Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الخميس 20 يناير 2011

إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ ! [1]

فرج الفاخري

لابد أن يكون بعضكم قد رأى نفسه ـ ولو لمرة واحدة ـ يستنزف عصارة جهده وأقصى حدود طاقته فى محاولة إقناع أحدهم بتبنى وسيلة ناجحة، يتمكن بأدواتها من الوصول لضالته المنشودة. لكن الآخر، يتجاهل نصيحته فى هذا النطاق، ويتبنى عوضاً عنها بعض الوسائل العقيمة البائسة، المحكوم عليها بالفشل الذريع، والتى لا تبعده عن تحقيق هدفه المأمول فحسب، بل أنها تهدر فرصته الذهبية (الوحيدة) لتحقيق مراده المطلوب. 

لقد ضقت بالمناهجة ذَرْعاً، وورم لساني من الكلام، وخدرت أصابعي من الكتابة، لأجل توضيح فكرة واحدة لأقطاب المعارضة الليبية فى الخارج، بدون جدوى. والفكرة المطلوب توضيحها، لا تملك ـ فى حد ذاتها ـ من سمات العبقرية مثقال ذرة واحدة يتمكن المرء بها من بيعها فى سوق الحميدية بدمشق بليرة سورية بخسة. لأنها فكرة بسيطة واضحة للعيان، ومتجلية للأعمى والبصير. 

ولا يمكن لأحد ـ فى هذا الإطار ـ أن يدعي بأن عقول وثقافة وذكاء أقطاب المعارضة الليبية فى الخارج، يمكن لها أن تخذلهم وتعجزهم عن فهم كنه هذه الفكرة المفرطة فى تواضعها، فهى سهلة الإدراك لكل من يعملها فى داخل عقله، ويسيرة المعنى لمن يخضعها لروح المنطق السليم. 

والمغزى المقصود هنا، أنه لم يكن مطلوب مني أو من غيري ـ منذ الأساس ـ أن يتبرع بإثارة موضوعها لهؤلاء الجهابذة، وينبههم لأهميتها القصوى، وهم دهاة قومهم الذين تصدروا للكفاح والنضال من أجل إسقاط حكم النظام الفاسد منذ ثلاثة عقود ونيف. 

ولكن، وجدت نفسي من وقت لآخر مرغماً على التكرار لهؤلاء الأقطاب الأفذاذ، الذين تعلقت أذهانهم ببرامج أنشطة نضالية قاصرة وعاجزة عن تحقيق الهدف المراد. ووجدت نفسي أعيد الكرة، مرة تلو الأخرى، لشرح الفكرة المعنية. ووجدتهم ـ فى المقابل ـ قد أمعنوا فى إصرارهم المستميت للتشبث بنهجهم التقليدي (الخاطىء)، وجعلوا أصابعهم فى آذانهم إزاء أية تفسيرات أُخرى لمفهوم النضال، وامتنعوا عن الإطلاع على حقائق تكشف لهم واقع جمودهم، وتيههم عن جادة الرؤية الصائبة، (فقط) لكونها مغايرة لقناعاتهم وثوابتهم الخاصة، التى سيطرت عليهم، بسطوة الخشية من أن يؤدى إقتناعهم بها إلى ضرورة تبنى برنامج مخالف لما ألفوه، وبالتالي يدفعهم ذلك إلى التخلي عن برامجهم التقليدية، التى صارت ـ بالنسبة لهم ـ مبادىء راسخة تهيمن على فكرهم بأدواتها الفاشلة. 

وإذا عدنا للفكرة المذكورة، فسوف نجدها ببساطة، تُشير لحقيقة معروفة عند كل مطلع على مجريات أمور الحالة الليبية ـ منذ إستيلاء الرأس الفاسد على الحكم فى البلاد ـ وهى أن المعارضة الليبية فى الخارج، بكل ما أوتت من عدد ومال وعتاد وفكر وعلم، لا يمكن لها بأي حال أن تقوض أركان نظام الحكم الفاسد الذى يسيطر على مقاليد السلطة فى ليبيا، بأدوات الوسائل العقيمة التى تبنتها منذ لحظة ظهورها ككيانات وتنظيمات وأحزاب متفرقة فى نهاية السبعينات وبداية الثمانينات. 

والسبب  ـ بمزيد من البساطة ـ يكمن فى ضعف إمكانيات هذه الوسائل وعدم جدواها فى الإطاحة بنظام يرتكز قوامه على إستخدام القوة الغاشمة بجميع أنواعها وأصنافها المختلفة، التى نجحت حتى هذه اللحظة فى كبح جماح صوت الناس الرافض لسياسات حكمه الرعناء بداخل الوطن. 

وإذا عرفنا أن الإستراتيجية التى يتبعها النظام الفاسد فى حكم البلاد، قد تم تصميمها خصيصاً لأجل إخماد أية شعلة توقدها شرارة الرفض والتذمر على المستوى الفردي، وذلك قبل تحولها لألهبة من النار المستعرة، التى تأتى على كل أخضر وهشيم فى هيكل حكمه الفاسد بفعل ثورة شعبية شاملة. فإننا بسهولة ويسر، سوف نعرف أن مهمة هذه الإستراتيجية قد أنحصرت وتركزت فى العمل على إستباق الأحداث، بإجراءات احترازية قوامها القمع الشديد المكثف. 

والمعنى هنا، إن النظام الفاسد فى هذا الصدد، ينتهج خطة إجرامية ذكية، تسعى على مدار الساعة والشهر والسنة والعقد وما يليه، للنجاح فى القيام بعملية إجهاض مبكر لجنين الرفض عند الفرد، قبل إعتماله وإنتشاره بين صفوف الآخرين من أبناء الوطن، وتحوله ـ من ثم ـ لرفض شعبي علني عارم، يصعب وقفه والتحكم فيه، مهما بلغت شدة وحدة وسائل القمع المتاحة فى هذا المنوال (أحداث تونس الأخيرة، وسقوط نظام بن علي، خير مثال). 

والفكرة فى مجملها، ترى بأن سقوط النظام الفاسد فى ليبيا، لن يتم ويحدث إلاّ بتمرد شعبي شامل، كالذى حدث (مؤخراً) فى تونس، وحدث قبلها بثلاثة عقود فى إيران، وحدث فى منتصف الثمانينات فى تشيلي، وحدث فى بعض دول أوربا الشرقية فى فترة التسعينات وسنوات العقد الأول من الألفية الثالثة. 

بمعنى آخر، ان الحل كله يكمن فى إرادة الشعب الليبي وحده، الذى لن يتحرك فيه ساكن إلاّ بوجود قيادات تعمل على إثارة غضبه الكامن وتسخيره فى شكل رفض جماعي (علني) يكتسح الشارع ويسيطر عليه، ولا يبرحه حتى يتم إسقاط النظام الأسن بكافة أركانه الفاسدة. 

ومن هنا، فقد حان الوقت لقيادات المعارضة وأقطابها للشروع فى تبنى برنامج عمل مستقى من مقومات هذه الفكرة، المعروفة لديهم منذ زمن طويل، ومع ذلك اختاروا تجاهلها، والتركيز على بعض الوسائل الأخرى غير المجدية. بغض النظر عن عدد المرات التى تم تذكيرهم بها، وتقديم النصيحة لهم باللجوء إلى تبنى برنامجها فى هذا الخصوص، الذى سوف يحقق لهم الغرض المأمول والمرغوب. 

وفى هذا السياق، لم أترك ـ منذ منتصف الثمانينات ـ مناسبة جمعتني بأفراد المعارضة وأقطابها، إلاّ وذكرتهم بها، وطلبت منهم تسخير إمكانياتهم لخلق برنامج يؤدى لفتح قناة إتصال بالقاعدة الشعبية فى الداخل، والعمل على تحريضها وتحفيزها من خلال أدوات فعالة يتبناها هذا البرنامج، بدلاً من إهدار الجهود والطاقات والإمكانيات فى تبنى وسائل خاسرة. ولكن، هيهات، هل ثمة حياة فيمن تنادى ؟. 

إن التاريخ البشري يقف أمامنا كل يوم بهيئته المهيبة، ليقول لنا بأنه لم يتم قط، أثناء تداوله للأزمنة المتعاقبة من القرن السالف والحالي، أن سقط نظام حكم إستبدادي، دون إكتمال نصاب الوعي فى عقول الناس للقيام بإسقاطه. وبالطبع ـ فى هذا الخطب ـ قد تم إستثناء وسيلة التغيير بالقوة الحربية (الإنقلابات العسكرية)، التى لا يعمل لها حساب فى هذا الإطار، ولا يؤخذ بوسيلتها غير الشرعية. 

ومن هنا، لم يبق أمام قوى المعارضة فى الخارج، التى تضطلع بأمر العمل على إسقاط النظام الفاسد فى ليبيا، إلاّ أن تُعيد النظر فى وسائلها العقيمة فى مناوئة النظام، والمنحصرة فى أساليب تظاهر بعض أفرادها أمام مقار سفارات النظام، وتوجيه الإدانات، وكتابة المقالات والمناشير الحماسية (النارية)، وشجب الجرائم المرتكبة فى حق الشعب الليبي، ومطالبة الرأس الفاسد بالتنحي عن الحكم ـ من على منابر المؤتمرات ـ دون إمتلاك وسائل القوة وأدواتها المختلفة، القادرة على إرغامه للرضوخ لمثل هذا المطلب. 

وأنا هنا، لا أدعو المعارضة الليبية بالخارج إلى نبذ ممارسة النشاطات المعارضة التقليدية (السالف ذكرها)، فليستمر من يرغب بممارسة ضروب فاعلياتها المختلفة، على الرغم من أنها لن تحقق لهم الغرض المأمول، إلاّ أنها ـ باليد الأخرى ـ تشبع فى أنفسهم النهم المفرط لمعارضة حكم النظام الفاسد. 

غير أنه ـ من ناحية أُخرى ـ أدعو (هذه) المعارضة إلى تبنى أسلوب تحريض القاعدة الشعبية التى تملك بمعزلها إمكانية التغيير، وذلك من خلال برامج صميمة، قادرة على تحقيق الهدف المنشود فى هذا الغمار. 

بمعنى مختلف، يجب على المعارضة الليبية فى الخارج تركيز جل إهتمامها على إبتكار برنامج يعمل على خلق حالة الفوران الثوري بين الناس فى داخل الوطن، حتى يخرجوا للشوارع، ولا يتركوها إلاّ بسقوط أركان النظام المتعفن، مثلما حدث فى تونس، وغيرها من البلاد الأخرى المشابهة لحالتها فى هذا المنوال. 

والخلاصة هنا، أنه يجب على المعارضة الليبية فى الخارج، أن تكون أكثر حنكة، ويبدأ أفرادها على الفور برسم برنامج (جديد) أكثر جدية وفاعلية، يعمل على ربطهم بقاعدتهم الشعبية فى الداخل، فى خطة مدروسة تؤدى إلى خلق الحس والوعي الوطني بين الناس، للقيام بتمرد مدني شامل. وغير ذلك يُعد من أمور العبث، التى أضاعت على الجميع، خلال ثلاثة عقود ـ من نشوء المعارضة ـ أكبر الفرص الثمينة لتغيير هذا النظام الأسن. 

ومن جانب آخر، فإن التغيير فى ليبيا أسهل مما يتصوره البعض. وما الصعوبة التى واجهت الناس فى السابق، وأمدت فى عمر هذا النظام الجائر لمدة أربعة عقود ويزيد، إلاّ بسبب عدم وجود قيادات ورموز قادرة على تحريض الناس على الثورة. حيث أن طاحونة القمع الشرس التى تم تسليطها على أفراد الشعب الليبي، من خلال إستراتيجية تعمل على طمس معالم الشخصية القيادية، وقتل روح المبادرة بالرفض العلني، دفعت معظم الناس للإستكانة للوضع الراهن، والقبول على مضض بالسياسات الظالمة المكروهة. 

ولم ينج من رحى طاحونة القمع والتصفية الوحشية، إلا الأعداد القليلة (نسبياً)، التى نفذت بجلدها لخارج البلاد، لينخرط بعضها فى نشاطات مناوئة لنظام الحكم الفاسد، من خلال الحرية المكتسبة تحت مظلة ديمقراطية البلاد التى تم اللجوء إليها. بينما حرم بني وطنهم ـ فى الداخل ـ من أبسط الحقوق الإنسانية المشروعة. 

ولقد توفر للمعارضة الليبية بالخارج ـ فى هذا القياس ـ كافة الإمكانيات التى تساعدها على القيام بدورها فى تحريض الناس بالوسائل المكفولة. ولكن أقطاب المعارضة أختاروا وسائل النضال الفاشلة، وتخلوا عن الوسيلة الوحيدة الناجحة، والمضمونة لإرسال حكم النظام الفاسد إلى حضيض مزبلة التاريخ. 

والمعنى المقصود هنا، ان الشعب الليبي ـ مثل كافة شعوب الأرض الأخرى ـ لا يتحرك إلاّ بتحريض من قياداته ورموزه وناشطيه، وليس ثمة ثورة مدنية ـ فى تاريخ العالم الحديث ـ نجحت إلاّ وكان ورائها قيادات أشعلت فتيل الشرارة الأولى لخروج الناس إلى الشارع. 

إن رسم برنامج علمي، يتبنى وسائل معروفة (ومجربة) ومضمونة لإثارة الناس ودفعها للرفض الجماعي العلني، ليس بالصعوبة بمحل. والعمل بوسيلة خلق حالة التمرد المدني، قد سبقتنا إليه شعوب أُخرى كثيرة تحررت من ربقة جور حكامها الفاسدون. فلا يحتاج الأمر لوجود عبقرية فذة لإعداد وتطبيق مثل هذا البرنامج. 

ومع ذلك فإنه لن يكن طريقه مغطى بالورود ومفروش بالرياحين؛ بل سيكون مخاضه محفوفاً بالمشقة والجهود المضنية؛ وسوف يحتاج تحقيقه للأخلاص التام، والسعي الدؤوب على مدار الليل والنهار؛ وسوف يتطلب تنفيذه الكثير من التضحيات الجسام؛ وسوف يستمد زاده وغذائه من الصبر والأناة. لكنه فى نهاية المطاف ـ وبإذن الله ـ سوف يكلل بالنجاح المطلوب، لأن نتيجته مكفولة ومضمونة ومجربة. 

ومجمل المعنى، أن قوة صوت الناس المعلن، هو الأداة الوحيدة الفعالة للتحرر من حكم طغيان وإستبداد النظام الأسن فى ليبيا. ولن يتم هذا التحرر، إلاّ بتحرير عقولنا ـ أولاً ـ من دورانها حول ساقية الجمود الذى خلقناه بأنفسنا، وسكنا إليه. 

***** 

فى خاتمة هذه المقالة، أخشى من صدمة خيبة الأمل، على من يسودهم التفاؤل بأن الشعب الليبي سيثور فى هذه الأيام على النظام الفاسد المسيطر على مقاليد الحكم فى بلادهم، بعد استثارته بإنتفاضة شعب تونس الأبي على حاكمه الفاسد، بإعتقاد أنه سوف ينحى لتقليد ـ جاره التونسي ـ كما يقلد القرد قرينه. 

والسبب لا يكمن فى شجاعة شعب ورعونة آخر، أو تميز أحدهما عن الآخر بالثقافة والتعليم والفطنة والحس الوطني. وأنما يرجع بالدرجة الأولى والآخيرة إلى ضعف ذاكرة الوجدان عند الإنسان. ولا أعنى هنا ذاكرة العقل، فثمة فرق بين الاثنين. فذاكرة الوجدان أو ذاكرة سرائر العاطفة الجياشة فى البشر تتأثر بالحالة الراهنة، وتتبخر إعتمالاتها المختلفة ـ كالغضب والحنق والهياج والفرح والحزن وغيره ـ بمجرد إنتهاء أو تلاشي المحفز والمؤثر الخارجي، الذى ولد الحالة المعنية وخلقها فى الأساس. 

وإذا لم يدفع الحافز أو المؤثر الخارجي الفرد أو الجماعة المتأثرة به للقيام برد فعل مماثل أو مغاير مباشرة، فإن المشاعر الوجدانية المكتسبة تتلاشى تدريجياً مع مرور الوقت، فهى ـ فى هذا القياس ـ مشاعر وقتية تزول بزوال المؤثر، ليعود الناس بعدها لحالهم السابق. ولهذا يقال بأن الشعوب ذاكرتها ضعيفة. 

وكان من الممكن أن تحقق إنتفاضة الشعب التونسي تأثيرها على شعوب المنطقة فى ذات الوقت الذى حققت فيه مرادها ـ أي أن يتم ذلك ـ فى غضون الأيام الأولى لنجاحها. وهذا ما رأيناه فى البداية، بخروج بعض الأصوات المنددة بحكوماتها فى مصر والأردن والجزائر؛ لكن القاعدة الشعبية العريضة فى تلك البلاد ظلت ساكنة. وفى ليبيا ـ كما هو معروف ـ ساد السكون الممزوج بالذهول والتعلق بالأمل، فى أن يتحرك أحدهم ويتبعه الآخر ثم الآخر، حتى يخرج البقية من بيوتهم فى إقتداء بهم. ولكن ـ مع الأسف ـ لم يتحرك أحد، فلم يخرج أحد. 

وهكذا، فإنه لم يبق أمام الصفوة المتصدرة لمعارضة النظام الفاسد فى ليبيا وإسقاطه، سوى العمل الجاد الحثيث على خلق حالة الثورة والتمرد فى وجدان أفراد الشعب الليبي، من خلال برنامج عمل مرسوم بدقة وإتقان. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تم إقتباس عنوان هذه المقالة من البيت الآخير فى قصيدة أبي القاسم الشابي "إرادة الحياة"، التى تبدأ بالبيت الذى يقول : إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَاةَ ... فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَدَر. وتنتهي بالبيت الذى يقول : إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ ... فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَرْ.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home