Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Friday, 20 April, 2006

     

الهزيمة (1)

فرج الفاخري

الجزء الأول

  نُعيب مبادىء الحق ... والعيب فينا ... وهل هناك من يستحق العيب سوانا !.[1]

 كُنت قد عزفت منذ شهور بعيدة عن نشر كتاباتي على موقع ليبيا وطننا، وهو الموقع الوحيد الذى أنشر عليه ما يتم لي كتابته، والسبب من وراء ذلك يكمن فى اللغط الرخيص واللغة الجارحة التى سادته، والتى لا تمت لأصول الحوار العفيف والأخلاق الكريمة بصلة.

حيث سمح الدكتور إبراهيم اغنيوة ـ الذى أُجله وأكن له كافة آيات الإحترام والتقدير ـ لبعض الأقلام المشبوهة، التى تكتب بأسماء مستعارة، بقذف وشتم وسب بعض أفراد المعارضة الليبية والرموز الدينية.

ولقد حاولت من جانبي توجيه بعض الكتابات الناصحة لرواد المواقع الليبية بصفة عامة، للتحلى بروح الأخلاق العفيفة والكريمة فى كتاباتهم الناقدة، والإبتعاد ـ فيها ـ عن لغة التراشق بالألفاظ النابية، ولكن بدون جدوى.

وكان من الصحيح، أن يقوم الدكتور اغنيوة ـ ذاته ـ بمنع نشر هذه الكتابات الرخيصة، التى لا تدخل فى إطار حرية التعبير عن الرأي بقدر ما تثير إشمئزاز وتقزز القارىء ـ السوي ـ منها. خاصة إذا عرفنا، أن هذا الموقع الأثير يرتاده معظم الليبيين الذين يمتلكون أدوات إستعمال عالم الإنترنت (صغارهم وكبارهم).

 وفى هذا الغرار، لو حاولنا الإمعان فى هذه اللغة البذيئة، والهابطة، والمسيئة لأعراض بعض الأفراد النزهاء، فإننا سنجدها لا تخدم أغراض العمل الوطني البناء القائم على الحوار المجدى، ولا تفيده البتة. بقدر ما تفيد أغراض من يتقيأون بها فى كتابتهم المشينة. ولا ريب عندي ـ فى هذا الإطار ـ أن مثل هذه الكتابات السوقية، سوف تترك أثرها المخجل فى تراث مساجلات المعارضة الذى سترث تاريخه الأجيال القادمة.

 ومن ناحية، إن حرية التعبير والنقد ـ فى أعتقادي ـ ليس لها علاقة بشخبطات البذاءة اللغوية التى يسطرها بعض الأنفار المشبوهين؛ فحرية إبداء الرأي الأصيل، والتعبير الصادق عن وجهات النظر، والنقد البناء تُعد أقوى الأدوات التى يمكن الإستعانة بها فى إثراء مدارك مناظريها من أصحاب الآراء الفكرية المختلفة، والتى تعمل ـ فى هذا المضمار ـ على توسيع أفقهم الفكري، طالما ألتزم أطرافها فى حواراتهم بالموضوعية الصادقة. وحرية التعبير والنقد ـ من ناحية أُخرى ـ تصحح مسار دروب العمل فى قضيتنا الوطنية، إذا إبتعدت فى إنتقاداتها عن السوقية وإستخدام اللغة الهابطة.

وياليت، فى هذا الإطار، تكون إنتقاداتنا ـ على الدوام ـ هادفة، ومبنية على الموضوعية الصرفة، وقائمة على النقد البناء الذى يربأ أصحابه بأنفسهم عن إستخدام مفردات التجريح الشخصي والشتائم البذيئة.

 لهذا السبب إمتنعت، فى الفترة الماضية، عن نشر ما أكتبه فى هذا الموقع ـ الذى كُنت قد أخترته منذ البداية كنافذة أُطل منها بآرائي الخاصة حول قضيتنا الوطنية ـ وذلك بعد أن فقدت الأمل فى توقف مثل هذه الأسفافات المخلة بمكانة المعارضة الليبية وأهدافها السامية.

 لكنني وجدت نفسي مدفوعاً بنعرتي الوطنية ـ للعودة ـ لنشر مقالتي هذه، التى لم يكن لها أن ترى النور، لولا إثارة حفيظتى من قبل المغالطات التى أحتوتها مقالة عيسى عبد القيوم (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)، التى نشرها على هذا الموقع فى الحادى عشر من شهر مارس المنصرم، وأراد من خلالها تمرير وترسيخ واقع من الحال الخاطىء والمخالف لصلب الحقيقة.

ومن هنا، كتبت هذ المقالة من أجل رصد مغالطات عبد القيوم، التى لم يكن من الممكن تركها تمر، ليتقوقع ـ بعد ذلك ـ خطأها الفادح فى نسيج مفاهيم العمل الوطني الشريف، وكأنه خياراً مقبولاً، لا غبار عليه.

 وإذا رآى البعض بأن نشري لهذه المقالة على موقع ليبيا وطننا، يُعد تراجعاً عن موقفى الذى إتخذته نصرة للمبادىء السامية الداعية لزرع قيم أخلاقية عفيفة فى مخاطباتنا لبعضنا البعض الآخر، فسيكون ردي بدون مواربة، أن المرء من وقت لآخر لابد أن ينال قسطه من الهزيمة، إذا كان سيغنم ـ عوضاً عنها ـ بنصرٍ يفوقها أهمية فى إطار قضيتنا الوطنية.

 *****

 كنه الهزيمة ..

من القليل النادر أن لا يتعرض المرء لهزيمة ما فى مرحلة معينة من حياته، فكل إمرء يمنى، بشكل أو بآخر، بقدر من الهزيمة والإنكسار فى غمار معترك حياته المرصودة، وذلك بما يماثل ـ أو يختلف عن ـ تحقيقه لقسطٍ من الإنتصار والنجاح.

وقد تكون مشاعر مرارة الهزيمة ـ فى هذا الإطار ـ متشابهة بين فرد وآخر، لكن الذى لا ريب فيه، أن رد فعل الإنسان (ذاته) إزاء الهزيمة التى تلحق به وتتمكن من صرعه، يختلف فى تأثيره النفسي لكل فرد على حدة.

فنجد الهزيمة فى أوج سطوتها ـ على سبيل المثال ـ تدفع ببعض ضحاياها إلى الإنتحار أو الوصول بهم إلى شفيره، وتنحدر بآخرين منهم لهاوية الإحباط والقنوط، وتجر البعض الآخر لغياهب الإنكسار والعزلة والسلبية، بينما نجدها فى حين آخر تعمل (بما يدعو للحيرة) على تقوية عزيمة آخرين، وتزيد من شكيمة إصرارهم وتشبتهم بالمضى قدما، لإعادة الكرة مثنى وثلاث، وما يتجاوزهم من الكرات المتوالية لتحقيق النجاح المرغوب.

وهزيمة الفرد، فى هذا الخصوص، تظل حالة خاصة، ينعكس تأثيرها السلبي على مجريات حياته الذاتية، وتخيم نتائجها السيئة بسوادها القاتم عليه بمفرده، دون سواه. غير أن هذا لا يمنع، فى بعض الحالات القليلة، أن نجد تأثيرها يمتد ـ ليطول ـ بعض الأفراد فى محيط الفرد المهزوم، وذلك بالقدر الذى يحكم علاقته بهم، وبمدى قربهم منه، ومن مسار مجريات حياته الخاصة (كالأهل والأقارب وشركاء العمل .. إلخ).

بينما على الجانب الآخر، نجد أن وقع الهزيمة على أُمة ما، ينعكس تأثيره السلبي ـ فى معظم الحالات ـ على أجيال متعاقبة من تاريخها السائد. وهزيمة الأمة، فى هذا الغمار، هى هزيمة لكل فرد من أفرادها. وقد يؤدى تأثير (الهزيمة) على الأمة، فى بعض الأوقات، إلى إندثارها وتلاشيها نهائياً، ومن ثمة إنتهاء فعالية ممارسة دورها فى إطار أحداث التاريخ البشري المتواتر، مثل تلاشي مجتمع الهنود الحمر فى أمريكا، من جراء إبادة معظم أفراده فى حروب الإستكشافات الجغرافية، ودمج ما تبقى منهم ـ قصراً ـ فى حضارة الرجل الأبيض الجديدة.

*****

المبادىء السامية ومعناها ..

لقد خلق الله قيم ومبادىء الحق القويمة، قبل أن يخلق الإنسان، لأن الحكمة من وراء خلق الإنسان ـ فى أساسها ـ  مبنية على قيم هذه المبادىء الفاضلة، وذلك لتكون الصراط الذى يهتدى به فى حياته الدنيوية إلى عالم الخير.

مكن الله الملائكة من رؤية طبائع الإنسان وأهواء نفسه المتصارعة بين الخير والشر قبل أن يخلقه، فرأت (الملائكة) جرائمه ودمويته الفحشاء، ورأت إفساده وفساده فى الأرض قبل أن يرتكبها بوقت زهيد.

لكن الملائكة لم تر العقل الذى وهبه الله للإنسان وميزه به عن بقية مخلوقاته، وذلك بسبب ـ من ـ محدودية قدرتها ومعرفتها، التى لا تملك منها إلاّ ذلك القدر المعلوم الذى تستقيه من خالقها عندما يمن عليها به.

ولهذا، نجدها (الملائكة) تتسأل فى حضرة خالقها عن كيفية خلقه لمن يسفك الدماء ويُعيث فى الأرض الفساد، فيكون رد خالقها عليها بأنها لا تعلم ما يعلمه، أي أنها لا تر حكمته من وراء خلق ـ هذا ـ الإنسان.[2]

والبقية تاريخاً مسروداً فى النص القرآني الكريم، يعرفه كل من سُعد بقراءته، فقد خلق الله آدم وعلمه قسطاً وفيراً من أصناف المعرفة التى لم يكن له بها ـ من قبل ـ علماً ولا دراية، لتعجز الملائكة ـ بعد ذلك ـ عن مجاراته فى لحظة مثولها لإمتحان الله لها، فى هذا المضمار، حيث نرآها تفشل فى تسمية الأشياء التى لقنها الله لعقل آدم.[3]

وهكذا، أراد الله أن يجعل من الإنسان نسخة فريدة بين مخلوقاته، فوهبه العقل ليكون منارة تقوده وترشده لمواطن الخير والحق، وتجنبه الوقوع فى فخاخ الشر والرذيلة، وذلك بالقدر الذى يتمسك فيه ـ هذا ـ الإنسان بمبادىء الحق الخيرة، فإن أعرض عنها فقد ضل سبيله الذى رسمه خالقه له ليتبعه.

والجميل فى الأمر كله، إن الله قد وهب الإنسان هدية أُخرى، لتكون ملازمة له عند إعماله للعقل فى الموازنة بين الأمور التى تصادفه فى فترة عيشه على الأرض، والتى لا يمكن للعقل ـ بأي حال ـ الإستغناء عنها فى هذا الإطار، وهى هدية الإختيار.

والمعنى هنا، إنه بدون وجود الإختيار ينتفى المبرر لوجود العقل ذاته، فليس ثمة أهمية أو جدوى من إطلاق ملكة التفكير فى عقل لا يستطع الإختيار والمفاضلة بين الأمور الشتى التى تعترضه فى مجريات حياته اليومية. والإختيار من هذا المنطلق يُعد أسمى ـ وأهم ـ أدوات العقل العاملة، وهو أحد أسباب وجوده الرئيسية، ومن ناحية أُخرى هو أحد أسباب نزول الإنسان ـ ذاته ـ لأرض الشقاء.

 *****

 الإختيار وفحواه ..

تصرعنا الهزيمة (فى الحياة) بوجوه عدة، وأشكال مختلفة، لكنها لا تستطع إرغامنا على الخضوع لمقاليدها، ففى نهاية المطاف نملك ـ إزائها ـ زمام حرية الإختيار الذى يُرشدنا إليه العقل بحسن تدبيره، فإن قادنا إختيارنا الذى أملاه العقل ـ فى يومٍ ـ إلى التمسك بمبادىء الحق والفضيلة، فذلك يُعد إنتصاراً لنا حتى وأن أخذ على أرض الواقع شكل الهزيمة.

بمعنى آخر، إن الفرضية المنطقية لأسس التفكير السليم، لا تر فى صاحب عقل معزز بحرية الإختيار أن يتبنى رأياً مخالفاً، أو غير متجانس مع مبادىء الحق القويمة فى قضية واضحة المعالم. وبغض النظر هنا عن عواقب هذا الإختيار التى ـ قد ـ تجلب لصاحبها، فى بعض الأحيان، وابل من المتاعب المتصاعدة الخطورة، تصل فى أوجها لفقدان المرء لحياته، عند مواجهته ـ على سبيل المثال ـ لطغاة الأنظمة المستبدة؛ لكنه من ناحية أُخرى، يكون قد حقق النصر المطلوب لمبادىء الحق التى كلفه خالقه بإعلائها، وهذا هو جوهر الحكمة من وجود الإنسان على الأرض.

وعندما نلقى نظرة شاملة على تاريخ مسيرة الإنسان فى الأرض، فإننا نرى فى كل يوم واليوم الذى يليه، ميل البعض من أبناء البشر لإختيار جادة الشر المخالفة والمضادة لكافة نواميس مبادىء الحق والعدل والخير !. والسبب من وراء ذلك يكمن فى نوازع الطمع والشجع وأثرة النفس، الباحثة لصاحبها عن مكاسب مادية بحتة، تصور له ـ أن ـ فى نيله لها، وتمكنه من إحرازها، نصراً لطموحاته فى هذا الغمار، وما عداه يُعد هزيمة نكراء !.

وفى هذا الصدد، نجد أن مأساة الشعب الليبي تحت سيطرة النظام الفاسد الذى يحكمه، جلية الوضوح بدرجة تدفع العقل السوي لكى ينحاز فيها ـ بدون أدنى ريب ـ لصالح المبادىء الخيرة التى ترفض الظلم المحيق بالمواطن الليبي. ولكن، فى نفس الوقت، يكشف لنا الواقع المرير عن إنحياز زمرة من الإنتهازيين لهذا النظام الجائر، من أجل الحصول على مواقع فى السلطة، أو إغتنام ونهب بعض الأموال من ثروة الشعب الليبي، وربما الأثنان معاً.

ويُعد مثل هذا الإنحياز فى نظر ثلة هؤلاء المنافقين نصراً لمطامعهم الرخيصة، فى الوقت الذى لا يعدو فيه ـ مثل هذا السلوك المنحرف ـ عن كونه هزيمة مشينة لأصحابه من وجهة نظر مبادىء الفضيلة السامية التى طرحها الله للبشر لإتباعها فى معاملاتهم الدنيوية.

 *****

 نظام الحكم الفاسد ومصدر قواه ..

فى هذا الإطار، بنى رأس سلطة الحكم الفاسد فى ليبيا عماد نظامه الأساسية على أكتاف هؤلاء الإنتهازيين من الثلة المنافقة، وما كان له أن يستمر بدون عونهم الحيوي (ولو) ليوم واحد. فنظام الحكم الفاسد فى ليبيا ـ مثله فى ذلك ـ مثل بقية الأنظمة الدكتاتورية التى إبتلت بحكمها بعض شعوب العالم فى التاريخ البشري المتواتر، تعتمد فى إستمراريتها على ماكنة قمعية تتكون تروسها من عناصر مدربة ومجهزة بأسلحة قمعية رادعة، وشبكة من أجهزة المخابرات، إلى جانب مجموعة رعاع من الإنتهازيين وأُخرى من المثقفين المنافقين، الباحثين ـ جميعهم ـ عن مكاسب مادية بخسة على حساب هزيمة الشعب الليبي بأسره.

وعلى الجانب الآخر، نجد هناك ماكنة أُخرى لديها تروسها المختلفة فى مجملها عن نظيرتها الآنفة الذكر، والمتشابهة معها فى بعضها القليل الآخر، وهى ماكنة قوى المعارضة الليبية، التى يحتوى معظم نسيجها على عناصر مناهضة لنظام الحكم الفاسد بهدى من مبادىء الحق السامية، إلى جانب إحتوائها على شريحة طفيلية ضئيلة تشابه ـ تلك ـ التى تشكل عصاب ماكنة النظام الفاسد.

بمعنى، أن جموع أفراد الشعب الليبي بأسره ـ يُعد ـ كتلة شعبية معارضة لنظام الحكم الفاسد الذى فرض حكمه عليها بالقوة القاهرة والقمع الشرس، وهذا ـ بالطبع ـ بعد إستثناء الزمرة الطفيلية المشار إليها أعلاه، والتى تقتات على معاناة الشعب الليبي، من خلال مؤازرتها لرأس النظام الفاسد وإجتهادها فى ترسيخ حكمه الجائر على البلاد. وأيضاً بعد إستثناء الزمرة الأخرى المحسوبة على قوى المعارضة الليبية، ولكنها ـ فى الواقع ـ لا تقل طفيلية عن نظيرتها المتمركزة فى داخل أقبية سلطة النظام الحاكم، والفارق (العملي) بينهما، إن إحداهما فى داخل ماكنة السلطة والآخرى خارجها !.

ومن جانب آخر، تفترض دراسات التحليل السياسي المقارنة، بأن جموع أفراد الشعوب لا تثور على الأنظمة الطاغية المتسلطة عليها، إلاّ بقوة التأثير القيادي للكوادر الواعية من بينها، التى تقوم فى هذا الخصوص، بحث وتحفيز أفراد شعوبها على رفض حكم الأنظمة الفاسدة المهيمنة عليها، من خلال توعيتها بمصالحها وحقوقها الشرعية، وإشعال حماسها، وإثارة نعراتها الوطنية للقيام بثورة عارمة تُسقط بها حكم هذه الأنظمة المستبدة.

ومن هنا، نرى بوضوح أن الشعب الليبي المعارض بوجدانه لنظام الحكم الفاسد الذى إغتصب السلطة فى البلاد، وهيمن على مقدراته لسبع وثلاثين سنة وينيف، لن يثور من تلقاء نفسه، حتى وأن تزايدت هوادة الظلم والجور عليه (كما رأينا على أرض الواقع خلال السبع وثلاثين سنة الماضية). لأنه يحتاج، كغيره من شعوب الأرض، إلى تلك القيادات الواعية التى تُشعل فى وجدانه المستكين لهيب الثورة العارمة القادرة على إسقاط حكم النظام الفاسد المتسلط عليه.

*****

 معارضة الخارج ومواطن ضعفها ..

هناك وقائع ثابتة لا يجد المرء لديه ثمة ما يفعله حيالها، سوى قبولها على علاتها، حتى وأن كرهت نفسه تقبلها، ولعل إحدى هذه الوقائع هى ـ تلك ـ المتمثلة فى فشل المعارضة الليبية فى تأدية واجبها ودورها التاريخي المنوط بها فى تأجيج ثورة الشعب الليبي نحو إسقاط النظام الفاسد المهيمن على مقدراته الوطنية.

فقد نجح النظام الفاسد منذ وقت مبكر من حكمه فى القضاء على بذور تكوين كوادر قيادية فى داخل البلاد، يمكن لها الإضطلاع بمهمة تأجيج الثورة الشعبية ضده. وإستمر فى تسديد ضرباته المحكمة، والإستباقية لكل فرصة ناتئة، يمكن لها أن تكون بادرة أمل فى ولادة كوادر جديدة قادرة على إداء المهمة المنشودة. وبإختصار، سيطر طغاة الحكم فى ليبيا على مسرح الأحداث فى داخل البلاد، وألحقوا الهزيمة بالشعب الليبي.

وتعلق هذا الشعب المنكوب بأمل نجاح المعارضة الليبية ـ التى تكونت ـ بالخارج فى تخليصه من جور حكم النظام الفاسد المهيمن عليه. وغفل الأثنان (الشعب، ومعارضة الخارج) فى هذا الصدد، على أن الخلاص من النظام الكريه لن يتم إلاّ عن طريق الشعب ذاته، ولا أحد سواه.

وفى هذا الإطار نشأ خلل طارىء ومهم، عصف بفرص معارضة الخارج ـ التى آلت إليها مهمة تغيير النظام ـ فى تحقيق الأهداف المأمولة؛ وهو إكتشافها لأمر إفتقارها لأحد أهم العوامل الحاسمة فى فرض التغيير المنشود، وهو المتمثل فى عدم تواجدها بداخل البلاد !.

هذا العامل الذى لا تستطع أية معارضة تسعى لتغيير نظام الحكم فى بلادها على الإستغناء عنه، فهو يُعد أهم أدواتها قاطبة، وفى غيابه تفقد المعارضة ـ المعنية ـ ميزة التواصل المباشر مع قاعدتها الشعبية المستهدفة بالتحريض على الثورة المرتقبة.

وإذا فقدت المعارضة إتصالها وتلاحمها مع قاعدتها الشعبية، فإنها قد فقدت معها الوسيلة الوحيدة لإحداث التغيير المرغوب، سواء فى ليبيا أو فى أي بلد آخر فى العالم يشابهها فى ظروفه السياسية، هذا بعد إستثناء وسيلة التغيير غير الشرعي التى تضطلع به انقلابات ضباط الجيش من خلال إستخدام إمكانيات المؤسسة العسكرية.

ورغم ذلك، إلاّ أن هنالك وسائل أُخرى ـ كان ـ بإمكان المعارضة الليبية فى الخارج تبنيها لتعويض نقيصة بعدها عن أرضها، وتتمكن بها من تحقيق التواصل مع قاعدتها الشعبية لتحريضها على الثورة المرغوبة، لكن المعارضة الليبية تجاهلتها، فى الوقت التى حققت بها المعارضة الإيرانية ـ على سبيل المثال ـ النجاح المطلوب.

 إذن، نخلص ـ مم سبق ـ إلى أن قوة الشعب الكامنة، والقادرة على إحداث التغيير المطلوب من خلال الثورة التى يخلقها توقد روح الرفض الجماعي بين أفرادها، لا تولد إلاّ بجهود القيادات والكوادر الواعية من بينها، والتى يقع مسئولية إنتاجها ـ فى هذا الغمار ـ على قوى المعارضة المتصدرة لمواجهة النظام الحاكم، وفى الحالة الليبية تتمثل فى المعارضة المقيمة بالخارج.

بعبارة أُخرى، لقد دفع نجاح النظام الحاكم فى تجميد حراك القوى الوطنية الواعية فى داخل البلاد، إلى إنتقال مهمة بعث روح الرفض الجماعي الشامل بين أفراد الشعب الليبي لقوى المعارضة فى الخارج. وأصبحت ـ من ثمة ـ مسئولية هذا العمل الجليل من صلب واجبها الوطني تجاه بلادها وشعبها. وصار حرى بها أن تسعى لإبتكار وسائل التواصل المثمرة مع القاعدة الشعبية فى داخل البلاد لتبصيرها بحقوقها الشرعية، وتحفيز أفرادها نحو إعلان الرفض الشامل لنظام الحكم القائم.

غير أننا نجد المعارضة الليبية فى الخارج قد ضلت طريقها المرسوم، عندما إعتقدت قياداتها ـ بإمكانياتها المحدودة ـ بأنها تملك القدرة على إسقاط النظام المهيمن على إمكانيات دولة غنية مثل ليبيا، حيث رأينا كيف قامت بعض فصائلها (بمعزلها) بتبنى منهج العمل العسكري لتحقيق الهدف المأمول، وهذا أمرُُ كان محكوم عليه بالفشل قبل أن تختمر فكرته فى أذهان مبتكريه. بينما أضاعت فصائل أخرى وقتها وجهود أعضائها فى كتابة منشورات ومطبوعات لا تصل مضامينها لجموع الشعب الليبي فى الداخل، وهو الأساس المستهدف بالتوعية السياسية فى هذا الصدد، لتبقى هذه المطبوعات حبيسة دائرة قرائها المحدودين من أعضاء المعارضة الليبية فى الخارج.

 ومهما حاول البعض إجهاد ذواتهم فى البحث عن الأعذار والحجج لتبرير هذا الفشل أو العجز الواضح فى أداء المعارضة الليبية لدورها المنوط بها، فإن ذلك لن يبدل من الواقع فى شيء، ولن يغير من حقيقة هذا الأمر ولو بمقدار أنملة.

ولعله من المناسب هنا، أن يتم إبراز أهم سمات فشل المعارضة الليبية فى هذا الصدد، والتى يمكن حصرها فى ثلاث أمور:

1.     عدم إلتفافها حول خطة تفرض التواصل بينها وبين القاعدة الشعبية فى الداخل من أجل تبصيرها بحقوقها الشرعية، وخلق كوادر قيادية من بينها، تضطلع بمهمة تحفيزها ودفعها لتأجيج الثورة الشاملة على حكم النظام الفاسد.

2.     عدم تجذر مبادىء الحق فى نفوس بعض أقطابها، وبعض أعضائها فى الخارج، مم أدى إلى ولادة زمرة طفيلية، لا تختلف كثيراً عن نظيرتها القابعة فى داخل ترسانة السلطة الحاكمة، حيث نجد أصحابها قد أنشغلوا بإنتهازية ونفاق ـ مستتر وراء شعارات خدمة القضية الوطنية ـ فى التنافس على تحقيق شهرة إعلامية لشخصياتهم، كى تُسهل لهم فتح قنوات إتصال مع أقطاب النظام الفاسد، هذا من جانب. بينما نجدهم فى الجانب الآخر، يُكاد يشتركون فى سمة تغيير وتبديل إنتماءتهم وتوجهاتهم ومواقفهم من القضية الوطنية، بسرعة تفوق قدرتهم على تبديل ملابسهم الداخلية.

3.     إنسياق عدد كبير من أفراد الفئة السابقة الذكر، وراء المتاجرة بشعار الإصلاح (الوهمي) لستر عورة إقتراب أفرادها وتعاملهم مع جلادي الشعب الليبي، بينما الغرض المستتر من وراء هذا الأقتراب ـ فى أغلب الأحيان ـ يكمن فى رغبتهم لتحقيق مصالح ومنافع شخصية، أو مصالح إستراتيجية كما هو الحال مع جماعة الأخوان المسلمين الذين لهم، فى هذا المنوال، أجندة مختلفة عن الآخرين، تخدم فى أبعادها المستقبلية أهداف تنظيمهم فى الوصول إلى سدة الحكم فى ليبيا.

 *****

 أصحاب المنطقة الرمادية ومواضع رخصهم ..

فى هذا الإطار، لن يصيبنا العجب، ولن يعترينا الإستغراب، عندما يختار عيسى عبد القيوم ـ أو ما عداه من أصحاب المنطقة الوسطى أو بتعبير آخر المنطقة الرمادية الواقعة بين المعارضة من ناحية، ونظام الحكم الفاسد من الناحية الأُخرى ـ مصاحبة الدبوس وأمبيرش وغيرهم من شلة الإنتهازيين الذين مكنوا (وأمثالهم) رأس نظام الحكم الفاسد فى ليبيا من الإستمرار فى الهيمنة على السلطة، والذين لم يكتف كثيرهم بالتزيين لمظالم حكم ـ هذا ـ النظام الفاسد، بل كانوا مقصلته التى جزت رقاب الأشراف من أبناء الشعب الليبي، وكانوا سجنته الذين زجوا بالوطنيين الأحرار فى أقبية السجون الكريهة، وكانوا جلادوه الذين ساموا رجال ليبيا الطاهرين أبشع أنواع التعذيب والقهر؛ ليسطروا بجرائمهم الكريهة أشنع صور الظلم والإمتهان الإنساني فى تاريخ ليبيا قاطبة. ويرغموا شعبها على دفع الثمن الباهظ من حريته وكرامته ورفاهيته لفترة تزيد على سبع وثلاثين سنة، أفقدوه خلالها فرصته الذهبية فى بناء مجتمع ينعم أبناؤه بالرفاهية، ويسود ربوعه معالم التقدم والتحضر الإنساني.

ورغم أن إنشاء عبد القيوم لعلاقة تواصل مع هؤلاء المجرمين تحت ذريعة الحوار السلمي أو الشأن الثقافي أو الإعلامي أو غيره من الحجج والذرائع الكثيرة الواهية، التى يختفى وراءها ـ ومن حذا حذوه من فئة المتربعين فى المنطقة الرمادية ـ هو أمر لا يخص أحداً آخراً سواه. فهذا شأنه، وذلك إختياره الذى منحه الله له، عندما زرع له (ذلك) العقل فوق رأسه.

 نعم، هذا ـ إذن ـ شأنه، وإختياره الذى أملاه عليه عقله، ليصاحب من خلاله قتلة الشعب الليبي، وسارقي ثروته من أذناب النظام الفاسد. ولا يهم هنا أن قبلنا أعذار (عبد القيوم) الثقافية، وحججه الإعلامية التى ساقها لنا فى هذا الخصوص، أو رفضناها لأسباب يتبلور برهانها فى إقترانه بمبادىء الحق الساطعة الوضوح فى مثل هذه القضية الجلية المعالم.

ولكن الذى يهمنا هنا، أنه ليس من حق عبد القيوم ـ الذى إخترته فى هذا السياق كنموذج وليس كحالة فى حد ذاته ـ أن يحاول تسويق بضاعته المغشوشة بمغالطات يدين فيها أصحاب المبادىء الأصيلة الذين دفعوا الثمن باهظاً فى غربتهم الكريهة، وقاسوا كافة أنواع العذاب المادي والمعنوي من أجل أن يحافظوا على هذه المبادىء السامية فى أعماق أنفسهم، والتى رفضوا ـ رغم هوادة كافة أنواع الضغوط والإبتزاز الرخيصة التى تعرضوا لها ـ التنازل عن قناعاتهم الراسخة بقيمها، ورفضوا التخلى عن حق أمتهم فى الإقتصاص من الطغاة الذين إعتدوا على حقوقها الشرعية، وأهدروا فرصتها الكريمة فى تحقيق الرقى والرفاه.

فقد ساق عبد القيوم فى مقالته السالفة الذكر كم من المغالطات الباطلة، كال من خلالها تهم التحجر الفكري والوجداني لأصحاب المواقف الراسخة فى إدانة رأس النظام الفاسد وجوقته الكريهة التى تُعينه على ظلم شعب ليبيا.

حيث نجده قد نعتهم بفقدان سمة التسامح ! والإفتقار لمدركات الفكر التعددي الذى ـ حسب وصفه ـ يرتكز عليه السلوك البشري المتحضر ! ووصفهم بالتآخر من خلال رؤيته التى أفاد فيها بأن الوقت لا يزال مبكراً على أمثالهم لإدراك مفهوم بناء مشروع الدولة الحديثة التى ينشدها الجميع، وأخذ عليهم فى هذا الغمار، نقيصة عدم إستفادتهم من التجربة الغربية بكافة أبعادها الحضارية، رغم تمكين الظروف لهم بالعيش على أراضيها.

أراد عبد القيوم الدفاع عن توجهه الذى إختاره درباً له فى إطار تعامله مع القضية الوطنية، فكال الإتهام لتوجه ـ الغالبية العظمى ـ من أصحاب المبادىء القويمة، وتناسى فى غمار لهثه ولهفته لجمع الأسانيد والحجج التى تبرر إختياره، أنه قد كبل نفسه بذات الحجج التى أرادها أن تكون منفذه من ورطته التى لا يُحسد عليها.

*****

معانى عامة حول مغالطات دارجة ..

لقد أثار عبد القيوم غضبي، وأكاد أجزم بأنه قد أثار غضب كل ليبي ـ لازال ـ يحمل بين جوانحه الأمل فى رفع الظلم وإحقاق العدل فى ليبيا، ومحاسبة كل فرد ساهم فى نكبة شعبها على مدى فترة حكم النظام الفاسد المريرة.

والمعنى هنا .. أن زمرة المنافقون الذين يعتمد عليهم رأس النظام فى إستمراريته، هم مسئولين مثله، عن كل ما أحاق بالشعب الليبي من ظلم وهوان. وكما سبق الإشارة، لم يكن لرأس النظام الإستمرار ليوم واحد فى أعلى السلطة دون مؤازرة هؤلاء الأفاقين له.

والمعنى هنا .. أن كل فرد ساهم بقلمه أو بلسانه أو بيديه فى مساعدة النظام الفاسد (وتمكينه) من تحقيق الهيمنة الكاملة على مقاليد السلطة فى ليبيا، هو مسئول مسئولية مباشرة عن جرمه المشهود.

والمعنى هنا .. أن رأس النظام الفاسد الذى يحكم ليبيا، لا يملك لتسيير نظامه الأرعن سوى إستراتيجية واحدة (يتيمة)، تدور رحاها حول بسط نفوذه الشامل على البلاد، بدون أدنى قابلية للإندماج أو الإنسجام مع أي رأي آخر يخالفه.

والمعنى هنا .. إن رأس النظام الفاسد لا يؤمن بتحقيق أي نوع من الإصلاح السياسي (الأصيل) فى ليبيا، وذلك لأنه يعتقد ـ وهو محق فى ذلك ـ بإن أي إصلاح أصيل سوف يفرض فى طياته التنازل عن مساحة من السلطة، وهذا أمر يُعد من أكبر المستحيلات بالنسبة له، فتفكيره المستبد لا يقبل ـ من قريب أو بعيد ـ بمبدأ المشاركة فى عملية صنع القرار، مهما كانت (نوع) المبررات المطروحة من وراء ذلك.

 وهكذا، فأننا نجد فى المعانى السابقة ما يكفى لإدانة أشخاص مثل الدبوس وأمبيرش وكوسا وعبد الله السنوسي وأحمد إبراهيم وغيرهم ـ الكثير ـ من الذين تطول بهم قائمة الإتهام فى جريمة الإعتداء على حقوق الشعب الليبي.

فلا أظن أحد يجهل شعوذة الدبوس وتدجيله فى قلب الحقائق وتمييعها من أجل تجميل صورة سيده، ولا يخفى على أحد تبريره المتواصل لسياساته الرعناء التى تسببت فى شقاء أفراد الشعب الليبي لسبع وثلاثين سنة ويزيد. كما أنه لا يخال أن هناك شخصاً لا يعلم بجرائم كوسا وأمبيرش وأحمد إبراهيم والزائدي والسنوسي الوزري وعبد الله السنوسي ـ وغيرهم ـ الملطخة أيديهم بدماء الأشراف من أبناء الشعب الليبي.

 ولعلنا نجد فى المعانى المذكورة أعلاه، ما يكفى لإثارة غضبنا إزاء زمرة هؤلاء الإنتهازيين الذين مكنوا رأس النظام من السيطرة والهيمنة على مقدرات شعبنا وأستباحوا حقوق ومكتسابات أفراده البسطاء.

ولعل المعانى السابقة تفتح أبصارنا، وتوقظ ضمائرنا إلى حقيقة ساطعة، وواضحة بدرجة يستطيع المرء معها للإشارة إليها بإصبعه، حتى لو حاول البعض إخفائها فى حلك الظلام، وهى أن أفراد هذه الزمرة المنافقة، لا تمتلك الضمائر التى يمكن للمرء الإحتكام إليها عند محاورتهم، فهم لا يملكوا إلا أهدافهم الشريرة المنصبة فى تحقيق أكبر قدر من المنافع الشخصية. وهذا ـ بالتالي ـ ما دعاهم للإجتهاد والتفانى فى خدمة رأس النظام، بمزايدات رخيصة ـ فيم بينهم ـ وسباق محموم على تقديم كافة أوجه الولاء والطاعة له، على مدى سبع وثلاثون سنة مقيتة. 

*****

 السحر لا يسحر السحرة ..

ولعل المرء يجد من ثمة، فى كافة ما سبق ذكره حول هؤلاء المرتزقة الذين قضوا أكثر من نصف أعمارهم فى خدمة هذا النظام الفاسد، بأنهم لن يخروا فى يومٍ على ركبهم تائبين أمام حذلقة أحد أفراد المعارضة الكلامية، ويذرفون دمع الندم تحت سحر عذوبة لسانه فى تصوير آيات الخير ولعن أمارات السوء، ولن يرتد هؤلاء الأفاقين عن غيهم، ويرجمون سيدهم بجمرات الحجيج التى يقذفونها فى وجه الشيطان الأكبر بمواسم الحج بمكة.

لن يحدث ذلك فى يومٍ، حتى لو أستعان أصحاب المنطقة الرمادية بالعصى السحرية لكبار سحرة فرعون، التى ستُخرج لهم من القبعات ـ عند التربيت عليها ـ عدداً من الأرانب الوديعة، وبعض أزواج من الحمام الناصع البياض، وعشرات من المناديل المزركشة بألوان زاهية، وربما فى لحظة سحر عجيبة تُخرج لهم بعض التماسيح الظريفة أو بعض من صغار الخراتيت المسلية، لكنها ـ قطعاً ـ لن تستطع ثني هؤلاء المنافقين عن ريائهم وإنتهازيتهم الكريهة عند التربيت على مؤخرتهم بها.

لن يحدث ذلك فى يومٍ، فهؤلاء المرتزقة المخضرمون قد أختاروا طريقهم منذ اللحظة التى أستولى فيها رأس النظام على السلطة فى ليبيا، وأعلنوا عن موقفهم المساند له والمضاد لمصالح الشعب الليبي، وهو محدد فى العمل بكل ما تسعه طاقتهم على معاونته فى الهيمنة (المستمرة) على مقاليد الحكم فى ليبيا، وإنزال الهزيمة ـ من ثمة ـ بالشعب الليبي.

ولا أتخيل، والأمر كذلك، أن يستطيع عبد القيوم، الذى لا يشكل فى إطار هذا التحليل سوى كونه نموذج يقاس عليه، وليس حالة فى حد ذاته كما سبق الإشارة أعلاه، ولا يستطع ـ أيضاً ـ غيره من رواد الإصلاح الوهمي، أو أية جماعة أُخرى مستكينة تحت مسمى آخر يظلهم فى باحة المنطقة الرمادية، أن يغيروا من نهج هؤلاء الوصوليين من أذناب النظام الفاسد ـ ولو ـ بمقدار عقلة صباع طفل فى المهد.

وإن أقصى ما يستطيعون عمله فى هذا الصدد، هو تحقيق مكاسب جديدة فى إستراتيجية النظام المذكورة، والتى ترمى إحدى سياساتها إلى تحييد أفراد المعارضة فى الخارج، وتشتيت جهودهم والعمل على إرباكها بشتى الطرق، وذلك من خلال إستخدام وسائل ـ عدة ـ تعمل فى محصلتها النهائية إلى شل فاعلية نشاطاتهم المناهضة لسياساته الرعناء، والتى منها على سبيل المثال:

§        التلويح بمشروع الإصلاح الوهمي الذى وقع فى شركه ثلة من أقطاب المعارضة الليبية البارزة، إضافة لإحد أكبر تنظيماتها (الأخوان المسلمون)؛ الذين أنشأوا ـ جميعهم ـ علاقات حميمة مع عناصر النظام الفاسد المسئولين (مسئولية مباشرة) عن معاناة الشعب الليبي التى تعدت سبع وثلاثون سنة.

§        الدندنة على وتر الملف الثقافي والإعلامي الذى بلع طعمه عبد القيوم وغيره من أصحاب المنطقة الرمادية، وقطعوا فى سبيله شوطاً يسيراً، أقاموا خلاله علاقات وطيدة بعتاة المجرمين من أذناب النظام الفاسد، وتفانوا فى التسابق إلى تقبيلهم والتصوير معهم كمثل سياح فرحين بإلتقاط صورهم مع أبي الهول وأهرامات الجيزة، وسارعوا لعقد الندوات على شرف أعضاء اللجان الثورية وعناصر النظام الفاسد، وجمعوا لهم فى قاعاتها لفيف من أهل المنطقة الرمادية، ليصفقوا ـ فيها ـ لمحاضريهم من نشطاء النظام الفاسد المنتميين إلى لجانه الثورية، الذين تم إستجلابهم لهذا الغرض بالذات.

 يتبع ..

فرج الفاخري

farajelfakhri@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] من وحى: نعيب زماننا ... والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا.

[2] " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً. قَالُواْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون َ ". (الآية 30 من سورة البقرة)

[3] " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ، فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآء هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ: يَاءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ".(الآيات: 31 ـ 33 من سورة البقرة)


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home