد فى غرفة واحدة، وأنه كان فى يوم يعمل فى تسويق تجارة الإصلاح والمصالحة، ودع عنك أمر مهاجمته ـ فى شكل إستهزاء ـ للشعب الليبي مستتراً باسم مستعار (سحنون). كل هذا لا يهم، فمقالة نارية واحدة من الرقعي يهاجم فيها النظام الأسن، كفيلة بإثبات وطنيته المنقطعة النظير !. 

ونقول للمغرضين ـ فى هذا الصدد ـ أن يلجموا ألسنتهم، ويجففون أحبار أقلامهم، ويكفون عن تذكيرنا بما مضى وولى ! فنحن لن نقبل ـ مطلقاً ـ إتهام الرقعي بالعمالة للنظام الفاسد، على الأقل، ليس بدون براهين وأدلة مادية دامغة ! وغير ذلك فهو يدخل فى رجم الغيب. ولكن قد ينجح أحدهم فى إقناعنا بأنه بارع فى تقمص شخصية الشاطر حسن، فهذا لنا قابلية على تصديقه، بل والتأكيد عليه. 

***** 

ثغرة لابد من سدها 

والآن قد حان الوقت لسد ثغرة، ليس من الفطنة تركها على علاتها، لينتهز بعض المغرضين فرصة النقد ـ بل والطعن ـ فى مضمونها. وهى تدور حول موضوع تبسط ليلى الهوني فى الحديث مع الرقعي وغيره، والذى أدى فى عاقبته الوخيمة لإتهامها فى شرفها وأخلاقها، وأتاحت للرقعي فرصة الكيد لها من خلال إتهامها بالعمالة للنظام الفاسد. 

إن المقولة التى أطلقها الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، هى صحيحة بالإستناد للتجربة التى خاضها بني البشر منذ خلقهم الأول وحتى وقتنا المعاش، دون تمييز بين الأزمنة والأوطان؛ ولعل الجميع لا تخف عليهم رؤية صور نهش الإنسان للحم قرينه الإنسان حياً فى كل آن ومكان. 

ولكن ثمة عبارة أخرى ـ تهمنا فى هذا السياق ـ يتناقلها الناس بينهم فى إطار مختلف، تتشابه فيه مع مقولة هوبز فى تصوير الإنسان بالذئب مرة أخرى، وتختلف معها فى كونها تخصص جنس الذكر بصفة الذئبوية تجاه المرأة، وليس عموم جنسي الإنسان، كما جاء فى فلسفة هوبز التى طرحها فى كتابه الشهير Leviathan سنة 1651م. 

تُشير العبارة المقصودة فى مدلولها إلى فئة معينة من الرجال بأنهم ذئاب بشرية، وهى إيماءة إلى أؤلئك الرجال الذين تتغلب الغرائز الحيوانية فى نفوسهم على قوة الإرادة العقلية، فتدفعهم لأن يبرروا لأنفسهم إستخدام كافة الوسائل لتحقيق رغبات شهواتهم الجنسية، ولا يهم ما يفعلونه لأجل الوصول إلى مأربهم، حتى لو أرتكبوا من أجله الجرائم المحرمة، وعلى رأسها جريمة الإغتصاب. 

والمرأة فى كافة العصور تملك بنفسها غالبية الأسلحة التى تصد بها شر الذئاب البشرية، كما تملك الأساليب التى تغريهم وتسيل لعاب شبقهم الحيواني، وتطلق العنان لقوى الشر الكامنة فى ذواتهم للتحرش بها، ومحاولة نيل أغراضهم الجنسية منها. 

الدين والعادات والتقاليد الحميدة والأعراف القائمة على أسس القيم الأخلاقية النبيلة، لم تكف عن إرشاد المرأة فى المجتمعات المحافظة على التقيد والإلتزام بالحشمة، وتفادى التبسط والتساهل فى الحديث مع الرجال بصفة عامة. ونجد فى هذا القياس، إن النساء اللآتى يلتزمن بهذه التعاليم والإرشادات الخيرة، يتم لهن تأمين وتحصين أنفسهن من شر مكائد الذئاب البشرية، ويفزن ـ علاوة على ذلك ـ بإحترام كافة أفراد مجتمعاتهن. 

إن الإنسان بجنسيه المختلفين (ذكر وأنثى)، مهما إرتفع شأنه، وأعتمر بتاج المعرفة والعلم، فإنه يظل وحيداً حتى تكتمل آنسته بأصدقاء قريبين إلى قلبه، يفضى لهم بمكنون نفسه، وأسراره التى لا يكشفها للآخرين. والناس جميعهم لديهم فى مكنون أنفسهم أسرار لا يعلمها أحد سوى خالقهم. بل أن البيوت جميعها ـ فى كل مكان وزمان ـ تختزن فى داخلها أسرار تخفيها حيطانها وأبوابها المغلقة عن الغرباء. 

المرأة تفضي بأسرارها لصديقاتها، وأحياناً لأمها، فالبنت ـ كما يقال فى الأمثال ـ هى سر أمها. ومن الجانب الآخر، يفضي الرجل بأسراره لأصدقائه، لأن الإنسان لا يستطع حمل أسراره فى صدره، فهو أضيق من أن يتسع رحابه لها. ولهذا فإنه يلجأ الفرد فينا للإباحة بأسراره لمن تأنس نفسه لهم من بين الأصدقاء والأقارب والمعارف. 

والمعضلة التى لا يعمل المرء لها حساباً، إن الأسرار إذا خرجت من صدر صاحبها، فإنها معرضة بنسبة كبيرة إلى إنتشارها بين الملأ، ولهذا فإنه ليس هناك مكان أكثر أمان لحفظها وصونها من صدر صاحبها ذاته، فهو الخزانة الآمنة التى تحافظ على ودائعها وتصونها فى طي الكتمان؛ ولذلك فإنه من الحكمة أن يودع المرء أسراره فى صدره حتى لو ضاقت سعته بها. 

والطامة الكبرى فى هذا المنوال، تكمن فى خطأ المرأة فى مجتمعاتنا الشرقية، بإتخاذها صديق أو أصدقاء من جنس الرجال، ويزداد مقدار خطأها عندما تبيح لهم أو لأحدهم بأسرارها الخاصة. والمعنى فى هذا الخصوص، يستدل على جزء منه بالشرح السابق، الذى تم فيه الإشارة إلى أن أسرار المرء معرضة للإنتشار عند الإفصاح بها لصديق أو أكثر من نوع جنسه. 

لأن القاعدة فى هذا الغمار، تستند على أسس إحتمال قيام المؤتمن على أسرار غيره بإذاعتها للآخرين الذين يأتمنهم على أسراره، ويفعل الآخرين المثل بإذاعتها لمن يأتمنون على أسرارهم، ودواليك. إن هذا الأمر يحدث فى معظم الحالات، وذلك لأن أمر إفشاء الأسرار يقع ضمن الطبيعة التى جبل عليها البشر فى سلوكهم. 

والأمر فى هذا الخصوص، يتعاظم بصورة مذهلة عندما تفصح المرأة عن أسرارها لمن تأتمنهم من الرجال الذين تظن بأنهم أصدقاء لها. والسبب فى ذلك يكمن فى طبيعة المكانة المختلفة للمرأة فى مجتمعاتنا الشرقية، التى جعلت منها سلعة صعبة المنال بالنسبة للرجل بحكم القيود الإجتماعية والدينية، التى لا سبيل للرجل لإختراقها وإقتناء إمرأته التى ينشدها سوى بدخوله فى مشروع صفقة زواج

ومن هنا، فإن أية علاقة يحققها الرجل الشرقي مع إحدى النساء، هو مدعاة فخر لصاحبها، وإنجاز جبار يتباهى به أمام أقرآنه. ومن هذا المنطلق، تصبح أسرار المرأة التى تبيح بها للرجل تحت مظلة الصداقة أو غيرها، أسهم ترفع من رصيد فحولته عندما ينشرها بين رفاقه من الرجال. 

ومن جهة أُخرى، أن مجتمعاتنا الشرقية، التى يدعي ناسها ـ على الدوام ـ بأنها محافظة، تحترم أصول التقاليد والعادات الحميدة، وتتمسك بتعاليم الدين، نجدها تتغاضى فى إطار تنظيم العلاقات بين الرجل والمرأة، عن زلات الرجل فى هذا الخصوص، لكنها تحاسب المرأة، ولا تغفر لها أبداً فعلتها، فهى مدانة فى سلوكها الخارج عن عادات الناس فى هذا السياق، وتظل الإدانة ـ فى هذا الإعتبار ـ تلازمها مدى العمر، وترسم لها حياة مختلفة بين أفراد مجتمعها، وتلقى بظلالها على أفراد أسرتها. 

ويقع خطأ أختنا ليلى الهوني، فى إعتقادها وتصورها بإمكانية عقد علاقات صداقة مع نفر من جنس الرجال، وازداد خطأها فى إستفحاله عندما تبسطت معهم فى الأحاديث، وأباحت لهم عن بعض أسرارها. والمشكلة بأن بعض هؤلاء الأصدقاء (المفترضين)، كانوا من فئة الذئاب البشرية الذين لا يعترف أفرادها فى مكنون أنفسهم بوجود لصداقة بين الرجل والمرأة ـ بتأثير من العادات الإجتماعية وغيرها ـ ولكنهم يستعملون رخصتها لتحقيق أغراضهم المعنية. ويرى هؤلاء وفقاً لأعرافهم الرجولية، بأن إذاعة أسرار المرأة التى أكتسبوا صداقتها، هى نياشين يفتخرون بها فى قرارة أنفسهم، وفى أوساط رفاق الذكورة. 

***** 

هل لازلتُ ـ أيها القاريء ـ أحظى بإهتمامك ؟ حسناً، السكوت علامة الرضا. إذن أسمع لما سأقوله جيداً، فهو سيقودنا فى نهايته لفهم موضوع النقطة المثارة. إن الرجل الشرقي ـ هو أيضاً مثل المرأة على وجه العموم ـ يسبل رموشه، ويخفض صوته، ويستعين بكافة قواميس العفة والأخلاق فى ضرورة إحترام المرأة، والوفاء عند مصادقته لها، بل أنه ـ فى حضرتها ـ يغلظ لها الإيمانات الراجفة بأنه يقدس صداقتها بنفس القدر الذى يكرس فيه مشاعره الطيبة لصداقته مع أقرانه الرجال، فالأثنان من وجهة نظره متساويان ولا يختلفا عن بعضهما البتة. 

حسناً ـ مرة أُخرى ـ الرجل أعتاد منذ فجر الخليقة على الصيد من أجل البقاء، فيصطاد الفريسة من بين الحيوانات المتاحة فى محيطه، ويجرها من رجلها لكهفه ويلتهمها لسد رمق جوعه، دون الإهتمام بشويها أوطبخها. ويفعل الرجل المثل مع النساء اللآتى يصطاد من بين مشاعهن واحدة، يجرها من شعرها لكهفه، كي يشبع نهم شبقه من جسدها العاري. 

خرج الرجل من العصور الجليدية والحجرية عبر ملايين السنين، ولم تتغير عادته فى الصيد، ولكن تغيرت الأساليب والوسائل التى يستعملها لتحقيق غرضه. فنجده فى عصرنا الحالي قد أستعاض عن قذف فريسته بالأحجار، إلى إقتناصها ببندقية آلية لا يخطيء منظارها (المقرب) الضحية المغلوبة على أمرها. وبالمثل تغيرت أساليب الرجل فى إصطياد النساء، بالطبع خارج نطاق الزواج الذى سنه الله من أجل التكاثر الشرعي، ومن أجل منع إنتشار ممارسة الجنس (المشاع) الذى يتساوى فيه سلوك الإنسان فى هذا الشأن مع سلوك الحيوان. 

تبنى الرجل العصري ـ الشرقي ـ أساليب تتماشى مع الإطار القانوني والأخلاقي الذى يغلف كيانات المجتمعات المعاصرة، حيث جعل أدوات صيده فى هذا الشأن تدور حول كسر حاجز الرهبة من العادات والتقاليد وتعاليم الدين فى وجدان المرأة، فأستخدم لها لغة أسطوانات الحب، وضرورة الثقة فيه، وفى نواياه الحسنة، وخفض لها جناح التمسك بها إلى أن يفنى الوجود، وأقسم لها (أغلظ الإيمانات) أنها لن تكن لغيره، فهى من نصيبه مهما طال الوقت وأمتد الزمان. وهذا بالطبع يقع تحت خانة صيد العذروات؛ أما المتزوجات، فالبداية، على الدوام، يتم إستهلالها بمشروع صداقة خالصة، ومد جسور الثقة والوفاء، ثم يتسلسل الأمر بعد ذلك للغرض المقصود. 

سيكون حديثنا الآن عن المرأة المتزوجة، التى سوف نختار من بين فئاتها، شريحة المتزوجات اللآتي تداعبهن مشاعر الحرية والإستقلالية وتدفع بهن (أحياناً) لتكوين صداقات مع الرجال ـ دون أن يخامرهن التفكير فى خيانة أزواجهن ـ وهن من يهمنا أمرهن لإرتباطه بموضوعنا. وغالباً ما يتم لهن مصادقة الرجال فى إطار المكان الذى يعملن به، حيث تتاح لهن عبر مجاله فرصة الأحتكاك بعناصر مختلفة من الرجال. 

ولا تُعير المرأة المتزوجة المشار إليها، أمر تبسطها مع من ترتبط معهم بصداقات أية أهمية (وهذا خطأ قاتل)، وذلك فى إيمان بالغ من الثقة بقدرتها على المحافظة على نفسها، وإعتقاد راسخ بثقة زوجها فيها وفى نزاهتها. ومن ثم تفرد البساط الأحمدي الذى تظن بأنه لا يضير طرحه أحد بشيء، وترى الأمر ـ بقصر نظر ـ على أنه لا يعدو عن كونه كلام وحديث متبسط دخلت غماره من أجل التسلية البحتة مع من تعتقد بأنهم أصدقاء لها. 

وهذا النوع من النساء، الذى أعتقد بأن ليلى الهوني من شريحته، يغفلن عن أهمية الإلتزام والتقيد بأصول الحشمة فى الحديث مع كافة الرجال المحرمين عليهن شرعاً، وفوق كل ذلك، يغفلن عن أن إقامة علاقات صداقة مع جنس الرجال، تُعد من ضمن المسائل المحفوفة بالمخاطرة فى إطار الخصائص التى يقوم عليها بنيان مجتمعنا الشرقي (المحافظ). 

وأنا هنا لا أطعن فى مفهوم الصداقة بمعناه المجرد النبيل، المبني على قواعد النوايا الحسنة، والوفاء الخالص، دون أغراض مبيتة. ولا أنبذ فكرته كلية. لأن علاقة الصداقة بمختلف أجناس أطرافها، هى شيءُُ جميلُُ، وتعد من ضمن الشراكات الإنسانية الراقية؛ هذا إذا تم إعدادها وبناءها على أسس سليمة، وإذا كان قوامها الإحترام المتبادل، وإذا تمت إحاطتها بسمات القيم الطيبة الكريمة، وإذا أخلصت أطرافها فى نواياها، وتطهرت من كل دنس وكريه. 

ولكن، الصداقة بواقع الشروط السابقة، تُعد أندر من العثور على طائر الرخ الخرافي فى حي الصابري. وفى معظم الحالات، فإن صداقة رجال المجتمعات الشرقية للمرأة، تعنى لهم أشياء أُخرى، أبعد من إدراجها تحت طائلة الصداقة. ومن هذا المنطلق، كان الأولى بالأخت ليلى الهوني، أن لا تنسكب بكل ثقتها فيمن صادقت، وأن لا تفشي أسرارها لهم؛ وما جنته من عواقب وخيمة، إثبات صارخ على صحة هذا القول. 

***** 

لعلنا الآن، قد أكتسبنا نموذجاً، يمثله سليم الرقعي، يمكن القياس عليه بأشباهه الكثيرين الذين تعج بهم دائرة الشريحة المتلونة فى المجتمع الليبي. وتكون هذه المقالة بذلك قد أنتهت من مهمتها التى سُخرت لها. هذا على الرغم من أني لم أتعرض لبعض النقاط الأخرى، التى لا تخلو من أهمية فى هذا السياق. لكني رأيت بأن أكتفى بهذا القدر حتى لا تتجاوز المقالة المنهج الذى رسمته لموضوعها. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إنني لا أستعجل نشر مواضيع كتاباتي عند الإنتهاء من صياغتها، فقد جرت العادة على تركها ليوم أو يومين، وربما أكثر، ثم أعود إليها لمراجعة محتواها، تحسباً للسهو والخطأ والنسيان. فأصحح كلمة هنا وجملة هناك، وأتذكر فكرة مفيدة، أو أشطب أُخرى سقيمة. وقد وجدت ـ بالتجربة ـ أن الفترة الفاصلة بين لحظة الإنتهاء من كتابة نص الموضوع المزمع نشره، وبين وقت مراجعته، لها فائدة جمة فى تنقيح وصقل مادته المراد نشرها للناس. وربما يساور التعجب أذهان البعض إذا قلت أنني أترك بعض المقالات ـ أحياناً ـ لشهور طويلة قبل العودة إليها للمراجعة والتنقيح.


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home